«وَكَانَ مُتَّكِئاً فِي حِضْنِ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنْ تلامِيذِهِ، كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ».
أمر موسى بني إسرائيل أن يأكلوا الفصح بعجلة وأحقاؤهم مشدودة وأحذيتهم في أرجلهم وعصيهم في أيديهم (خروج ١٢: ١١). وعدل رؤساء اليهود عن ذلك لرأيهم أن ذلك كان موافقاً لحال بني إسرائيل وهم يرحلون في البرية، وأنهم بعد ما استراحوا في أرض الميعاد لم تبقَ حاجة لهذا. وقد أخذوا الاتكاء عند الأكل عن البابليين وقت كانوا مسبيين في بابل، وكان ذلك من عادات اليونانيين والرومان. وسبق الكلام على كيفية ذلك الاتكاء في شرح متّى ٢٣: ٦ و٢٦: ٢٠. وفيه يكون الواحد متكئاً أمام الآخر مستنداً على يده اليسرى، وهو يأكل باليمنى، ورجلاه ممدودتان إلى الوراء. ويُستدل من القرينة أن يوحنا كان على يمين يسوع أمامه، أي تجاه حضنه. ولعل يهوذا كان على يساره، بدليل أنه كلمه سراً وهو على المائدة، وأنه ناوله اللقمة فتناولها.
كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ لا ريب أن هذا المحبوب هو يوحنا الإنجيلي ولم يذكر اسمه تواضعاً، ولكنه أشار إلى نفسه بهذه العبارة خمس مرات في بشارته (يوحنا ١٣: ٢٣ و١٩: ٢٦ و٢٠: ٢ و٢١: ٧، ٢٠ - ٢٣). ولم يدّع بذلك الفضل على سائر التلاميذ بل أشار إلى تنازل يسوع إلى محبته وهو يشعر بعدم استحقاقه لتلك المحبة. ومما يثبت محبة المسيح الخاصة لهذا التلميذ أنه كان أحد الثلاثة الذين أدخلهم معه إلى مخدع ابنة يايرس يوم إقامتها من الموت، والذين شاهدوا تجليه على الجبل، والذين انفرد بهم في بستان جثسيماني، وأنه اتكأ على حضن المسيح في العشاء الأخير، وأن المسيح وكل إليه أمّه وهو على الصليب (متّى ١٧: ١ و٢٦: ٣٧ ويوحنا ١٣: ٢٣ و١٩: ٢٦، ٢٧). ولعل سبب ذلك أنه كان يشبه المسيح في الصفات أكثر من سواه من التلاميذ. وأعظم إكرام يمكن الإنسان نواله أن يحبه المسيح. واشتهر إبراهيم بمثل ذلك بأن سُمي «خليل الله» (٢أيام ٢٠: ٨ وإشعياء ٤١: ٨).