«مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضاً وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ».
مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي هذا مكرر معنى المسيح في (يوحنا ١٧: ٢٢ و٢٤) وقول بولس في (٢تيموثاوس ٢: ١٢) وهو من أعظم مواعيد المسيح. إن المسيح عظّم وعده للرسل بقوله «مَتَى جَلَسَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً عَلَى ٱثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيّاً تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ ٱلاثْنَيْ عَشَرَ» (متّى ١٩: ٢٨). ولكن الوعد هنا لكل مؤمن وهو أعظم من الوعد للإثني عشر المختارين وتتبين وفرة عظمته عندما نتأمل في من وعدهم. فإنه أعطى مكاناً في عرشه لمن أنذرهم قبلاً بأن يتقيأهم بكره من فمه. فمن نعمة الله الفائقة الوصف أنها تأخذ شرارة الإيمان الصغيرة وتجعلها لهباً عظيماً. فليس هذا الوعد بالجلوس عن يمين العرش ويساره كما يكرم ملوك الأرض من يحبون بل هو الجلوس مع المسيح على عرشه نفسه فيكون المسيح في الوسط كما يحق له ويكون الغالبون محيطين به على عرشه عينه.
كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضاً وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ شارك المسيح عبيده الأمناء في كل حقوقه. وكلامه هنا يذكرنا قوله «ثِقُوا أَنَا قَدْ غَلَبْتُ ٱلْعَالَمَ» (يوحنا ١٦: ٣٣). ويبين التعلّق بين انتصاره وجلوسه على العرش مع أبيه من قول بولس «وَإِذْ وُجِدَ فِي ٱلْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى ٱلْمَوْتَ مَوْتَ ٱلصَّلِيبِ. لِذٰلِكَ رَفَّعَهُ ٱللهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ ٱسْماً فَوْقَ كُلِّ ٱسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِٱسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي ٱلسَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى ٱلأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ ٱلأَرْضِ» (فيلبي ٢: ٨ - ١٠). وذكر هنا عرشين عرشه وعرش أبيه. فعرشه هو الذي يتمجد عليه القديسون معه. وعرش أبيه هو عرش السلطان الإلهي والجلال الأسمى لا يحق لأحد أن يجلس عليه إلا الله وابنه الذي هو الله في الجسد. فجلوس المسيح على عرش الله أو على يمينه يدل على أن له رئاسة كرئاسة الآب الذي لا يستطيع أن يدنو مخلوق منه.