((أَنتُم مِلحُ الأَرض، فإِذا فَسَدَ المِلْح، فأيُّ شَيءٍ يُمَلِّحُه؟ إِنَّه لا يَصلُحُ بَعدَ ذلك إِلاَّ لأَنْ يُطرَحَ في خارِجِ الدَّار فَيَدوسَه النَّاس. 14 ((أَنتُم نورُ العالَم. لا تَخْفى مَدينَةٌ قائِمَةٌ عَلى جَبَل، 15ولا يُوقَدُ سِراجٌ وَيُوضَعُ تَحْتَ المِكيال، بل عَلى المَنارَة، فَيُضِيءُ لِجَميعِ الَّذينَ في البَيْت. 16هكذا فَلْيُضِئْ نُورُكُم لِلنَّاس، لِيَرَوْا أَعمالَكُمُ الصَّالحة، فيُمَجِّدوا أَباكُمُ الَّذي في السَّمَوات.
يُعَرِّفُ يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ تَلامِيذَهُ بِأَنَّهُمْ «مِلْحُ ٱلأَرْضِ وَنُورُ ٱلْعَالَمِ» (مَتَّى 5: 13–16)، مُعْلِنًا بِذَلِكَ إِشْرَاكَهُمْ فِي رِسَالَتِهِ ٱلْخَلَاصِيَّةِ، وَدَعْوَتَهُمْ إِلَى نَشْرِ نُورِ ٱلْإِنْجِيلِ وَٱلْعِنَايَةِ ٱلْإِلَهِيَّةِ فِي حَيَاةِ ٱلْبَشَرِ. وَلَيْسَ هُنَاكَ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا ٱلتَّعْرِيفِ تَوْصِيفًا لِهُوِيَّةِ ٱلْمَسِيحِيِّينَ وَرِسَالَتِهِمْ وَدَوْرِهِمْ فِي ٱلْعَالَمِ.
فَٱلْكَنِيسَةُ ٱلْكَاثُولِيكِيَّةُ تُؤَكِّدُ أَنَّ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ هُمْ "نَوَاةُ وَحْدَةٍ وَرَجَاءٍ وَخَلَاصٍ بَالِغِ ٱلْفَعَّالِيَّةِ لِلْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا" (ٱلتَّعْلِيمُ ٱلْمَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ ٱلْكَاثُولِيكِيَّةِ، رَقْم 782). وَفِي ٱلسِّيَاقِ عَيْنِهِ، يُشَدِّدُ ٱلْبَابَا فَرَنْسِيسُ قَائِلًا: "إِنَّ عَالَمَ ٱلْيَوْمِ يَحْتَاجُ إِلَى أَشْخَاصٍ يَكُونُونَ حَقًّا مِلْحَ ٱلْأَرْضِ وَنُورَ ٱلْعَالَمِ" (عِظَة 16/5/2018).
وَيُفَسِّرُ ٱلْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ هَذِهِ ٱلدَّعْوَةَ ٱلْإِنْجِيلِيَّةَ قَائِلًا: "لَيْسَ ٱلْمَسِيحِيُّ نُورًا مِنْ ذَاتِهِ، بَلْ يَسْتَنِيرُ بِنُورِ ٱلْمَسِيحِ؛ فَإِنْ حُجِبَ ٱلْمَصْدَرُ عَادَ إِلَى ظُلْمَتِهِ" (pl 34, 1230)، فَٱلْمُؤْمِنُ، فِي رُؤْيَةِ ٱلْآبَاءِ، لَا يَمْتَلِكُ ٱلنُّورَ بَلْ يَحْمِلُهُ وَيَشْهَدُ لَهُ فِي ٱلْعَالَمِ. أَمَّا ٱلْقِدِّيسُ يُوحَنَّا ٱلذَّهَبِيُّ ٱلْفَمِ، فَيَرَى أَنَّ تَشْبِيهَ ٱلْمَسِيحِيِّ بِٱلْمِلْحِ يَدُلُّ عَلَى دَعْوَتِهِ إِلَى حِفْظِ ٱلْعَالَمِ مِنَ ٱلْفَسَادِ، إِذْ يَقُولُ: كَمَا أَنَّ ٱلْمِلْحَ يَمْنَعُ ٱلتَّعَفُّنَ، كَذَلِكَ حَيَاةُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلصَّالِحَةُ تَحْمِي ٱلْعَالَمَ مِنَ ٱلْإِنْحِلَالِ وَٱلْمَوْتِ ٱلرُّوحِيِّ" (pg 57, 229–231.). وَيُكْمِلُ ٱلْقِدِّيسُ كِيرِلُّسُ ٱلْإِسْكَنْدَرِيُّ ٱلْبُعْدَ ٱلرُّوحِيَّ لِهَذِهِ ٱلدَّعْوَةِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ نُورَ ٱلْمَسِيحِ ٱلْمُودَعَ فِي ٱلْمُؤْمِنِينَ لَا يُعْطَى لِلْإِخْتِبَاءِ بَلْ لِلشَّهَادَةِ، إِذْ يَقُولُ: "مَنْ قَبِلَ ٱلنُّورَ بِٱلْإِيمَانِ، صَارَ مَدْعُوًّا أَنْ يُشْرِقَ بِهِ عَلَى ٱلْآخَرِينَ، لِئَلَّا يَبْقَى ٱلنُّورُ عَقِيمًا فِي دَاخِلِهِ" (pg 72, 216–217.).
مِنْ هُنَا تَتَجَلَّى دَعْوَةُ ٱلْمَسِيحِيِّينَ إِلَى أَنْ يَكُونُوا مِلْحَ ٱلْأَرْضِ وَنُورَ ٱلْعَالَمِ لَيْسَتْ تَعْبِيرًا بَلَاغِيًّا أَوْ مَفْهُومًا رُوحِيًّا مُجَرَّدًا، بَلْ مَسْؤُولِيَّةٌ إِنْجِيلِيَّةٌ حَيَّةٌ، تَتَطَلَّبُ قِرَاءَةَ ٱلنَّصِّ ٱلْكِتَابِيِّ فِي عُمْقِهِ ٱللَّاهُوتِيِّ وَٱلرُّوحِيِّ، وَتَحْوِيلَهُ إِلَى شَهَادَةٍ وَمُمَارَسَةٍ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلشَّخْصِيَّةِ وَٱلْكَنَسِيَّةِ وَٱلْإِجْتِمَاعِيَّةِ، فِي عَالَمٍ يَتَخَبَّطُ فِي ٱلظُّلْمَةِ وَيَتَعَطَّشُ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلرَّجَاءِ.