فَقالَ لَهُما: "ما هٰذا الكَلامُ الَّذي يَدورُ بَيْنَكُما وَأَنْتُما سائِرانِ؟»
فَوَقَفا مُكْتَئِبَيْنِ".
أَمَّا عِبَارَةُ "فَوَقَفا مُكْتَئِبَيْنِ" فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيّ σκυθρωποί (عَابِسَيْنِ)، وَتُشِيرُ إِلَى مَظَاهِرِ الحُزْنِ الوَاضِحَةِ عَلَى وُجُوهِهِمَا، وَإِلَى حَالَةٍ دَاخِلِيَّةٍ مِنَ الكَآبَةِ وَالاِنْكِسَارِ. فَهُمَا لَا يَسِيرَانِ فَقَطْ جَسَدِيًّا نَحْوَ عِمَّاوُسَ، بَلْ يَتَوَقَّفَانِ رُوحِيًّا أَمَامَ أَلَمِهِمَا، كَأَنَّ الحُزْنَ قَدْ أَعَاقَ مَسِيرَتَهُمَ. إِنَّ هٰذِهِ الكَآبَةَ نَاتِجَةٌ عَنْ تَرَاكُمِ الأَحْدَاثِ المُؤْلِمَةِ: مَأْسَاةُ مُعَلِّمِهِمَا الَّذِي أَحَبَّاهُ مَوْتُهُ عَلَى الصَّلِيبِ، القَبْرُ الَّذِي ظَنَّا أَنَّهُ أَغْلَقَ قِصَّتَهُ، وَاسْتِهْزَاءُ أَعْدَائِهِ بِهِ. وَهٰكَذَا فَقَدَا مَغْزَى أَعْظَمِ حَدَثٍ فِي التَّارِيخِ الخَلاَصِيِّ، لأَنَّهُمَا رَكَّزَا عَلَى الإِخْفَاقِ وَالأَلَمِ، لا عَلَى تَدْبِيرِ اللهِ الخَلاَصِيِّ.
وَيُشِيرُ القديس كيرلس الإسكندري إِلَى أَنَّ "وُقُوفَهُمَا كَانَ عَلاَمَةً عَلَى ثِقَلِ الحُزْنِ الَّذِي شَلَّ قُلُوبَهُمَا"، فَالإِنْسَانُ عِنْدَمَا يَغْرَقُ فِي الأَلَمِ، يَفْقِدُ قُدْرَتَهُ عَلَى السَّيْرِ فِي طَرِيقِ الرَّجَاءِ (pg 72).
وَيُعَلِّقُ القديس أبوللو بِبُعْدٍ رُوحِيٍّ عَمِيقٍ قَائِلًا: "لِمَاذَا نُجَاهِدُ وَوُجُوهُنَا كَئِيبَةٌ عَابِسَةٌ؟ أَلَسْنَا وَرَثَةَ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ؟ اِتْرُكُوا الكَآبَةَ لِلْخُطَأَةِ، أَمَّا الأَبْرَارُ وَالقِدِّيسُونَ فَحَرِيٌّ بِهِمْ أَنْ يَفْرَحُوا، لأَنَّهُمْ يَحْيَوْنَ فِي الرَّجَاءِ الرُّوحِيِّ". وَهٰكَذَا، يَكْشِفُ هٰذَا المَشْهَدُ أَنَّ الاِنْفِصَالَ عَنْ جَمَاعَةِ المُؤْمِنِينَ فِي أُورَشَلِيمَ قَادَ التِّلْمِيذَيْنِ إِلَى الحُزْنِ وَالضَّيَاعِ، فَحَيْثُ يَغِيبُ الإِيمَانُ بِالقِيَامَةِ، يَسُودُ الاِنْكِسَارُ وَاليَأْسُ. لٰكِنَّ يَسوعَ لا يَتْرُكُهُمَا فِي هٰذِهِ الحَالَةِ، بَلْ يَبْدَأُ مِنْ حُزْنِهِمَا نَفْسِهِ، لِيَقُودَهُمَا تَدْرِيجِيًّا نَحْوَ الفَرَحِ وَالرَّجَاءِ.