«وَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ أَنَّ يُوحَنَّا أُسْلِمَ، ٱنْصَرَفَ إِلَى ٱلْجَلِيلِ».
شرع متّى في الكلام عن خدمة المسيح الجهارية منذ أُلقي يوحنا في السجن، فبدأ كلامهُ بذكر الحوادث التي حدثت في الجليل، وترك الأعمال التي عملها في اليهودية، مع أنها شغلت بضعة أشهر. وقد ذكرها يوحنا في بشارته. فترك متّى شهادة المعمدان للمسيح (يوحنا ١: ٢٩، ٣٢) وعرس قانا الجليل (يوحنا ٢: ١٢) وحضوره إلى أورشليم في عيد الفصح وإخراجه الباعة من الهيكل (يوحنا ٢: ١٣ - ١٧) وحديثه مع نيقوديموس (يوحنا ٣: ١ - ١٢) ومع المرأة السامرية (يوحنا ٤: ٤ - ٤٢) وشفاؤه ابن الرئيس (يوحنا ٤: ٤٦ - ٥٤) وإتيانه إلى الناصرة وطرد الشعب إيَّاهُ.
ولعلَّ غاية عمل المسيح في اليهودية كانت إظهار علاقة خدمته بخدمة المعمدان، وإظهار أن النظام الموسوي والمسيحي نظام واحد، وهما متساويان في المصدر والسلطة والغاية، فلا يناقض أحدهما الآخر بل يكمله، ولذلك ظهر يسوع مدة مرافقاً ليوحنا المعمدان، فقبِل شهادةً منه، وأخذ بعض تلاميذه ليكونوا معه (يوحنا ١: ٣٧). وبعدما أُلقي يوحنا في السجن، ولم تبقَ صلة ليشاركه في العمل، ذهب أولاً إلى الناصرة حيث تربى فرفضه أهل وطنه.
وَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ أَنَّ يُوحَنَّا أُسْلِمَ اقتصر متّى هنا على ذكر سجن يوحنا، وأما أسبابه فذكرها بعد ذلك (متّى ١٤: ٣ - ٥). ويظهر من هذا الكلام أن يسوع لم يكن قريباً من يوحنا عندما أُسلم مع أنه كان في اليهودية. «أُسلم» أي أسلمه هيرودس إلى السجان (لوقا ٣: ٢٠) وهو الأرجح. لكن يُحتمل أن عناية الله أسلمته إلى هيرودس كدلالة هذه الكلمة في سفر الأعمال (٢: ٢٣).
ٱنْصَرَف لا خوفاً من هيرودس، لأنه دخل حكمه هناك. ولا أن الخطر في اليهودية زاد عليه بعد سجن يوحنا، بل لمقاومة الفريسيين (يوحنا ٤: ١). وكون أرض الجليل بعيدة عن اليهودية حيث يقيم الفريسيون جعلها أنسب مكان للتبشير ولعمل الخير.
ٱلْجَلِيل هو القسم الشمالي من الأرض المقدسة، ويمتدُّ من نهر الأردن شرقاً إلى سهل عكا غرباً، ومن دان (بانياس) شمالاً إلى جبال السامرة والكرمل جنوباً، وينقسم إلى قسمين شمالي وجنوبي، وحدوده تشتمل على أنصبة أربعة أسباط من بني إسرائيل، هي يساكر وزبولون وأشير ونفتالي. وأعظم مدنه الناصرة وقانا وطبرية. فهذه البلاد كانت مسكن المسيح ومحل أكثر أعماله. وقلما ذكرت البشائر الثلاث من الحوادث غير ما صُنع فيها.