منتدى الفرح المسيحى  


العودة   منتدى الفرح المسيحى > منتدى الكتب > قسم الكتب الدينية

كتاب هناك كنت معه - أ. حلمي القمص يعقوب

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02 - 07 - 2014, 03:36 PM   رقم المشاركة : ( 21 )
Mary Naeem Female
† Administrator Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 635,571 [+]

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: كتاب هناك كنت معه - أ. حلمي القمص يعقوب

تل الجمجمة

الساعة الآن الحادية عشر والنصف من صباح يوم الجمعة، وقد وصل موكب الموت والحياة إلى تل الجمجمة خارج أسوار أورشليم، بالقرب من المدينة المقدَّسة.. يبلغ ارتفاع التل نحو خمسة أمتار، ويقع على تقاطع الطريقين الرئيسيين المنحدرين أحدهما إلى يافا والآخر إلى السامرة، ويدعى جلجثة وهي مشتقة من الكلمة الآرامية "جولجالتا" أي جمجمة، وتُدعى باليونانية "الأكرانيون" κρανίο، وقد اتخذ هذا التل شكل جمجمة الإنسان، ويقال إن هذا التل دُعي هكذا لأن جمجمة أبينا آدم دُفنت في هذا المكان، أو لأن جماجم من حُكم عليهم بالصلب قبلًا كانت ملقاة بكثرة في هذا التل، " يقول البعض أن آدم مات ورقد هناك، وأن يسوع قدم النصرة في نفس الموضع الذي ملك فيه الموت، إذ ذهب حاملًا الصليب كغالب على طغيان الموت. كان كتفاه رمزًا للنصرة. ماذا يهم إن كان اليهود قد فعلوا ذلك بنية مغايرة" (23).
وعلى هذا التل الذي دُعي قديمًا "جبل المريا" ربط إبراهيم ابنه إسحق على المذبح الذي أعده وفرشه بالحطب، فكان رمزًا لما يحدث الآن، وعندما مدَّ يده بالسكين ليذبحه منعه ملاك الرب وأرشده إلى كبش موثق بقرنيه في شجرة، فكانت الشجرة رمزًا للصليب والكبش رمزًا ليسوع المصلوب " ما أقسى وأمر ذلك الامتحان الرهيب..؟! لماذا أراد الله أن يكون الامتحان رهيبًا قاسيًا إلى هذا الحد..؟! لماذا هذا التصميم أن يبذل الأب ابنه؟!.. وهل يمكن لذلك الشيخ أن يقدم وحيده..؟! ألم يكن من الأهون أن يضحي ذلك الأب بنفسه عوضًا عن ابنه؟!..
يا للهول.. ألم يكفه أن يضحي الأب بابنه؟.. لماذا الإصرار إذًا أن يطعن الأب بيده ابنه بالسكين؟.. أن يطعن الأب وحيده بيده فهذا قمة المرار والعذاب الذي لا يمكن أن يتخيله عقل.. لكن هذا الامتحان ازداد قسوة أيضًا عندما طلب الله التأني في تأديته..!! لقد كان من الممكن أن ينتهي إبراهيم منه بسرعة وفي غمرة من الانفعال، ولماذا طول الانتظار؟! لكن تلك الذبيحة الفائقة ما كانت لتُقدَم على عجل. لقد اختار الله المكان والزمان اللائقين بها..
وأخيرًا وبعد ثلاثة أيام رأى المكان من بعيد، وهنا تخلى إبراهيم عن كل صحبة بشرية فترك الغلمان وأخذ إسحق ابنه إلى هناك. كان إسحق في ذلك الوقت في ريعان الشباب وقمة الجمال.
ولكيما تصل التجربة إلى ذروتها تساءل إسحق في براءة وثقة البنين قائلًا " يا أبي.. هوذا النار والحطب ولكن أين الخروف للمحرقة" (تك 22: 7) سؤال برئ جاء في وقت حاسم، كان له وقع القنبلة وكان يمكن أن يدفع ذلك الشيخ للانهيار لكن إبراهيم لم يتزعزع وجاء جوابه واضحًا حاسمًا لكل التساؤلات " الله يرى له الخروف للمحرقة يا ابني" (تك 22: 8) وهنا أخذ بكل ثبات يبني المذبح.. ثم رتب الحطب.. وربط ابنه.. ووضعه على المذبح.. ثم مدَّ ذلك الأب يده وأخذ السكين ليذبح ابنه!!!
هنا القمة.. عندما رفع ذلك الأب السكين ليذبح ابنه كان قد وصل إلى قمة شاهقة من الحب والإيمان لا تدانيها قمة أخرى في الوجود. هنا غاصت السكين في قلب الأب قبل أن يطعن بها ابنه.. من فوق تلك القمة الشاهقة رأى إبراهيم أعظم شاهد للتاريخ كله. هناك رأى الأب السماوي وهو يقدم ابنه وحيده الذي يحبه على مذبح الجلجثة..!! في تلك اللحظة أدرك إبراهيم كل شيء.. لماذا أراد الله له أن يكتوي بكل هذه النيران.. قال يسوع {أبوكم إبراهيم تهلل أن يرى يومي فرأى وفرح}" (24).
وعلى هذا التل أيضًا بني داود مذبحًا وقرب قربانًا للرب، ليوقف الوباء الذي نشب في الشعب، وهوذا ابن الله يُصلب في ذات المكان ليوقف عن البشرية وباء الخطية القاتل..
ولا يزال الوافدون إلى أورشليم يتقاطرون جماعات جماعات يمرُّون أمام الجلجثة، فيُصدَمون بهذا المنظر البشع، ومع هذا فإن الفضول يستبد بهم، فيتطلعون إلى من ساقهم حظهم العاثر إلى أشنع ميتة في الوجود، ولم يخطر على بال أحد منهم أن بينهم من سلَّم نفسه بإرادته من أجل خلاصهم، وفيما بينهم يلعنون ذاك المستعمر الروماني الذي لا يطبق هذه العقوبة إلاَّ على الشعوب المقهورة والعبيد، ويمنعها عن الشعب الروماني وعن كل من يحمل الجنسية الرومانية، ووقف قائد المئة في شمم وكبرياء يأمر جنوده بإقامة الحواجز حتى لا يشتد الزحام حول الجلادين أثناء تأدية عملهم.


وجاءت بعض السيدات الشريفات ملائكة الرحمة اللاتي كرسنَّ حياتهن من أجل أعمال الرحمة للمرضى والمساجين وأصحاب الحالات الخاصة مثل المحكوم عليهم بالإعدام، وحملن معهن أبريقًا به مزيجًا من الخل والمرّ من صنعهن، وهذا يقوم بتخدير الجسم نوعًا ما، فيخفف عن الإنسان آلام الصلب النارية عملًا بقول الحكيم " أعطوا مسكرًا لهالك وخمرًا لمري النفس" (أم 31: 6).. قدمن كأسًا لديماس الذي شرب وهو ينظر إليهن نظرة الامتنان. أما ماخوس الذي لم يكف عن الثرثرة فإنه أخذ وشرب ولم يعيرهن اهتمامًا، وطلب كأس أخرى وشربها دون نظرة شكر، وعندما قدموا إلى يسوع وذاق لم يرد أن يشرب، لأنه أراد أن يتحمل الآلام كاملة، ومع ذلك فإنه نظر إليهن نظرة امتنان وتشجيع.. شعرن بمحبته ورقته، فانسابت دموعهن حسرة على ذاك الشاب اللطيف الذي يموت في ريعان شبابه.. إنه نبي.. هكذا كانوا يسمعون عنه ويعرفونه.
وعرى الجند يسوع من ملابسه، فاندفعت الدماء التي كانت قد تجلطت والتصقت بالقميص وعادت تنزف من جديد وتفتحت الجروح، وهذا لم يمنعهم من طرحه أرضًا فوق الصليب.. أحاط به أربعة من الجلادين، أحدهما يحمل حقيبة صندوقية، فتحها وأخرج منها مسامير مربعة غشيمة بطول 18 سم ومطارق، وهكذا فعلوا باللصين الآخرين، وبمجرد أن أعطى قائد المئة إشارة البدء، انقض الجنود الأقوياء يحيطون بكل مصلوب، يقبضون عليه بشدة، ويدقون يديه ورجليه بالمسامير في خشبة الصليب..
يهوي الجندي الروماني بالمطرقة في شدة وعنف على رأس المسمار الحدادي الغليظ فيخترق الجلد واللحم، ويمزق الأعصاب ويغوص في خشبة الصليب..
وبينما يوالي الجندي الطرقات بكل قوته كان الجسد الذبيح يرتعش، وتسيل الدماء الغالية على الأرض الملعونة لتغسل لعنتها..
وقد استطاعت مهارة الجلادين أن تدفع بهذه المسامير، فتمزق الرسغين والقدمين ولا تمزق الشرايين الرئيسية، مما يجعل النزيف بطيئًا، ويطيل فترة العذابات، حتى إن بعض المصلوبين كانوا يقضون أيامًا على صلبانهم قبل أن يلفظوا أنفاسهم الأخيرة، ولاسيما ولو كان مثبت بالقائمة الرأسية " السرج" (قطعة خشبية ترتكز عليها أرداف المصلوب) فإن عذاباته قد تمتد لمدة أسبوع يعاني فيها من العطش والجفاف والجوع ناهيك عن الطيور الجارحة التي قد تنهش جسده وهو مازال حيًّا..
حقًا إن حكم الناموس على الإنسان لهو أرحم كثيرًا من حكم الإنسان على نفسه، فالناموس كان يأمر بالرجم حيث تنتهي حياة الإنسان في لحظات قليلة، وإذا كان هذا الإنسان قد أخطأ أخطاءًا مشينة تُعلَّق جثته لمدة يوم واحد ثم تدفن في نهاية اليوم.. أما حكم الإنسان على نفسه فهو ما نراه الآن، ولا يجرؤ أحد أن يُنزِل مصلوبًا من على صليبه وإلاَّ رفعوه نيابة عنه.
" كانت عملية الصلب تجري وسط عاصفة شديدة من الصخب. كانت الحشود التي جاءت من بعيد لتشاهد عملية الصلب تصرخ بصوت عالٍ وتطلق عبارات الهزء والتعييّر. وكانت أصوات المطارق وهي تهوي لا تكاد تُسمع وسط ذلك الضجيج، الذي إن دل على شيء فإنما يدل على الانفلات. كانت ساعة الصلب هي ساعة تجرد الإنسان فيها من كل القيم والضوابط. إنها ساعة عاد فيها إلى روح الهمجية، وظهر فيها عمق " أصالته " في الشر!!" (25).
وبعد أن سمروا يد يسوع اليسرى جذبوه من يده اليمنى حتى كادت عظامه تنفصل، ولك أن تتصوَّر مدى الآلام الناتجة عن هذه الجذبة الشديدة، التي شعرت بها الأم العذراء ويوحنا الحبيب..
كم تأثرت تلك الأم الثكلى وقد تقرحت عيناها من فرط البكاء، والنيران تشعل قلبها لهيبًا، والسيف يجوز في نفسها، وقد ضمت يديها إلى صدرها في منظر خشوعي وضراعة وصلاة عميقة..
تأجَّجت المشاعر داخلها، وماتت الكلمات على شفتيها، فخاطبت إبنها بلغة الدموع..
كل طرقة للجندي الروماني القاسي على المسمار كانت في الحقيقة هي طرقة على قلب الأم الحنون..
آه يا ابني لماذا اخترت هذه الميتة الشنيعة..؟!
إن كان لابد من الذبح، فلِمَ لم تُذبح بالسيف..؟! ولِمَ حكمت عليَّ بهذا السيف الرهيب..؟!
أما اليهود فقد وقفوا كالثيران الهائجة وكالكلاب المسعورة المتعطشة لدماء الناصري..
أما قلوب الجلادين الرومان فقد فقدت الحس وماتت وتحجرت، ولم يزعجهم على الإطلاق صرخات وتأوهات المصلوبين والمسامير تمزق أجسادهم..
أي إنسان ينظر إلى يسوع مطروح أرضًا عريانًا يُسمَّر بهذه الطريقة الوحشية من أجله ولا يذوب فؤاده وتنحل من داخله كل شهوة شريرة؟! ولهذا تصرخ الكنيسة في تلك الساعة للمصلوب " وبالمسامير التي سُمرت بها إنقذ عقولنا من طياشة الأعمال الهيولية والشهوات العالمية ".
وجاء زمرة من الأنبياء، داود النبي يُرنّم على الناي الحزين " ثقبوا يديَّ ورجليَّ" (مز 22: 16) وإشعياء النبي يشهد " وهو مجروح لأجل معاصينا" (أش 53: 5) وزكريا النبي يسأل يسوع المصلوب: ما هذه الجروح في يديك؟ وسُمعت همسات المصلوب: " هي التي جُرِحتُ بها في بيت أحبائي" (زك 13: 6).
انتهت عملية التسمير وكان بجوار الصلبان الثلاث ثلاث حفر متقاربة، كل حفرة كانت قريبة من قاعدة الصليب، فرفعوا الصليب لأعلى ووجه المصلوب نحو السماء، فانزلقت قاعدة الصليب في الحفرة، وأهالوا حولها التراب والحصي.. سرعان ما ارتفع على هذا التل ثلاثة صلبان، وكان صليب يسوع في الوسط، وكأنه هو زعيم اللصوص عوضًا عن باراباس، وسمَّر الجنود اللافتات فوق الصلبان الثلاث، وكانت الساعة الثانية عشر ظهرًا.
والخشبة التي صُلِب عليها ملك المجد لم تكن جديدة إنما سبق استخدامها، أي أنها تشرَّبت بدماء الأثمة والفجار من بني البشر.. لقد ارتضى أن يأخذ مكان الأثمة.. هوذا المذبح الفريد الخشبي يرتفع فوق الجلجثة خارج أسوار أورشليم، لكيما يُوقد عليه الحمل البريء.. كل مذابح العصور أُقيمت من حجارة وأُصعدت عليها الذبائح الحيوانية بعد ذبحها. أما هذا المذبح الرهيب، فقد أُقيم من صليب خشبي، لكيما يُوقَد عليه يسوع ابن الله وهو حي بعد، وعلى هذا المذبح الخشبي تجسمت الخطية في بشاعتها، وظهرت الدينونة في أهوالها..
ولا تسألني يا صديقي عن شدة وقسوة الآلام النارية التي يعاني منها المصلوب أثناء رفع الصليب والجسد كله مُعلَّق بثلاثة مسامير، وما نتج عن هذه الحركة من اهتزازات في الأعصاب.. ربما الذي ذاق ألم الضروس ذات ليلة نتيجة تعري الأعصاب يشعر بالشئ اليسير جدًا جدًا من هذه الآلام!!
وارتسمت أمام يوحنا كلمات يسوع الخالدة "وكما رفع موسى الحيَّة في البريَّة هكذا ينبغي أن يُرفع ابن الإنسان" (يو 3: 14).. " متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون إني أنا هو" (يو 8: 28).. " وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع" (يو 12: 32).
ارتفعت الصلبان، وشمس الظهيرة الحارقة تلفح الأجساد العارية..
وبينما يحوم الهوام حول الجروح، فإن حركة المصلوب مقيدة بالمسامير..
واعترى الدوار الشديد المصلوب نتيجة لعدم كفاية الدم الذي يصل إلى الرأس..
ناهيك عن التوتر العصبي، والرعشة والقشعريرة، والعطش الشديد الناتج من النزيف والعرق الغزير..
حقًا إن آلام الصلب أقسى بما لا يقاس بآلام الذبح، فالحمل يُذبح في لحظة بشفرة حادة فلا يكاد يشعر بالألم. أما يسوع البار فإنه يُذبح على الصليب، ودمه يقطر قطرة قطرة، وهو مازال حيًا يشعر بكل شيء..
أما عملية التنفس فهي مشقة ما بعدها مشقة وعذاب يفوق كل عذاب، وألم لا يُطاق.. لماذا؟.. لأن انحناء الجسم لأسفل تحت تأثير الجاذبية الأرضية مع ثقل الرأس لا يُمكّن الإنسان من التقاط الأنفاس فتنخفض حركة التنفس من 16 مرة في الدقيقة إلى 4 مرات، مما يؤدي لارتشاح الماء من الرئة، ويضطر المصلوب إلى جذب جسده للخلف، ومعنى هذا أن يضغط على ساقيه المسمرتين بالمسمار، ويشد يديه المسمرتين أيضًا، فيحتك المسمار بالعصب الأوسط للذراع، ويشب المصلوب قليلًا لكيما يلتقط نفسًا واحدًا على حساب جراحات تتسع وآلام لا توصف، فلا يلتقط النفس الآخر إلاَّ عندما يكون على وشك الاختناق.
ورغم إن الله من رحمته أودع في الإنسان إمكانية الغياب عن الوعي متى حاقت به الآلام الطاغية، فإن المصلوب رغم آلامه لا يغيب عن وعيه أبدًا، لأن غيابه عن الوعي يعني فقدانه الحياة بسبب توقف التنفس، فيظل المصلوب يعافر ويجاهد من أجل أقل القليل من نسمة الحياة، وعلى كلٍ فإنه إن طالت فترة المصلوب على الصليب أو قصرت فإن حياته تنتهي بالاختناق..
كل هذا تحمله يسوع، بالإضافة إلى الآلام النفسية التي تحملها بسبب إنكار بطرس، وخيانة يهوذا، وجحود أمته اليهودية، وأيضًا الآلام الكفارية التي جاز فيها وتساوي كل آلام الجحيم التي كانت البشرية كل البشرية ستكابدها هناك..
وتجمع أمام الصليب المريمات، مريم المجدلية، ومريم زوجة كلوبا، ومريم أم مرقس، ومريم أخت لعازر، ومرثا، وسالومي، والنساء اللواتي كن يتبعنه من الجليل مثل يونا زوجة خوري وكيل هيرودس الملكوكل معارفه، ويوسف الرامي، ونيقوديموس، ويوحنا الحبيب، وعلى رأس الكل الأم العذراء الثكلى..
وما أثقل الأحزان التي حطمت القلوب؟!
وما أقوى العواصف العاتية التي أطاحت بالرجاء؟!
وطالما قلب المصلوب مازال ينبض، فإنه يظل يكتوي بنار الألم، ومن حوله الأحياء يحترقون بنيران الشجن والحسرة، وربما عاد التلاميذ ووقفوا بعيدًا ينظرون ما كان، فوقف داود النبي يقول "أحبَّائي وأصحابي يقفون تجاه ضربتي وأقاربي وقفوا بعيدًا" (مز 38: 11).
همس نيقوديموس يناجي المصلوب للمصلوب: عندما ذُبح هابيل البار.. عندما رُبط إسحق ووضع على المذبح.. عندما سجد يعقوب على رأس عصاه وبارك أفرايم ومنسى بيدين متقاطعتين.. عندما وضع خروف الفصح في النار عبر سيخين متعامدين.. عندما رفع موسى يداه طوال النهار حتى ينتصر يشوع.. عندما رفع موسى الحية النحاسية على الراية لكيما ينال الشفاء كل من لدغته الحية المحرقة.. كنت أنت هناك يا ربي بالرمز.. أما الآن فأنت هنا مُعلق على الصليب.. أنت هو هابيل المذبوح وها هنا بركة يعقوب.. أنت هو إسحق الذبيح، وخروف الفصح المشوي بالنار.. ها هنا نصرة موسى، والحية النحاسية التي تهب الشفاء.. أنت هو شمس البر التي أشرقت علينا والشفاء في أجنحتها.
وانسابت على شفتي يوسف الرامي أغنية العروس: " حبيبي أبيض وأحمر. مُعلَّم بين ربوة. رأسه (المكلَّل بالأشواك) ذهب أبريز. قصصه (الملطخة بالدماء) مسترسلة حالكة كالغراب. عيناه (المتورمتان) كالحمام.. مغسولتان باللبن.. شفتاه (اللتان التهبتا بعذابات الصليب) سوسن تقطران مرًّا مائعًا. يداه (المسمرتان) حلقتان من ذهب رُصعتا بالزبرجد (المسامير).. ساقاه (المسمرتان) عمودا رخام مؤسستان على قاعدتين من إبريز. طلعته كلبنان. فتى كالأرز"(نش 5: 10 - 15).
ووقف يوحنا يُردّد همسات النبي الإنجيلي " من صدق خبرنا ولمن استعلنت ذراع الرب (من يصدق أن المصلوب هو هو ابن الله الحي الأزلي؟!).. لا صورة له ولا جمال فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه. محتقر ومخذول من الناس رجل أوجاع ومختبر الحزن وكمستَّر عنه وجوهنا مُحتقر فلم نعتدَّ به. لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحمَّلها ونحن حسبناه مصابًا مضروبًا من الله ومذلولًا. وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحُبره (بجراحاته) شفينا. كلنا كغنم ضللنا مِلنا كلَّ واحد إلى طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا" (أش 53: 1 - 6).
ووقف جبران خليل جبران (بعد ألفي عام) يناجي المصلوب " أيها الجبار المصلوب.. الناظر من أعالي الجلجثة إلى مكب الأجيال، أنت على خشبة الصليب المضرجة بالدماء أكثر جلالًا ومهابة من ألف ملك على ألف عرش. إن إكليل الشوك على رأسك أجمل من تاج بهرام، والمسمار في كفك أفخر من الصولجان في قبضة المشترى. سامح هؤلاء الضعفاء الذين ينوحون عليك.. لأنهم لا يدركون كيف ينوحون على أنفسهم ".
وهمست لنفسي قائلًا: إن المكان قد تعبَّق تمامًا بأريج الحب القوي، فهوذا القارورة قد تحطمت، فلابد للناردين الغالي كثير الثمن أن تفيح رائحته.. من يقدر أن يوقف فيض الحب الذي يفيض من الجسد الممزق.. من رأسه ومن منكبيه.. من يديه ومن قدميه.. من كل جرح في جسد يسوع أرى الحب الخالد النقي الطاهر يتدفق لكيما يغسل أدران أدناسي.
وأخيرًا لو تساءل أحد عن سبب اختيار يسوع لموت الصليب بالذات دون أية ميتة أخرى نقول له إن السيد اختار موت الصليب لأسباب لذيذة نذكر منها ما يلي:
1- ليحتفظ بجسده صحيحًا كاملًا، فلو مات بالسيف فإن رأسه ستنفصل عنه، ولو مات حرقًا فإن جسده سيتحول إلى رماد.
2- ليقطر دمه قطرة قطرة لأنه هو الذبيحة المقدَّمة عن خلاص البشرية.
3- لتظل أحضانه مفتوحة وهو على الصليب لكل خاطئ أثيم يرغب في العودة إليه.
4- ليفرد جناحيه مثل الدجاجة التي تضم فراخها تحت جناحيها " يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا" (مت 23: 37).
5- ليفرد ذراعيه فيضم الشعب القديم من جهة، والشعوب الوثنية (الأمم) من جهة أخرى.
6- ليُطهّر الهواء من سلطان الشيطان على أبناء الله، وذلك بعد أن انتصر على الشيطان في القفر (جبل التجربة) وبعد أن انتصر عليه في أعماق المياه (المعمودية).
7- ليكون في مركز وسط بين السماء والأرض، فيصالح الله مع الإنسان، والسمائيين مع الأرضيين.
8- حتى يراه الكل في موته ويشهد بموته الجميع فلا يشك أحد، ومتى قام لا يقولون أنه تعرض لحالة إغماء فقط.
9- حتى لا يظن أحد أنه اختار ميتة سهلة، أما موت الصليب فلا يقدر أن يقوم منه.
10- ليحمل لعنة البشرية لأنه مكتوب ملعون كل من عُلق على خشبة.
11- عن طريق شجرة معرفة الخير والشر سقط الإنسان، وعن طريق شجرة الصليب عاد الإنسان إلى الفردوس المفقود. بل وارتقى إلى الملكوت.
شكر لك يا إلهي.. يا من صلبت عني..
أعطني أن أحيَّا كما يحق لصليبك
  • ما معنى الثالوث؟ نحن نؤمن بإله واحد مثلث الأقانيم (ذو ثلاث صفات كيانية) وليس ثلاثة آلهة !! معنى أقنو
  • من يجدني يجد الحياة
  • المركزي يثبت سعر بيـــــــــــع الدولار
  • شاهد رد فعل المصريين عند قيام المماليك بفرض ضريبة جديدة
  • أكثر الأشياء وجعا
  • عملية نقل إحدى الطائرات!!
  • الكشف عن سر صلابة مواد البناء عند الرومان القدماء
  • الكتاب المقدس
  • مع كل لخبطة وتوهه وصدمة ووقفة
  • قَلْعَة
  •   رد مع اقتباس
    قديم 02 - 07 - 2014, 03:39 PM   رقم المشاركة : ( 22 )
    Mary Naeem Female
    † Administrator Woman †

    الصورة الرمزية Mary Naeem

    الملف الشخصي
    رقــم العضويـــة : 9
    تـاريخ التسجيـل : May 2012
    العــــــــمـــــــــر :
    الـــــدولـــــــــــة : Egypt
    المشاركـــــــات : 635,571 [+]

     الأوسمة و جوائز
     بينات الاتصال بالعضو
     اخر مواضيع العضو

    Mary Naeem غير متواجد حالياً

    افتراضي رد: كتاب هناك كنت معه - أ. حلمي القمص يعقوب

    وملك على عرشه

    ولم يكتفِ رؤساء الكهنة ومشايعيهم بهذا الانتقام المهول من يسوع، وإذ كانوا قد اعتبروه فوزًا عظيمًا ونصرًا مبينًا، فلم يفكروا في العودة إلى ديارهم ليستريحوا من عناء ليل طويل، ولم يعودوا إلى مقادسهم لأداء مهامهم الدينية في الهيكل، ولاسيما إن الاستعدادات للفصح تجري على قدم وساق. إنما أصروا على التواجد قرب المصلوب لتكتحل عيونهم بآلامه النارية.. وقف قضاة إسرائيل في بلاهة لا يدركون ولا يفقهون.. وقفوا ينظرون للمصلوب بعيون حاسدة، وقلوب حاقدة، تتأجج بنار الغيرة الشيطانية.. وقفوا موقف المتفرجين الشامتين بذاك الذبيح الذي تلتهمه نيران الألم.. لم يشفقوا عليه، ولم يراجعوا أنفسهم، ولم يندموا على جريمتهم.. وقفوا في تحدي وفي تشفي يشفون غليلهم من ذاك الذي طالما صبَّ عليهم الويلات، وكشف عورتهم أمام شعبهم، فأخذوا يتلذَّذون بمنظر عريه على الصليب وهم يظهرون روح الشماتة والسخرية، ولم يكفوا عن الثرثرة.
    حنان: يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلص نفسك إن كنت ابن الله..
    رحبعام: خلص آخرين أما نفسه فل يقدر أن يخلصها..
    قيافا: لماذا لم ينزل عن الصليب. فلينزل الآن عن الصليب لنبصره ونؤمن به..
    سابس: فليخلص نفسه إن كان هو المسيح مختار الله..
    هارين: إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب لنرى ونؤمن به..
    دبارباس: قد اتكل على الله فلينقذه الآن إن أراده، لأنه قال إنه ابن الله..
    ووقف سطانئيل يصرخ: "أنت أيها المسيح يا مبتدع المكر..
    يا سارق التعبد لك، وهو ليس من حقك..
    يا سارق الحب استمع لي..
    من اليوم الذي أتيت فيه من رحم عذراء، كسرت كل عربون وكذبت في كل وعد" (26).
    وصاحت بقية الشياطين: "نريد أن نغرس مساميرك إلى الأعماق..
    ونضغط على الأشواك التي في جبينك..
    ونجلب الآلام النابعة من الدم لينسكب من جديد من جروحك التي جفت..
    هذا كله يمكننا أن نفعله، وسنفعله لننتهك جسدك أيها الناصري..
    رئيس الرذائل العظمة ملك الجبناء.." (27)
    وعزف داود على قيثارته الباكية " كل الذين يرونني يستهزئون بي. يفغرون الشفاه وينغضون الرأس قائلين. اتكل على الرب فلينجه. لينقذه لأنه سرَّ به" (مز 22: 7، 8).. " أنا صرتُ عارًا عندهم. ينظرون إليَّ وينفضون رؤوسهم" (مز 109: 25) ووقف سليمان الملك منذهلًا وبحكمته يُصوّر الموقف " ويتباهي بأن الله أبوه فلننظر هل أقواله حق ولنختبر كيف تكون عاقبته. فإنه إن كان الصديق ابن الله فهو ينصره وينقذه من أيدي مقاوميه. فلنمتحنه بالشتم والعذاب حتى نعلم حلمه ونختبر صبره. ولنقض عليه بأقبح ميتة" (الحكمة 2: 16 - 20) وتأمل أشعياء المصلوب " من أجل إنه سكب للموت نفسه وأُحصى مع أثمة" (أش 53: 12).
    أناس: هذا الشعب الغبي الذي هتف له الأحد الماضي يقف الآن شامتًا به.
    وحتى المجتازين إلى أورشليم أو الخارجين منها للقرى المحيطة، والذين لا يعنيهم الأمر في قليل أو في كثير، سمعوا أقوال الآخرين الشامتين وصدقوها، وشاركوهم الاستهزاء والسخرية: إن كان الله أبوه.. فلماذا يتركه إلى هذا المصير التعس؟!
    عجبًا لهؤلاء المارة الذين لم تكن ثمة خصومة بينهم وبين يسوع، بل لعل الكثيرين منهم كانوا من المعجبين به قبلًا، وربما تلامس بعضهم مع معجزاته، ولكن إذ رأوه مغلوبًا على أمره تخلوا عنه، بل انقلبوا ضده، وأقاموا أنفسهم خصومًا له.. هذه هي دناءة النفس التي تشمت بكل إنسان مقهور، وربما اعتقد بعضهم أنه لو لم يكن المصلوب شريرًا لما تخلت عنه السماء.. أما أبناء وطنه من الجليليين فقد تعاطفوا معه.
    "كان الشيطان يهمس في إذنيه قائلًا: هذه هي النتيجة.. هذه هي ثمرة جهادك، وصدى حبك لعالم من الجاحدين.. أين هم الذين شفيتهم وأطعمتهم.. بل أين تلاميذك الذي أحببتهم وأغدقت عليهم من عطفك.. لا تتعب نفسك مع البشر، لقد فاقوا الشياطين في شرهم.. وها أنت تسمع بأذنيك الشتائم.. انظر لن تجد هناك من يذرف دمعة واحدة من أجلك.. بل أنظر إلى قسمات وجوههم وهم ينادون بصلبك.. أنظر إلى أياديهم المهددة المتوعدة.. وإلى عيونهم التي يتطاير منها الشر والشرر" (28).
    وكان اللصان اللذان صُلبا معه يعيرانه: إن كنت أنتَ المسيح فخلص نفسك وإيانا، وبالرغم من إن الذين يجوزون في آلام مشتركة يشعرون عادة بأُلفة معًا، لأن الآلام تؤلف بين قلوبهم، لكن هذان الرجلان في آلامهما راحا يعيران من لا ذنب له.
    هوذا يحيط بيسوع الشامتون المستهزئون من رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين والمجتازين وحتى اللصين، وكم كان هذا سبب حزن أليم للأم الثكلى..؟! منذ لحظات اخترقت طرقات المسامير قلبها، والآن تخترق هذه التعييرات أذنيها، وهي لا تملك شيئًا، سوى قلبًا جريحًا على ابن ذبيح، وسيف حاد يجوز في نفسها، وتود لو تُحلّق وتحتضن إبنها تمسح قطرات عرقه، وتجفف دمه المسفوك، وتنفخ في فمه قبلة الحياة.. وكم كان الأمر مرير عليها وهي تتفرس بمشاعر الأمومة هذا الوجه الدامي والجسد المنهك، الذي يلهث لكيما يحصل على نسمة حياة. وفي لحظة من الزمن الثقيل فتح يسوع فاه، فصمت الجميع وأرهفوا السمع للمُعلّم، ماذا يريد أن يقول بعدما حدث معه؟! وإذ بهم يقفون في ذهول.. ما هذا؟! إنه يصلي، ويصلي من أجلهم: يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون.
    قال أحدهم: كيف يصلي من أجل صالبيه؟ لم نسمع مثل هذا قط.. كل دم يُسفك ظلمًا يصرخ بنداء الثأر، أما دم يسوع فإنه ينادي بالفصح والمغفرة!!


    وقال ثان: تُرى من له المقدرة على المغفرة حتى هذه الدرجة؟
    سمعناه يقول "أحبوا أعدائكم باركوا لأعنيكم صلوا لأجل الذي يسيئون إليكم ويضطهدونكم " والآن نراه يفعل تمامًا ما قد قاله وعلَّم به.
    وقال ثالث: عجبًا.. عُلّق على الصليب لأنه دعى نفسه ابن الله، ومازال مصرًا على هذا، فيدعوا الله "يا أبتاه".
    وقال رابع: إن كان الله أبوه فلماذا يتركه إلى هذا المصير التعس؟!
    وقال خامس: كلَّله الرومان بالأشواك، وقطَّعوا جلده بالسياط، ونحن صرخنا: اصلبه.. اصلبه، ويصلي من أجلهم ومن أجلنا.
    وأجابه سادس: كل النيران التي انصبت فوق رأسه عجزت عن أن تفقده حبه، أو تُخرجه عن وداعته ورقته.. مازال يسوع كما هو الحب الوديع النسمة الرقيقة..
    وقال سابع: مُعلَّق بالمسامير مسخن بالجراح.. عاملناه بهذه القسوة واجتمعنا حوله كوحوش ضارية.. ويغفر لنا؟!
    يوسف الرامي: " وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين" (أش 53: 12).
    يوحنا الحبيب: حقًا إن إبليس أراد أن يطعن يسوع بسهام الكراهية والحقد والغل ضد جلاديه، وهوذا الحب الفياض والصفح التام والتماس الأعذار تنطلق كسهام عاتية من قلب المصلوب إلى قلب إبليس الكراهية..
    وتعلمت البشرية من صفح المصلوب عن صالبيه، ونسجت على ذات المنوال..
    {ولنا أن نذكر هنا ثلاث قصص قصيرة عن المغفرة:
    كانت ميري يتيمة الأب منذ طفولتها، وكرَّزت الأم الشابة حياتها من أجل ابنتها، وأخذت تعمل وتجتهد لتوفر لها حياة كريمة، وأنهت ميري حياتها الجامعية، وإذ خُدعت من الحيَّة القديمة انجرفت في تيار الخطية وتركت بيتها، وتعبت أمها كثيرًا في البحث عنها، واحتاجت أن تكد وتتعب أكثر ليكما تغطي مصاريف التجوال، وأخيرًا لجأت إلى حيلة إذ طلبت من أحد المُصوّرين أن يلتقط لها صورة وهي تركع في حالة توسل ودموع تفتح أحضانها وتناشد ابنتها بالعودة إليها، وذهبت لكيما تُعلّق نسخ من هذه الصور في عدَّة بلاد، وقاد الله ميري إلى أحد الملاهي وهي محطمة النفس والجسد، فوجدت البعض يزدحم على صورة معلَّقة على الجدار، وإذ نظرت إليها استيقظ ضميرها واشتاقت إلى قبلات الأم غير الغاشة والصدر الحنون، فأسرعت بالعودة إلى أمها ترتمي في أحضانها، وتلقفتها محبة الأم الغافرة، وظلت تعتني بها إلى أن عادت إلى حياتها الأولى وعادت هي للحياة.
    قصة أخرى حدثت عقب الحرب العالمية الثانية إذ عُهد لأحد الخدام الاهتمام الروحي بالزعماء الألمان الذين أشعلوا الحرب، وكان الغضب الشعبي ضدهم جارفًا، وكان هذا الخادم قد فقد ابنيه في هذه الحرب، ولم يعرف كيف يلتقي بهؤلاء القتلة؟ وبأي مشاعر يلقاهم..؟! ولكنه إذ وضع أمام عينيه صورة المصلوب الذي يصلي من أجل صالبيه انسكبت محبة المصلوب في قلبه، فتعامل مع هؤلاء بالمحبة المسيحية الغافرة، حتى إنه كان يزور أحدهم خمس مرات في اليوم الواحد، وتاب بعضهم قبل الحكم عليهم وورثوا الملكوت.
    والقصة الأخيرة حدثت أيام اضطهاد الأرمن إذ كانت فتاة تسير برفقة أخيها وأبيها، وتعرض لهم أحد الجنود الأشرار، فقتل الأب والأخ وبصعوبة بالغة هربت الفتاة، وعملت كممرضة في إحدى المستشفيات، وذات يوم وصل ذاك الجندي القاتل إلى المستشفى، وهو مصاب بإصابات بالغة، وكانت هي المكلفة برعايته، فلو أهملت في رعايته لكان نصيبه الموت حتمًا، ولكنها وضعت أمام عينيها صورة المصلوب الغافر، فاستطاعت أن تتغلب على مشاعر الانتقام التي ثارت داخلها، بل وأن تبذل قصارى جهدها في رعايته حتى تعافى تمامًا}.
    والتقطت أذنا ديماس ما قاله يسوع، وهو ما لم يكن يتوقعه على الإطلاق، فاهتزت نفسه داخله: من هذا الذي يغفر لجلاديه؟!
    لابد أن إنه ابن الله فعلًا كما قال وهم لا يصدقونه، فصمت وكفَّ عن التقريع والتعيّير، وعندما تمادى أماخوس في تعيّيره، قال له ديماس: أَوَلاَ تخاف الله إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه. أما نحن فبعدل قد جوزينا لأننا ننال استحقاق ما فعلنا، وأما هو فلم يفعل شيئًا ليس في محله.. وهل الذي يغفر لصالبيه يخطئ؟!
    آه.. لقد عاش ديماس مع أماخوس زمنًا هذا مقداره. أما الآن وقد أوشكا على الافتراق إذ اختار ديماس طريق الخراف واختار أماخوس طريق الجداء.. اعترف ديماس بخطيته: أما نحن فبعدل جُوزينا.. لقد سطونا على الناس وسلبناهم، وسفكنا دماءًا بريئة، وانبرى يدافع عن الحق: أما هذا فلم يفعل شيئًا في محله.. فلو كان مثلنا لعرفناه في حياتنا، ولو كان سفاحًا لسمعنا عنه..
    إن يسوع المصلوب ياديماس إنسان برئ، لابد إنك سمعت عن لطفه ورقته ومحبته وحنانه، فإنه لم يخدم في زاوية إنما ملأ القرى والمدن كرازة وبشارة، والآن يا لسعادتك وقد التقيت معه.. إنني أراك وأسمعك وأنت تضرع إليه: اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك.
    وكأني بذاك اللص يقول ليسوع: أنت ترى يا رب، أنني مُقيَّد بالمسامير لا أملك من حريتي سوى عقلي وقلبي ولساني، وها أنت تراني أعزف على أوتاري الثلاثية سيمفونية الاعتراف بك ملكًا وربًا.. إنني أعلم أنك ستملك على محبيك وعلى أعدائك أيضًا، فهلا تذكرني متى جئت في ملكوتك..؟! وهلا تحسبني مع محبيك؟!!
    والتفت الملك المصلوب إلى ديماس اللص قائلًا: الحق أقول لك.. إنك اليوم تكون معي.. في الفردوس.
    صار ديماس باكورة المفديّين، فطابت نفس المخلص به.. إنه الدرهم المفقود الذي عثر عليه.. الخروف الضال الذي وجده ضالًا شاردًا على جبال الخطايا والآثام.. الابن الضال الذي كان ميتًا فعاش..
    ولم يعد ديماس يتكلم بعد، إنما كانت عيناه ترنو تارة نحو المصلوب وتارة نحو السماء وكأنه يريد أن يؤكد أن يسوع المصلوب هو هو ملك السماء، ووجد راحة قلبية أخذت تغالب آلام الصلب..!! يا لفرحتك يا ديماس.. هل رقص قلبك طربًا..؟! هل طابت نفسك أيها المصلوب..؟! لقد فزت بالوعد الإلهي، وسمعت سيدك يقول لك اليوم " سأنتظرك.. هناك سألقاك.. في الفردوس موضع الراحة والتنعم".
    والفردوس كلمة فارسية معناها جنة ملوكيةإنه موضع راحة الأبرار، حيث لا تنهد ولا بكاء، حيث تعزف الملائكة موسيقى الفرح فينسى الإنسان كل آلامه، حتى لو كانت بشدَّة وجدَّة آلام ديماس على صليبه، وبدأ ديماس يتذوق في آلامه عربون الفردوس، بينما يتجرَّع أماخوس الذي أغرته الكثرة ومظاهر القوة كأس الموت، ويفزع من دنو أجله..
    عجبًا.. أتهلك يا أماخوس وبينك وبين المخلص أشبار؟!..
    وبينما راحت الشياطين ترقص طربًا حول الصلبان الثلاثة، فإذ بأحدهم يظهر مكفهرًا مكتئبًا، وعندما سأله زملاؤه عن سبب اكتئابه قال: لقد كنت ملازمًا لديماس أيام هذه عددها. أما الآن فلم يعد لي موضعًا البتة في قلبه.
    وإذ بيوحنا الحبيب يتابع الأحداث عن كثب، ويرى ديماس يخلص وأماخوس يهلك، فيتذكَّر كلام المُعلّم الذي قاله من أيام قلائل " متى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس على كرسي مجده. ويجتمع أمامه جميع الشعوب فيميّز بعضهم عن بعض كما يميّز الراعي الخراف من الجداء، فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار " ولوقته تخيَّل يوحنا أن يسوع الديان جالسًا على عرشه، حوله الملائكة القديسين، واجتمعت الأرض كلها أمامه، فمال الأبرار ومعهم ديماس إلى يمين الملك، بينما الأشرار وعلى رأسهم رؤساء الكهنة ومشايعيهم وجدوا قوة تدفعهم نحو اليسار.. فارتعب يوحنا وقال: حقًا إن ما يحدث الآن لهو لقطة من يوم الدينونة الرهيب.
    وأخذ يوحنا يُطوّب ديماس: من رأى لصًا آمن بملك مثل هذا اللص، الذي بأمانته سرق ملكوت السموات وفردوس النعيم..؟! طوباك أنت أيها اللص الطوباوي، ولسانك الحسن المنطق الذي به تأهلت بالحقيقة لملكوت السموات وفردوس النعيم..
    نيقوديموس: أيها اللص الطوباوي.. ماذا رأيت؟.. وماذا أبصرت حتى اعترفت بالمسيح المصلوب بالجسد ملك السماء وإله الكل؟!
    يوسف الرامي: ما رأيتَ المسيح.. الإله متجلَّيًا على طور طابور في مجد أبيه، بل رأيته مُعلقًا على الأقرانيون، فلوقتك صرخت قائلًا أذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك..
    أناس: لقد أُحصي مع أثمة، أما هو فقد أحصى الأثمة في ملكوته.. لقد التقينا اليوم بأربعة لصوص يهوذا، وباراباس، وديماس، وأماخوس، ولم يخلص منهم إلاَّ ديماس، وربما يخلص بارباس.
    أما سارباس عضو السنهدريم فتساءل: من أين المُلك لهذا المصلوب..؟! أين رعيته..؟! أين ملكوته..؟! أسيملك في مدينة الأموات..؟!
    وكان لاماخوس " فرصة ذهبية لم يشاركه فيها أحد سوى اللص الآخر المعلق بجواره. لقد كان أقرب الناس قاطبة ليسوع المصلوب، وكانت له الفرصة ليسمع كل أحاديثه وأناته ويتأمل غور جراحه.. كانت له الفرصة الذهبية ليرى كيف يُولَد الفجر في أحلك الظلمات وتتفجر الينابيع من قلب الصخور الصماء.. نعم كانت أمامه الفرصة العظيمة أن ينعم بالخلاص مثل اللص الآخر.. لكنه بالرغم من كل ما حلَّ به ومن حوله لم يغتنم الفرصة السانحة أمامه" (29).
    وكلما فتح يسوع فاه، كان قلب العذراء يخفق، وعاطفة الأمومة تشتعل داخلها متوقعة أن يحدثها ولو بكلمة واحدة، وصدق ظن الأم الحنون التي انشغلت تمامًا بآلام ابنها، أما هو فلم تقوى كل هذه الآلام أن تشغله عن أمه، ففتح المصلوب فمه المبارك وقال بصوت متهدج وهو ينظر إليها: يا امرأة.. هوذا ابنك والتقت عينا الأم اللتان تورمتا من البكاء بعيني الابن اللتان تورمتا من اللطمات والكدمات والضربات، فرأت الأم في عيني ابنها السماء والرجاء والنصرة والمجد، ولكن الآلام التي تعتصرها تشدها بقسوة إلى أسفل.. كم كانت تتمنى أن تضع نفسها عنه، وكاد يُغشى عليها ولكن ابنها منحها القوة وسندها في طريق الآلام، فقالت: أما العالم فيفرح لقبوله الخلاص، أما أحشائي فتلتهب عند نظري إلى صلبوتك الذي أنت صابر عليه من أجل الكل يا إبني وإلهي..
    والتفت الإله المصلوب إلى يوحنا الحبيب قائلًا: هوذا أمك..
    وهز يوحنا رأسه علامة الطاعة والرضي، وهو يقول: كل هذه الآلام يا سيدي وعبرات الموت لم تنسيك واجبات الأمومة.
    وهمست العذراء: هل هذه هي النهاية..؟! كلاَّ.. لا يمكن أن تكون نهاية ابني البار هكذا.. لقد أخبرني أنه سيقوم بعد ثلاثة أيام.. إذًا لابد أن يقوم حتى ولو مات فسيحيا.. ولكن ماذا أفعل إزاء ضعف طبيعتي ومشاعر الأمومة المذبوحة بغير سكين..؟! إنه سيف بتار ونار آكلة يا ابني..
    ولم يكن ليسوع أخوة بحسب الجسد، فلو كان له أخوة لكانوا أحق من يوحنا برعاية أمهم، ولكنها الأم البتول.. كانت بتولًا قبل ولادة ابنها الوحيد يسوع، وأثناء ولادته، وبعد ولادته لم تنجب غيره ، فهي العذراء كل حين دائمة البتولية..
    " وإن كان يوحنا قد تحمل المشقات في إتباع يسوع إلى الجلجثة لكنه لم يرجع خالي الوفاض. لقد توَّج يسوع محبته بأكبر شرف في التاريخ عندما ناداه من فوق الصليب قائلًا " هوذا أمك".. لقد حسبته أليصابات شرفًا عظيمًا عندما أتت إليها أم ربها، فكم وكم عندما أخذها ذلك التلميذ إلى خاصته. ولقد بارك الله بيت عوبيد عندما حلَّ التابوت فيه، أما البركة التي حلت على ذلك التلميذ فلا يمكن أن نعرف مداها. ولاشك أن رسائل يوحنا تكشف قدرًا ضئيلًا من فيض المحبة التي ملأت قلبه" (30).
    وجلس تحت الصليب الجلادون الأربعة يلهون ويتسامرون، ينتظرون موت المصلوب حتى يعودوا إلى القشلاق، ولم تنجح كل الآلام التي يجوز فيها المصلوب، والأنين والصراع من أجل نسمة حياة، وحشرجة الموت.. كل هذا لم ينجح في تحريك شعرة واحدة لهؤلاء الجلادين الذين كدت قلوبهم من حجر الصوان، وكان بجوارهم كومة من الملابس، وحيث أن الجو كان باردًا فإن يسوع ارتدى عدَّة ثياب منها قميص منسوج بدون خياطة، ومنها الملابس الداخلية، ومنها الثوب الذي يُدثّر الجسد كله، ومنها ما يوضع على الرأس والكتفين، وبينما اعتاد الرومان على صلب المجرم عريانًا مجردًا من جميع ملابسه، فإن أهل الشرق ولاسيما اليهود اعتادوا أن يستروا عورة المصلوب.. إنها ملابس المصلوب، وقد جرى العرف على اعتبارها أجرة رخيصة للجلادين الذي ينفذون حكم الإعدام..
    التفت أحدهم وقال ساخرًا: هيا يا رجال القيصر نقتسم كنوز المصلوب..
    وتعالت ضحكاتهم، وأخذ كل منهم نصيبه من هذه الملابس البسيطة التي لا تملأ عين واحد منهم. غير إن نظراتهم انجذبت نحو القميص المنسوج كله، ويبدو إن إحدى السيدات الثريات قد أهدته له..
    وقال أحدهم: أنشقه إلى أربعة أجزاء؟
    -وما قيمته بعد تمزيقه؟!
    -إذًا ليأخذه أحدنا..
    -نعم.. لنلقي قرعة.
    وألقوا القرعة، وجاءت القرعة من نصيب الجلاد الأول الذي دق المسامير في يد المُعلّم، فأخذه فرحًا بينما عيون الآخرين التي تمتلأ حسدًا تحدجه شذرًا..
    وتحت أقدام الصليب وقف داود النبي يعزف على قيثارته اللحن الحزين " يقتسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون" (مز 22: 18).
      رد مع اقتباس
    قديم 02 - 07 - 2014, 03:40 PM   رقم المشاركة : ( 23 )
    Mary Naeem Female
    † Administrator Woman †

    الصورة الرمزية Mary Naeem

    الملف الشخصي
    رقــم العضويـــة : 9
    تـاريخ التسجيـل : May 2012
    العــــــــمـــــــــر :
    الـــــدولـــــــــــة : Egypt
    المشاركـــــــات : 635,571 [+]

     الأوسمة و جوائز
     بينات الاتصال بالعضو
     اخر مواضيع العضو

    Mary Naeem غير متواجد حالياً

    افتراضي رد: كتاب هناك كنت معه - أ. حلمي القمص يعقوب

    ثوب الحداد

    وإذ رأت الطبيعة بارئها شمس البر مُعلَّقًا على الصليب عريانًا ارتعبت وأسرعت لتنسج ثوبًا من الظلمة لتستر عري خالقها، فإذا بالجو يكفهر، والضباب يتكاثف ليغطي الصلبان الثلاث، وإذ بضوء الشمس يبهت، وصار القرص كنار مشتعلة تعلن دينونة الله للخطاة، وسرعان ما اختفت الشمس عن الأنظار، واتشحت السماء بالسواد، وارتدت الطبيعة ثوب الحداد، وكفت الطيور عن تغريداتها وآوت إلى أعشاشها، ولف الصمت الرهيب المكان، فخرس الشامتون المستهزؤن، ولم يعد يُسمع صوت غير آنين المصلوبين ف " كل عرْق ينبض بالنيران، وكل عصب يصرخ بالألم، وكل عضلة تزداد تقلصًا لتزيد من تمزق اليدين والقدمين، والجسد بين صعود وهبوط، والقلب بين رجيف وتوقف، والأنفاس بين تدافع وتراجع، ولكن الموت الرحيم، مازال بعيدًا.. بعيدًا" (31).
    وتهامس الواقفون، فقال يوشافاط: ما لالابال الطبيعة تغضب هكذا..؟! أهي غاضبة بسبب الضال المُضّل؟!
    سمعان الأبرص: إنه بالحقيقة رجل بار.. ألم يعرف أفكاري دون أن أتكلم؟!
    روسمتين (أحد أعضاء مجلس السنهدريم): حقًا إن السماء تشهد له!!
    سوباط: لو لم يكن ابن الله فلماذا تحزن الطبيعة إلى هذه الدرجة؟!
    أنولمية: يا ويلتاه.. أنهاية العالم هذه؟!
    حنان: لنحذر يا أخوة ونستيقظ لئلا يأتي أتباع الناصري وينزلوه من على الصليب.
    يورام: وكيف يحدث هذا والجنود الرومان هنا قائمين على حراسته؟
    يوحنا: هكذا قال عاموس النبي: " أليس من أجل هذا ترتعد الأرض.. ويكون في ذلك اليوم يقول السيد الرب إني أُغيب الشمس في الظهر وأُقتم الأرض في يوم نور" (عا 8: 9).
    يوسف الرامي: ألم يقل أشعياء النبي: "أُلبس السموات ظلامًا وأجعل المسح غطاءها" (أش 50: 3)؟!
    نيقوديموس: حقًا قال يوئيل النبي: "الشمس والقمر يظلمان والنجوم تحجز لمعانها، والرب من صهيون يزمجر ومن أورشليم يعطي صوته فترتجف السماء والأرض" (يؤ 3: 15، 16).
    أناس: ألم يقل أرميا النبي: " غربت الشمس إذ بعد نهار" (أر 15: 9)؟!
    وهمس ديماس: لولا إن المصلوب معنا إلهًا متجسدًا، ما كانت الشمس أخفت شعاعها، ولا الأرض ماجت مرتعدة. فيا قادرًا على كل شيء، والمحتمل كل شيء، اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك.


    عمَّت الظلمة الرهيبة هذا العالم في وضح النهار بصورة مفزعة، فلم يعد الواقفون على الجلجثة يبصرون أمجاد الهيكل ولا جبل الزيتون، وتفرَّق الكثيرون منهم مفضلين العودة إلى ديارهم، حتى إذا حدث لهم مكروه - جراء جريمتهم الشنعاء - يكونون بجوار ذويهم..
    في ذات الوقت الذي عمَّت فيه الظلمة أورشليم عمَّت العالم، ففي مدينة هليوبوليس بمصر كان عالم الفلك ديوناسيوس الأريوباغي، وهو يعلم أنه من المستحيل أن يحدث كسوف في وسط الشهر القمري والقمر بدرًا.. ومن المستحيل أن يمكث الكسوف كل هذه المدة.. ومن المستحيل أن يغطي كل هذه المساحة من العالم.. وبعد تأمل عميق وضع (عالم الفلك) تقريره " إما إن إله الطبيعة يتألم، أو إن العالم آخذ في الانحلال".
    ووسط الظلمة الرهيبة جاز يسوع الآلام الكفارية، متحملًا عقاب خطايا البشريَّة، وهو البار القدوس.. هوى عليه سيف العدالة الذي كان سيهوى على البشريَّة، فصرخ قائلًا: إيلي إيلي لما شَبَقْتَني.. أي إلهي إلهي لماذا تركتني.
    وقال هارين: إنه ينادي إيليا.. لنرى هل يأتي إيليا لينقذه.
    حقيقة كل آلام الصليب المنظورة لا تقارن بالمرة بالآلام غير المنظورة التي يعانيها يسوع الآن " كان المخلص في هذا السكوت الرهيب المستوحش يعاني آلامًا نفسية مبرحة! آلامًا غير ما كان يعانيه من ألم الصلب وعاره! آلامًا لا تماثلها فواجع الحرب الضروس، ولا تحاكيها أهوال الطبيعة الثائرة! آلامًا ذاب في تنورها فؤاده الكبير كما يذوب الشمع أمام النار!. آلامًا سرية من يد الآب لا يدركها حنان أو ينطق بها لسان!" (32).. " صعد الابن على مذبح الجلجثة طوعًا.. وهناك ذبح الآب ابنه الوحيد حيًا..!! هل من يحكي للورى ماذا كان يجول في قلب الآب هناك..؟! هل نستطيع أن ندرك مشاعره في تلك الساعات الحزينة..؟! إن الملائكة لا تقدر أن تنظره فهي تغطي عيونها دائمًا بأجنحتها، فكيف للبشر أن يحدقوا فيه، وخاصة في هذا الموقف المذهل الرهيب..؟! وهل نستطيع أن ننظر إلى الشمس وهي في ملء قوتها؟.. فالشمس نور ونار، أما الصليب فقد فاق ضياءه ونيرانه كل الشموس..
    إن البشرية مهما سُحقت وتألمت لن تدرك شيئًا من مشاعر الآب والابن معلق على الصليب.. وكأني بالآب كان يمسك بإحدى يديه سكين القضاء.. وباليد الأخرى يحوطه بكل الحب والحنان.. إن الرهبة تجتاحنا ونحن نحاول أن نستكشف قلب الآب الدامي.. فوق مذبح الجلجثة تمثلت أعظم وأعقد مشاهد التاريخ كله.. وتجسمت أسمى قمم الحب الدامي.. إن ذلك الصليب الجبار العظيم بما تمثل فيه من قيم وقمم سوف يعلو دائمًا شاهقًا فوق كل عقول البشر وقلوبهم" (33).
    " وذلك الصليب البشري كان في حقيقته يرمز لصليب آخر، إلهي، سمرته عليه يد العدالة. كانت هناك أشواك من طراز آخر كلَّلت رأس يسوع، وسياط خفية رهيبة مزَّقت جسده، ومسامير أخرى غليظة مرعبة دقت في يديه ورجليه. كانت يد العدالة الإلهية خلف المسامير والأشواك والسياط، هي التي سحقت يسوع سحقًا. إنها نفس اليد التي طردت آدم الأول خارج جنة عدن أما آدم الثاني فقد أخذته يد العدالة إلى خارج أورشليم، رافعة إياه فوق الجلجثة.
    كان يسوع يشعر بضربات ذلك السيف في الجلدات والأشواك والمسامير مما جعل آلامها رهيبة بلا حدود. آه نعم، لقد كان يسوع يحمل حقًا صليبًا آخر خفيفًا. آلامه ليست من هذا الدهر.. في تلك الساعات الحالكة جُعلِل يسوع خطية.. وسط الظلام وضع الرب عليه إثم جميعنا.. وانصبت عليه أهوال الدينونة.. {أما الرب فسرَّ بأن يسحقه بالحزن. أن جعل نفسه ذبيحة إثم} (أش 53: 10).. كان يسوع بصرخته هذه لا يعبر فقط عن قسوة آلامه بل ليعلن للعالم أجمع أن صليبه لم يكن مجرد صليب بشري أو جهنمي، إنما كان في حقيقته صليبًا إلهيًا آلامه تفوق كل أهوال الجحيم. هذه هي الحقيقة التي تميز صليب يسوع وبدونها ما كان إلاَّ مجرد صليب عادي لا يمكن أن يصنع الفداء" (34).
    ولم يدرك لوسيفر بكل حكمته براءة المصلوب التي أدركها (بعد ألفي عام) مصطفى أمين في سجنه، لحظة أن وقف عصفور على فتحة زنزانته، فكتب يقول "لعل العصفور يطل في عينيَّ ليرى أعماقي، ليرى مسيحًا بلا خطية، مشنوقًا بلا جريمة، معلَّقًا على مقصلة بغير ذنب" (35).
    وسُمع في الأفق صوت حمامة (معنى يونان في العبرية حمامة) تهدر: " لأنك طرحتني في العمق في قلب البحار. فأحاط بي نهر. جازت فوقي جميع تيَّاراتك ولججك. فقلت قد طُردت من أمام عينيك..
    قد اكتنفتني مياه إلى النفس أحاط بي غمر. التفَّ عشب البحر برأسي. نزلت في أسافل الجبال. مغاليق الأرض عليَّ إلى الأبد" (يون 2: 3 - 6).
    وتجاوبت قيثارة داود مع همسات الحمامة، فراحت ترتل بلسان المصلوب: " إلهي إلهي لماذا تركتني..
    بعيدًا عن خلاصي عن كلام زفيري. إلهي في النهار أدعو فلا تستجيب في الليل أدعو فلا هدوء لي. وأنت القدوس الجالس في تسبيحات إسرائيل..
    أما أنا فدودة لا إنسان. عارٌ عند البشر ومُحتَقر الشعب. كل الذين يرونني يستهزئون. يغفرون الشفاه وينغضون الرأس قائلين: إتكل على الرب فلينجيه لينقذه لأنه سُرَّ به..
    أحاطت بي ثيران كثيرة.. كالماء انسكبت. انفصلت كل عظامي. صار قلبي كالشمع. قد ذاب في وسط أمعائي.." (مز 22: 1 - 14)
    وتنهد يوحنا قائلًا: حقًا قال أشعياء النبي " أما الرب فسُرَّ بأن يسحقه بالحزن. أن جعل نفسه ذبيحة إثم" (أش 53: 10).
    وسُمع صوت يسوع على تل الجمجمة يقول: أنا عطشان.
    فتقدم أحد الجنود الرومان وغمس اسفنجة في إناء كان به خلًا ووضعها على عصا وقرَّبها إلى شفتيه الملتهبتان بنار العذاب.
    وبأسلوب بليغ عبّر داود عن عطش يسوع: "انتظرت رقة فلم تكن ومعزين فلم أجد.. وفي عطشي يسقونني خلًا" (مز 69: 20، 21).. لأنه "يبست مثل شقفة قوتي ولصق لساني بحنكي وإلى تراب الموت تضعني" (مز 22: 15)0
    لقد عطش يسوع نتيجة لما تعرض له من عذابات وجراحات ونزيف.. عطش نتيجة العرق الغزير الذي تصبَّب من جسده المنهك.. عطش نتيجة محاولاته العنيفة للحصول على نسمة حياة.. عطش حتى جفَّ ريقه ويبس لسانه.. قد يبست سوسنة الأودية، وهوذا نرجس شارون قد ذبل..
    عندما عطش شمشون أعطاه الرب ماءًا ليشرب من لحيوعندما عطش بنوا إسرائيل فجَّر الله لهم ماءًا من صخرة صماء. أما يسوع عندما عطش على الصليب فلم يجد قطرة ماء.. " كان العطش أمرًا طبيعيًا لمن يُصلب حيث يفقد الجسم الكثير من الماء بسبب العرق والجراحات. لم يشكو مسيحنا كل آلام الجلد وإكليل الشوك والمسامير لكن الشكوى الوحيدة التي نطق بها هي أنه عطشان" (36).
    ونحو الساعة الثالثة بعد الظهر أعلن يسوع إتمام رسالته قائلًا: قد أُكمل..
    قد أُكمل إثم اليهود والرومان.. نفدت السهام كل السهام التي في جعبتهم، وأي شيء آخر كان يمكن أن يفعلوه ولم يفعلوا..؟! لا شيء..
    ألم يكبلوه بالأغلال كلص وقادوه في ست محاكمات ظالمة؟!
    ألم يكيلوا له الضربات واللطمات واللكمات وقد نفضوا البصاق في وجهه؟!
    ألم يهتفوا ضده واستهزءوا به وسخروا منه؟!
    ألم يجلدوه بالسياط ويكلّلوه بالأشواك؟!
    ألم يعلقوه بين لصين وفي عطشه بخلوا عليه بقليل من الماء؟!
    حقًا لقد كملت كل نبؤات الأنبياء عنه..
    قد أُكمل فداء البشرية.. نال العدل الإلهي حقه تمامًا من يسوع الذبيح، فاشتمه أبوه الصالح وقت مساء الخطية والظلمة على الجلجثة.. حقًا لقد أعطى يسوع محبته اللانهائية للبشرية.
    قد أُكمل الخلاص من الخطية.. الخطية التي سادت العالم، ولم تقدر مياه الطوفان أن تغرقها، أو نيران سدوم وعمورة أن تحرقها، وحتى لما فتحت الأرض فاها لم تقدر أن تبتلعها، بل عاشت الخطية ونمت وترعرعت، حتى رَفعتْ الذي بلا خطية على خشبة الخطية والعار.
    وفي الساعة الثالثة بعد الظهر صرخ يسوع بصوت عظيم..
    فقال نيقوديموس: عجبًا.. من أين لهذا المصلوب المُنهَك بهذا الصوت العظيم لو لم يكن هو رب القوة..؟! أترى هذه صرخة النصرة على الموت الذي دوَّخ البشرية ردحًا من الزمن هذا مقداره؟!!
    صرخ يسوع بصوت عظيم: يا أبتاه في يديك أستودع روحي..
    قال يوسف الرامي: يا أبتاه.. إنها أول كلمة تنطق بها يا يسوع من على صليبك عندما أعلنت مغفرتك لجلاديك، وآخر كلمة تنطق بها أيضًا..
    أليس من أجل قولك إنك ابن الله كان كل هذا؟! أفما تزال تصر بأن الله هو أبيك..؟!
    حقًا إنك ابن الله، وما يجري الآن، ولا نقدر أن نفهمه الآن، لابد إننا سندركه فيما بعد.
    وأمال يسوع رأسه وأسلم الروح..
    وقال يوحنا: عجبًا.. كل إنسان يسلم الروح ثم ينكس رأسه. أما أنت يا يسوع فقد أملت رأسك أولًا ثم أسلمت الروح.. إنك تعلن أنك صاحب سلطان.. حقًا ما قلته لنا يا يسوع " لأني أضع نفسي لآخذها أيضًا. ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضًا".. الآن وقعت حبة الحنطة على الأرض وماتت، فلابد أن تأتي بثمر كثير..
    أمال يسوع برأسه.. تعبيرًا عن ثقل خطايانا التي حملها بإرادته، والتي سبق وعبر عنها داود النبي "آثامي قد طمت فوق رأسي. كحمل ثقيل أثقل مما أحتمل" (مز 38: 4).. " لأن شرورًا لا تحصى قد اكتنفتني. حاقت بي آثامي ولا أستطيع أن أبصر" (مز 40: 12).
    وأسلم الروح.. كيف؟.. كيف تموت الحياة؟!
    هذا مستحيل.. نعم مستحيل.. إذًا يسوع لم يمت؟!
    لا.. بل مات.. كيف؟
    الروح البشرية انفصلت عن الجسد البشري. أما لاهوتك يا يسوع فلم يفارق أحدهما لحظة واحدة ولا طرفة عين..
    لذلك نعلن بملء الفم إن الله مات عنا..
    البريء القدوس مات عني أنا المجرم الأثيم..
    ولماذا تتعجب يا صديقي ألم تسمع عن أم تضحي بنفسها لتنقذ طفلها من النار؟!
    أولم تسمع عن أب يضحي بنفسه لينقذ ابنه من وحش مفترس؟!
    أولم تسمع عن شاب في عنفوان شبابه يموت غرقًا لينقذ شخصًا آخر؟!
    أولم تسمع عن ضابط من قوات الإطفاء يموت مختنقًا أو محترقًا لكيما ينقذ الآخرين؟!
    أولم تسمع عن جندي يبذل نفسه من أجل حياة الآخرين؟!
      رد مع اقتباس
    قديم 02 - 07 - 2014, 03:41 PM   رقم المشاركة : ( 24 )
    Mary Naeem Female
    † Administrator Woman †

    الصورة الرمزية Mary Naeem

    الملف الشخصي
    رقــم العضويـــة : 9
    تـاريخ التسجيـل : May 2012
    العــــــــمـــــــــر :
    الـــــدولـــــــــــة : Egypt
    المشاركـــــــات : 635,571 [+]

     الأوسمة و جوائز
     بينات الاتصال بالعضو
     اخر مواضيع العضو

    Mary Naeem غير متواجد حالياً

    افتراضي رد: كتاب هناك كنت معه - أ. حلمي القمص يعقوب

    المعركة الرهيبة

    ونحو الساعة الثالثة بعد ظهر يوم الجمعة تجمع الآلاف بالهيكل، كلٍ يحمل حَمَلَهُ ذو الربيع الواحد من عمره ليذبحه، فذبح الفصح لابد أن يتم في فناء الهيكل " لا يحلُّ لك أن تذبح الفصح في أحد أبوابك التي يعطيك الرب إلهك. بل في المكان الذي يختاره الرب إلهك ليحل اسمه فيه. هناك تذبح الفصح" (تث 16: 5، 6).. ولم يدرك كل هؤلاء إنه لم تعد هناك حاجة لسفك كل هذه الدماء بعد أن سفك يسوع دمه الإلهي على عود الصليب.
    وعودة إلى السويعات التي سبقت تسليم يسوع لروحه الطاهرة، وقد أحاط بالصليب لوسيفر وآلاف من ملائكته الساقطين، حتى غطت قوات الظلمة جبل الجلجثة بكثافة كبيرة، في تناغم مع سلطان الظلمة الذي سيطر على وجه الأرض.. تجمَّعت قوات سطانائيل حول مأدبة الصليب، تُمني نفسها بالوجبة الشهية، وتستعد للحظات النصرة على يسوع الناصري.. صوت جلبة وضوضاء.. صوت ضحكات وقهقهات تدوي بين الشياطين، فتجلجل المكان وتهز الأركان.. رقصات سريعة مع موسيقى شيطانية مزعجة تصم الأذان، وراح لوسيفر يزهو أمام جيوشه ويستعرض عضلاته.. إنها اللحظات الأخيرة من الصراع الدائر منذ أكثر من ثلاثين عامًا بينه وبين ابن الإنسان، وأخذ لوسيفر يسخر من ذاك المُقيَّد بالمسامير، عريانًا على خشبة العار: ألم تقل يومًا: " رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء".. وها نحن قائمون أمامك.. أرنا ماذا تقدر أن تفعل..؟! ألم تقل منذ أيام " الآن يطرح رئيس هذا العالم خارجًا".. هوذا أنا هنا يا يسوع.. ومن يجرؤ أن يطرحني خارجًا؟!
    هذا جانب من الصورة. أما الجانب الآخر فهو ربكة لوسيفر وجنوده، عندما سمعوا المصلوب يَعدْ ديماس بالفردوس.. إنهم يتساءلون ويندهشون: كيف يمكن لهذا المصلوب الذي لا حول له ولا قوة أن يفتح باب الفردوس المُغلَق منذ آلاف السنين..؟!
    أتراه كاذبًا..؟! لكننا لم نتعود الكذب منه قط..
    أتراه صادقًا..؟! إذًا كيف يكون هذا؟!..
    ومن أين جاءت الملائكة التي أحفَّت بديماس منذ أن تلقى الوعد بالفردوس؟!
    ثم ما هذه الظلمة التي عمت أرجاء الأرض؟!..إنها ليست كسوفًا..
    وعندما صرخ يسوع بصوت عظيم.. صرخ لوسيفر: من أين لهذا المصلوب بهذا الصوت العظيم وهذه القوة الخارقة؟!
    صرخ يسوع بصوت عظيم: يا أبتاه في يديك أستودع روحي.
    فشب داود النبي على أخمص قدميه يستطلع أسرار العالم الآخر وهتف صارخًا: " اخرجني من الشبكة التي خبأوها لي. لأنك أنت حصني. في يديك أستودع روحي" (مز 31: 4، 5).
    أما لوسيفر فقد هاج وماج يركض كالمجنون هنا وهناك حول المصلوب.. لوسيفر المشتكي يقف يشتكي.. لوسيفر المحتج رفع صوته محتجًا: كيف..؟! كيف يُسلم روحه في يد الله؟!
    ألا يعلم إن مستودع جميع الأرواح هو جحيمي؟!
    ألا يدرك إنني صاحب الحق في هذه الروح البشرية، ولا أحد يقدر أن يأخذها مني؟!
    وشعر لوسيفر بقشعريرة تسري في روحه، ولكنه تشجع وجمع أشتات نفسه المبعثرة، وقوته الخائرة، وقواته الجبانة، وهجم على المصلوب في شراسة ما بعدها شراسة، معلنًا عن منظره المرعب الذي اعتاد أن يظهر به لكل من تأتي ساعته فيجف دمه ويقتنص روحه ويزفها إلى جحيمه..
    وأظهر لوسيفر شكله المرعب للمصلوب أكثر من أي شكل آخر ظهر به من قبل.. إنه يحمل في أحشائه غل السنين وحقد الأيام على ذاك المصلوب..
    وفجأة وكأنه صُدم بتيار كهربائي تبلغ قوته آلاف آلاف الفولتات..
    إنه في مواجهة أمام قوة اللاهوت..
    الصدمة أسكرته فترنح، واستدار ليركب أجنحة الريح ويهرب ويفوز بالنجاة.. ولكن إلى أين يا لوسيفر..؟!
    إنك تقف أمام ضابط الكل الذي السماء والأرض والهاوية في يده.. وأُسقط في يده..
    لقد ضُبط متلبسًا بجريمتين:
    الأولى: تحريض اليهود والرومان على سفك دم ذكي برئ.


    الثانية: التعدي على العزة الإلهية.
    وقبض الإله المصلوب على لوسيفر، وجرده من سلطانه على أبناء الله، وقيده لكيما يصير هزءًا وسخرية للسنين والأيام، فيسخر منه شاب مثل مارجرجس، أو صبي صغير مثل أبانوب أو طفل مثل قرياقوس..
    الآن ردَّ يسوع آدم الثاني الضربة القاضية التي وجهها الشيطان لآدم الأول..
    بالأمس البعيد أغرى إبليس الإنسان بالثمرة المحرَّمة، حتى إصطاده وأدخله إلى حظيرة الموت، وأغلق عليه باب الجحيم.. أما الآن فما أروع منظرك أيها الإله المصلوب؟!
    صليبك هو شجرة الحياة وأنت معلَّق عليها كثمرة شهية لذيذة، أسالت لعاب إبليس، فأسرع يمني نفسه باقتطافها وأكلها، وما أن ابتلع السنارة المغلَّفة بالجسد البشري، حتى صُدم بجمر اللاهوت فلم يحتمل، فانشقت أحشائه..
    ونادى يسوع بصوت عظيم: هيا أيها الخراف الذين ابتلعهم الذئب على مدار آلاف السنين.. هيا إلى الحرية.. لا عبودية لإبليس بعد اليوم.. لا موت بعد اليوم.. بموتي ذبحتُ الموت الذي دوَّخ البشرية.
    احتشدت ربوات ربوات الملائكة ورؤساء الملائكة، الشاروبيم والسيرافيم.. الكل يصرخ ويصيح: عظيمة وعجيبة هي أعمالك أيها الرب الإله القادر على كل شيء عادلة وحق هي طرقك يا ملك القديسين. من لا يخافك يا رب ويمجد اسمك لأنك وحدك قدوس..
    اقتحم يسوع مملكة إبليس، وعندما لمحه بوابو الجحيم ارتعبوا وولوا مدبرين..
    دخل يسوع إلى سجن الظلمة فأبرقت روحه بنور اللاهوت..
    اهتزت أساسات الجحيم وصرخت النفوس البريئة متهللة: هوشعنا.. هوشعنا يا ابن داود.
    وصرخ أيوب الصديق: ربي وإلهي بالأمس البعيد قلت لك " ليتك تواريني في الهاوية وتُخفيني إلى أن ينصرف غضبك وتُعيّن لي أجلًا فتذكرني" (أي 14: 13) أما الآن فقد جاء وقت الخلاص والنجاة..
    وصاح إشعياء النبي: ربي وإلهي بالأمس البعيد قلتُ " لتُخرِج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين في الظلمة" (أش 42: 7) أما الآن فأقول " ترنمي أيتها السموات لأن الرب قد فعل. اهتفي يا أسافل الأرض. أشيدي أيتها الجبال ترنمًا الوعر وكل شجرة فيه. لأن الرب قد فدى يعقوب وفي إسرائيل تمجَّد" (أش 44: 23)..
    ورفع هوشع النبي صوته متهللًا: ربي وإلهي بالأمس البعيد قلت لي " من يد الهاوية أفديهم من الموت أُخلصهم. أين أوباؤك يا موت؟! أي شوكتك يا هاوية؟!" (هو 13: 14) أما الآن فها قد نظرت عيناي فدائك على الصليب..
    زكريا النبي بالأمس البعيد: سمعتك يا ربي وإلهي تقول " وأنتِ أيضًا فانّي بدم عهدكِ قد أطلقتُ أسراكِ من الجب الذي ليس فيه ماء. ارجعوا إلى الحصن يا أسرى الرجاء" (زك 9: 11: 12).. وهوذا نحن الآن ننطلق من جب الجحيم..
    بالأمس قال يسوع " كيف يستطيع أحد أن يدخل بيت القوي وينهب أمتعته إن لم يربط القوي أولًا وحينئذ ينهب بيته" (مت 12: 29)
    عجبًا.. اليدان المربوطتان بالمسامير ربطت القوي..
    الذراعان المقيدتان بالمسامير قيدا لوسيفر..
    الساعدان المسمران على الصليب قد سمرتا إبليس، وفضحته جهارًا نهارًا ظافرة به..
    وصارت فرحة عظيمة، وانجذبت أرواح الأطهار نحو الفادي، فباركهم وأعلن لهم قرار العفو الأبدي مدموغًا بدمه الإلهي، ففرحوا فرحًا عظيمًا، وقادهم في موكب نصرته من أعماق الجحيم إلى الفردوس، فانفتحت أبواب الفردوس أمام المنتصر الجبار الذي سبي سبيًا وأعطى الناس كرامات، كما سجدت له الملائكة حراس الفردوس وانضموا للموكب، وهتفت قوات السماء حتى ارتجت السماء كلها فرحة بخلاص البشرية، وهكذا ملك إلهنا على خشبة، وأعلن ملكه الألفي الذي يستمر حتى مجيئه الثاني، حيث تعود كل هذه الأرواح من الفردوس، وتلبس أجسادها، وتُزف إلى ملكوت السموات.
    وإذ حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل.. حجاب الهيكل هو ستارة سميكة في سمك راحة اليد، منسوجة بألوان رائعة.. اللون الأبيض علامة النقاء، والسماوي علامة السمو، والأرجواني علامة المُلك، والقرمزي بلون دم يسوع، وكانت هذه الستارة تفصل بين القدس حيث مذبح البخور ومائدة خبز الوجوه والمنارة الذهبية، وبين قدس الأقداس حيث تابوت العهد والغطاء والكاروبان المظللان عليه، وأمام هذا الحاجز تمتد سلسلة ذهبية تُحذّر ببريقها كل من يفكر أن يقتحم هذا المكان، ومن كان يجرؤ أن يخترق هذا الحجاب إلا رئيس الكهنة في يوم عيد الكفارة العظيم حاملًا دم الذبيحة على يديه..؟! كان هذا يحدث ورجله مربوطة بحبل لئلا يحدث له مكروهًا فيسحبونه إلى الخارج، لأن أحد لا يجرؤ على اقتحام الموقع.
    أما الآن فهوذا رئيس الكهنة الحقيقي مُعلَّق على الصليب، وحالًا سيدخل ليس إلى قدس أقداس الهيكل الأرضي بل إلى قدس أقداس السماء بعينها، وليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه، مقدمًا البشرية المفديَّة بالدم لله أبيه..
    وجاء في التاريخ أنه " قبل خراب الهيكل سنة 70م بأربعين سنة (أي وقت صلب المسيح) انفتحت أبواب الهيكل من تلقاء ذاتها، حتى وبخ الحبر يوحنان بن زكاي قائلًا: أيها الهيكل.. أيها الهيكل.. لماذا تضطرب منزعجًا؟ أنا أعلم أن نهايتك وشيكة الحدوث. لقد تنبأ عنك زكريا بن عدو (زك 11: 1) حين قال: أفتح يا لبنان أبوابك لتلتهم النار أرزك" (37).
    عاد حنان وقيافا مع جمهور الكهنة واللاويين إلى الهيكل للاحتفال بعيد الفصح، وإذ بالكارثة في انتظارهموعندما رآوا حجاب الهيكل قد انشق لطموا الوجوه وصرخوا صرخات مرة، فقد صار كهنوتهم كهنوتًا مزيفًا، وعلى الفور أدركوا أنه لم يعد لهم وجود على خشبة المسرح بعد، ففي وجود الحجاب وجودهم، وفي زواله زوالهم..
    "هربت الشمس وغاب القمر واختفت النجوم، لكي لا ينيروا للمنافقين في وقت الصلبوت المقدَّس، وكان القمر كاملًا ولم يُنرْ، ولما غابت الشمس صار الكل في ظلمة، لكي لا ينظروا إلههم الذي خلقهم معلقًا على خشبة مثل لصٍ. مال النهار وخرج ملاك مختار من وسط الملائكة كلهم، وسيفه مشهور في يده، ليبيد المخلّين بسرعة، فلما منعته رحمة المسيح، ضرب الملاك حجاب الهيكل بسيفه فشقه إلى اثنين من أسفل إلى فوق، وكلا الملائكة ينظرون من السماء، وكلهم مُغضَبون، وقد منعتهم رحمة الآب وصبره" (38).
    والأرض تزلزلت.. لأنها لم تحتمل الصليب المُعلَق عليه رب الطبيعة، فأرادت أن تهرب، ولكنها ضُبطت بكلمة المصلوب وتزلزلت لأنها خشيت أن تشرب الدم الإلهي البريء، وتزلزلت لأنها اشتهت أن تفتح فاها وتبتلع الأشرار، والمصلوب لم يسمح لها، وتزلزلت الأرض إذ رقصت طربًا بخلاص المفديين الذين ارتدوا أجسادًا من ثراها، بينما وقف عاموس النبي يتساءل متعجبًا: " أليس من أجل هذا ارتعدت الأرض؟" (عا 8: 8).
    والصخور تشققت.. فقال أناس: يوم الأحد الماضي ارتجت المدينة لدخول المُعلّم إليها، وهتف الرجال والأطفال، مما أثار الفريسيون وطالبوه أن ينتهر تلاميذه فقال لهم "أقول لكم إنه إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ" (لو 19: 39).. والآن وقد كفَّ الهاتفون عن الهتاف، وارتفع صوت السخرية والاستهزاء، لم تحتمل هذه الحجارة، فنطقت ببراءة المصلوب.. إنها تشقَّقت عوضًا عن القلوب الحجرية التي لا تلين.
    وأما قائد المئة والذين معه يحرسون يسوع فلما رأوا الزلزلة وما كانوا خافوا جدًا وقالوا حقًا كان هذا ابن الله.. عندما أبصر قائد المئة وجنوده الذين يحرسون يسوع ما كان من غضبة الطبيعة، أعلنوا إيمانهم بالمصلوب ابنًا لله، فمن أين عرف هؤلاء الرجال الغرباء عن رعوية إسرائيل إنه ابن الله..؟! لقد سمعوا عنه بأنه دعى نفسه ابن الله، فصدقوه. أما الطبيعة فقد سخرت بشيوخ اليهود ومشايعيهم، حتى إن كل الجموع لما أبصروا ما كان انسحبوا من موقع الأحداث وهم يقرعون صدورهم.
    حقًا إن اليوم لرهيب.. لقد حلَّت دينونة العدل الإلهي على رأس الابن الحبيب الوحيد الجنس بسبب كل خطايا البشرية في كل زمان ومكان.. لم تحتمل الشمس بل انطفأت، ولم تحتمل الصخور بل تشققت، فكم وكم آلام هذه الدينونة التي جزت فيها يا حبيبي!!
    " في ذلك اليوم العظيم يخيل إليَّ أن الجماهير أخذت تتقاطر من كل صوب خارج المحلة، لتلتف حول ذلك الحمل الوديع.. ثم أخذت تتسلق ربوة الجلجثة وهي زاحفة على ركبها بعيون دامعة وقلوب ممزقة..
    وكأني بالأجراس كانت تدق بعنف في نغم حزين، فتشيع جوًا من الرهبة والجلال.." (39)
    ثم إذ كان استعداد فلكي لا تبقى الأجساد على الصليب في السبت لأن يوم ذلك السبت كان عظيمًا سأل اليهود بيلاطس أن تُكسر سيقانهم ويرفعوا.. أرسل رؤساء الكهنة رسولًا إلى بيلاطس البنطي ليأمر بكسر سيقان المصلوبين حتى لا تظل الأجساد معلَّقة على الصلبان في أيام الأعياد، وأسرع الرسول الخطى، ووافقه بيلاطس، فقد كان هذا الأمر قانونيًا يتمشى مع القانون الروماني كنوع من أنواع موت الرحمة، ومثله الطعن بالحربة.
    وتقدم أحد الجنود الرومان، وفي يده بالطة مسنونة، وضرب ساقي ديماس، فأطلق صرخته المدوية، وصار معلقًا من يديه فقط، بينما انفجر الدم من ساقيه بغزارة، وبهذا تأكد الواقفون أنه خلال ساعة على أكثر تقدير سيتوقف هذا القلب عن النبض بالحياة.
    وجاء الرجل إلى يسوع فوجده قد مات فتغاضى عن كسر ساقيه، وتقدم إلى أماخوس ففعل معه كما فعل مع ديماس، ولكن أماخوس لم يكف عن الثرثرة، وكأنه يفضل هذه الحياة تحت وطأة هذا العذاب عن الموت.
    وقال يوحنا: حقًا الآن تمت نبؤة داود النبي التي نطق بها من ألف عام " يحفظ جميع عظامه واحد منها لا ينكسر" (مز 34: 20).
    وتقدم أحد الجنود ليتأكد أيضًا من موت يسوع، فأشهر حربته وتراجع للخلف وطعن جسد يسوع طعنة نجلاء تجاه القلب، وهو الخبير بالطعنات فطعنة منه تقتل حتمًا أي إنسان حي، واخترقت الحربة ضلوع يسوع ومزقت الغشاء البلوري وإحدى الرئتين، ففاض من جنبه دم وماء..
    فتعجب الواقفون، وتذكر نيقوديموس نبؤات زكريا النبي " فينظرون إلى الذي طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيد له ويكونون في مرارة عليه كمن هو في مرارة على بكره" (زك 12: 10).. " ويكون في ذلك اليوم إنه لا يكون نور.. ويكون في ذلك اليوم أن مياهًا حيَّة تخرج من أورشليم نصفها إلى البحر الشرقي ونصفُها إلى البحر الغربي. في الصيف وفي الخريف تكون" (زك 14: 6، 8).
    وقال يوسف الرامي: حقًا الآن تمت النبؤات " ثم أرجعني إلى مدخل البيت وإذ بمياه تخرج من تحت عتبة البيت نحو المشرق.. لأن مياهه خارجة من القدس" (حز 47: 1، 12).. " ويكون في ذلك اليوم أن الجبال تقطر عصيرًا والتلال تفيض لبنًا وجميع ينابيع يهوذا تفيض ماءًا ومن بيت الرب يخرج ينبوع ويسقي وادي السنط" (يؤ 3: 18) والسنط رمز للخطاة.
    " طعن السيد المسيح بالحربة حتى قلبه إنما كان ذلك أشبه بنافذة تطل من خلالها النفس على أحشاء المسيح الداخلية أو قلبه، لترى فيض حبه الإلهي، أو لهيب الحب الفائق نحو البشرية. إنه النافذة المفتوحة التي من خلالها يمكن للمؤمن أن يلتقي بالله، ويرسل إليه مشاعر حبه. إنها نافذة القلب التي لا تُغلق قط أمام أي تائب. سمح الله للجندي أن يضرب قلب السيد المسيح بالحربة لكي نرى في القلب الصخرة المضروبة لأجلنا (1 كو 10: 4) والينبوع الذي يفيض علينا (زك 13: 1) وآبار الخلاص التي حفرت من أجلنا (أش 12: 3) والنهر الذي يفيض بمجاريه يُفرح مدينة الله"
      رد مع اقتباس
    قديم 02 - 07 - 2014, 03:43 PM   رقم المشاركة : ( 25 )
    Mary Naeem Female
    † Administrator Woman †

    الصورة الرمزية Mary Naeem

    الملف الشخصي
    رقــم العضويـــة : 9
    تـاريخ التسجيـل : May 2012
    العــــــــمـــــــــر :
    الـــــدولـــــــــــة : Egypt
    المشاركـــــــات : 635,571 [+]

     الأوسمة و جوائز
     بينات الاتصال بالعضو
     اخر مواضيع العضو

    Mary Naeem غير متواجد حالياً

    افتراضي رد: كتاب هناك كنت معه - أ. حلمي القمص يعقوب

    جسارة الحب

    وبعد انقضاء الساعة الثالثة بعد الظهر عادت الشمس تفرش أشعتها، ولكن كأنها فقدت بريقها ولمعانها، إذ غلب اللون الأحمر على هذه الأشعة وكأنها قد صارت مرآة لدم المصلوب. أما قرص الشمس المشتعل نارًا فأخذ يعلن غضب الله على ذاك الشعب الذي دعاه يومًا شعبه، وصنع من أجله المعجزات العظام وحمله على أجنحة النسور، وأتى به إلى هذه الأرض، وهو شعب جاحد عنيد صلب الرقبة، وبدأت الجموع الباقية على الجلجثة تسرع إلى المدينة لإقامة طقس الفصح.
    أما حنان وقيافا فقد غطاهم الحزن العميق والخزي العظيم بسبب انشقاق حجاب الهيكل، فعلما أن الخراب أصبح وشيكًا، وسمع قيافا صوتًا داخله: قيافا.. قيافا.. لقد شقَّقتَ ثيابك بإرادتك، فشق الرب عنك كهنوتك، وهوذا قد انشق حجاب الهيكل مفخرتك ومفخرة كل شعبك.. وتوهَّم قيافا أنه صوت الرجيم، فأخذ يتمتم بالمزامير وهو يقول: ألم نفعل كل هذا محبة في يهوه وغيرة على مجده..
    وقف يوسف ونيقوديموس متجاورين وأعينهما نحو المصلوب حتى بعد موته يريدان أن يستنطقانه، ويلحَّان عليه بالنظرات لكيما يكلمهما، أو ينزل عن الصليب ويعلن مجده.. كان يوسف رجلًا غنيًا شريفًا صاحب مشورة، وكان نيقوديموس رئيسًا لليهود، ومعنى اسمه النقي الدم أو الشريف الحسب، وكلاهما كان عضوًا في مجلس السنهدريم، وكلاهما لم يكن موافقًا على قتل يسوع، فكلاهما كان تلميذًا ليسوع في الخفاء، وكلاهما كان ينتظر ملكوت الله، ومحبة المصلوب قد ألفت بين قلبيهما، وإذ بيوسف يقول: إني ذاهب يا نيقوديموس.
    نيقوديموس: إلى أين يا يوسف..؟! يخال إليَّ أنني سأظل واقفًا هكذا أمامه.. لا أريد أن أفارقه.
    يوسف: سأذهب إلى بيلاطس، واستسمحه في جسد يسوع لأدفنه في قبري هذا الذي حفرته في الصخر، بدلًا من إلقائه في المقبرة العامة أو في وادي هنوم.. أليس هذا أقل ما يمكن عمله؟!
    نيقوديموس: نعم.. نعم يا يوسف هذا أقل ما يمكن عمله، ولكنها ألا ترى أنها جسارة منك يا يوسف..؟! سيطردونك من مجلس السنهدريم، وربما في حركة هوجاء يعتدون على ممتلكاتك أو عليك شخصيًا..
    يوسف: لست مستعدًا أن أُطرد من السنهدريم فقط، إنما صدقني إنني مستعد الآن أن أُصلب من أجله.
    نيقوديموس: إذًا لتذهب يا يوسف. بل أنا سآتي معك، فلم أعد أخشى غضب رؤساء الكهنة ولا شيوخ إسرائيل.. لم أعد ألتفت إلى سخط الكتبة ولا الفريسيين.. لم أعد أهتم بعضويتي في السنهدريم.
    ويبدو إن جسارة يوسف الرامي أشعلت نيران الغيرة في قلب نيقوديموس، الذي جاء قبلًا إلى المعلم الصالح يستتر بظلام الليل.
    يوسف: إنها الفرصة الأخيرة يا نيقوديموس لنُعبّر عن محبتنا ونجاهر بإخلاصنا له، ما لم يمكننا عمله في حياته خشية الغضب الكهنوتي السنهدريمي يمكننا عمله الآن، وليكن ما يكن.
    نيقوديموس: إن موته بعث الشجاعة في نفسي.. أريد أن أشهد على تعسف الرؤساء وشيوخ الشعب.. أريد أن أستهجن ظلم مجلس السنهدريم.
    يوسف: الوقت مقصر يا نيقوديموس.. سأذهب أنا إلى بيلاطس، وأذهب أنت لتشتري الأكفان، فبعد قليل ستغلق جميع الحوانيت أبوابها.
    لقد تحوَّل خوف يوسف إلى جسارة، وكذا اعترف نيقوديموس السري إلى مجاهرة علنية، وترك الاثنان معًا جبل الجلجثة إلى داخل المدينة، وترك يوسفنيقوديموس، ووقف نيقوديموس يشتري أكفانًا غالية من كتان نقي، وكمٌ وافرٌ من الحنوط مزيج من مّرٍ وعودٍ نحو مائة مَنًاْ (نحو 36 كجم) تكفي لتطييب مائتي رجلًا، فهذا كانوا يفعلون مع الملوك والعظماء، وكأني بنيقوديموس الذي يريد أن يحمل كل حنوط وأطياب العالم ليضمخ بها الجسد المقدَّس..
    أما يوسف الذي لفته دوامة الأحداث فلم يدري أن العيد يدق الأبواب، والشعائر الدينية توجب عليه ذبح وأكل الفصح بعد ساعتين، ولم يدري يوسف أنه لا يجب دخول بيت بيلاطس الأممي لئلا يتنجس، وإذ به يقف أمام بيلاطس:
    سيدي الوالي.. يسوع صُلب ومات وهو برئ.. أنتَ شهدت بهذا، وشهادتك هي حق.. فهل تسمح لي أن أخذ جسده لأدفنه؟
    بيلاطس: عجبًا يا يوسف.. كيف مات في هذه المدة الوجيزة؟!
    وأيضًا تعجب بيلاطس من جسارة هذا العضو السنهدريمي الذي يضحي بمنصبه من أجل إنسان برئ قد ماتوهذا ما لم يقوى بيلاطس على فعله، فاكتسب يوسف احترام بيلاطس، وإذ بقائد المئة الذي كُلّف بعملية الصلب عاد على التو من الجلجثة، فدعاه بيلاطس وسأله: أحقًا مات ملك اليهود؟ وهل له زمان منذ أن مات؟!
    قائد المئة: مات في بداية الساعة التاسعة (3 ب. ظ) ولهذا لم تكن هناك ثمة ضرورة لكسر ساقيه، غير إن أحد جنودي طعنه بحربته فلم يرتعش الجسد لأنه كان قد مات.
    وتمتم قائد المئة بكلمات خفيفة " مات.. مات ابن الله " وسمع بيلاطس كلماته وصمت، فكيف يحتج على من شهدت الطبيعة لبراءته؟!
    وتمتم بيلاطس: عجبًا.. أبهذه السرعة.. اذهب يا يوسف وادفنه بإكرام عظيم..
    ورغم إن الولاة عادة يتلقون رشوة من أجل تسليم ذوي المصلوب جثة المصلوب، فإن بيلاطس وافق بسهولة على تسليم جسد يسوع ليوسف بدون مقابل، لعله يريح ضميرًا مثقلًا بجريمة قتل إنسان برئ صلبًا.
    والتقط يوسف تصريح بيلاطس، فشكره وعاد إلى المصلوب، وكان الوقت قد جاوز منتصف الخامسة بعد الظهر. كل شيء يبدو ساكنًا.. سكت أنين المصلوبين، لأن الحياة سكتت فيهم، ولم يعد أمام المصلوب سوى يوحنا والأم الثكلى وبعض النسوة، وقد خيمَّ الهدوء على جبل الجلجثة حتى يخيل للمرء أن كل شيء قد مات..
    وجاء نيقوديموس حاملًا على ظهره صرة بها الأكفان والحنوط.


    واحتضن الرجال الصليب، ورفعوه بهدوء، وأمالوه حتى وسدوه الأرض بمنتهى الهدوء والحرص والحب، وليس كالجلادين عديمي الرحمة الذي رفعوه وهم لا يبالون بما تحدثه الاهتزازات لجسد حي مثبت بثلاثة مسامير من آلام تفوق الوصف، ونزعوا المسامير، ولم تتمالك الأم نفسها فأسرعت باحتضان وحيدها، والنسوة يحطن به، والمجدلية لا تكف عن تقبيل قدميه.. إنها لقطة للتاريخ.
    وحمل الرجال الجسد إلى القبر الذي حُفر في الصخر أفقيًا ولم يُحفر رأسيًا لأسفل، وملحق بالقبر غرفة خاصة لتجهيز الميت " لم يكن الأغنياء فقط وحدهم هم الذين يملكون قبورًا خاصة، بل كان متوسطو الحال يفعلون ذلك، وكانوا يُجهزون القبر قبل الحاجة إليه بوقت طويل، وكانوا يحفرون القبور في الصخور ويضعون فيها الجسد بعد تعطيره بالأطياب والحنوط وماء الورد وزيته، وكانوا يلفُّون الجسد بالأكفان في أقمشة قديمة تكون غالبًا قد سبق أن لُفت بها كتب الشريعة، وكانت القبور أحيانًا كهوفًا طبيعية" (41).
    حملوا الجسد ووضعوه على المغسل، ولكن الوقت لا يسمح بجلب الماء وتغسيل الجسد، ولاسيما إن الشمس قد أوشكت على المغيب، ففردوا الأكفان ووضعوا الحنوط، وكان المرُّ يستخدم لدى قدماء المصريين كأحد مواد التحنيط، والعود له رائحة نفاذة تظل عالقة بالجسد لمدة طويلة.. المر هو المادة الراتنجية المستخرجة من ساق شجرة "الكومّيفورامولمول" التي تنمو في شبه الجزيرة العربية، والعود مستخرج من شجرة تدعى شجرة الفردوس تنمو في المنطقة الاستوائية بأسيا.. " كرسيك ياالله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك. أحببت البر وأبغضت الإثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك. كل ثيابك مرٌ وعودٌ وسليخة (قرفة)" (مز 45: 6 - 8)
    وضعوا الجسد ولفوه بالأكفان بحسب الطقس اليهودي، فلم تُلَف الأكفان بالعرض كما كانت تُلَف المومياء المصرية، إنما لُفت الأكفان ممتدة من الرأس إلى القدمين، وثنيت من القدمين حتى الرأس، وقد تضمح الجسد المخضب بالدماء بمزيج المر والعود.
    وحملوه إلى القبر، ووضعوا منديلًا على الرأس والوجه، وهكذا قُبِر يسوع في قبرٍ جديدٍ لم يوضع فيه أحد من قبل، والقبر في بستان وليس في المنطقة قبور أخرى، حتى متى قام لا ينسبون قيامته إلى شخص آخر.
    وتعاون الرجال في دحرجة الحجر الضخم على فم القبر، بينما وقفت المريمات وبعض النسوة اللاتي تبعنه من الجليل تجاه القبر ينظرن أين وضع، ولم يدر بخلد أحد قط أن يسوع الذي وسَّدوه القبر لن يمر عليه اليوم الثالث حتى يقوم بمجد عظيم يعلن نصرته على الموت والشيطان والخطية..
    وأيضًا لم يدر بخلد أحد منهم أن الحجر الذي دحرجوه بصعوبة على فم القبر سيدحرجه ملاك القيامة بسهولة عن فم القبر، ليعلن قيامة مخلص العالم..
    ولم يدري نيقوديموس أن الحنوط التي اشتراها ستظل آلاف السنين وحتى المجيء الثاني من خلال زيت الميرون المقدَّس " لأننا رائحة المسيح الذكيَّة لله" (2 كو 2: 15).
    ولم يدرَ نيقوديموس أيضًا أن قماش الكفن الذي اشتراه سيصبح يومًا مثار إعجاب العالم كله، يوم أن يجتمع علماء القرن العشرين ليثبتوا أنه ليس بكفن المسيح، وإذ بمئات التجارب التي يجرونها تؤكد أنه هو هو الكفن المقدَّس..
    ولم يدرَ يوسف الرامي أن قبره الذي تنازل عنه لمعلمه الصالح سيصير أشهر قبر في تاريخ البشرية، لأنه القبر الوحيد الذي لا يحتوي في جوفه عظام أموات، بل تفوح منه رائحة الحياة، وستظل أنوار القيامة تفج منه عامًا بعد عام حتى يتسلم العريس كنيسته العروس..
    وطوبى لمن له نصيب في حفل عشاء الخروف، ولعلك تذكرني يا صديقي في صلواتك..
    اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك.. دير الأنبا بيشوي العامر
    بوادي النطرون
    السبت الكبير 2004م. - 1700 ش.
      رد مع اقتباس
    قديم 03 - 04 - 2018, 12:18 AM   رقم المشاركة : ( 26 )
    akmalfad
    فرحتى انى انضميت معاكم


    الملف الشخصي
    رقــم العضويـــة : 2655
    تـاريخ التسجيـل : Mar 2008
    العــــــــمـــــــــر :
    الـــــدولـــــــــــة :
    المشاركـــــــات : 1 [+]

     الأوسمة و جوائز
     بينات الاتصال بالعضو
     اخر مواضيع العضو

    akmalfad غير متواجد حالياً

    افتراضي رد: كتاب هناك كنت معه - أ. حلمي القمص يعقوب

    ربنا يعوضكم
      رد مع اقتباس
    قديم 03 - 04 - 2018, 03:14 PM   رقم المشاركة : ( 27 )
    Mary Naeem Female
    † Administrator Woman †

    الصورة الرمزية Mary Naeem

    الملف الشخصي
    رقــم العضويـــة : 9
    تـاريخ التسجيـل : May 2012
    العــــــــمـــــــــر :
    الـــــدولـــــــــــة : Egypt
    المشاركـــــــات : 635,571 [+]

     الأوسمة و جوائز
     بينات الاتصال بالعضو
     اخر مواضيع العضو

    Mary Naeem غير متواجد حالياً

    افتراضي رد: كتاب هناك كنت معه - أ. حلمي القمص يعقوب


    شكرا على المرور
      رد مع اقتباس
    إضافة رد

    أدوات الموضوع
    انواع عرض الموضوع

    الانتقال السريع


    الساعة الآن 08:48 AM
    Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises
    || بالتعاون و العطاء نصنع النجاح و الأستمرارية لهذا الصرح الكبير ||
    جميع المواضيع والمشاركات المكتوبة تعبر عن وجهة نظر كاتبها
    وليس بالضرورة عن وجهة نظر إدارة المنتدى