![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
رقم المشاركة : ( 1 )
|
|||||||||||
|
|||||||||||
|
قِصَّةٌ وَعِبْرَة يُرْوَى أَنَّ شَابًّا كَانَ يَعِيشُ أَزْمَةَ إِيمَانٍ عَمِيقَةً. كَانَ قَدْ خَدَمَ فِي الكَنِيسَةِ لِسِنِينَ، لٰكِنَّهُ بَعْدَ سِلْسِلَةٍ مِنَ الصُّعُوبَاتِ الشَّخْصِيَّةِ وَخَيْبَاتِ الأَمَلِ، بَدَأَ يَشْعُرُ بِأَنَّ اللهَ بَعِيدٌ، وَأَنَّ الصَّلاَةَ لَمْ تَعُدْ تَعْنِي لَهُ شَيْئًا. فَقَرَّرَ أَنْ يَبْتَعِدَ قَلِيلًا، فَسَافَرَ إِلَى قَرْيَةٍ هَادِئَةٍ لِيُعِيدَ تَرْتِيبَ أَفْكَارِهِ. وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ، خَرَجَ يَتَمَشَّى وَحْدَهُ فِي طَرِيقٍ رِيفِيٍّ طَوِيلٍ. كَانَ يَمْشِي وَهُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ، يُرَاجِعُ كُلَّ مَا حَدَثَ فِي حَيَاتِهِ، وَيَطْرَحُ أَسْئِلَةً بِلاَ إِجَابَاتٍ: لِمَاذَا يَسْمَحُ اللهُ بِالأَلَمِ؟ أَيْنَ هُوَ فِي لَحَظَاتِ الاِنْكِسَارِ؟ هَلِ الإِيمَانُ مُجَرَّدُ فِكْرَةٍ جَمِيلَةٍ لا تَصْمُدُ أَمَامَ الوَاقِعِ؟ وَبَيْنَمَا هُوَ غَارِقٌ فِي أَفْكَارِهِ، اِقْتَرَبَ مِنْهُ رَجُلٌ بَسِيطُ المَظْهَرِ، وَسَارَ مَعَهُ. لَمْ يَسْأَلْهُ الشَّابُّ مَنْ يَكُونُ، بَلْ بَدَأَ يُحَدِّثُهُ بِشَكْلٍ عَفَوِيٍّ. تَحَدَّثَ عَنْ خَيْبَاتِهِ، عَنْ فَقْدَانِ رَجَائِهِ، عَنْ شُكُوكِهِ. وَكَانَ الرَّجُلُ يُصْغِي بِصَبْرٍ، ثُمَّ بَدَأَ يُفَسِّرُ لَهُ حَيَاتَهُ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، رَابِطًا بَيْنَ مَا يَعِيشُهُ وَبَيْنَ مَعْنًى أَعْمَقَ لِلأَلَمِ وَالرَّجَاءِ، وَكَأَنَّهُ يَفْتَحُ أَمَامَهُ كِتَابًا جَدِيدًا. شَعَرَ الشَّابُّ بِأَنَّ قَلْبَهُ بَدَأَ يَهْدَأُ، وَأَنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِهِ يَشْتَعِلُ مِنْ جَدِيدٍ، لٰكِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ لِمَاذَا. وَعِنْدَمَا أَوْشَكَ عَلَى الوُصُولِ، قَالَ لِلرَّجُلِ: "اُمْكُثْ مَعِي، فَإِنَّ اللَّيْلَ يَقْتَرِبُ". فَدَخَلَ الرَّجُلُ مَعَهُ. جَلَسَا إِلَى المَائِدَةِ، وَأَخَذَ الرَّجُلُ خُبْزًا، وَشَكَرَ، وَكَسَرَهُ، وَقَدَّمَهُ لَهُ. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، اِنْفَتَحَتْ عَيْنَا الشَّابِّ، وَكَأَنَّ نُورًا دَاخِلِيًّا أَضَاءَ قَلْبَهُ، وَأَدْرَكَ فَجْأَةً: لَمْ يَكُنْ هٰذَا الرَّجُلُ غَرِيبًا… لَقَدْ كَانَ الرَّبُّ نَفْسُهُ يُرَافِقُهُ طُولَ الطَّرِيقِ! وَلٰكِنْ فِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا، غَابَ عَنْهُ. بَقِيَ الشَّابُّ وَحْدَهُ، لٰكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ كَمَا كَانَ. قَامَ فَوْرًا، وَعَادَ إِلَى مَدِينَتِهِ، لا لِيَبْحَثَ عَنْ أَجْوِبَةٍ، بَلْ لِيَشْهَدَ أَنَّ الرَّبَّ حَيٌّ، وَأَنَّهُ يُرَافِقُ الإِنْسَانَ حَتَّى فِي أَحْلَكِ طُرُقِهِ. العِبْرَة هٰذِهِ القِصَّةُ لَيْسَتْ إِلَّا صُورَةً حَيَّةً لِخِبْرَةِ تِلْمِيذَيْ عِمَّاوُس: · كَثِيرًا مَا نَسِيرُ فِي حَيَاتِنَا مُثْقَلِينَ بِالحُزْنِ وَالشَّكِّ، دُونَ أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ الرَّبَّ يَسِيرُ مَعَنَا. · نَحْنُ نَبْحَثُ عَنِ اللهِ، لٰكِنَّ الحَقِيقَةَ الأَعْمَقَ أَنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي يَبْحَثُ عَنَّا وَيَلْتَقِينَا فِي الطَّرِيقِ. · لا يُعْرَفُ المَسِيحُ فِي الأَفْكَارِ فَقَطْ، بَلْ فِي الكَلِمَةِ الَّتِي تُشْعِلُ القَلْبَ، وَفِي كَسْرِ الخُبْزِ الَّذِي يَفْتَحُ العَيْنَيْنِ. · أَحْيَانًا لا نُدْرِكُ حُضُورَهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ "يَغِيبَ"، حِينَ نَكْتَشِفُ أَنَّهُ كَانَ مَعَنَا طُولَ الطَّرِيقِ. فَطَرِيقُ عِمَّاوُس هُوَ طَرِيقُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا: مِنَ الحُزْنِ إِلَى الفَرَحِ، مِنَ الشَّكِّ إِلَى الإِيمَانِ، وَمِنَ الهُرُوبِ إِلَى الرِّسَالَةِ. |
|