سَمِعتُم أَيضاً أَنَّه قِيلَ لِلأَوَّلين: لا تَحْنَثْ، بل أَوفِ لِلرَّبِّ بِأَيْمانِكَ
"أَيْمَانِكَ" فِي ٱلْأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ ὅρκους σου إِلَى ٱلنُّذُورِ وَٱلتَّعَهُّدَاتِ ٱلَّتِي يَقْطَعُهَا ٱلْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ، وَغَالِبًا مَا تَكُونُ مُرْتَبِطَةً بِتَحَقُّقِ أَمْرٍ مَا هُوَ فِي ٱلْأَصْلِ بِيَدِ ٱللَّهِ. لِذٰلِكَ فَٱلنَّذْرُ، فِي جَوْهَرِهِ، تَعَهُّدٌ يُقْطَعُ أَمَامَ ٱللَّهِ، وَيَتَطَلَّبُ أَمَانَةً كَامِلَةً فِي ٱلْوَفَاءِ، دُونَ غِشٍّ أَوْ تَلَاعُبٍ.
وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قَائِلًا: "لَا يُطَالِبُ ٱللَّهُ ٱلْإِنْسَانَ أَنْ يَحْلِفَ، بَلْ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا؛ فَإِذَا صَارَ ٱلصِّدْقُ عَادَةً، ٱنْتَفَتْ ٱلْحَاجَةُ إِلَى ٱلْقَسَمِ (pl 34)،
وَيُؤَكِّدُ القديس يوحنا الذهبيّ الفم أَنَّ كَثْرَةَ ٱلْقَسَمِ تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ ٱلْحَقِّ فِي ٱلْقَلْبِ، وَأَنَّ ٱلْإِنْسَانَ ٱلصَّادِقَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَاهِدٍ غَيْرِ كَلِمَتِهِ (pg 5). وَيَشْهَدُ ٱلْكِتَابُ ٱلْمُقَدَّسُ عَلَى أَمْثِلَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ لِلنُّذُورِ، مِنْهَا نَذْرُ يَعْقُوبَ عِنْدَ هُرُوبِهِ إِلَى فَدَّانِ أَرَامَ (تكوين 28: 20–22)، وَنَذْرُ بُولُسَ ٱلرَّسُولِ ٱلَّذِي قَصَّ فِيهِ شَعْرَ رَأْسِهِ (أعمال ٱلرُّسُل 18: 18)، وَهِيَ كُلُّهَا تُؤَكِّدُ أَنَّ ٱلنَّذْرَ لَيْسَ لَعِبًا لُغَوِيًّا، بَلْ ٱلْتِزَامٌ جِدِّيٌّ أَمَامَ ٱللَّهِ.
وَمِنْ هُنَا، يَأْتِي تَعْلِيمُ يَسُوعَ فِي عِظَةِ ٱلْجَبَلِ لِيَرْفَعَ ٱلْمُؤْمِنَ إِلَى مُسْتَوَى أَعْمَقَ: لَا صِدْقٌ مُؤَقَّتٌ مَشْرُوطٌ بِٱلْقَسَمِ، بَلْ صِدْقٌ دَائِمٌ يَنْبَعُ مِنْ قَلْبٍ مُسْتَقِيمٍ، حَيْثُ تَكُونُ ٱلْكَلِمَةُ فِي ذَاتِهَا مَوْثُوقَةً، وَٱلْإِنْسَانُ أَمِينًا دُونَ حَاجَةٍ إِلَى حَلِفٍ أَوْ نَذْرٍ.