«فَقَالَتْ: لا أَحَدَ يَا سَيِّدُ. فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ: ولا أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي ولا تُخْطِئِي أَيْضاً».
فَقَالَتْ لا أَحَدَ لم تجبه بغير هذا على سؤاله، وليس فيه شيء من طلب رحمة ولا تقديم عذر. ولم تُظهر شيئاً مما كان في ضميرها. ولكن المسيح عرف أفكارها وعاملها بمقتضى حكمته وشفقته على الخطاة. وإذ لم يبق مشتكٍ ولا شهود ولا إثبات، لم يكن هناك ما يدعو للحكم عليها، فسقطت الدعوى من تلقاء نفسها.
ولا أَنَا أَدِينُكِ عرض المسيح على المشتكين أن يرموها بالحجارة إن كانوا أبرياء فيدينونها بذلك فعلاً فلم يريدوا، وهو لم يرد أن يدينها بالموت. فمعنى قوله للمرأة كمعنى سكوته قبلاً عن جواب الفريسيين، وكقوله لبيلاطس «ملكوتي ليس من هذا العالم» (لوقا ١٢: ١٥). أي أنه لم يرد أن يمارس وظيفة القاضي والملك في الأمور الأرضية.
ولم يبررها المسيح بما ذُكر، بدليل قوله «لا تخطئي أبداً». ولم يقل إنها لا تستحق العقاب على إثمها، إنما أبان أنه لا يريد أن يحكم بما تستحقه من قصاص.
وكلامه لهذه الخاطئة ليس ككلامه لواحدة مثلها أظهرت علامات التوبة، فقال لها «مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ.. اِذْهَبِي بِسلامٍ» (لوقا ٧: ٤٨، ٥٠). وأما هذه فلم يقل لها ذلك لأنها لم تظهر علامة التوبة. ولكن في كلامه إشارة إلى أنها تقدر أن تنال المغفرة إذا تابت، لأنه لم يقل لها «لا تزني بعد لكيلا يدينك إنسان» بل قال «لا تخطئي لتنالي الرحمة من الله». ولعل كلمات المسيح أثرت فيها أكثر من كل شكاوى الفريسيين وتهديداتهم.
ولم يرد لهذه المرأة ذكر بعد ذلك، ولا نعلم أسمعت من المسيح واستفادت أم لا؟ فقد غابت عن أبصارنا كما غاب الفريسيون عنها منذ «خرجوا واحداً فواحداً». ورجاء الخلاص لتلك الخاطئة طوعاً لأمر المسيح ليس بأقوى من رجاء الخلاص لأولئك المرائين.
أظهر يسوع حكمة عظيمة بأنه لم يقع في الحفرة التي أخفاها له أعداؤه مكراً وبغضاً، وبإكرامه شريعة موسى، وبأنه لم يدن المرأة بموجبها، وبإفحام خصومه وإيقاظ ضمائرهم وإجبارهم على أن يغادروا المكان في خجل، وتوبيخه على الخطايا الخفية والظاهرة المضادة للعفاف، وإعلان كراهيته للإثم الذي ارتكبته المرأة، وأمره بحياة التقوى. ونتعلم من هذا أنه يجب علينا أن ندين أنفسنا أكثر مما ندين غيرنا. وأن نجتهد في حفظ أنفسنا من الخطية أكثر مما نجتهد لنرفع حجراً نرجم به غيرنا.