لِيَتِمَّ ما قيلَ على لِسانِ النَّبِيِّ أَشَعْيا
فِعْلُ "لِيَتِمَّ" فِي الأَصْلِ الْيُونَانِيِّ πληρωθῇ (وَمَعْنَاهُ: يَمْلَأ، يُكْمِل، يُوصِلُ إِلَى غَايَتِهِ)، فَلَا يَدُلُّ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى عَلَى تَحَقُّقٍ حَرْفِيٍّ آليٍّ لِنَصٍّ نَبَوِيٍّ، بَلْ عَلَى وُصُولِ كَلِمَةِ اللهِ إِلَى كَمَالِ مَقْصِدِهَا فِي شَخْصِ الْمَسِيحِ وَعَمَلِهِ. فَالإِتْمَامُ هُنَا هُوَ اكْتِمَالُ الْمَعْنَى، لَا مُجَرَّدُ تَطَابُقٍ لُغَوِيٍّ أَوْ زَمَنِيٍّ.
وَيُعَبِّرُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ عَنْ هَذَا الْبُعْدِ قَائِلًا: "لَمْ تُقَلِ النُّبُوءَاتُ لِتُفْهَمَ قَبْلَ أَوَانِهَا، بَلْ لِكَيْ، عِنْدَمَا تَتِمّ، يُعْرَفَ أَنَّ اللهَ قَالَهَا"(عِظَاتٌ عَلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا). فَـ"لِيَتِمَّ" تَعْنِي أَنَّ كَلِمَةَ اللهِ تَبْلُغُ نُضْجَهَا التَّفْسِيرِيَّ وَمَلْأَهَا الْخَلَاصِيَّ فِي الْمَسِيحِ.
أَمَّا القِدِّيسُ كِيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ، فَيَرَى فِي "الإِتْمَامِ" انْكِشَافَ الحَقِيقَةِ الْمَسِيحَانِيَّةِ فِي التَّارِيخِ، أَيْ أَنَّ مَا كَانَ مَسْتُورًا فِي الرَّمْزِ وَالْوَعْدِ يَصِيرُ مَعْلَنًا فِي شَخْصِ الابْنِ الْمُتَجَسِّدِ.
وَيُضِيفُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قَائِلًا: "كَانَ الإِنْجِيلِيُّ يُكَرِّرُ قَوْلَهُ: لِيَتِمَّ مَا قِيلَ، لِيُعَلِّمَنَا أَنَّ مَا نَرَاهُ الآنَ لَيْسَ صُدْفَةً، بَلْ تَدْبِيرًا إِلَهِيًّا مُعْلَنًا مُسْبَقًا" (العِظَاتُ عَلَى إِنْجِيلِ مَتَّى). وَهَكَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ الإِتْمَامَ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى لَيْسَ مُجَرَّدَ بُعْدٍ تَفْسِيرِيٍّ، بَلْ أَدَاةٌ لِتَرْبِيَةِ الإِيمَانِ، وَلِتَمْيِيزِ عَمَلِ اللهِ فِي التَّارِيخِ. فَصِيغَةُ "لِيَتِمَّ" لَا تُشِيرُ إِلَى حَدَثٍ مَاضٍ فَقَط، بَلْ إِلَى اكْتِمَالِ الوَعْدِ، وَانْكِشَافِ الْمَعْنَى، وَحُضُورِ اللهِ الْفَاعِلِ فِي مَسِيرَةِ التَّارِيخِ. وَهَكَذَا يَظْهَرُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ بُوصْفِهِ مَلْءَ النُّبُوءَةِ، وَمِحْوَرَ التَّارِيخِ، وَكَمَالَ الوَحْيِ الإِلَهِيِّ.