الشَّكّ وَالنَّظْرَةُ السَّطحيّة (شك مريم)
تُمثِّلُ مريم المجدلية البِدايةَ الإِنسانيّةَ الطَّبيعيّةَ فِي مَسِيرَةِ الإِيمان. فَهِيَ أَوَّلُ مَن رَأَتِ الحَجَرَ مَرفوعًا عَنِ القَبْرِ (يُوحَنَّا 20: 1)، لٰكِنَّ رُؤيَتَها بَقِيَتْ فِي مُستَوَى الحِسّ، دُونَ فَهْمِ المَعْنَى. لِذٰلِكَ قالَتْ: "أَخَذوا الرَّبَّ مِنَ القَبْرِ، ولا نَعلَمُ أَينَ وَضَعوه" (يُوحَنَّا 20: 2). فَهِيَ رَأَتْ، لٰكِنَّهَا لَمْ تُدْرِكْ. وَهٰذَا يَكْشِفُ أَنَّ الرُّؤْيَةَ الحِسِّيَّةَ وَحدَها لا تَكفي لِلوُصولِ إِلَى الإِيمان. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم: "لَمْ تَكُنْ تُفَكِّرُ بَعْدُ فِي القِيامةِ، بَلْ ظَنَّتْ أَنَّ الجَسَدَ قَدْ أُخِذ، وَمَعَ ذٰلِكَ لَمْ يُحْرَمْ إِيمَانُها مِنَ المَدْحِ، لِأَنَّ مَحَبَّتَها سَبَقَتْ فَهْمَها" (John Chrysostom, Homiliae in Ioannem, PG 59). إِنَّ خِبْرَةَ مَريمَ المِجدليّةِ هِيَ خِبْرَةُ "الفَراغ": قَبْرٌ فارِغٌ وغِيابٌ مُفاجِئ وصَمْتٌ غامِض. لٰكِنَّ هٰذَا الفَراغَ لَيْسَ نِهايَةً، بَلْ بِدايةُ عَمَلِ الله. فَالقَبْرُ الفارِغُ لا يُعلِنُ الغِيابَ، بَلْ يُشيرُ إِلَى حُضورٍ جَديدٍ. وَيُعَبِّرُ بيير باتيستا بيتسابالا عَنْ هٰذَا البُعْدِ قائلًا: "الفَراغُ الَّذي نَعيشُهُ لَيْسَ مُجرَّدَ غِيابٍ، بَلْ دَعْوَةٌ إِلَى رُؤْيَةٍ جَديدَةٍ لِلْحَياةِ وَالعَلاقَةِ مَعَ الله".
تُظهِرُ هٰذِهِ المَرحلةُ حَقيقَةً أَساسيّة: الإِيمانُ لا يَبدأُ بِاليَقين، بَلْ بِالسُّؤال. لا يَبدأُ بِالفَهْم، بَلْ بِالحِيرَة. لا يَبدأُ بِالنُّور، بَلْ بِالظُّلمَة. وَكَمَا يَقولُ غريغوريوس الكبير: "كَثيرًا ما يَقودُنا الشَّكُّ الصّادِقُ إِلَى الحَقيقَةِ أَكثَرَ مِنْ يَقينٍ سَطحيّ" (Hom. in Evang. PL 76, 1197). مَريمُ رَأَتِ القَبْرَ الفارِغَ وَلَمْ تُؤمِن بَعدُ، لأَنَّ الرُّؤيَةَ دونَ مَعنى تُوَلِّدُ الحِيرَة، لٰكِنَّ الحِيرَةَ تَفتَحُ البَابَ أَمامَ الإِيمان. فَالقَبْرُ الفارِغُ يَسأَلُنا: هَلْ نَرَى الفَراغَ كَنِهايَة؟ أَمْ كَبِدايةِ حَياةٍ جَديدة؟ الإِيمانُ لا يُولَدُ مِنَ الرُّؤيَةِ وَحدَها، بَلْ مِنَ القُدرةِ عَلَى قِراءةِ العَلاماتِ فِي ضَوْءِ عَمَلِ الله.