" ضَرَبَ يسوع المسيح لَهُمْ هذا المَثَل، فَلَمْ يَفْهَمُوا مَعْنَى مَا كَلَّمَهُمْ بِهِ".
"فَلَمْ يَفْهَمُوا" (οὐκ ἔγνωσαν)، وَهٰذَا الجَهْلُ لَيْسَ نَقْصًا فِي القُدْرَةِ الذِّهْنِيَّةِ، بَلْ هُوَ عَدَمُ إِدْرَاكٍ رُوحِيٍّ. فَالمَعْنَى الحَقِيقِيُّ لِكَلَامِ يسوع المسيح لا يُفْهَمُ إِلَّا فِي ضَوْءِ سِرِّهِ الفِصْحِيِّ: الصَّلِيبِ وَالقِيَامَةِ وَعَطِيَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ (يوحنا 2: 22).
وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قَائِلًا: "لَمْ يَفْهَمُوا لأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا بَعْدُ قَادِرِينَ عَلَى فَهْمِ الأَسْرَارِ، فَالكَلِمَةُ كَانَتْ أَمَامَهُمْ، لٰكِنَّ قُلُوبَهُمْ لَمْ تَكُنْ مُنْفَتِحَةً" (pl 35).
كَمَا يُؤَكِّدُ القديس كيرلس الإسكندري أَنَّ "المَسِيحَ تَكَلَّمَ بِصُوَرٍ(أمثال)، لِأَنَّ الحَقَّ يَحْتَاجُ إِلَى تَهْيِئَةِ القَلْبِ لِكَيْ يُدْرَكَ" (pg 73). إِذًا، فَإِنَّ عَدَمَ الفَهْمِ لا يَنْبَعُ فَقَطْ مِنْ صُعُوبَةِ الصُّورَةِ (المثل)، بَلْ أَحْيَانًا مِنْ رَفْضٍ دَاخِلِيٍّ لِقَبُولِ الحَقِّ. فَالصُّورَةُ وَاضِحَةٌ، لٰكِنَّ الإِنْسَانَ لا يُرِيدُ أَنْ يَتَعَمَّقَ فِيهَا. وَبِهٰذَا، يَكْشِفُ هٰذَا النَّصُّ عَنْ قَانُونٍ رُوحِيٍّ أَسَاسِيٍّ: كَلِمَةُ اللهِ تُعْلَنُ لِلْجَمِيعِ، لٰكِنَّهَا لا تُفْهَمُ إِلَّا لِمَنْ يَنْفَتِحُ قَلْبُهُ بِنِعْمَةِ الرُّوحِ وَيَقْبَلُ سِرَّ المَسِيحِ فِي ضَوْءِ الصَّلِيبِ وَالقِيَامَةِ.