"فأذلك وأجاعك وأطعمك المن الذي لم تكن تعرفه ولا عرفه آباؤك، لكي يعلمك أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل ما يخرج من فم الرب يحيا الإنسان. ثيابك لم تبلَ عليك، ورجلك لم تتورم هذه الأربعين سنة" [3-4]. فأذلَّك[3]: كان التيه في البرية عقابًا حلّ على الجيل الماضي ليدفع الجيل الحاضر نحو التواضع والخضوع.
إذ صاروا على أبواب كنعان يليق بهم ألا ينسوا فترة البرية الطويلة، فالقفر بالنسبة لهم مدرسة، تعلموا فيها أن الإنسان كائن جائع يحتاج إلى طعام لم يكن يعرفه، ولا عرفه آباؤه، المن النازل من السماء (خر 16: 8)، أو كلمة الله واهبة الحياة.
يدرك المؤمن أن الله يهتم بكل أموره، فيستر عليه بثياب لا تُبلى، ويحفظ قدميه فلا تتورما. الله يهتم بأكلنا وشربنا وثيابنا وصحتنا. الله يسند الحياة ويشبعها بطريقه الخاص، بالمن السماوي. الله الذي يهب الإنسان الخبز ليُشبع الجسد هو الذي يهب النفس أسراره الإلهية "المن الروحي"، ليشبع احتياجاتها. من يركز عينيه على الخبز المادي يصير مدينًا للتراب بما يقدمه له، أما من يركز عينيه على معرفة الله الحية يصير مدينًا له بحياته.