" قالَ لَهُ فيلِبُّس: يا رَبّ، أَرِنا الآبَ وَحَسْبُنا".
عِبارَةُ "حَسْبُنا" (ἀρκεῖ)، الَّتي تَعني "يَكفينا"، فَهِيَ تَعْبيرٌ يُشيرُ إِلى الاِكْتِفاءِ النِّهائِيِّ وَالاِمْتِلاءِ التَّامِّ. إِنَّها لا تُعَبِّرُ فَقَط عَنْ رَغْبَةٍ عابِرَةٍ، بَلْ عَنْ تَوَقٍ عَميقٍ في قَلْبِ الإِنسانِ إِلى بُلُوغِ الغايَةِ القُصْوى: رُؤْيَةِ الله. فَبِالنِّسْبَةِ إِلى فيلِبُّس، إِنَّ مُعايَنَةَ الآبِ تُشَكِّلُ ذِرْوَةَ كُلِّ بَحْثٍ دينيٍّ، وَنِهايَةَ كُلِّ تَساؤُلٍ إيمانيّ. يَنْدَرِجُ هٰذا الطَّلَبُ ضِمْنَ تَقْليدٍ كِتابِيٍّ عَريقٍ، إِذْ يُعيدُنا إِلى تَوَقِ العَهْدِ القَديمِ لِرُؤْيَةِ الله. فَفي سفر الخروج (33: 18)، يَطْلُبُ موسى: "أَرِني مَجْدَكَ"، وَفي سفر المزامير (27: 8) يُعَبِّرُ المُرَتِّلُ: "وَجْهَكَ يا رَبُّ أَطْلُب". غَيْرَ أَنَّ هٰذا التَّوَقَ يَصْطَدِمُ بِحَدٍّ لاهوتِيٍّ واضِحٍ، إِذْ يُؤَكِّدُ الوَحْيُ أَنَّ الإِنسانَ لا يَسْتَطيعُ أَنْ يَرَى اللهَ رُؤْيَةً مُباشِرَةً: "لا يَقْدِرُ الإِنسانُ أَنْ يَراني وَيَحْيا" (خر 33: 20). مِنْ هُنا، يَظْهَرُ طَلَبُ فيلِبُّس كَذِرْوَةِ التَّوَقِ الإِنسانِيِّ لِرُؤْيَةِ الله، لَكِنَّهُ يَبْقَى مَحْكُومًا بِمَنْطِقِ الرُّؤْيَةِ الحِسِّيَّةِ، أَيْ بِالرَّغْبَةِ في مُعايَنَةٍ مَنْظورَةٍ وَمُباشِرَةٍ. وَهٰذا ما يَكْشِفُ مَحْدودِيَّةَ إِدْراكِهِ لِسِرِّ الإِعْلانِ الإِلٰهِيِّ في شَخْصِ يَسوعَ المَسيح. في هٰذا السِّياق، يُعَلِّقُ أوغسطينوس قائِلًا إِنَّ فيلِبُّس "طَلَبَ أَنْ يَرَى ما كانَ يَراهُ بِالفِعْلِ دُونَ أَنْ يُدْرِكَه".