من النادر أن يعيش الناس بلا غربة
مكان آخر يشعر فيه الإنسان بغربة شديدة عندما يدخل إلى المستشفى طلبًا للعلاج من أتعاب صغيرة أم كبيرة، وقد تمتد إقامته بحسب حالته إلى أيام قليلة أو أسبوع أو أسابيع. هناك يشعر بغربة ومعها الألم.. يسلم نفسه في أيدي أطباء لا يعرفهم وطاقم من التمريض يتوزعون بحسب جدول التشغيل وفنيين صحيين.. والجميع لا يعرفونك ولا تعرفهم ولكن اهتمامهم الوحيد هو شفاءك وزوال الألم والمرض. هدفهم صحتك… يدرسون ويلاحظون ويخدمون بروح إنسانية عالية في وقت غربتك يقدمون من صحتهم ووقتهم من أجل أن تستعيد عافيتك وتعود سالمًا.. وما أجمل عطاياك يارب…
وفي غربة المستشفى يشعر الإنسان بضعفه مهما تعاظم وفي نفس الوقت يشعر بعظمة الخالق في خلقة الإنسان بهذا التكون البديع، وكيف تعمل أجهزة الجسم بكل قدرة ودقة والتزام.. كيف تكونت علوم الطب العديدة، وكيف يدرسونها من جيل إلى جيل، وكيف تتراكم الخبرات، وكيف اخترعوا الأجهزة التشخيصية العديدة من أشعات وتحاليل وفحوصات وممارسات طبية لا تنتهي ربما من أصغر شيء مثلاً “بلاستر” الجروح إلى أكبر الإمكانيات الطبية والعلمية. إنها بالحقيقة نعم من عند الله من خلال “العقل” الذي وهبه الله للإنسان ليقود حياته واحتياجاته.معنى ذلك أن للغربة دورًا في حياة الإنسان وتشكيل وجوده وهي في العموم مفيدة له إذ تجعله دائمًا يلجأ إلى الله الذي يحفظ الغرباء كقول صاحب المزامير (مز 146: 9). ويقولون في الأمثال المصرية: “الغريب أعمى وإن كان بصيرًا”. فالغربة تبني بعدًا قويًا في حياة الإنسان يمكن أن يستفيد منه جيدًا سواء لنفسه أو لغيره. وفي وصايا المسيح الأخيرة يقولون له: “يَارَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا أَوْ عَطْشَانًا أَوْ غَرِيبًا أَوْ عُرْيَانًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا وَلَمْ نَخْدِمْكَ؟” (متى 25: 44) وهذا وضع على الكنيسة منذ نشأتها أن تقوم بخدمة كل هذه النوعيات والقطاعات بكل الوسائل المتاحة فتبني دور لإضافة الغرباء مثل بيوت المغتربين والمغتربات، وتبني دور الخدمة والضيافة للغرباء كما الأماكن العلاجية كالمستشفيات والعيادات وغيرها… وفي هذا كله تتعامل مع الغريب كأنه شخص المسيح ذاته. إنها خدمة حب بعيدة تمامًا عن أي عمل ربحي أو نشاط تجاري.. إنها خدمة حبًا في شخص المسيح وتنفيذًا لوصيته وتقديرًا للإنسان في كل الأحوال.