إن كان الابن يعلم اليوم والساعة فلماذا لم يبح بهما لأخصائه؟
أ- السيد المسيح يعرف اليوم والساعة، ولكنه لم يرد أن يعلنهما وذلك نظرًا للضرر الذي سيترتب على معرفة هذا اليوم، فلو علم الإنسان أن ذلك اليوم مازال بعيدًا بعيدًا فإن هذا سيقوده للتهاون والإهمال وطرح السهر والاستعداد، وإن علم أحد أن هذا اليوم سيكون قريبًا فإنه سينزعج وتضطرب حياته، فمن يتأكد أن نهاية العالم مثلًا ستكون بعد عدة أشهر ويستطيع أن يعمل ويجد ويكافح ويشقى في هذه الأرض..؟! لا بُد أن الحركة ستقف ويصاب الإنسان بأذى شديد، ومن أجل هذا الهدف يخفي الله أيضًا عن كل نفس ميعاد انتقالها من هذا العالم... لقد أغلق السيد المسيح باب هذه المعرفة أمام الجميع فقال "ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه" (أع 1: 7) وأوصى الجميع بالسهر " أسهروا إذًا لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم" (مت 24: 43).. " فاسهروا إذًا لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة التي يأتي فيها ابن الإنسان" (مت 25: 13).
ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم "بقوله (ولا الملائكة) يسد شفاههم عن طلب معرفة ما لا تعرفه الملائكة، وبقوله (ولا الابن) يمنعهم ليس فقط من معرفته وإنما حتى عن السؤال عنه" (122). ويقول القديس أوغسطينوس "حقًا إن الآب لا يعرف شيئًا لا يعرفه الابن. لأن الابن هو معرفة الآب نفسه وحكمته فهو ابنه وكلمته وحكمته. لكن ليس من صالحنا أن يخبرنا بما ليس في صالحنا أن نعرفه... أنه كمعلم يعلمنا بعض الأمور ويترك الأخرى لا يعرفنا بها. أنه يعرف أن يخبرنا بما هو لصالحنا ولا يخبرنا بالأمور التي تضرنا معرفتها" (123).
ب- لقد أخفى السيد المسيح لاهوته عن الشيطان، وعندما قال في اتضاع أن الابن لا يعرف شك الشيطان المتكبر في شخص ابن الله، وقال كيف يكون ابن الله ولا يعلم؟! فاعتقد الشيطان أن السيد المسيح لا يمكن أن يكون ابن الله، ونصب له شباك الموت، فسقط في الدينونة لأنه حاول اقتناص نفس بريئة وحاول سفك دماءًا ذكية، فكانت هذه بمثابة الضربة القاضية التي وجهها السيد المسيح لعدو الخير كما سنرى ذلك بالتفصيل عند دراستنا لموضوع الصليب.