منتدى الفرح المسيحى  


العودة  

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 20 - 11 - 2022, 02:33 PM
الصورة الرمزية Mary Naeem
 
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو
  Mary Naeem متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,042,228

تفسير سفر التكوين التاريخ البدائي


تفسير سفر التكوين

التاريخ البدائي



خلقة العالم

افتتح الوحيّ الكتاب المقدس بإعلان الله كخالق، هيأ كل شيء من أجل الإنسان، وانطلق به خلال الحب حتى يدخل به في النهاية إلى ملكوته الأبدي يتمتع بالأمجاد الأبدية.


مقدمة:

أود في دراستنا هنا الالتزام بروح الكنيسة التي تتطلع إلى الكتاب المقدس لا ككتاب علمي أو فلسفي وإنما كسرّ حياة مع الله يتمتع بها الإنسان ويعيشها، ولهذا عندما كتب القديس باسيليوس الكبير مقالاته عن أيام الخليقة الستة Hexaemeron أوضح أن عمل الكنيسة ليس البحث عن طبيعة الأشياء والمخلوقات وإنما دراسة عملها ونفعها.

وكما أعلن القديس أغسطينوس: [كثير عليك إدراك كيف خلق الله هذه الأشياء، فقد خلقك أنت أيضًا لكي تطيعه كعبد وعندئذ تفهم كصديق له ]. وكأننا كخليقة الله نقبل عمله بفرح كعبيد وإذ يهبنا فهمًا وحكمة وإدراكًا لأسراره نعيش معه كأصدقاء وأحياء له.
نستطيع في إيجاز أن نقدم الملاحظات التالية عن حديث سفر التكوين عن الخليقة:
أ. قدم لنا السفر أحداث الخلق بطريقة مبسطة وصادقة، يفهمها الإنسان البسيط ويفرح بها ويجد العالم أيضًا فيها أعماقًا...
ب. حاول كثير من الدارسين الغربيين تأكيد أن ما ورد في سفر التكوين لا يتنافى مع الحقائق العلمية حسب الفكر الحديث، ورأي البعض أن ما ورد من تسلسل في الخليقة كما جاء في التكوين يطابق الفكر الخاص بتطور الخليقة بدقة بالغة... وقد صدرت أبحاث كثيرة في هذا الشأن كتب بعضها علماء ورعون، لكنني لست أود الدخول في تفاصيل تبعد بنا عن تفسير كلمة الله. وقد سبق فأصدرت كنيسة الشهيد مارجرجس باسبورتنج بحثًا مبسطًا للأستاذ الدكتور يوسف رياض، أستاذ بكلية العلوم جامعة الإسكندرية، تحت عنوان: "التوافق بين العلم الحديث والكتاب المقدس"، تعرض لهذا الموضوع في شيء من البساطة والإيجاز، كما قدمت أسقفية الشباب كتيبًا عن: "ستة أيام الخليقة" للدكتور فوزي إلياس.
ج. يلاحظ في كلمة "يوم" في الأصحاح الأول من سفر التكوين أنها لا تعني يومًا زمنيًا يُحصر في 24 ساعة، إنما تعني حقبة زمنية قد تطول إلى ملايين السنوات، فالشمس والقمر وبقية الكواكب لم تكن بعد قد خُلقت حتى الحقبة الزمنية الرابعة، وبالتالي لم يكن يوجد من قبل زمن مثل الذي نخضع له الآن، كما لم يكن للعالم نهار وليل بالمعنى المادي الملموس. هذا ما أكده كثير من الآباء منهم القديس جيروم(20). وحتى بعد الخليقة كثيرًا ما يتحدث الكتاب المقدس عن "اليوم" بمفهوم أوسع من اليوم الزمني، من ذلك قول المرتل: "لأن يومًا في ديارك خير من ألف" (مز 84: 10؛ راجع مز 90: 4، 2 بط 3: 8).
لقد جاءت كلمة "يوم" في الكتاب المقدس بمفاهيم كثيرة، فأحيانًا يقصد بها الأزل حيث لا توجد بداية، كقول الآب للابن: "أنت ابني أنا اليوم ولدتك" (مز 2: 7؛ أع 13: 32؛ عب 1: 5)، كما قيل عن الله: "القديم الأيام" (دا 7: 9) بمعنى الأزلي. وجاء عن "اليوم" بمعنى الأبدية التي فوق الزمن كالقول: "يوم الرب" (أع 2: 20)، أي مجيئه الأخير حيث ينتهي الزمن، كما قيل عن السيد المسيح: "ربنا يسوع المسيح له المجد الآن وإلى يوم الدهر" (2 بط 3: 18)...
د. ربما يعترض البعض على ما ورد في سفر التكوين بخصوص خلق الإنسان الأول، فقد اثبت الحفريات بطريقة قاطعة وجود عظام إنسان منذ أكثر من مليون سنة كما وجدت نقوش قديمة عن أيام آدم... فبماذا نعلل هذا؟

أولًا: بحسبة رياضية بسيطة نجد أن سكان العالم حاليًا لا يمكن أن يكون ثمر أكثر من 6000 عامًا بافتراض أن كل عائلة تنجب حوالي 3 أطفال، هذا مع خصم نسبة مرتفعة من الموتى بسبب الموت الطبيعي والكوارث الطبيعية والحروب... لو أن تاريخ الإنسان يرجع إلى مليون سنة، فإن الإنسان الواحد في مليون سنة ينجب نسلًا لا تكفي آلاف مضاعفة من مساحة الأرض لوجودهم.
ثانيًا: قلنا أن كل حقبة زمنية يمكن أن تكون عدة ملايين من السنوات، فغالبًا ما تكون هذه العظام لحيوانات ثديية حملت شكل الإنسان ولها أيضًا قدرات لكن ليس لها النسمة التي من فم الله التي تميز بها آدم وحواء. هذه الكائنات لا تحسب بشرًا حتى إن حملت شيئًا من التشابه.
ه. إن كان هذا السفر يقدم لنا فصلًا مختصرًا للغاية عن عمل الله في بدء الخليقة، فإن الله الذي كان يعمل ليقدم لنا العالم لخدمتنا يبقي عاملًا خلاقًا في حياتنا بلا انقطاع. ما سبق ففعله لا يتوقف، إذ يبقي الله نفسه يعمل في حياة الإنسان ليجعل من أعماقه سماءً جديدة وأرضًا جديدة يسكنها البر. وفي هذا يقول السيد المسيح: "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل" (يو 5: 17). لهذا ففي تفسيرنا هذا نود أن نتلمس عمل الله المستمر في حياتنا الداخلية ليخلق فينا بلا انقطاع مجددًا أعماقنا. وإنني أرجو في المسيح يسوع ربنا أن أقدم التفسير الروحي جنبًا إلى جنب مع التفسير التاريخي أو الحرفي.
1. الله الخالق:

بدأ سفر التكوين بهذه الافتتاحية البسيطة: "في البدء خلق الله السموات والأرض" [1].
إن كان التعبير "في البدء" لا يعني زمنًا معينًا، إذ لم يكن الزمن قد أوجد بعد، حيث لم تكن توجد الكواكب بنظمها الدقيقة، لكنه يعني أن العالم المادي له بداية وليس كما أدعي بعض الفلاسفة أنه أزلي، يشارك الله أزليته.

هذا ما أكده القديس باسيليوس في كتابه "الهكساميرون" أي "ستة أيام الخليقة"، إذ يقول أن تعبير "في البدء" لا يعني زمنًا وإلاَّ كان للبدء بداية ونهاية، وهكذا تكون لهذه البداية بداية وندخل في سلسلة لانهائية من البدايات، لكن "البدء" هنا يعني حركة أولي لا كّمًا زمنيًا، وذلك كالقول: "بدء الحكمة مخافة الله" (أم 9: 10).
كما يقول: [لا تظن يا إنسان أن العالم المنظور بلا بداية لمجرد أن الأجسام السماوية تتحرك في فلك دائري ويصعب على حواسنا تحديد نقطة البداية، أي متى تبدأ الحركة الدائرية، فتظن أنها بطبيعتها بلا بداية

ويقول: [الذي بدأ بزمن ينتهي أيضًا في زمن]. هنا لا يعني وجود زمن في بداية الحركة للعمل إنما يؤكد انتزاع فكرة الأزلية، فمع عدم وجود زمن لكنه وجدت بداية قبلها إذ كان العالم عدمًا. وقد جاء العلم يؤكد عدم أزلية المادة.

ويأخذ كثير من الآباء بجانب هذا التفسير الحرفي أو التاريخي "في البدء" التفسير الرمزي أو الروحي، فيرون أنه يعني "في المسيح يسوع" أو "في كلمة الله" خُلقت السموات والأرض، وفيما يلي بعض كلمات الآباء في هذا الشأن:
* الابن نفسه هو البدء. فعندما سأله اليهود: من أنت؟ أجابهم: "أنا هو البدء" (يو 8: 25). هكذا في البدء خلق الله السموات والأرض.
القديس أغسطينوس
* من هو بدء كل شيء إلاَّ ربنا ومخلص جميع الناس (1 تي 4: 10) يسوع المسيح، "بكر كل الخليقة" (كو 1: 15)؟ ففي هذا البدء، أي في كلمته "خلق الله السموات والأرض"، وكما يقول الإنجيلي يوحنا في بداية إنجيله: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله، هذا كان في البدء عند الله، كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان" (يو 1: 1-3). فالكتاب لا يتحدث عن بداية زمنية، إنما عن هذه البداية التي هي المخلص، إذ به صُنعت السموات والأرض.
العلامة أوريجينوس
* يفكر البعض أن "البدء" هو زمن، لكن من يتعمق في كلمة "البدء" يجد أنها لا تحمل معني واحدًا بل أكثر من معنى. فأحيانًا تعني العلة، فيكون المعنى هنا أن السموات والأرض متواجدة في العلة... بالحقيقة كل شيء صنعها الكلمة؛ ففي المسيح يسوع خُلق كل ما على الأرض وما في السماء، الأمور المنظورة وغير المنظورة.
القديس ديديموس الضرير
في اختصار نقول أن الله خلق العالم في بداية معينة ولم يكن العالم شريكًا معه في الأزلية، ومن جانب آخر فإن كلمة الله هو البدء الذي بلا بداية خالق الكل!
"في البدء خلق ألوهيم السموات والأرض" [1].
جاءت كلمة "ألوهيم" بالجمع، أما الفعل "خلق" فمفرد، فالخالق هو الثالوث القدوس، الواحد في جوهره وطبيعته ولاهوته.
أكّد موسى النبي أن الله هو الخالق، نازعًا عن شعبه الأساطير الكثيرة التي ملأت العالم في ذلك الحين حول موضوع الخلق، كما نزع عنهم فكرة بعض الفلاسفة القائلين بأن العالم وليد ذاته جاء محض الصدفة، وقد تحدث الأستاذ الدكتور يوسف رياض في هذا الشأن.
أخيرًا فإنه يقول "خلق ألوهيم السموات والأرض"، إذ خلقْ السمائيين أولًا بكل طغماتهم وبعد ذلك الأرض وكل ما يخصها.
إن كانت السموات تشير للنفس البشرية التي يتقبلها الله مسكنًا له، أو سموات له، والجسد بتقديسه يكون أرضًا مقدسة، ففي المسيح يسوع نتمتع بهذه السموات والأرض، أي ننعم بنفس هي هيكل للرب وجسد مقدس لحساب مملكته.
2. روح الله والمياه:

"وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف على وجه المياه" [2].

قيل عن الأرض إنها كانت "خربة وخاوية"، وفي الترجمة السبعينية: "غير منظورة وغير كاملة"، ويعلل القديس باسيليوس الكبير أنها غير منظورة لعدم خلق للإنسان بعد لكي يراها، ولأن المياه كانت تغطيها تمامًا، أو لأن النور لم يكن بعد قد أشرق عليها فكان الجو غامضًا. أما كونها "غير كاملة" فبسبب عدم قدرتها على الإنبات.
على أي الأحوال إن كان الوحي قد أعلن أن الآب خلق السموات والأرض بكلمته [1]، فهنا يكشف عن دور الروح القدس الذي كان يرف على وجه المياه ليخلق من الأرض الخربة والخاوية عالمًا صالحًا جميلًا. ولا يزال الروح القدس إلى يومنا هذا يحل على مياه المعمودية ليقدسها فيقيم من الإنسان الذي أفسدته الخطية وجعلت منه أرضًا خربة وخاوية، غير منظورة لحرمانها من إشراقات الله وغير كاملة... سموات جديدة وأرضًا جديدة، أي يهبنا الميلاد الجديد فيه ننعم بنفس مقدسة على صورة الله خالقنا وجسد مقدس أعضاؤه آلات برّ لله. نقتطف هنا بعض كلمات الآباء في هذا الشأن:
* لقد أنجبت المياه الأولى حياة، فلا يتعجب أحد إن كانت المياه في المعمودية أيضًا تقدر أن تهب حياة... كان روح الله محمولًا على المياه، هذا الذي يعيد خلق من يعتمد. كان القدوس محمولًا على المياه المقدسة، أو بالأحرى على المياه التي تتقبل منه القداسة. بهذا تقدست المياه وتقبلت إمكانية التقديس. هذا هو السبب الذي لأجله إذ كانت المياه هي العنصر الأول لموضوع الخلق حصلت على سر التقديس خلال التوسل لله.
العلامة ترتليان
* تتم الخليقة الجديدة بواسطة الماء والروح وذلك كخلق العالم، إذ كان روح الله يرف على المياه.
القديس إكليمنضس الإسكندري
* المياه هي بدء العالم، والأردن هو بدء الإنجيل ).

القديس كيرلس الأورشليمي
* إن كانت المعمودية في ذلك اليوم قد سبق فأُعلنت خلال الظل، فإنه لم تكن هناك معمودية حقيقية أكيدة بدون الروح .
القديس جيروم
أما عن تعبير "يرف" فيقول القديس باسيليوس: [أن أحد السريان يري أنه الكلمة السريانية قادرة على إعطاء معني أكثر من العبرية، فهي تُتَرْجَم بمعنى يحتضن، وكأن الروح يُشبه طائرًا يحتضن بيضًا ليهبه حياة خلال دفئه الذاتي].

ويري القديس أمبروسيوس أن حركة الروح هنا على وجه المياه إنما هي حركة حب مستمر لعمل خلاّق في حياة الإنسان، إذ يقول: [كيف يمكن لذاك الذي كان يتحرك قبل خلق الأرض أن يتوقف عن حركته بعد أن أوجدها؟‍!].
3. اليوم الأول: انطلاق النور...

أول عمل يقدمه الله هو انطلاق النور: "وقال: ليكن نور، فكان نور، ورأي الله النور أنه حسن، وفصل الله بين النور والظلمة، ودعا الله النور نهارًا والظلمة دعاها ليلًا، وكان مساء وكان صباح يومًا واحدًا" [3- 5].
ويلاحظ في هذا النص:
أولًا: إلى سنوات قليلة كان بعض العلماء يتعثرون في هذه العبارة قائلين كيف ينطلق النور في الحقبة الأولى قبل وجود الشمس، إذ كان الفكر العلمي السائد أن النور مصدره الشمس، لكن جاءت الأبحاث الحديثة تؤكد أن النور في مادته يسبق وجود الشمس، لهذا ظهر سمو الكتاب المقدس ووحيه الإلهي، إذ سجل لنا النور في الحقبة الأولى قبل خلق الشمس، الأمر الذي لم يكن يتوقعه أحد.
في اختصار يمكن القول بأن الرأي العلمي السائد حاليًا أن مجموعتنا الشمسية نشأت عن سديم لولبي مظلم منتشر في الفضاء الكوني انتشارًا واسعًا (السديم هو سحابة من الغازات الموجودة بين النجوم). ولذلك فمادة السديم خفيفة جدًا في حالة تخلخل كامل، لكن ذرات السديم المتباعدة تتحرك باستمرار حول نقطة للجاذبية في مركز السديم، وباستمرار الحركة ينكمش السديم فتزداد كثافته تدريجًا نحو المركز، وبالتالي يزداد تصادم الذرات المكونة له بسرعة عظيمة يؤدي إلى رفع حرارة السديم. وباستمرار ارتفاع الحرارة يصبح الإشعاع الصادر من السديم إشعاعًا مرئيًا، فتبدأ الأنوار في الظهور لأول مرة ولكنها أنوار ضئيلة خافتة. هكذا ظهر النور لأول مرة قبل تكوين الشمس بصورتها الحالية التي تحققت في الحقبة الرابعة (اليوم الرابع)... لقد ظهر النور حينما كانت الشمس في حالتها السديمية الأولى، أي قبل تكوينها الكامل.

والعجيب أن كلمات القديس يوحنا الذهبي الفم في القرن الرابع جاءت مطابقة لاكتشافات القرن العشرين، إذ قال: [نور الشمس التي كانت في اليوم الأول عارية من الصورة وتصورت في اليوم الرابع للخليقة ].
ربما حمل القديس أغسطينوس نفس الفكر حينما قال إن النور هنا في اليوم الأول ليس بالصادر عن الشمس لكنه ربما يكون نورًا ماديًا يصدر عن أماكن علوية فوق رؤيتنا.
ثانيًا:من الجانب الرمزي يري القديس أغسطينوسأن هذا النور خاص بالمدينة السماوية المقدسة التي تضم الملائكة القديسين، وفيها ينعم المؤمنون بالأبدية، هذه التي قال عنها الرسول إنها أورشليم العليا، أمنا الأبدية في السموات (غلا 4: 26)، والتي يكون لنا فيها نصيب، إذ قيل: "جميعكم أبناء نور وأبناء نهار، لسنا من ليل ولا ظلمة" (1 تس 5: 5). يري القديس أن السمائيين تمتعوا بالنور الذي انطلق في اليوم الأول بمعاينتهم أعمال الله العجيبة خلال كل الحقبات، لكنه متى قورنت معرفتهم للخليقة بمعرفة الله حُسبت معرفتهم مساءً.
يمكننا القول بأن أعمال الله بدأت بانطلاق النور حتى تري الملائكة أعماله فتمجده، وهكذا في بداية الخليقة الجديدة أشرق الرب علينا بنوره الإلهي من القبر المقدس عند قيامته حتى إذ نقوم فيه يعلن مجده فينا. في خلقتنا الجديدة - في مياه المعمودية - ننعم بالنور الإلهي، نور قيامته عاملًا فينا، كأول عمل إلهي في حياتنا، وهذا هو السبب في تسمية المعمودية "سر الاستنارة".
ثالثًا: فصل الله بين النور والظلمة لكي نقبل النور كأبناء للنور وأبناء للنهار ونرفض الظلمة فلا نسقط تحت ليل الجهالة المهلك.
يهبنا الرب النور الداخلي ليبدد الظلمة القديمة، كقول الرسول: "لأنكم كنتم قبلًا ظلمة" (أف 5: 8). يهبنا أيضًا روح التمييز فنفصل بروح الله بين النور والظلمة، فلا نسقط تحت الويل النبوي: "ويل للقائلين للشر خيرًا وللخير شرًا، الجاعلين الظلام نورًا، والنور ظلامًا، الجاعلين المر حلوًا والحلو مرًا" (إش 5: 20).
رابعًا: ليست "الظلمة" مادة مخلوقة أوجدها الله، بل هي حرمان من النور، فبظهور النور انفضحت الظلمة وعُرفت. ومع هذا فكما يقول القديس أغسطينوس: [أن الله يأمر النور الذي خلقه والظلمة التي لم يخلقها ويطيعانه].
خامسًا: يري القديس هيبولتيس الروماني أنه [في اليوم الأول خلق الله الأشياء من العدم، أما في الأيام الأخرى فلم يخلق بقية الأشياء من العدم وإنما مما خلقه في اليوم الأول بتشكيله حسب مسرته]. هذا وإن كان كثير من الآباء علق على عبارة: "قال فكان" بأن الخلق كله خلال المراحل الست قد تم كثمرة للأمر الإلهي،

فيقول القديس أمبروسيوس: [لم يخلق الله الأشياء بأدوات وفن، وإنما قال فكان (مز 33: 9)، إذ تكمن قوة العمل في الأمر الإلهي]. ويقول القديس باسيليوس الكبير: [الأمر في ذاته عمل].
سادسًا: يعلق القديس باسيليوس على العبارة "ورأي الله ذلك (النور) أنه حسن" [4، 12، 18، 21]... [الله لا يحكم بأن الشيء حسن خلال افتتان العين به ولا لتذوق الفكر لجماله كما نفعل نحن وإنما يراه حسنًا متى كان الشيء كاملًا، مناسبًا لعمله، نافعًا حتى النهاية ].
تحدث كثير من الآباء عن صلاح الخليقة... فقد "رأي الله ذلك أنه حسن"، لكن الإنسان بفساده أفسد استخدام الخليقة الصالحة. لذلك إذ جاء السيد المسيح يجدد طبيعتنا الساقطة وكأنه يخلقها من جديد، لا نعود نرى في العالم شيئًا شريرًا.
وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم عن الأشياء التي تبدو فاسدة كتلك التي استخدمت في العبارة الوثنية: [خليقة الله ليست دنسة، فإن كانت قد صارت هكذا فلديك العلاج: اختمها "بعلامة الصليب" وقدم لله شكرًا ومجدًا فيزول عنها الدنس ].

سابعًا: يختم حديثه عن اليوم الأول أو الحقبة الأولى بقول: "وكان مساء وكان صباح يوم واحدًا". بدأ بالسماء وختم بالصباح، وفي التقليد اليهودي يبدأ اليوم بالعشية ليليها النهار. فإن كان المساء في نظر القديس أغسطينوس [يشير إلى الجسد القابل للموت، والصباح يشير إلى خدمة البر أو النور فإن المساء يسبق الصباح بمعنى أن يكون الجسد خادمًا للبر، لا البر خادمًا لشهوات الجسد ]. فإن كنا قد بدأنا حياتنا بالمساء فلننطلق بالروح القدس إلى الصباح فلا نعيش بعد كجسدانيين بل كروحيين.
ثامنًا: إذ نختم حديثنا عن انطلاق النور نورد ما قاله القديس أغسطينوس عنه: [انه قد يشير إلى خلق السمائيين أي الملائكة بطغماتهم فقد خلقوا أولًا، وأن فصل النور عن الظلمة يشير إلى سقوط جماعة من الملائكة بالكبرياء فصاروا ظلمة. ويري القديس أن هذا الفصل تم قبل السقوط بسابق معرفة الله لهم ]، وإن كان هذا الرأي غير مستحب، فالله لا يفصل إلا بعد السقوط.
4. اليوم الثاني: الجلد...

ربما يقصد بالجلد المنطقة التي فوق الأرض مباشرة التي تطير فيها الطيور وليس الفضاء حيث الكواكب. ويمكننا أن ندرك طريقة تحقيق أمر الله إن علمنا أن الأرض كانت في غليان مستمر وبخار فكانت محاطة بغلاف بخاري كثيف. وفي الفترة ما بين الحقبة الأولى والحقبة الثانية أخذت درجة الحرارة تهبط، وبالتالي هدأ البخار وبدأ الجو يصير صحوًا. أما تسمية الجلد "سماء" فذلك من قبيل إطلاق هذه الكلمة على ما هو سامٍ ومرتفع فوق الأرض .
هذا الجلد يفصل ما بين المياه التي من فوق أي السحب، والمياه التي من أسفل أي البحار والمحيطات. وقد حمل هذا الفصل بجانب تحققه الحرفي مفهومًا روحيًا يمس حياة الإنسان. فإن كان الإنسان الروحي يتقبل في البداية انطلاق الإشراقة الإلهية في أعماقه الداخلية، فإنه يليق به أن يحمل الجلد الذي يفصل بين مياه ومياه، فيتقبل مياه الروح القدس العلوية واهبة الحياة (يو 4: 14) ويسمو فوق المياه التي هي أسفل أي في الأعماق والتي يسكنها لويثان الحيّة القديمة والوحش البحري القتال للنفس البشرية (رؤ 12: 7؛ 20: 3) فمن ينعم بالانطلاق في الجلد يميز بين نعمة الروح وخداعات الشرير.
يقول العلامة أوريجينوس: [إذ يرتبط المؤمن بالمياه العليا التي هي فوق في السموات يصير سماويًا، ويطلب الأمور المرتفعة العلوية، فلا يكون له فكر أرضي بل كل ما هو سماوي؛ يطلب ما هو فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله (كو 3: 1)، فيستحق التمتع بمديح الله القائل: "رأي الله أنه حسن"].
هاجم القديس أغسطينوسما قاله العلامة أوريجينوس في كتابه "المبادئ" أن المياه التي فوق هي الأرواح الصالحة التي خلقها الله وبقيت هكذا في صلاحها بسبب التصاقها بالله، وأنها إذ انعزلت عنه صارت منحطة فعاقبها الله بإنزالها إلى العالم وحملها أجسادًا. وكأن العالم الذي نعيشه هو عقوبة أوقعها الله على ملائكة ساقطين لبسوا جسدًا كتأديب لهم. هذه النظرية رفضها أيضًا القديس أبيفانيوس وعارضها آباء الكنيسة إذ تشوه نظريتنا للعالم، وتدنس الجسد، وتقلل من شأن الإنسان وتوحي بفكرة تناسخ الأرواح.
5. اليوم الثالث: إنبات الأرض...


نقتطف كلمات الأستاذ الدكتور يوسف رياض بخصوص الخلق: [نجد أن موسى النبي في بداية سفر التكوين قسم أعمال الله على سِت فترات من الزمن منتهيًا بخلق الإنسان، وقال موسى أن النباتات ظهرت أولًا على شكل نباتات بسيطة وهي العشب، ثم تدرجت الحياة إلى ما هو أكثر تعقيدًا وهو البقل، ثم الشجر، وبعد ذلك ظهر الحيوانات، وواضح أن الحيوانات المائية ظهرت قبل الطيور وهذه ظهرت قبل الإنسان. هذا الترتيب هو نفس الترتيب الذي تضعه علوم الحياة للكائنات الحية. فهل كان موسى على علم بمعلوماتنا عن الكائنات الحية في القرن العشرين؟ كلا. ربما يقول البعض إن هذا الترتيب جاء نتيجة للمصادفة ولكن الحقيقية أن الله هو الذي أرشده لهذه المعرفة].
كتب موسى أيضًا في سفر التكوين (1: 13): "وقال الله لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد ولتظهر اليابسة، وكان كذلك. ودعا الله اليابسة أرضًا ومجتمع المياه دعاه بحارًا، ورأي الله ذلك أنه حسن".
كتب موسى بأن الله جمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد، والمتأمل في خريطة العالم يلاحظ فعلًا أن ذلك صحيح علميًا، وإذ أن جميع المحيطات السبعة لها قاع واحد، إذ هي مشتركة مع بعضها في القاع. ولكن موسى كان حريصًا إذ ذكر البحار منفصلة، لأنه ذكرها بصيغة الجمع "بحارًا". وفي أيام موسى كان البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط وربما بعض أجزاء من المحيط الأطلنطي معروفين لدى البشر، وأن المحيطات السبعة المعروفة الآن لدينا لم تكتشف إلاَّ بعد قرون طويلة حين بني الإنسان المراكب الضخمة، فكيف عرف موسى أن البحار مع كونها منفصلة إلاَّ أن قاعًا واحدًا لها! ].
يري البعض أنه في هذه الحقبة أمر الله حرارة الأرض أن تهدأ أكثر من ذي قبل مما أدي إلى تقلص القشرة الأرضية وتشققها، فنشأت المجاري العميقة وتكونت الأنهار والبحيرات والبحار. وقد تجمعت البحار والمحيطات معًا في مكان واحد، أما البحار المعزولة الآن فجاءت نتيجة لعوامل طبيعي مختلفة.
والآن إذ نترك التفسير الحرفي أو التاريخي وننطلق إلى التفسير الرمزي أو الروحي، نجد العلامة أوريجينوس يميز بين اليابسة والأرض، فاليابسة وقد غطتها المياه تشير إلى الإنسان وقد غطته الخطية والرذيلة فصار كأرض غارقة في المياه لا تصلح للإثمار، أما إذا انحسرت عنها الخطية فتتحول من يابسة عقيمة إلى أرض قابلة للإثمار تنتج عشبًا وبقلًا وأشجارًا، أي تأتي بثمر روحي ثلاثين وستين ومائة (مت 13: 8).

يقول العلامة أوريجينوس: [إن لم ننفصل عن المياه التي هي تحت السماء، أي خطايا جسدنا ورذائله، لا يمكن للأرض أن تظهر في حياتنا، ولا أن نتمتع بالقدرة على النمو في النور. "لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور ولا يأتي إلى النور لئلا توبخ أعماله، وأما من يفعل الحق فيقبل إلى النور لكي تظهر أعماله أنها بالله معمولة" (يو 3: 20، 21). لا توهب لنا هذه الثقة إن لم ننفصل عن مثل هذه المياه، وننزع عنا رذائل الجسد التي هي أساس خطايانا، وإلاَّ يبقي العضو اليابس فينا في يبوسته].
ليتنا إذن نتقبل عمل الله فينا فيحول يابستنا الداخلية إلى أرض مقدسة تقدم ثمار الروح لتبهج الله، لا أن تحمل لعنة وتقدم شوكًا وحسكًا.
وكما يقول العلامة أوريجينوس: [إن كان البعض لا يزالون يابسين ليس لهم ثمر بل يحملون شوكًا وحسكًا (تك 3: 18)، هؤلاء يحملون "اللعنة التي نهايتها الحريق" (عب 6: 8؛ إش 9: 17، 18)، لكن بالاجتهاد والمثابرة إذ ينفصلون عن مياه الهاوية التي هي طريق الشيطان يظهرون أرضًا خصبة، عندئذ يليق بهم أن يترجوا الرب الذي ينقلهم إلى أرض تفيض عسلًا ولبنًا].

كما يقول: [لنرجع إلى أنفسنا، فإننا أرض، لسنا بعد يابسة! لنقدم للرب ثمارًا كثيرة ومتنوعة لكي نتبارك من الرب بالقول: "رائحة ابني كرائحة حقل قد باركه الرب" (تك 27: 27). ويتم فينا قول الرسول: "لأن أرضًا قد شربت المطر الآتي عليها مرارًا كثيرة وأنتجت عشبًا صالحًا للذين فلحت من أجلهم تنال بركة من الله، ولكن إن أخرجت شوكًا وحسكًا فهي مرفوضة وقريبة من اللعنة التي نهايتها الحريق" (عب 6: 7، 8)].
ويري القديس أمبروسيوسفي إنبات الأرض علامة على قيامة الجسد من الموت، فكما تخرج الأرض حياة بأمر الرب، هكذا بأمره يرد الحياة لجسدنا المائت. الطبيعة تطيعه، والعظام اليابسة تطيعه أيضًا في يوم الرب العظيم.
6. اليوم الرابع: خلق الأنوار...

من أجل الإنسان خلق الله العوالم الشمسية في دقة نظامها الفائق، لا ليجعل منا رجال فلك وإنما لأجل خدمتنا وإعلان حبه لنا.

إن كان الله قد خلق الشمس لتنير له في النهار وتكون له عونًا في كل حياته، إنما يقدم لنا كلمته الحيّ شمس البر الذي يحول ظلمتنا إلى نهار لا ينقطع، واهبًا إيانا حياة جديدة داخلية. يسطع باشراقاته على الكنيسة فيجعل منها قمرًا تضيء على العالم، ويعمل في كل عضو ليجعل منه نجمًا له موضعه ليدور في الفلك الذي له ساكبًا نورًا وبهاء على الأرض.
يقول العلامة أوريجينوس: [المسيح هو نور العالم الذي يضئ الكنيسة بنوره. كما يستمد القمر نوره من الشمس فينير الظلام، هكذا تستمد الكنيسة النور من المسيح لتضئ على الذين هم في ظلمة الجهل ].

كما يقول: [موسى أحد هذه الكواكب يلمع فينا، وأعماله تنيرنا. وبالمثل إبراهيم وإشعياء ويعقوب وإرميا وحزقيال، كل الذين شهد لهم الكتاب أنه أرضوا الله (عب 11: 5)].

وكما يقول أيضًا: [كلما ارتفعنا إلى فوق نتأمل الشروق من الأعالي، ويكون البهاء والحرارة بصورة أفضل. هكذا كلما صعد فكرنا وارتفع إلى المسيح اقترب من بهاء ضيائه، فنستضئ بنوره في أكثر روعة وجمال. وكما يقول بنفسه: "ارجعوا إليَّ يقول رب الجنود فأرجع إليكم" (زك 1: 3)... فإن كنا قادرين أن نرتفع معه إلى قمة الجبل مثل بطرس ويعقوب ويوحنا نستضيء بنور المسيح وبصوت الآب نفسه].
خلق الكواكب بأنواعها المختلفة وأحجامها المتباينة ومواقعها المتباعدة تبعث في النفس شوقًا داخليًا للمسيح في سماء الكنيسة فترتفع النفس من مجد إلى مجد (2 كو 3: 18)، لتكون كوكبًا أعظم بالمسيح يسوع.
يقول الكتاب: "وجعلها الله في جلد السماء لتنير على الأرض" [17]. وكأن كل كوكب روحي يود أن يحتفظ بطبيعته ككوكب وعمله "إنارة الأرض" يلزمه أنه يبقي "في جلد السماء"، أي يبقي حاملًا الطبيعة السماوية. فإن سقط كوكب على الأرض يفقد كيانه ككوكب ويُفسد الأرض عوض أن ينيرها. هكذا كل نفس تجامل الآخرين فتسقط معهم في محبة الأرضيات وتعيش بفكر زمني تفقد طبيعتها السماوية، ويظلم نور الرب فيها، وتهلك معها الكثيرين. إذن لنحب الأرض ببقائنا في جلد السماء، لا في كبرياء أو رياء، وإنما في حب نعكس نور شمس البر على الآخرين، مدركين أن سر الاستنارة ليس فينا وإنما في شمس البر المشرق على الجميع مجانًا!
إن كانت الأرض تشير إلى الجسد فإنه متى حملت النفس الطبيعة السماوية الجديدة وحلقت في جلد السماء ككوكب تعكس نور الرب على الجسد فيستنير، ولا تكون أرضنا (الجسد) عائقًا في طريق خلاصنا إنما تحمل نور المخلص فيها؛ هكذا يسلك الجسد مع النفس في تناغم وتوافق، ويتحقق القول: "وجعلها الله في جلد السماء لتنير على الأرض".
وللقديس ثاوفيلس أسقف أنطاكية من رجال القرن الثاني بعض التعليقات على خلق الكواكب المنيرة في اليوم الرابع. ففي رأيه أن الأيام الثلاثة الأولى تشير إلى الله وكلمته وحكمته، وربما قصد الثالوث القدوس، وجاء اليوم الرابع يشير إلى البشرية التي خلقها الله ككواكب منيرة تخضع للوصية الإلهية. هذه الكواكب نوعان: كواكب بهية ثابتة لا تنحدر مثل الأنبياء ومن يتمثلون بهم؛ وكواكب سيارة تغير مركزها تشير إلى الذين ضلوا عن الله وتركوا وصيته.
7. اليوم الخامس: خلق الأسماك والطيور...

إذ تهيأت الأمور لخلق الأسماك قال: "لتفض المياه ذات أنفس حيّة" [20]، فكانت بداية الخلائق التي لها نفس حيّة في المياه، وكما يقول القديس أمبروسيوس أنه كما أنجبت المياه كائنات حية طبيعيًا بكلمة الله هكذا تلد المياه المقدسة الآن بكلمة الله كائنات حيَّة حسب النعمة، إذ نعيش كالسمك متمثلين بالمسيح السمكة الحقيقية.
يري القديس أغسطينوس في خروج الزحافات ذات الأنفس الحية من المياه صورة حيَّة لخروج الشعب القديم زاحفًا من البحر الأحمر يحمل حياة في داخله، وكأنه كان منطلقًا من مياه المعمودية. وما حدث معهم رمزيًا يتحقق معنا واقعيًا، إذ يقول: [انظروا أنتم الذين أخرجتكم المياه تزحف فيكم أنفس حيّة].

ويري العلامة أوريجينوس في الزحافات إشارة إلى الأفكار الشريرة التي تجعلنا كمن يزحف على الأرض مرتبطة قلوبنا بالتراب، أما الطيور فتشير إلى الأفكار الصالحة التي تنطلق بنا إلى السمويات، إذ يقول: [فيما يخص ما هو أفضل أي الطيور لنتركها تحلق في جلد السماء ولا تزحف على الأرض... لنعرف الزحافات التي تؤذينا. فإن نظرنا إلى امرأة لنشتهيها نكون كالحيّة (التي تزحف)، وإن كان لنا تعقل ورزانة فحتى إن عشقنا المرأة المصرية نكون كالعصفور، نترك بين يديها ملابسنا المصرية ونطير بأجنحتنا من مكائدها المخادعة (تك 39: 7). إن تركنا أنفسنا لفكر السرقة فإننا نتمم أعمال الحية، أما إذا قدمنا صدقة للآخرين فنكون كعصفور يرتفع فوق الأرضيات محلقًا في جلد السماء].
يتساءل العلامة أوريجينوس إن كانت الزحافات تشير إلى الفكر الشيطاني، فلماذا يقال أن الله رأى كل شيء حسنًا؟ يجيب أنه حتى في مقاومة الشيطان لنا ننعم بالنصرة والإكليل فيكون لنا حسنًا(61).
أما القديس ثاوفيلس الأنطاكيفيري في الأسماك ما هو صالح حينما يشير إلى المتمتعين ببركات جرن المعمودية والذين لا يطلبون ما لهم، أي ليس لهم ملكية خاصة، ومن الأسماك ما هو شرير حين يكون الإنسان كالسمك يأكل الكبير الصغير، والقوي الضعيف. والطيور أيضًا منها الصالح ومنها الشرير: [الذين يرجعون عن شرهم ويعيشون بالبر في الروح يطيرون إلى أعلى ويسرون إرادة الله، أما الذين لا يعرفون الله ولا يعبدونه فيكونون كالطيور التي لها أجنحة لكنها عاجزة عن الطيران فلا تحلق في الإلهيات العالية].
8. اليوم السادس: الحيوانات والإنسان...


هيأ الله كل شيء لخلق الحيوان ثم خلق الإنسان، مقدمًا لهم الأمور المنظورة وغير المنظورة.
يري القديس ثاوفيلس الأنطاكي أن الحيوانات المفترسة لم تحمل روح الشراسة إلا بعد سقوط الإنسان، مما قدمه الإنسان لنفسه من فساد خلال عصيانه انعكس على طبيعة الأرض لتخرج شوكًا وحسكًا وعلى الحيوانات ليحمل بعضها نوعًا من الشراسة، تزول بالنسبة لكثير من الأبرار، إذ يقول: [عندما يرجع الإنسان إلى حالته الطبيعية فلا يفعل شرًا تعود هذه الحيوانات أيضًا إلى لطفها الأصلي ]. وتاريخ الكنيسة يقدم لنا أمثلة بلا حصر لقديسين عاشوا وسط حيوانات مفترسة، وفي السنوات الأخيرة رأينا راهبًا مثل "الأب عبد المسيح الحبشي" لا يؤذيه أي حيوان مفترس بل يعيش في وسطها.
أخيرًا توّج الله خليقته الأرضية بخلق الإنسان لا كخليقة وسط مخلوقات بلا حصر، وإنما على صورته ومثاله، وأقامه سيدًا على الخليقة الأرضية... ويلاحظ في خلق الإنسان الآتي:
أولًا: إن ما يشد أنظارنا في خلق الإنسان قوله: "نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا" [26]، مؤكدًا: "فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه" [27]. الأمر الذي لم نسمع عنه قط في خليقة أخرى، إذ أوجد النفس تحمل صورة الثالوث القدوس، وتتسم بالتمثل بالله...
قبل أن أقدم تعليقات آباء الكنيسة الأولى في هذا الشأن أود أن أشير باختصار إلى الفلسفات الإلحادية المعاصرة لنرى أنها تقوم عن عدم إدراك لحقيقة العلاقة التي تربط الله بالإنسان، وعدم فهم خلق الإنسان على صورة الله.

نحن نعلم أن الإلحاد المعاصر هو رفض الله أكثر منه إنكارًا لوجوده، فالملحدون المعاصرون لا ينكرون وجود الله لكنهم يتجاهلون وجوده، أو بمعنى أدق يريدون التحرر منه لأنه في نظرهم يستعبد الإنسان ويفقده إنسانيته.

لذلك قال الملحد الألماني هنري هين: [فلنترك السماء للملائكة والعصافير]،

وقال الشاعر الفرنسي بريفير: [أبانا الذي في السماوات، أبق فيها]. وجاء ماركس بإلحاده فتتلمذ جزئيًا على كلمات الفيلسوف فووباخ (1804-1872)

القائل: [أن نقطة التحول الكبرى في التاريخ ستكون اللحظة التي سيعني فيها الإنسان أن الإله الوحيد هو الإنسان نفسه Homo homini deus]. هكذا أراد فووباخ أن يكون الإنسان إلهًا لذاته، ليس من كبير يكتم أنفاسه، وجاء ماركس ينكر وجود الله لا لشيء إلاَّ ليؤكد وجود الإنسان. هكذا رأى ماركس خطأ أن الدين هو "تغرب عن الإنسان" بالهروب إلى ما يسمى "إله". والآن لا أريد مناقشة هذه الأفكار هنا وإنما يمكن الرجوع للبحث الشيق العلمي الذي كتبه الأستاذ كوستي بندللي، وإنما ما أريد توضيحه أن ما أثار هؤلاء الفلاسفة الملحدين هو عدم إدراكهم لتقدير الله للإنسان. فالله ليس عدو الحرية الإنسانية كما كرر الماركسيون، ولا يقوم وجوده على عجز الإنسان وذله، إنما خلق الإنسان على صورته ليقبل خالقه صديقًا له، يتجاوب معه لا على مستوى المذلة والضعف وإنما على مستوى الحرية والحب والصداقة، وسنرى في دراستنا للكتاب المقدس ككل أن الخط السائر فيه هو إقامة الإنسان على صورة الله ومثاله ليكون وارثًا لله ووارثًا مع المسيح، شريكًا معه في المجد الأبدي. نرى الله يجري وراء الإنسان ليضمه إليه لا ليحطمه، ويرفعه إلى ما فوق الحياة الزمنية. حتى بعد السقوط نسمع السيد المسيح كلمة الله يقول: "لا أعود اسميكم عبيدًا لأن العبد لا يعلم ما يعمل سيده، لكني سميتكم أحباء لأني أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي" (يو 15: 15).
وجود الله لا يقوم على إهدار حياة الإنسان وكرامته، إنما ننزل الله إلينا لكي يرفعنا إليه، وقد جاء اللاهوت الشرقي في القرون الأولى ملخصًا في العبارة المشهورة التي كررها كثير من الآباء وإن كان بأسلوب مختلف: [صار الله إنسانًا، لكي يصير الإنسان إلهًا]. إن ما يحمله الملحدون المعاصرون من شوق نحو الألوهية إنما هو عطش داخلي نحو الأبدية يقوم خلال الصورة التي تمتع بها الإنسان دون سائر الخليقة الأرضية.
وكما يقول كوستي بندللي: [أماني الإنسان اللامحدودة هي في الإنسان صورة الله غير المحدود الذي يدعوه إلى مشاركته حياته].
لقد ظن ماركس أن يقيم من نفسه إلهًا لنفسه بإنكاره وجود الله، ولم يدرك أن ما في داخله من شوق نحو الألوهية إنما هو ثمرة خلقه على صورة الله وإن كانت قد انحرفت في اتجاهاتها. وقد واجه ماركس "مشكلة الموت" في عجز لذا حاول عدم التعرض لها في إنتاجه الضخم إلاَّ مرة واحدة، بسبب ارتباكه أمام الموت وإدراكه أنه عندئذ يفقد ألوهيته التي أقامها لنفسه. وظهر ذلك في قوله: [إن موت ولدي آلمني كثيرًا حتى أنني لا أزال أشعر بمرارة فقده كما في اليوم الأول].

هنا يتحطم كل رجاء له، ويفقد معني الحياة، لذلك بدأ الماركسيون يثيرون في مؤتمراتهم مشكلة "معني الحياة والموت" إذ يقفون في حالة ارتباك.
إن كان الملحدون المعاصرون يظنون في تحطيم العلاقة مع الله إقامة للكيان الإنساني، فإننا نقول أن اتحادنا مع الله الذي خلقنا على صورته ومثاله، ومات لينجينا ويهبنا شركة طبيعته والتمتع بأمجاده فوق حدود الزمان والمكان. إننا نحمل صورته وكأننا عملته الخاصة التي لا يغتصبها آخر بل تنجذب إليه لتوجد الصورة مع الأصل، وكما قال السيد: "أعطِ ما لقيصر لقيصر وما لله لله" (مت 22: 21). إذ نحمل صورته نشتاق أن نرجع إليه وننعم بأحضانه.

فيما يلي بعض تعليقات للآباء عن خلق الإنسان على صورة الله ومثاله:
* لاحظ كيف يوجد في خلق الإنسان أمر سام جدًا لا نجده في خلق آخر، فخلق الله الإنسان على صورته ومثاله، الأمر الذي لا نجده في خلق السماء أو الأرض أو الشمس أو القمر.
* الذي صُنع على صورة الله هو إنساننا الداخلي غير المنظور، غير الجسدي، غير المائت ولا فانٍ. بهذه السمات الحقيقية تتصف صورة الله وبها تُعرف .
العلامة أوريجينوس
* إني أقصد ما قاله الرب عندما رأى عملة قيصر: "أعطِ ما لقيصر لقيصر وما لله لله" (مت 22: 12)، كأنه يقول: كما يطلب قيصر منكم ختم صورته هكذا يطلب الله، فترد العملة لقيصر وتُرد النفس لله مستنيرة ومختومة بنور ملامحه.
* لقد طبعت ملامحك علينا! لقد أوجدتنا على صورتك ومثالك! لقد جعلتنا عملتك، لكن لا يليق بصورتك أن تبقي في الظلام. أرسل شعاع حكمتك لتبدد ظلمتنا فتشرق صورتك فينا .
* لا تبحث كيف ترد له المكافأة... ردّ له صورته، فهو لا يطلب شيئًا غير هذا. إنه يطلب عملته... لا تعطه مكافأة من عندك، فالله لا يطلب ما هو لك، فإنك إذ تعطيه ما لديك إنما تقدم الخطية.
القديس أغسطينوس
ثانيًا: خلق الله النفس البشرية على صورته ومثاله، أي على مثال الثالوث القدوس فهي كائن ناطق حيّ، ومع أنها جوهر واحد في كيانها وطبيعتها لكن الكيان غير النطق غير الحياة. هكذا مع الفارق الآب هو الوجود الذاتي له، والنطق هو كلمة الله، والحياة هو الروح القدس. فالله واحد في جوهر، موجود بذاته، ناطق بالابن، حيّ بالروح القدس.

ثالثًا: في خلق الإنسان وحده دون سائر الخليقة يقول الله: "نعمل" بصيغة الجمع، إذ يلذ للثالوث القدوس أن يعمل معًا بسرور من أجل هذا الكائن المحبوب.
رابعًا: خلق الله الإنسان في النهاية حتى يتوجه كملك على الخليقة، وكما نقول في القداس الأغريغوري أنه لم يجعلنا معوزين شيئًا من أعمال كرامته. خلق كل شيء من أجله وأعطاه سلطانًا، إذ قال: "إملأوا الأرض واخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض" . لم يخلقه كائنًا خانعًا في مذلة إنما أراده صاحب سلطان على نفسه كما على بقية الخليقة.
يقول العلامة أوريجينوس: [هذه تشير إلى ما ينبع عن النفس كما إلى أفكار القلب، أو ما ينتج عن شهوات جسدية وحركات الجسد. فالقديسون الذين هم أمناء في بركة ربنا يحملون سلطانًا على هذه الأمور، فيسيطرون على الإنسان بكليته حسب إرادة الروح، أما الخطاة فعلي العكس يسقطون تحت سلطان ما ينتج عن رذائل الجسد وشهواته]. المسيحي الحقيقي كما يقول الأب مار إسحق السرياني ملك صاحب سلطان يقول لهذا الفكر اذهب فيذهب ولذاك أن يأتي فيأتي.
خامسًا: جاء خلق الإنسان في اليوم السادس أو الحقبة السادسة حتى إذ تكمل خلقته لا يري الله أن كل ما عمله حسن فقط بل "حسن جدًا" ، فيستريح في اليوم السابع، أي يفرح ويُسر بالإنسان موضع حبه. وكما خلق الإنسان في اليوم السادس، قدم السيد المسيح حياته فدية على الصليب ليعيد خليقته أو يجددها روحيًا في اليوم السادس في وقت الساعة السادسة.
ويري القديس أغسطينوسأن السيد المسيح جاء إلى الإنسان في الحقبة السادسة ليجدد الإنسان ويرده إلى صورة الله، إذ يقسم تاريخ الخلاص إلى الحلقات التالية: الأولى من آدم إلى نوح، والثانية من نوح إلى إبراهيم، والثالثة من إبراهيم إلى داود، والرابعة من داود إلى سبي بابل، والخامسة من سبي بابل إلى كرازة يوحنا، والآن نحن في المرحلة السادسة أو في اليوم السادس حيث جاءنا السيد المسيح ليجدد خليقتنا حتى ينتهي العالم وندخل إلى راحته في يوم الرب أو اليوم السابع.

سادسًا: في حديثه العام عن الخلق تحدث هنا عن خلقه الإنسان في عبارة مختصرة ودقيقة للغاية، إذ يقول: "ذكرًا وأنثى خلقهم" ، مع أنه سيعود ويتحدث في شيء من التفصيل عن خلق آدم ثم حواء، لكنه من البداية أكد "ذكرًا وأنثى خلقهم" ليظهر أن لنا أبًا واحدًا وأمًا واحدة، فترتبط البشرية كلها برباط دم واحد... وليؤكد جانبًا آخر هو تقديس لسر الزواج بين الرجل والمرأة بكونه سرّ الوحدة بينهما.

يقول العلامة أوريجينوس: [كل أعمال الرب تتم بعمل مجموعة متحدة معًا كالسماء والأرض، والشمس والقمر، وهكذا أراد الكتاب أن يظهر الإنسان كعمل الرب لا يتحقق بدون الملء والوحدة التي تناسبه].

بمعنى آخر الله خلق الإنسان ذكرًا وأنثى لكي تكون فيهما حركة حب كل نحو الآخر، لا بالمفهوم الشهواني الجسدي، إنما ما هو أعظم "الحب" كعلامة الحياة الداخلية التي تعطي ولا تنتظر مقابل. إن كان الثالوث القدوس هو ثالوث الحب الذي يتفاعل معًا أزليًا في حركة حب فإن الله يريد في البشرية أن تحمل حركة حب صادق من أجل طبيعة الحب الداخلية وليس انتظارًا لمكافأة. ولعل هذا هو الهدف الأول للحياة إنسانية بوجه عام، وهو أيضًا هدف الحياة الزوجية.
يقول الكتاب: "وباركهم الله وقال لهم: اثمروا واكثروا واملأوا الأرض واخضعوها وتسلطوا..." .

وكما يقول القديس أغسطينوس: [الإكثار والنمو لملء الأرض هما هبة من بركة الله، إنهما عطية الزواج الذي أسسه الله من البداية قبل سقوط الإنسان عندما خلقهما ذكرًا وأنثى، بمعنى أنه خلقهما جنسين متمايزين].

ويقول العلامة أوريجينوس: [لا يستطيع الرجل أن يثمر ويكثر بدون المرأة، (فأعطاه المرأة) لكي لا يشك في إمكانية البركة ].
لقد خلق الله الإنسان ذكرًا وأنثى لينجبا - حتى ولو لم يسقطا في العصيان - وليس كما ظن البعض أن الإنجاب جاء ثمر للخطية.
لذلك يؤكد القديس أغسطينوس
إن الإنجاب يتحقق لا كثمرة للشهوة وإنما كجزء من مجد الزواج الذي أسسه الله نفسه، كما يرفض القول بأن الخطية التي ارتكبها الأبوان الأولان هي الشهوة الجسدية وقد عرّتهما من الطهارة، وإنما يقول إن الشهوة جاءت ثمرة من ثمار العصيان.
أخيرًا فإن العلامة أوريجينوس
تفسيرًا رمزيًا أيضًا فيري في الرجل رمزًا للعقل وفي المرأة رمزًا للروح، وكأنه يلتزم اتحاد العقل مع الروح في حياة مقدسة كعنصرين متفقين معًا ينجبان أبناء لهما سلطان على الأرض، أي على الجسد وكل طاقاته. بمعنى آخر أنه لا حياة روحية بدون العقل ولا بدون الروح، إنما يتناغم الاثنان معًا وينسجمان تحت قيادة الروح القدس ليثمرا في الرب ما يفرح قلبه.

في العهد الجديد إذ يرفعنا الله إلى الحياة السماوية الملائكية يشتهي البعض الحياة البتولية ليس احتقارًا للزواج ولا نهيًا عنه، ولكن تفرغًا للعبادة أو الخدمة لحساب ملكوت الله، كقول الرسول بولس: "لأني أريد أن يكون جميع الناس كما أنا... أريد أن تكونوا بلا هم. غير المتزوج يهتم ما في للرب كيف يرضي الرب، وأما المتزوج فيهتم ما في للعالم كيف يرضي امرأته" (1 كو 7: 33). في هذا لا يحقر الرسول من الزواج إنما يرفع من شأن البتولية، كما يقول القديس جيروم: [بينما نحن نسمح بالزواج نفضل البتولية النابعة عنه... هل تعتبر إهانة للشجرة إن فُضل تفاحها عن جذورها وأوراقها؟! ].
قديم 21 - 11 - 2022, 06:05 PM   رقم المشاركة : ( 2 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,042,228

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem متواجد حالياً

افتراضي رد: تفسير سفر التكوين التاريخ البدائي

تفسير سفر التكوين التاريخ البدائي




التكوين 2 - تفسير سفر التكوين

آدم في الفردوس




بعد العرض السريع لخلق العالم كله وتقديس اليوم السابع حيث استراح الرب عرض الوحي الإلهي لحال الإنسان الأول في الفردوس، مظهرًا مدى اهتمام الله بسعادته.
1. تقديس السبت:

"فأكملت السموات والأرض وكل جندها، وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل، وبارك الله في اليوم السابع وقدسه، لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمله الله خالقًا" [1-3].
ماذا يعني "استراح في اليوم السابع"؟ بلا شك الراحة هنا لا تعني التوقف عن العمل، وإنما استراح براحة خليقته،

وكما يقول القديس أغسطينوس: [راحة الله تعني راحة الذين يستريحون في الله].

راحته كأب سماوي أن يجد محبوبيه ينعمون بالراحة الداخلية الحقة،
لذلك يقول القديس أغسطينوس: [إننا نستريح عندما نصنع أعمالًا صالحة. كمثال لذلك كُتب عن الله أنه "استراح في اليوم السابع"، وذلك عندما صنع كل أعماله وإذا بها حسنة جدًا. إنه لم يتعب ولا احتاج إلى راحة، كما أنه لم يترك عمله حتى الآن، إذ يقول ربنا المسيح بصراحة: "أبي يعمل حتى الآن" (يو 5: 17)].
لقد ختم الرب حديثه عن أعمال الخلق بإعلان راحته في خليقته التي حملت آثار محبته خاصة الإنسان الذي حمل صورته ومثاله، ويبقي الله في راحته مادام الإنسان أيضًا يستريح في حضن أبيه السماوي. لهذا رأى كثير من الآباء أن وصية "حفظ السبت" والتي تعني في العبرية "الراحة" إنما هي رمز للثبوت في السيد المسيح بكونه راحة الآب، فيه يجد لذته من جهتنا، وراحتنا نحن إذ فيه ندخل إلى حضن الآب. وكأن السيد المسيح نفسه هو سبتنا الحقيقي ... هذا هو سر اهتمام الله بحفظ وصية السبت، وجعلها خطًا رئيسيًا في خطة خلاص شعبه، من يكسرها يكون قد نقض العهد الإلهي وحرم نفسه من عضويته في الجماعة المقدسة. لنحفظ إذًا السبت الحقيقي بقبولنا السيد المسيح القائم من الأموات كسر راحتنا الحقيقية، لنقبله قائمًا من الأموات فنحفظ السبت كل أيام حياتنا خاصة في اليوم الأول من الأسبوع، كما كان الرسل يجتمعون معًا في أول الأسبوع (الأحد) يمارسون العبادة الجماعية حول الأفخارستيا كموضوع راحتهم الحقة.
إن كان السيد المسيح هو "اليوم السابع" أو (السبت الحقيقي) الذي فيه تصالحنا مع الآب بدم صليبه، فإننا إذ نثبت فيه نحمل سماته فينا ونمتلئ ببره ونصير نحن أنفسنا موضع راحة فنحسب به "سبتًا" أو (يومًا سابعًا)،
وكما يقول القديس أغسطينوس: [نصير نحن أنفسنا اليوم السابع عندما نمتلئ ببركات الله وتقديسه ونفعم بها].
هذا ويلاحظ أن الكتاب المقدس لم يقل عن اليوم السابع: "وكان مساء وكان صباح يومًا سابعًا"،

وكما يقول القديس أغسطينوس: [لا نجد في السبت مساءً، لأن راحتنا بلا نهاية، إذ يضع المساء نهاية ].
2. آدم في الفردوس:

إن كان الله قد خلق للإنسان المسكونة كلها من أرض وجلد وفضاء وكواكب... إنما ليلمس فيها أبوة الله ورعايته الفائقة. وقد كشف عن هذه الأبوة بالحديث بعد ذلك في شيء من التفصيل عن خلق الإنسان وإقامة جنة عدن شرقًا لأجله.
في القرن الثاني يبدو أن العلامة أوريجانوستطلع إلى قصة آدم وحواء وما حدث معهما كقصة رمزية بحتة قدمها الوحي للكشف عن مفاهيم روحية تمس حياة الإنسان بالله، وأن الجنة لم تكن على الأرض بل في السماء الثالثة حيث كان آدم وحواء روحين بلا جسدين حقيقيين قبل السقوط، وأنهما هبطا من الفردوس أو الجنة إلى الأرض بسبب سقوطهما وأن ما نالاه من جسدين إنما هو من قبيل العقاب. هذه الأفكار هاجمها القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص في رسالته إلى القديس يوحنا أسقف أورشليم.
هذه الأفكار ترفضها الكنيسة تمامًا إذ تشوه من النظرة إلى العالم الذي خلقه الله كعلامة حب لنا، وتفسد نظرتنا لتقديس الجسد... هذا وقد أعلن السيد المسيح ورسله القديسين أحداث الخلق الأولى كأحداث واقعية لا رمزية:
أولًا: يقوم الكتاب بعهديه على إعلان ذبيحة الخلاص التي احتاجت إليها البشرية بعد سقوط أبوينا آدم وحواء في جنة عدن... (راجع رو 5)، وأن سقوط آدم استلزم عمل المسيح الخلاصي لإقامة الإنسان ككل بروحه وجسده معًا، وليس لخلاص روحه وحدها فلو أن الجسد الإنساني وليد خطايا ارتكبها الروح قبلًا لما كانت هناك حاجة للتجسد الإلهي وخلاص الجسد مع الروح.
ثانيًا: حينما تحدث السيد المسيح نفسه عن الزواج قدم على أساس ما حدث في بدء الخليقة كحقيقة تاريخية، مانعًا الطلاق (مت 19: 3-6؛ مر 10: 2-9).
ثالثًا: أشار السيد المسيح إلى قصة سقوط أبوينا في بدء الخليقة، موضحًا دور إبليس وخداعه (يو 8: 44).
رابعًا: حينما تحدث الرسول بولس عن الكنيسة كعروس السيد المسيح تحدث عن خداع الحية لحواء كقصة واقعية (1 كو 11: 3).
خامسًا: في نسب السيد المسيح ذكر الإنجيلي لوقا آدم كأول إنسان في الخليقة (لو 3)
سادسًا: تحدث الرسول بولس عن هابيل (ابن آدم وحواء) كشخصية واقعية وليس رمزًا (عب 11: 4).
إن كنا لا ننكر حقيقة هذه الجنة كتاريخ واقعي عاشه آدم، لكننا نرى أيضًا في هذه الجنة رمزًا للسيد المسيح الذي جاءنا من الشرق، فيه يدخل آدم ليجد شبعه وفرح قلبه. فإن كانت كلمة "عدن" تعني (بهجة) أو (نعيم)، فإن السيد المسيح ربنا هو البهجة الحقيقية وسر نعيمنا الأبدي.
إن كانت الجنة ترمز للسيد المسيح بكونه سر بهجتنا، فإنها من الجانب الأخر ترمز للكنيسة بكونها جسد المسيح، تحمل في داخلها "شجرة الحياة" في وسطها كرمز للسيد المسيح رأس الكنيسة وسر حياتها.
لقد نزل السيد المسيح إلى العالم ليعلن عن ذاته أنه شجرة الحياة المغروسة في كنيسته من ينعم به يتمتع بالحياة والحكمة،
وكما يقول القديس جيروم: [يقول سليمان: "هي شجرة حياة لممسكيها" (أم 3: 18)، متحدثًا عن الحكمة. فإن كانت الحكمة هي شجرة الحياة، فالحكمة بالحقيقة هي المسيح... إذ غُرست هذه الشجرة في جنة عدن، نُغرس نحن جميعًا هناك].
بمعنى آخر ما كان يمكن أن يكون لنا نصيب كأشجار حيَّة مغروسة في الفردوس لو لم ينزل شجرة الحياة في وسطه ويعلن ذاته كسر حياة لنا.
أما شجرة معرفة الخير والشر فتشير إلى "المعرفة" التي في ذاتها هي نعمة وبركة، ولكنها إن اتجهت إلى خبرة الشر تصير علة للهلاك.

يقول القديس ثاوفيلس الأنطاكي: [شجرة المعرفة في ذاتها صالحة، وثمرها صالح. ليست الشجرة هي التي حملت الموت كما يظن البعض، إنما العصيان هو الذي حمله في داخله، ليس شيء آخر في الثمرة سوى المعرفة وحدها، وهي صالحة إن استخدمت بفطنة ].
يروي الجنة نهر قيل عنه: "وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة، ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس" [10]. إن كانت شجرة الحياة تشير إلى السيد المسيح واهب الحياة، فإن النهر الذي يسقي الجنة هو الروح القدس الذي يفيض على أرضنا خلال مياه الروح القدس فيحول قفرنا إلى جنة تفرح قلب الله. تحدث السيد المسيح عن هذا النهر، قائلًا: "من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حيّ" (يو 7: 38).

ويعلق الإنجيلي على هذه الكلمات الإلهية بقوله: "قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه، لأن الروح القدس لم يكن قد أُعطي بعد". أما انقسامه إلى أربعة رؤوس فيشير إلى فيض الروح على الكنيسة في العالم من المشارق إلى المغارب ومن الشمال إلى الجنوب.
إن كان النهر يشير إلى الروح القدس الذي يحل على المؤمنين لتقديسهم فإن انقسامه إلى أربعة رؤوس إنما يشير إلى تقديسه للجسد الذي يرمز له برقم 4، بكونه مأخوذًا من الأرض (أربع جهات المسكونة)؛ وكأن الإنسان في علاقته بالله يصير بالروح القدس جنة عدن الجديدة التي يقدسها الروح القدس، عاملًا في النفس البشرية كما في الجسد.
أما بالنسبة لموقع الجنة فللآن لم يستقر اللاهوتيون والجغرافيون على الموقع، فالبعض يظن أنها كانت في أرمينيا لأن الفرات ودجلة ينبعان فيها، أما الرأي السائد فهو أن نهر عدن الذي تفرع إلى أربعة رؤوس ما هو إلا نهر الفرات - دجلة الذي يصب في شط العرب، (في الخليج الفارسي) منقسمًا إلى عدة فروع، فجنة عدن في رأيهم هي القسم الجنوبي من العراق، حيث الخصب. ويعللون ذلك بأن أرض الحويلة حيث الذهب هي جزء من جزيرة العرب الذي يجاور العراف في جنوبه الغربي؛ أما أرض كوش
فغالبًا ما تعني أرض عيلام التي عُرفت إلى زمان طويل باسم كاشو "Cashshu, Cossean" ، كما أن سهل بابل كان يدعي عدنو edinu.
3. وصية الله لآدم:

"وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها" [15].
قبل أن يقدم الله لآدم وصية الحب والطاعة، وضعه في جنة عدن ليعمل ويحفظ الجنة؛ إن كان بإقامته الجنة لحسابه أعلن حبه ورعايته له، فإذ أقامه للعمل وحفظ الجنة إعلان عن تقدير الله للإنسان... لقد هيأ له كل وسائل الراحة وأعطاه إمكانيات الفكر والتعقل لهذا لم يقمه في الجنة ليأكل ويشرب ويلهو وإنما أقامه كائنًا له عمله وتقديره في عيني الله.
هكذا قدس الله العمل فأقام أكمل خليقته الأرضية لكي يعمل، ووهبه الحكمة لكي يحفظ الجنة، وكأن الله أقام وكيلًا له على عمل يديه ليمارس العمل ببهجة قلب وبتعقل!
إذ وهبه الله هذه العطية، عطية العمل في الجنة وحفظها، قدم له وصية: "من جميع شجر الجنة تأكل أكلًا، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتًا تموت" [16، 17].
ربما يتساءل البعض: هل من حاجة لهذه الوصية؟ نجيب بأن الوصية تكرّم من شأن الإنسان إذ تعلن حرية إرادته؛ فقد أراد الله أن يتعامل معه على مستوى فائق، فأعطاه الوصية ليفتح باب الحوار العملي معه، فتكون طاعة آدم لله ليست طاعة غريزية آلية تحكمها قوانين الطبيعة كسائر المخلوقات، وإنما تقوم على إنسانيته المقدسة وحبه الحق الخارج من أعماقه بكمال حريته. فالوصية ليست حرمانًا للإنسان ولا كبتًا له، وإنما هي طريق للتمتع بقدسية الإرادة الحرة. وقد سبق لنا الحديث عن: "الوصية والحب" في كتيب مستقل.
يري البعض أن الله قدم للإنسان هبات عظيمة، لكنه حتى بعد إقامته في الجنة أراد أن يزكيه ويكرمه بعطايا أعظم -ربما خلال أكله من شجرة الحياة- لو أنه عاش في طاعة للوصية الإلهية يعلن حبه العملي لخالقه وصديقه الأعظم.

يقول القديس ثاوفيلس الأنطاكي: [أراد الله تزكية بخضوعه للوصية، وفي نفس الوقت أراد في الإنسان أن يبقي كطفل في بساطة وإخلاص إلى وقت أطول].
لما كان جزاء العصيان "موتًا تموت" ظن البعض أن قصة سقوط أبوينا الأولين رمزية، قائلين بأن الجزاء صعب للغاية ولا يتناسب مع الوصية بعد الأكل من ثمرة شجرة معينة. لكن يجيب الدارسون على ذلك بالآتي:
أولًا: أن الجزاء ليس بسبب نوع الوصية إنما بسبب الفكر الداخلي الذي قابل محبة الله الفائقة ورعايته للإنسان بالجحود. العقوبة هي ثمرة طبيعية للخطية، أيًا كانت، كما أن الفردوس ببهجته الأولى يناسب حالة الإنسان الملتصق بإلهه.
ثانيًا: بشاعة العقوبة تتناسب مع عطية الحرية الإنسانية وتقدير الله للإنسان.
ثالثًا: بشاعة العقوبة تبرز قوة الخلاص الذي يقدمه الله للإنسان يبذل الابن الوحيد الجنس.
رابعًا: العجيب أن العقوبة سقطت بثقلها على الأرض والحية، فلم يلعن الله آدم ولا حواء لكنه لعن الحية بسبب مخادعتها للإنسان، وللأرض بسبب الساكن فيها! الله في محبته أبرز مرارة الخطية، لكنه لم يلعن الإنسان... أي حب أعظم من هذا.؟!
4. خلق حواء:

"وقال الرب الإله: ليس جيدًا أن يكون آدم وحده، فأصنع له معينًا نظيره" [18].
إن كان خلق العالم ككل قد احتاج إلى ملايين السنوات، لكن الوحي سجله في أصحاح واحد باختصار شديد لكي يبقي الكتاب المقدس كله يعلن اهتمام الله بالإنسان على وجه الخصوص، مركز العالم في عيني الله. أهتم بأموره المادية والنفسية كما الروحية... والآن إذ يراه وحيدًا في الجنة أراد أن يصنع له معينًا نظيره. جاء تعبير: "معينًا نظيره" يكشف عن مفهوم الحياة الزوجية، علاقة آدم بحواء، أو الرجل بالمرأة. فالزوجة معينة لرجلها، كما أن الرجل معين لزوجته، وهي نظيره لا تتشامخ عليه ولا هي أقل منه! كأن الحياة الزوجية تقوم على أساس الوحدة الحقة التي تعين الاثنين خلال الاحترام المتبادل.
حدثنا عن خلقه حواء كزوجة وحيدة لآدم، جلبها له من جنبه بعدما أوقع عليه سباتًا فنام... فرأي آدم أنها عظم من عظامه ولحم من لحمه [23]، وقد دعاها امرأة لأنها من امرئ (إنسان) أُخذت. خلال هذا الموقف وضع الكتاب مبدأ الزواج: "لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونا جسدًا واحدًا" [24].
جاءت قصة خلق حواء تحمل رمزًا لخلق الكنيسة عروس المسيح، التي من أجلها أخلي العريس ذاته ليلتصق بها وينطلق بها إلى سمواته. وقد جاءت كتابات الكنيسة الأولى تحمل فيضًا من الحديث عن خلق حواء وعلاقتها بالكنيسة عروس المسيح؛

نقتطف منها القليل من كلمات القديس أغسطينوس في هذا الشأن:
[متي خلقت حواء؟ عندما نام آدم!
متى فاضت أسرار الكنيسة من جنب المسيح؟ عندما نام على الصليب ].
[إن كان المسيح يلتصق بكنيسته ليكون الاثنان جسدًا واحدًا، فبأي طريقة يترك أباه وأمه؟ لقد ترك أباه بمعنى أنه "إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلًا لله، لكنه أخلي نفسه آخذًا صورة عبد" (في 2: 6) بهذا المعنى ترك أباه لا بأن نسيه أو انفصل عنه وإنما بظهوره في شكل البشر... ولكن كيف ترك أمه؟ بتركه مجمع اليهود الذي وُلد منه حسب الجسد، ليلتصق بالكنيسة التي جمعها من كل الأمم].
[(في حديثه عن سر الوحدة بين السيد المسيح وكنيسته كعريس وعروسه) يقول الرسول عنه: "هذا السر عظيم ولكنني أقول من نحو المسيح والكنيسة" (أف 6: 32)... نحن معه في السماء بالرجاء، وهو معنا على الأرض بالحب].
[يتحدث ربنا يسوع بشخصه بكونه رأسنا، كما يتحدث بشخص جسده الذي هو نحن كنيسته هكذا تصدر الكلمات كما من فم واحد، فنفهم الرأس والجسد متحدين معًا في تكامل غير منفصلين عن بعضهما البعض، وذلك كما في الزواج، إذ قيل: "ويكونا جسدًا واحدًا" [24]].
نختم حديثنا هنا بكلمات القديس أمبروسيوس الذي يري في "الجسد الواحد" وحدة الإرادة خلال الحب بين الرجل وامرأته، إذ يقول: [وضع الله مشاعر الإرادة الصالحة في الرجل والمرأة، قائلًا: "يكونا جسدًا واحدًا" ويمكن أن يُضاف "وروحًا واحدًا" ].
أخيرًا بعد أن تحدث عن خلق حواء والتصاقها بالحب مع آدم، قال: "وكان كلاهما عريانين آدم وحواء وهما لا يخجلان" [25]. كان عريانين جسديًا، ومستورين روحيًا لهذا لم يجدا ما يخجلهما، لأن ما يخجل الإنسان ليس جسده بل الفساد الذي دب فيه بسبب الخطية. لهذا يري بعض الآباء في الدخول إلى جرن المعمودية عراة عودة إلى الفردوس حيث كان الإنسان في نقاوة قلبه عريانًا حسب الجسد ولا يخجل.

 
قديم 22 - 11 - 2022, 10:55 AM   رقم المشاركة : ( 3 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,042,228

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem متواجد حالياً

افتراضي رد: تفسير سفر التكوين التاريخ البدائي

تفسير سفر التكوين التاريخ البدائي

تفسير سفر التكوين
سقوط الإنسان




إذ هيأ الله للإنسان كل إمكانيات الحياة كمتسلط على الأرض بكل إمكانياتها وهبه أعظم عطية: الحرية الإنسانية، علامة تقدير من الله نحو أكمل خليقة على الأرض؛ لكن سرعان ما سقط الإنسان بإرادته تحت غواية العدو إبليس متجاهلًا حب الله له:



1. الحيّة المخادعة:

إذ قدم الله للإنسان كل شيء أقامه في الفردوس، ووهبه الوصية ليرد الحب بالطاعة. ولعله كان في ذهن الله هبات أعظم يود أن يقدمها للإنسان كمكافأة له عن طاعته المستمرة للوصية، لكن عدو الخير حسد الإنسان فأراد أن يهبط به إلى الموت مستخدمًا الحيّة ليدخل مع الإنسان في حوار مهلك.

يقول الكتاب: "وكانت الحيّة أحيل جميع حيوانات البرية التي عملها الله، فقالت للمرأة: أحقًا قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة؟! فقالت المرأة للحية: من ثمر شجر الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا" [1- 3.]
لقد استخدم العدو الخليقة الصالحة التي من عمل الله كوسيلة لتحطيم الإنسان، فكان العيب لا في الوسيلة، وإنما في الإنسان الذي قبل أن يدخل في حوار باطل مع الحيّة، خاصة وأن المرأة بدأت تحرّف كلمات الله إذ ادعت أنه طالبهما ألا يمسا الثمر، الأمر الذي كان فيه مبالغة! لهذا يسألنا الرسول بولس أن نهرب من مثل هذا الحوار المفسد للعقل والنفس، قائلًا: "المباحثات الغبية والسخيفة اجتنبها" (2 تي 2: 23).
كثيرًا ما أكد القديس يوحنا الذهبي الفم أنه ما كان يمكن للشيطان أن يتسلل إلينا ويغلبنا ما لم نعطه الفرصة بالتراخي أو الدخول معه في حوار باطل، فمن كلماته:
[قد يقول قائلًا: ألم يؤذِ الشيطان آدم، إذ أفسد كيانه وأفقده الفردوس؟ لا إنما السبب في هذا يكمن في إهمال من أصابه الضرر ونقص ضبطه للنفس وعدم جهاده. فالشيطان الذي استخدم المكائد القوية المختلفة لم يستطع أن يخضع أيوب له، فكيف يقدر بوسيلة أقل أن يسيطر على آدم، لو لم يغدر بنفسه على نفسه؟]
[التراخي والكسل وليس إبليس هما اللذان يصرعان غير اليقظين... إنما هذان يسمحان لإبليس لكي يفرط في الشر.]
[لم أنطق بهذه الأمور لأبرئ الشيطان من الذنب، لكن لكي أحذركم من الكسل. فإن الشيطان يرغب في أن نلقي باللوم عليه عندما نخطئ... بهذا نغرق في كل صنوف الشر ونزيد على أنفسنا العقوبة، ولا ننال العفو، إذ ننسب العلة إليه (دون أن نقدم توبة).]
أما عن الحوار الباطل الذي دخلت فيه حواء مع الحيّة،

فيقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كان يجب عليها أن تصمت؛ كان يلزمها ألا تبادلها الحديث، ولكن في غباء كشفت قول السيد، وبذلك قدمت للشيطان فرصة عظيمة... انظروا أي شر هذا أن نسلم أنفسنا في أيدي أعدائنا والمتآمرين علينا؟‍! لهذا يقول السيد المسيح: "لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير (لئلا تدوسها بأرجلها) وتلتفت فتمزقكم" (مت 7: 6). هذا هو ما حدث مع حواء. لقد أعطت القدس للكلاب. والخنازير، فداست عليها بأرجلها والتفتت ومزقت المرأة.]
ليتنا لا نخاف الشيطان فإنه لا يستطيع أن يقتحم قلبنا بالعنف وإنما نخاف من أنفسنا إذ نقبل حيله وأضاليله، فنسمح له بالتسلل إلى أعماقنا ليتسلم قيادة إرادتنا ويسيطر على القلب والفكر والحواس، ونسقط تحت عبوديته المرة.
في هذا الحوار الذي دار بين حواء والحيّة لم يقدم الشيطان للإنسان إلاَّ وعودًا، قائلًا: "لن تموتا، بل الله عالم أن يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر" [4، 5.] مجرد وعد أنهما يكونان كالله (كبرياء!) وينالان معرفة، لكنه لم يقدم عملًا لصالحهما

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يظهر الشيطان عملًا صالحًا - قليلًا كان أو كثيرًا - بل أغوي المرأة بالكلام المجرد ونفخها برجاء باطل، وهكذا خدعها، ومع هذا نظرت إلى الشيطان كموضع ثقة أكثر من الله، مع أن الله أظهر إرادته الحسنة بأعماله.]

كما يقول: [إذ لم يكن الشيطان قادرًا على تقديم شيء عمليًا قدم بالأكثر وعودًا في كلمات. هكذا هي شخصية المخادعين .]
حقًا لقد كان يمكن لحواء أن تعرف خديعة العدو وتدرك مضاداته لله ومقاومته لكلماته، فبينما يقول الله لآدم: "موتًا تموت"، يقول الشيطان: "لن تموتا".
وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كيف يليق بالإنسان أن يدرك العدو والخصم إلاَّ من هذه الإجابة المناقضة لأقوال الله؟! كان يليق بحواء أن تهرب للحال من الطُعم وتتراجع عن الشبكة .]

بمعنى آخر ليتنا نقبل الله كقائد لحياتنا ونرفض إبليس كمخادع لنا ومهلك لنفوسنا.

وكما يقول القديس أغسطينوس: [الله هو قائدنا والشيطان هو مهلكنا، القائد يقدم وصيته، وأما المهلك فيقترح خدعة، فهل نصغي للوصية أم للخداع؟!]

حدثنا آباء الكنيسة عن خداع إبليس لآدم (وحواء)، وقد رأوا في هذا الخداع ثلاث خطايا رئيسية قدمها العدو لتحطيم البشرية كلها، وعاد ليحارب آدم الثاني (السيد المسيح) بذات الخطايا، حاسبًا أنه قادر على اقتناصه في شباكه،

وكما يقول الأب سرابيون: [كان يلزم بحق لربنا أن يُجرب بنفس الأهواء التي جُرب بها آدم حين كان في صورة الله قبل إفسادها، وهي النهم والطمع والكبرياء، التي تشابكت وأفرخت بعدما تعدي الوصية وأفسد صورة الله وشبهه. لقد جُرب آدم بالنهم حين أخذ الفاكهة من الشجرة الممنوعة، وجُرب بالطمع حين قيل له: "تنفتح أعينكما"، وبالكبرياء حين قيل: "تكونا كالله عارفين الخير والشر" (تك 3: 5) وأيضًا جُرب مخلصنا بالخطايا الثلاثة، بالفهم حين قال له الشيطان: "قل أن تصير هذه الحجارة خبزًا" (مت 4: 3)، وبالكبرياء حين قال له: "إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل، وبالطمع حين رآه جميع ممالك الأرض ومجدها، وقال له: "أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي" (مت 4: 9). لقد أعطانا الرب نفسه مثالًا كيف يمكننا أن ننتصر كما انتصر هو حين جُرب. لقد لقب كلاهما بآدم، أحدهما الأول في الهلاك والموت، والثاني كان الأول في القيامة والحياة، بالأول صارت البشرية كلها تحت الدينونة وبالثاني تحررت البشرية.]
وقد ركز كثير من الآباء على خطية الكبرياء بكونها رأس الخطايا، خلالها تحطم إبليس وجنوده، مقدمًا ذات الوسيلة ليحطم البشرية.
يقول القديس أغسطينوس عن الأبوين الأولين اللذين خدعهما الشيطان بروح الكبرياء: [لقد أنصتا لصوت المخادع: "تصيران كالله" فهجرا الله الذي أراد أن يجعلهما إلهين لا خلال عزلتهما عنه وإنما خلال شركتهما فيه.]

كما يقول: [بالكبرياء نفشل في بلوغ هذا الخلود... إن كنا بالكبرياء قد جُرحنا فبالاتضاع ننال الشفاء. جاء الله في اتضاع لكي يشفي الإنسان من جرح الكبرياء الخطير.]
هكذا يكشف لنا الآباء خداع العدو إبليس، هذا الذي تسلل إلى حواء خلال الحيّة، لكي بدورها تسحب رجلها إلى السقوط معها، إذ قيل: "فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضًا معها فأكل" [6.] وهكذا فقدت حواء رسالتها الأصيلة كمعينة (2: 18) بل صارت فخًا لرجلها ومحطمة لحياته.
يري القديس ديديموس الضرير أن إبليس أو الشيطان عمل خلال الحيّة التي أغوت المرأة، هذه التي بدورها سحبت معها رجلها، وكأن العدو في حربه يبدأ خلال الشهوة كحية تتسلل إلينا، لكي تخدع الحواس التي تمثل المرأة، والحواس بدورها يكون لها فاعليتها في العقل (الرجل)، فيفقد العقل اتزانه وحكمته وينحرف إلى الشر.

2. انفتاح أعينهما:

"فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان، فخاطا أوراق تين وصنعا لأنفسهما مآزر" [7.]
ماذا يعني انفتاح العينين لتريا أن الجسد عريان، إلاَّ أن الإنسان بالخطية يدرك أنه دخل إلى حالة من الفساد تظهر خلال أحاسيس الجسد وشهواته التي لا تُضبط؟! بهذا يدخل الإنسان في معرفة جديدة، هي خبرة الشر التي امتزج بحياته وأفسد جسده تمامًا؛ إنه يتعرف على جسده الذي صار عنيفًا في الشر بلا ضابط.
يقول القديس أغسطينوس: [لقد اختبرا إحساسًا جديدًا في جسديهما اللذين صارا عاصيين لهما كمكافأة حازمة لعصيانهما الله. فالنفس الثائرة على خدمة الله محتقرة هذا العمل بكامل حريتها تفقد سيطرتها التي كانت لها قبلًا على الجسد.]

كما يقول: [انفتحت أعينهما لا لينظرا، فإنهما كانا ينظران من قبل، إنما ليميزا الخير الذي فقداه والشر الذي سقطا فيه]،

[لقد عرفا أنهما عريانان، عريانان من تلك النعمة التي حفظتهما من خزي عري الجسد، بينما قدمت لهما شريعة الخطية عدم ثبات لذهنهما.]


يقول القديس أمبروسيوس: [صار لك معرفة أنك عريان، لأنك فقدت ثوب الإيمان الصالح. هذه هي الأوراق التي بها تطلب أن تستر نفسك. لقد رفضت الثمر وأرادت الاختفاء وراء أوراق الناموس ولكنك خُدعت.]
هكذا إذ يري الإنسان نفسه عاريًا عن ثمرة النعمة الإلهية التي تعمل في أعماق القلب الداخلي يتستر وراء حرفية الناموس وشكليات ظاهرة دون التمتع بالتغيير الداخلي.
ويري القديس ديديموس الضرير أن الإنسان يلجأ إلى أوراق التين يحيكها مآزرًا لنفسه لا تقدر أن تستره، بالتعلل بأعذار واهية لما يرتكبه،

إذ يقول: [أحيانًا يحيك الخاطئ لنفسه أعذارًا عن خطاياه. أليس هذا هو ما نراه في كثير من الناس؟! فالغضوب مثلًا يخترع أعذارًا لكي يبرر غضبه مظهرًا أنه على حق، مستعينًا أحيانًا بالكتاب المقدس، هذا هو معني "خاطا أوراق تين"، وذلك بإهمالهما للثمر وإقامة نوع من الحماية غير الكاملة كمآزر لهما. فالغضوب مثلًا نسمعه يقدم (إيليا) مثالًا بأنه غضب وأهلك رئيس الخمسين (2 مل 1: 9-12).]
3. اهتمام الله بالإنسان:

إن كان الإنسان قد قابل حب الله بالعصيان، فالله يقابل حتى هذا العصيان بالحب لكي يسحب قلبه من مرضه الذي أصابه، ويقيمه من الموت الذي ملك عليه (رو 5: 14). لقد جاء صوت الله ماشيًا في الجنة ليلتقي مع الإنسان الساقط.

يقول الكتاب: "وسمعا صوت الرب الإله ماشيًا في الجنة عند هبوب ريح النهار" [8.] لقد سمعا "صوت الرب" ماشيًا مع أن الصوت لا يمشي، لكنه هو "صوت الرب" أي (كلمته)، الابن وحيد الجنس الذي جاء مبادرًا بالحب ليقتنص الإنسان الساقط ويقيمه. جاء عند هبوب ريح النهار، إذ نلتقي به بالروح القدس، لأن كلمة "روح" و"ريح" في العبرية هي واحدة. جاء في وسط النهار لنتعرف عليه خلال نوره. وكما يقول المرتل: "بنورك يا رب نعاين النور" بمعنى آخر لن نسمع صوت الرب متمشيًا فينا ما لم يهب بروحه القدوس على جنته في أعماقنا ويضيء عليها بنوره الإلهي فنصير كمن في وسط النهار.
لم ينتظر الله الإنسان ليأتي إليه معتذرًا عن خطاياه، إنما تقدم إليه لكي بالحب يجتذبنا إلى معرفة خطايانا والاعتراف بها. بنفس الروح يطالبنا ربنا يسوع أن نذهب نحن إلى أخينا الذي أخطأ إلينا ونعاتبه ولا ننتظر مجيئه إلينا (مت 18: 15).

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن المخطئ غالبًا ما يحجم عن المجيء بسبب خجله، لذا يليق بنا أن نذهب إليه أولًا بمفردنا لكي بالحب نربحه لأنفسنا كما يربح هو نفسه.
هكذا بادر كلمة الله بالحب، فنادي آدم وقال له: "أين أنت؟" [9.] لم يكن يجهل موضعه لكنه أراد الدخول معه في حوار، كاشفًا له أنه قد صار غير مستحق أن يكون موضع معرفة الله، وكأنه قد صار مختفيًا عن النور الإلهي.

يقول القديس أغسطينوس أن الشرير يخرج بشره من دائرة نور الله فيصبح كمن هو خارج معرفة الله، لا بمعنى أن الله لا يعرفه، وإنما لا يعرفه معرفة الصداقة والشركة معه، لهذا يقول للجاهلات: "الحق أقول لكن إني ما أعرفكن" (مت 15: 14).

يقول القديس جيروم: [سمعنا أن الله لا يعرف الخطاة، لنتأمل كيف يعرف الأبرار.؟!]

الآن، ما هو موقف الإنسان تجاه هذه المبادرة الإلهية؟
أولًا: "اختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة" [8.] هذا الهروب هو ثمر طبيعي للعصيان والانفصال عن دائرة الرب، إذ لا تطيق الظلمة معاينة النور، وكما يقول آدم: "سمعت صوتك في الجنة فخشيت، لأني عريان فاختبأت" [10.]
يحدثنا القديس أمبروسيوسعن سر هروب الخاطئ من وجه الرب بقول: [الضمير المذنب يكون مثقلًا حتى أنه يعاقب نفسه بنفسه دون قاضٍ، يود أن يتغطى لكنه يكون أمام الله عاريًا.] كأن الخطية تفقد الإنسان سلامه الداخلي وتدخل به إلى حالة من الرعب.

ويعلل القديس ديديموس الضرير اختفاء آدم بقوله أن الإنسان قد طلب المعرفة خلال خبرة الشر فاختبأ من وجه الرب بابتعاده عن معرفة الله النقية. ويري العلامة أوريجانوس أن الأشرار يختفون عن وجه الرب إذ قيل" "حَوّلوا نحوي القفا لا الوجه" (إر 2: 27)، أما الأبرار فيقفون أمامه بثقة ليهبهم الحياة المقدسة (1 يو 3: 21)، قائلين مع إليشع النبي: "حيّ هو الرب الذي أنا واقف أمامه" (2 مل 5: 16).
هكذا أختفي آدم بعد السقوط ولم يقدر أن يعاين الرب لا لأن الرب مرعب ومخيف وإنما لأن الإنسان في شره فقد صورة الله الداخلية التي تجتذبه بالحب نحو خالقه محب البشر، فصار الله بالنسبة له مرعبًا وديانًا لخطاياه، فالغيب في الإنسان الذي فقد نقاوة طبيعته وخسر استنارة بصيرته الداخلية.
لذلك يعلق القديس ديديموس الضرير على اختفاء آدم برعب، هكذا: [يعلل آدم عريه كسبب لخوفه، هذا العري الذي نجم عن فقدانه للفضيلة التي تستره، فالفضيلة بالحق هي ملبس إلهي. بهذا يعظ الرسول: "البسوا الرب يسوع" (رو 13: 14)، "البسوا أحشاء رآفات" (كو 3: 12)، أي زينوا أنفسكم بسلوك الرأفة حسب المسيح، أو "نلبس أسلحة النور" (رو 13: 12)، حتى نقدر أن نحارب الأعداء (الروحيين).]

ثانيًا: عندما التقي الله بالإنسان خلال مبادرته بالحب بالرغم من هروب الأخير وتخوفه، فإن الأخير لم ينكر خطأه لكنه برر خطأه بإلقاء اللوم على الغير، فقال آدم: "المرأة التي جعلتها معي هي التي أعطتني من الشجرة فأكلت" [12]، وقال المرأة: "الحيّة غرّتني فأكلت" [13.] هكذا ألقي آدم باللوم على حواء بل على الله الذي أعطاه حواء، وألقت المرأة باللوم على الحيّة، ولم يعتذر أحد منهما عما ارتكبه.

يعلق القديس ديديموس الضرير على إجابة آدم بقوله: [كان يليق به أولًا أن يفكر بأنه استلم زوجته من الرب لخيره، وأنه لم يتسلمها لتعطيه دروسًا بل لتتمثل هي به.]

كما يعلق على إجابة حواء بقوله: [الآن تعترف أنها انخدعت... فإن هذا هو حال المخدوعين لا يدركون الشر إلاَّ بعد إتمامه، إذ تخفي الشهوة عنهم إدراكهم للحقيقة وتنزع عنهم المعرفة .]
4. لعنة الحيّة:

"فقال الرب الإله للحية: لأنكِ فعلتِ هذا ملعونة أنتِ من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية، على بطنك تسعين وترابًا تأكلين كل أيام حياتك" [14.]
إذ حملت الحيّة خداعات إبليس للإنسان نالت اللعنة التي تصيب كل نفس تقبل سمات هذه الحيّة فيها وترتضي أن تكون آلة الحساب عدو الخير وإغراءاته. أما اللعنة فهي: "علي بطنك تسعين وترابًا تأكلين كل أيام حياتك". هكذا كل إنسان يقبل أن يكون أداة للعدو الشرير يصير كالحيّة، يسعى على بطنه محبًا للأرضيات، ليس له أقدام ترفعه عن التراب، ولا أجنحة تنطلق به فوق الزمنيات. يصير محبًا أن يملأ بطنه بالتراب، ويزحف بجسده لتشبع أحشاؤه مما يشتهيه. هذا ومن جانب آخر فإن من يقبل مشورة الحيّة يشتهي الأرضيات فيصير هو نفسه أرضًا وترابًا، أي يصير مأكلًا للحية التي تزحف لتلتهمه. أما من له أجنحة الروح القدس فيرتفع فوق التراب منطلقًا نحو السماء عينها فلا تقدر الحيّة الزاحفة على الأرض أن تقترب إليه وتلتهمه.
ويقول القديس أغسطينوس: [يلتصق (الأشرار) بالأرضيات، وإذ هم مولودون من الأرض يفكرون فيها، وبكونهم أرضًا يصيرون طعامًا للحية
كما يقول: [إذ يطأ العدو حياتي يجعلها أرضًا فتصير له طعامًا

[أتريد ألا تكون مأكلًا للحية؟!‍ لا تكن ترابًا ‍ تجيب: وكيف لا أكون ترابًا؟ إن كنت لا تتذوق الأرضيات.]

5. الوعد بالخلاص:

إذ لعن الحيّة التي أغوت الإنسان حتى نرفضها ونرفض سماتها فينا، قدم لنا أول وعد بالخلاص، قائلًا للحيّة: "واضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها، وهو يسحق رأسكِ وأنتِ تستحقين عقبه" [15.]
صارت الحيّة تمثل إبليس نفسه، الذي دُعي "الحيّة القديمة" (رؤ 20: 2)، وقد وضع الله عداوة بين إبليس والمرأة حتى يأتي السيد المسيح من نسل المرأة - دون زرع بشر - يسحق رأس الحيّة التي سحقت عقب البشرية. سحق السيد المسيح -مولود الامرأة- بصليبه رأس الحيّة، كقول الرسول: "إذ جرد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهارًا ظاهرًا بهم فيه (في الصليب)" (كو 2: 14)، لكن الحيّة تسحق كل إنسان ينزل عن الحياة العلوية التي في الرب ليصير عقبًا يرتبط بالتراب.
يري القديس أغسطينوس أن رأس الحيّة هو الكبرياء الذي يحدر حياة الإنسان فيجعلها عقبًا، عندئذ تقدر أن تنفس فيه سمومها، إذ يقول: [تترقب الحيّة عقب الكبرياء، عندما تراك تسقط بالكبرياء وتنحدر. إذن فلتلاحظ أنت رأسها أي الكبرياء بكونه رأس كل الخطايا(117).] كما يري أن رأس الحيّة هو بداية انطلاق الخطية فينا خلال الفكر الشرير، لذا يليق بنا أن نسحقه في بدايته قبل أن يحدرنا إلى العقب ويقتلنا.

إنه يقول: [ما هذه الرأس؟ إنها بداية كل اقتراح شرير. فعندما يقترح عليك (العدو) فكرًا شريرًا القه عنك قبلما تثور اللذة فيك وتقبله. لتتجنب رأسه فر يمسك بعقبك.]
6. تأديب الإنسان:

إذ قدم الوعد بالخلاص أعلن تأديبه للإنسان؛ فتح باب الرجاء بإعلان الخلاص قبلما يقدم التأديب المرّ حتى لا يسقط الإنسان تحت ثقل اليأس. وقد أعلن تأديبه للمرأة أولًا ثم للرجل.
أولًا تأديب المرأة: "تكثيرًا أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولادًا، وإلى رجلك يكون اشتياقك، وهو يسود عليك" [16.] هذا التأديب الذي سقطت تحته حواء بسبب الخطية، تحول بمراحم الله إلى بركة حينما قبلت الكنيسة -حواء الجديدة- أن تلد أولادًا روحيين لله خلال آلامها.
يقول القديس أغسطينوس: [تحبل الكنيسة -عروس المسيح- بالأطفال وتتمخض بهم. كمثال لها دُعيت حواء أم كل حيّ [20.] يقول أحد أعضاء هذه الكنيسة التي تتمخض: "يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضًا إلى أن يتصور المسيح فيكم" (غلا 4: 19). لكن الكنيسة لا تتمخض باطلًا، ولا تلد باطلًا، إنما تجد البذار المقدسة عند قيامة الأموات، تجد الأبرار الذين يتعثرون الآن (بالآلام) في العالم كله.]
وما تحتمله الكنيسة - حواء الجديدة - من آلام في حبلها بالأولاد الروحيين وإنجابهم في الرب إنما تحتمله أيضًا كل نفس ككنيسة وهي تحبل بثمر الروح لتلد أولادًا يفرحون قلب الله.

وكما يقول القديس ديديموس الضرير: [تنجب الكنيسة أولادًا وهي في العالم خلال الألم، لأن الفضيلة تستلزم الحزن، والندامة تنشئ توبة للخلاص بلا ندامة (2 كو 7: 10)... "ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة؟!" (مت 7: 13)، لكنه "واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك وكثيرون هم الذين يدخلون منه". أما عن الدموع فهي ممدوحة.]
وكما تحولت ولادة البنين بالتعب إلى بركة بقبول حواء الجديدة. الأتعاب لإنجاب أبناء في الرب، هكذا تحول أيضًا التأديب الآخر: "إلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك" إلى بركة روحية حين تقدم كلمة الله المتجسد إلى حواء الجديدة كرجلها، يسود عليها بالحب الباذل، وتشتاق هي إليه لتنعم به كسر حياتها وتتمتع بسماته فيها لتدخل معه إلى أمجاده الأبدية.
ثانيًا تأديب الرجل: "ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك، وشوكًا وحسكًا تنبت لك وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها، لأنك تراب وإلى تراب تعود" [17- 19.]

خلق الله الأرض من أجل الإنسان، وبسببه باركها لتثمر له بركات، فإذ عصى الرب سقطت تحت اللعنة لتثمر له شوكًا وحسكًا يتناسب مع عصيانه أو فكره الداخلي. وما حدث للأرض بصورة حرفية تحقق في الأرض الرمزية أي الجسد، الذي بسبب عصياننا لله فقد اتزانه وخسر تقديسه فصار ينبت لنا شوكًا وحسكًا يفسد النفس ويحطمها. هكذا بقيت أرضنا بلا ثمر روحي. حتى جاءت القديسة مريم، فقدّسها الروح القدس بقبولها الوعد الإلهي، فأنتجت لنا الثمر البكر الذي يفرح قلب الآب ويبهج حياتنا.
وكما يقول القديس جيروم: [أعطيت هذه الأرض غلتها، فما فقدته في جنة عدن وجدته في الابن .]
هكذا بتجسد كلمة الله أمكن لأرضنا أن تنتج ثمرًا عوض الشوك والحسك، خاصة وأن السيد حمل هذا الشوك على جبينه عوض أرضنا حتى يرد لأرضنا بهجتها.
حملت الأرض اللعنة بسبب خطايانا، فصارت الحياة بالنسبة للإنسان -بعد سقوطه- صعبة وقاسية، إذ قيل: "بعرق وجهك تأكل خبزًا".
أخيرًا إذ يشتهي الإنسان الأرض أو التراب عوض السماء يقال له: "لأنك تراب وإلى التراب تعود"، وبهذا صار مأكلًا للحيّة التي قيل لها: "ترابًا تأكلين كل أيام حياتك" [14.] من أجل هذا جاء كلمة الله السماوي لينزع عنا الطبيعة الترابية واهبًا إيانا السمات السماوية.

وكما يقول القديس جيروم: [كما يُقال للخاطي: أنت تراب وإلى التراب تعود، هكذا يُقال للقديس: أنت سماء وإلى السماء تعود.]
7. القميص الجلدي:

"ودعا آدم امرأته حواء، لأنها أم كل حيّ" [20.]
إن كان آدم وحواء قد سقطا تحت التأديب، فإنهما أبوانا الأولان، نجد في آدم أبًا لكل البشرية، وفي حواء أمًا للجميع... لكن خلال هذه الوالدية تسربت إلينا الخطية وسقطنا معهما تحت ذات التأديب حتى جاء آدم الثاني يهب الحياة الحقة للمؤمنين وصارت امرأته - حواء الجديدة - الأم الصادقة لكل حيّ.

يقول القديس ديديموس الضرير: [الكنيسة هي أم المؤمنين، والمسيح هو أب لهم، الذي فيه تنبع كل أبوة ما في السموات وما على الأرض (أف 3: 15).]

ويقول القديس جيروم: [كما توجد حواء واحدة هي أم كل الأحياء، هكذا توجد كنيسة واحدة هي والدة كل المسيحيين .]
والآن إذ سقط الأبوان الأولان تحت التأديب الإلهي أعلن الله محبته لهم قبل طردهما من الجنة، إذ صنع لهما أقمصة من جلد وألبسهما [21] عوض أوراق التين التي صنعاهما لأنفسهما مآزر. هذه الأقمصة ربما تعلن عن كشف الله للإنسان الأول عن أهمية الذبيحة كرمز لذبيحة الخلاص... وكأن الله سلم آدم وحواء طقس الذبيحة الدموية. هذا والأقمصة الجلدية التي لا تجف ترمز إلى السيد المسيح الذبيح الذي نلبسه كساتر لخطايانا ونازع لفضيحة طبيعتنا القديمة.


يري القديس أمبروسيوس في الأقمصة الجلدية إشارة إلى أتعاب أعمال التوبة، إذ يقول: [ألبسهما الله أقمصة من الجلد لا من الحرير(125).]

8. طرد الإنسان:

إذ صنع الله للإنسان قميصًا من جلد وألبسه، معلنًا رعايته الفائقة له خلال ذبيحة الصليب وستره لا بجلد حيوانات ميتة وإنما بالرب يسوع نفسه واهب الحياة، الذي يخفيه داخله ويستر عليه، قام بطرده من الفردوس... لماذا؟
أولًا: إن كان الله قد طردنا من الفردوس، ففي حقيقة الأمر نحن طردنا أنفسنا بأنفسنا، إذ خلال العصيان صارت طبيعتنا الفاسدة لا تليق بالحياة الفردوسية المقدسة بل تناسب الأرض التي تخرج الشوك والحسك.

لهذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد وهبنا الله الفردوس، وهذا من صنع عنايته المتحننة؛ ونحن أظهرنا عدم استحقاقنا للعطية، وهذه نتيجة إهمالنا الخاص بنا، لقد نزع العطية من أولئك الذين صاروا غير مستحقين لها، وهذا نابع عن صلاحه....]
ثانيًا: طرد الإنسان من الفردوس لا يعني الله حرمانه من عمل يديه وإنما تهيئته للتمتع بفردوس أعظم وحياة أبدية لا تنتهي.

فيقول القديس ثاوفيلس الأنطاكي: [أن الطرد وإن كان عقوبة لكنه حمل صلاحًا من جهة الله، إذ أراد معاقبة الخطية وإصلاح الإنسان ورده بعد إعادة تجديده.]

ويقول القديس أمبروسيوس: [أعطي الموت كعلاج إذ يضع حدًا للشرور .]

بنفس الفكر يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تأمل ماذا يكون موقف قايين لو بقي في الفردوس وهو سافك دم...؟! لقد أعطي الفردوس للإنسان، وعندما أظهر الإنسان عدم استحقاقه طرده، حتى يصير ببقائه خارجًا وبإهانته إلى حال أحسن (بإظهار التوبة) فيقمع نفسه أكثر ويستحق العودة. وهكذا عندما صنع هذا وصار في حال أفضل أعاده مرة أخرى، قائلًا: "إنك اليوم تكون معي في الفردوس" (لو 23: 34). هل رأيت كيف أنه ليس فقط إعطاء الفردوس بل وطردنا منه هو علامة عظم اهتمام مملوءة ترفقًا؟! فلو لم يعانِ الإنسان الطرد من الفردوس ما كان يمكن أن يظهر مستحقًا له مرة أخرى.]
لقد خشي الرب أن يأكل الإنسان من شجرة الحياة وهو فاسد في طبيعته فيبقي في شره أبديًا، إذ يقول الكتاب: "وقال الرب الإله: هوذا الإنسان قد صار كواحد منه عارفًا الخير والشر، والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضًا ويأكل ويحيا إلى الأبد" [22.]
ويبدو أن المتحدث هنا هو الثالوث القدوس، إذ يقول: "قد صار كواحد منا" من جهة معرفة الخير والشر، لكن الإنسان نال المعرفة خلال خبرة الشر القاتلة.
يعلق الأب شيريمون على هذه المعرفة، قائلًا: [لا يمكننا أن نظن بأن الإنسان كان قبلًا جاهلًا الخير تمامًا، وألاَّ يكون مخلوقًا غير عاقل كالحيوان العجموات، وهذا القول غريب تمامًا عن إيمان الكنيسة الجامعة. علاوة على هذا يقول سليمان الحكيم: "الله صنع الإنسان مستقيمًا" (جا 7: 29)، بمعنى أنه على الدوام يتمتع بمعرفة الخير وحده، "أما هم فطلبوا اختراعات كثيرة" (جا 7: 29)، إذ صارت لهم معرفة الخير والشر كما قيل. لقد صار لآدم بعد السقوط معرفة الشر الذي لم يكن يعرفه قبلًا، لكنه لم يفقد معرفته للخير الذي كان يعرفه.]
أخيرًا إذ طُرد الإنسان من الفردوس أقام الله كاروبًا للحراسة... حتى جاء الجالس على الكاروبيم نفسه يحملنا في جنبه المطعون ليدخل بنا إلى فردوسه السماوي.
 
قديم 23 - 11 - 2022, 12:26 PM   رقم المشاركة : ( 4 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,042,228

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem متواجد حالياً

افتراضي رد: تفسير سفر التكوين التاريخ البدائي

تفسير سفر التكوين التاريخ البدائي




التكوين 4 - تفسير سفر التكوين

هابيل وقايين



إن كانت الخطية قد انطلقت من حواء إلى آدم خلال غواية الحية فقد جاء النسل كله يحمل ميكروبها في طبيعتهم، وكما يقول الرسول: "من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع" (رو 5: 12). وقد ظهر ذلك بقوة في قايين الذي لم يحتمل قبول الله ذبيحة أخيه فارتكب أول حالة قتل في تاريخ البشرية. وقد اهتم كثير من الآباء بقصة هابيل وقايين بكونها قصة البشرية الساقطة التي حملت البغضة لبعضها البعض.


1. قبول تقدمة هابيل:

"وعرف آدم حواء امرأته فحبلت وولدت قايين، وقال: اقتنيت رجلًا من عند الرب" [1].
يري فيلون اليهودي الإسكندري بأن قايين وهابيل توأمان، لكن هذا الرأي لم يجد قبولًا لدى آباء الكنيسة الأولى.
اعتمد بعض الأوريجانيين على هذا النص الذي بين أيدينا ليعلنوا أن آدم عرف حواء كزوجة له بعد السقوط، وكأن العلاقة الزوجية الجسدية في نظرهم هي ثمرة السقوط؛ بل وبالغ البعض بالقول أن السقوط نفسه لم يكن إلاَّ ممارسة هذه العلاقة. هذا الرأي المتطرف رفضته الكنيسة بشدة منذ ظهوره، بل وهاجمته، فقد أكد آباء الكنيسة أن الله هو مؤسس الحياة الزوجية في صورتها الكاملة، وأنه بالسقوط أو بدونه كانت تتم العلاقة الجسدية بين أبوينا ويتحقق إنجاب الأطفال، لكن لا يتم ذلك خلال شهوة شريرة بل كثمرة حب زوجي طاهر. كما رفض الآباء فكرة أن سقوط أبوينا هو اتحادهم الجسدي، إذ يدنس هذا الرأي النظرة نحو الحياة الزوجية.

على أي الأحوال أدركت حواء أن طفلها هو عطية إلهية لذا دعته "قايين"، أي (مُقتنى) وقالت: "اقتنيت رجلًا من عند الرب" [1]. ولعل سر فرحها به أنها ظنت مجيء المخلص الموعود به من نسلها قد اقترب جدًا، وربما انتظرت أن يتحقق ذلك في أيامها.
شعرت حواء أن ابنها مُقتنى من عند الرب،

وكما يقول القديس أمبروسيوس في كتابه "قايين وهابيل":

[يليق بنا أن ندرك أن الله هو الموجد والخالق، لذا نسبت حواء العمل لله، وعندما قالت: "اقتنين رجلًا (a man child) من عند الرب"، إنما قالت هذا لكي نتمثل نحن بها في المواقف المتشابهة، فلا نحسب أن النجاح هو من عندياتنا بل ننسبه بكامله لله].
"ثم عادت فولدت هابيل" [2]. وقد رأى القديس أمبروسيوس أن قايين يمثل الفكر العقلاني البحت أو المدرسة العقلية، وربما قصد الغنوسيين الذين وضعوا المعرفة العقلية وحدها كطريق للخلاص عوض الإيمان، حاسبين أن الإنسان قادر بعقله دون عون إلهي أن يبلغ معرفة الله ويدرك أسراره، مبدعًا في الفكر والإحساس والعواطف والمشاعر والانفعالات. أما هابيل فيرمز لمدرسة الإيمان التي تستند على نعمة الله لكي تتمتع بأسرار الله خلال الإيمان المعطي للإنسان دون تجاهل لعقله. فالإيمان لا يناقض العقل إنما يرفعه خلال إعلانات الله له، ويسمو به؛ وإن المدرستين بالرغم من تناقضهما إلاَّ انهما متصلتان معًا، وكأنهما أخوان صدرا عن رحم واحد، وإن كانا لا يستطيعان السكني معًا لزمان طويل.
هذا وتقدم لنا قصة هابيل وقايين صورة حيَّة لقصة بكورية الروح وبكورية الجسد، فإذ كان قايين بكرًا لآدم وحواء حسب الجسد لكنه فقد بكوريته خلال شره وظهرت بكورية هابيل الروحية بقبول ذبيحته بل وحياته كلها موضع سرور الله دون أخيه. هكذا يري القديس أغسطينوس في قايين رمزًا لآدم الأول، بكر البشرية جسديًا، وقد فقد باكوريته ليظهر هابيل الحقيقي، السيد المسيح، آدم الثاني بكرًا حقًا للبشرية، فيه يتقبلنا الآب رائحة سرور ورضي.
فمن كلمات القديس أغسطينوس: [من هذه الأبوين الأولين للجنس البشري، كان قايين بكرًا منتسبًا لمدينة الناس، ووُلده بعده، هابيل منتسبًا لمدينة الله فصار هو بالحقيقة البكر أيضًا. وكما في حالة الفرد (هكذا يكون على مستوى الجنس البشري) قيل بعبارة رسولية مميزة للحق: "لكن ليس الروحاني أولًا بل الحيواني وبعد ذلك الروحاني" (1 كو 15: 46)، هكذا يحدث أن كل إنسان يُنزع عن اصله المُدان يولد أولًا من آدم الجسداني الشرير وبعد ذلك يصير صالحًا وروحانيًا عندما يُطعم في المسيح بالتجديد (بالمعمودية)، هكذا بالنسبة للجنس البشري ككل... إذ نجد سكان هذا العالم يولدون أولًا وبعد ذلك الغرباء عنه أي سكان مدينة الله الذين بالنعمة تعينوا، وبالنعمة اُختيروا، وبالنعمة عاشوا غرباء هنا أسفل، وبالنعمة عاشوا كمواطنين في الأعالي... الله كفخاري صنع من الطينة عينها إناءً للكرامة وآخر للهوان (رو 9: 21)، لكنه صنع إناء الهوان أولًا وبعد ذلك إناء الكرامة ].
لأننا كما أخذنا صورة الترابي أولًا بعدها حملنا أيضًا صورة السماوي إي المسيح فصرنا فيه خليقة جديدة مستحقين أن نكون إناء للكرامة.

[والعجيب أن قصة باكورية الجسد وباكورية الروح امتدت عبر الدهور، فنجد الله يختار إبراهيم أبًا لجميع الأمم ولم يكن بكرًا بين أخوته حسب الجسد، واختار إسحق الذي يصغر جسديًا عن إسماعيل، ويعقوب الذي يصغر عن أخيه عيسو. وجاء السيد المسيح من نسل فارص الذي ولدته ثامار وقد اقتحم فارص أخاه زارح وهو بعد في أحشاء أمه لينزع عنه البكورية (تك 38: 27-30)، وجاءت سلسلة نسب السيد المسيح تقدم مجموعة كبيرة من الآباء لم يكونوا أبكارًا حسب الجسد... هذا وقد سبق لنا الحديث عن مفهوم البكورية وارتباطها بشخص السيد المسيح البكر خلال دراستنا لسفر العدد ].
يري القديس أمبروسيوس في قايين رمزًا لجماعة اليهود الذين حملوا بكورية معرفة الله لكنهم جحدوا الإيمان بالمخلص وتلطخ مجمعهم بسفك دم بريء، ليأتي هابيل ممثلًا لكنيسة العهد الجديد تضم أعضاء من الأمم، فتحتل البكورية الروحية وتحسب كنيسة أبكار (عب 12: 23) خلال التصاقها أو اتحادها بالرب البكر.

يقول القديس أمبروسيوس: [نري في قايين الشعب اليهودي الملطخ بدم ربهم وخالقهم وأخيهم أيضًا، وفي هابيل نفهم الإنسان المسيحي الملتصق بالله كقول داود: "أما أنا فالاقتراب إلى الله حسن لي" (مز 72: 28)، أي ترتبط نفسه بالسمائيات وتتجنب الأرضيات. وفي موضع آخر يقول: "تاقت نفسي إلى خلاصك" (مز 119: 81)، مما يدل على أن شريعة حياته كانت متجهة للتأمل في الكلمة (المسيح) وليس في ملذات العالم].
عندما تحدث الكتاب عن الولادة الجسدية بدأ بقايين البكر جسديًا ثم هابيل، أما وقد تسلم كل منهما عمله المحبوب لديه احتل هابيل مركز الصدارة وكأنه يغتصب من قايين بكوريته، إذ قيل: "وكان هابيل راعيًا للغنم، وكان قايين عاملًا في الأرض" [2].

وكما يقول القديس أمبروسيوس إن الكتاب المقدس لم يذكر هابيل أولًا بلا هدف بالرغم من مولده بعد قايين وإنما: [ذكر الأصغر أولًا عندما أشار إلى العمل والكفاءة والموهبة لكي ندرك الفارق بين مهنتيهما. فبحسب خبرتنا تأتي فلاحة الأرض وحرثها أولًا لكنها أقل في المركز من رعاية الغنم ]. لعل العمل في الأرض يشير إلى الإنسان الجسداني الذي يركز عينيه وكل طاقاته نحو الأرض والزمنيات، أما رعي الغنم فيشير إلى الإنسان المهتم بالرعاية والتدبير وقيادة الجسد بكل طاقاته (الغنم). لهذا يليق بنا ألا نكون عاملين في الأرض لحساب الجسد وشهواته بل رعاة ندبر الجسد ونرعاه روحيًا لحساب ملكوت الله.
يميز القديس ديديموس الضرير بين عمل هابيل وقايين، فيرى في هابيل كراع للغنم إنه مدبر لحواس جسده وضابط لها، أما قايين فكان عاملًا في الأرض وليس كنوح فلاحًا (تك 9: 20)؛ مميزًا بين العامل في الأرض والفلاح. فالفلاح هو الذي يدبر العمل الزراعي يعرف متى يحرث ومتى يبذر ومتى يحصد بحكمة وتدبير حسن، أما العامل في الأرض فيعمل بلا حكمة ولا تدبير (يقوم بعمل جسدي لا تدبيري).

يقول القديس ديديموس: [لم يقل الكتاب عن قايين أنه فلاح بل عامل في الأرض. إذ لم يكن له دور قيادي كما كان لنوح الذي دُعي فلاحًا وليس عاملًا في الأرض (تك 9: 20)... كان هابيل راعيًا للغنم أي مدبرًا للحواس التي يقودها. هذا هو الراعي الممتاز الذي يُخضع لعصاه علمه ويضبط غضبه والشهوة، ويحمل فهمًا كقائد ومدبر. أما قايين فكان يدور في الأرض والأرضيات لا كفلاح بل كعامل في الأرض، كصديق للجسد يسلك بلا تعقل ولا تدبير... يمكن أن ينطبق عليه القول: "لنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت" (إش 22: 13؛ 1 كو 15: 32)، أما الذي يعمل هذه الأمور بتدبير إلهي فيطبق المبدأ القائل: "فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئًا فافعلوا كل شيء لمجد الله" (1 كو 10: 31)].

"وحدث بعد أيام أن قايين قدم من أثمار الأرض قربانًا للرب، وقدم هابيل أيضًا من أبكار غنمه من سمانها، فنظر الرب إلى هابيل وقربانه، ولكن إلى قايين وقربانه لم ينظر، فاغتاظ قايين جدًا وسقط وجهه" [3- 5].
لماذا لم ينظر الله إلى قايين وقربانه؟
أولًا: يري القديسان ديديموس الضرير وأمبروسيوس أن تعبير: "وحدث بعد أيام" يشير إلى تراخي قايين في تقدمته أو ممارستها بدافع غير الحب. إذ يقول الأول: [قدم قايين تقدمته بإهمال، أما هابيل فقدمها بإخلاص

ويقول الثاني: [جاءت تقدمة قايين بعد أيام... وليست بسرعة واشتياق، لذا جاءت الوصية: "إذا نذرت نذرًا للرب إلهك فلا تؤخر وفاءه" (تث 23: 21)، "إذ نذرت نذرًا لله فلا تتأخر عن الوفاء به... أن لا تنذر خير من أن ينذر ولا تفي" (جا 5: 4، 5)].
ثانيًا: لعل الله رفض تقدمة قايين لأنها كانت من ثمار الأرض، ولم يقل من "بكور الثمار"، فلم يقدم أفضل ما لديه، أما هابيل فقدم: "من أبكار غنمه من سمانها"... أعطَى الله الأولوية‍!
ثالثًا: كانت تقدمة قايين من ثمار الأرض غير القادرة على المصالحة بين الله والإنسان، أما تقدمة هابيل فكانت ذبيحة دموية تحمل رمزًا لذبيحة السيد المسيح القادر وحده على مصالحتنا مع الآب خلال بذل دمه عنا.
رابعًا: يري القديس چيروم في حديث الرب مع قايين (الترجمة السبعينية): "إذ لم تقسم بالصواب" أن قايين قدم لله ثمار الأرض ولم يقدم قلبه، أي قدم تقدمة خارجية دون الداخل، فكان التقسيم غير مصيب.
أما كيف عرف قايين أن الله قبل تقدمة هابيل دون تقدمته،
فكما يقول القديس ديديموس الضرير: [ربما نزلت نار أكلت التقدمة، كما حدث مع هرون وبنيه، إذ "خرجت نار من عند الرب وأحرقت على المذبح المحرقة والشحم، فرأي جميع الشعب وهتفوا وسقطوا على وجوههم" (لا 10: 24)، وكما حدث مع إيليا النبي (1 مل 18: 38-40)].

أما أول ثمار رفض التقدمة فهو: "اغتاظ قايين جدًا وسقط وجهه" [5]، إذ تفسد الخطية سلام الإنسان وتحطمه ليعيش في غيظ وضيق، كما تنحدر بوجهه ليسقط إلى التراب عوض أن يرتفع نحو السماء، وكما يقول الحكيم: "حكمة الإنسان تنير وجهه" (جا 8: 1)، "القلب الفرحان يجعل الوجه طلقًا وبحزن القلب ينسحق الروح" (أم 15: 13).
بالخطية يسقط وجه الإنسان مغمومًا، وبالمسيح يسوع يرتفع متهللًا ليقول: "نحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف" (2 كو 3: 18).
الآن إذ سقط وجه قايين لم يتركه الله هكذا منهارًا بل تقدم إليه يسأله: "لماذا اغتظت؟ ولماذا سقط وجهك؟ إن أحسنت أفلا رفع؟‍‍! وإن لم تحسن فعند الباب خطية رابضة وإليك اشتياقها وأنت تسود عليها" [7].
حقًا لم يقبل تقدمته لأنها من قلب غير نقي، لكنه لا يتركه في سقوطه بل يتقدم إليه بالحب يحدثه في صراحة ووضوح: "إن أحسنت أفلا رفع؟‍" ، وكأنه يعاتبه، قائلًا: "إن أحسنت ما بداخلك أفلا أرفع وجهك من جديد؟‍ لماذا تستسلم للغيط، ولماذا تترك وجهك ساقطًا؟!‍" وفي تحذير يقول له: "إن لم تحسن فعند الباب خطية رابضة، وإليك اشتياقها، وأنت تسود عليها"، وكأنه يقول له" "إني أرى خطية القتل رابضة عند الباب تود أن تتسلل إلى أعماقك مع أنك أنت تسود عليها، أي صاحب السيادة والإرادة، لك أن تقبلها ولك أن ترفضها. أنت لا تزال سيدًا عليها، لكنك إن قبلتها تسود عليك وتحدرك إلى عبوديتها. مادامت عند الباب رابضة فهي ضعيفة، لكن إن تسللت تضعف أنت أمامها وتنحني لها بروح العبودية.
2. قتل هابيل:

"وكلم قايين هابيل أخاه، وحدث إذ كان في الحقل أن قايين قام على هابيل أخيه وقتله، فقال الرب لقايين: أين هابيل أخيك؟ فقال: لا أعلم، أحارس أنا لأخي؟‍ فقال: ماذا فعلت؟ صوت دم أخيك صارخ إليَّ من الأرض" [ 8-10].

ظن قايين أنه قتل واستراح، ولكن الله جاء ليسأله كي يثير فيه التوبة، فهو لا يريد أن يستر على خطايانا بغلاف خارجي بينما يبقي الفساد يدب في الأعماق، إنما كطبيب روحي يريد أن يكشف الجراحات ويفضحها لأجل العلاج. هذا ومن جانب آخر أراد الله أن يؤكد لقايين أنه إله هابيل لا ينساه حتى وإن مدّ أخاه يديه عليه ليتخلص منه،

وكما يقول القديس ديديموس الضرير على لسان الرب: [لا تظن أن جريمتك هربت من عيني، ومن رعايتي التي لا تغفل ].

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تخلص منه إذ رآه محبوبًا، متوقعًا أن ينزعه عن الحب، لكن ما فعله جعله بالأكثر مثبتًا في الحب، إذ بحث الله عنه، قائلًا: أين هابيل أخوك؟ ].
أخفي قايين جسد أخيه، لكنه لم يقدر أن يكتم صوت النفس الصارخة إلى الله، والتي عبّر عنها الرب بقوله: "صوت دم أخيك صارخ إليَّ من الأرض"، إذ يشير الدم إلى النفس بكونه علامة لحياة. فإن سُفك الدم تبقي النفس صارخة خلال الدم المسفوك ظلمًا على الأرض. هذا الصوت الصارخ هو صوت كل إنسان يُظلم من أجل الحق فيُحسب شاهدًا للحق أو شهيدًا، تبقي صرخاته تدوي فوق حدود الأرض (المكان) والموت (الزمان).

عن هذا الصوت يقول القديس أمبروسيوس: [للدم صوت عال يصل من الأرض إلى السماء ]. فالظلم أو الضيق لا يكتم النفس ولا يلجم لسانها بل بالعكس يجعلها بالأكثر متحدة مع كلمة الله الحيّ المصلوب، فيصير لها الصوت الذي لا يغلبه الموت ولا يحبسه القبر. وكأن سر قوة صوت الدم المسفوك ظلمًا هو اتحاد الإنسان بالمصلوب الحيّ.

وقد رأى القديس إكليمنضس الإسكندري في دم هابيل رمزًا لدم المسيح الذي لا يتوقف صوته الكفاري وعمله، إذ يقول:

[لم يكن ممكنًا للدم أن ينطق بصوت ما لم تراه خاص بالكلمة المتجسد، فالرجل البار القديم (هابيل) كان رمزًا للبار الجديد (السيد المسيح كلمة الله)؛ وما يشفع به الدم القديم إنما يتحقق خلال مركز الدم الجديد. الدم الذي هو الكلمة يصرخ إلى الله معلنًا أن الكلمة يتألم].
إن كان قايين قد حطم جسد هابيل بجسده فصمت لسانه تمامًا، لكنه لم يكن ممكنًا أن يلجم لسانه قلبه وصرخاته الداخلية التي يستجيب لها الله سامع التنهدات الخفية.

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كان موسى متألمًا وصلي هكذا (بقلبه) وسُمع له، إذ يقول له الله: "لماذا تصرخ إليَّ؟" (خر 14: 15) ومع أنه لم يصرخ بفمه؛ وحنة أيضًا لم يكن صوتها مسموعًا، وحققت كل ما تريده، إذ كان قلبها يصرخ (1 صم 1: 13). وهابيل لم يصلِ فقط وهو صامت وإنما حتى عندما مات أرسل دمه صرخة كانت أكثر وضوحًا من صوت بوق].
استهان قايين بحياة أخيه هابيل، وإذ به يستهين بالله نفسه في حديثه معه، فإن كل خطية تصوب نحو أخوتنا تدفعنا للخطأ في حق الله نفسه.
وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليته لا يحتقر أحدنا الآخر، فإن هذا عمل شرير يعلمنا الاستهانة بالله نفسه. فبالحقيقة إن أزدري أحد بالأخر إنما يزدري بالله الذي أمرنا أن نظهر كل اهتمام بالغير... لقد احتقر قايين أخاه، وفي الحال استهان بالله].

إن كان عصيان آدم وحواء قد حمل تأديبًا ملموسًا يذّكر البشرية مرارة عدم الطاعة، فإن جريمة القتل الأولى قدمت لقايين تأديبًا ماديًا ملموسًا يكشف له عما حلّ به في أعماقه، إذ قيل له: "متى عملت الأرض لا تعطيك قوتها" [12]. بسبب جريمته حلّ بالأرض نوع من القفر لتكشف عن أرض الإنسان أي جسده الذي صار بالخطية قفرًا، لا يقدم ثمرًا روحيًا لائقًا.

ويعلق القديس ديديموس الضرير على هذا التأديب الإلهي بقوله: [يحدث أحيانًا أنه بسبب خطايا الإنسان تصير الأرض قفرًا ولا تعطي ثمرًا، كالقول: "تنوح الأرض بسبب الساكنين فيها" (هو 4: 3). لقد وهبت الأرض لكي تثمر للذين يحتفظون بفهمهم بغير فساد... لكن الثمر يتناقص بأمر الرب (بسبب فساد الإنسان) حتى يتغير الناس عن حالهم].
إن كانت الأرض تشير إلى الجسد الذي يفقد عمله الأصيل فيصير بلا ثمر روحي، فإن النفس أيضًا تفقد سلامها الداخلي، إذ قيل له: "تائهًا وهاربًا تكون في الأرض" [12]. وكأن النفس التي خضعت للجسد الترابي الأرضي تجده قفرًا، فتعيش فيه بلا راحة ولا سلام، إنما في حالة تيه وفزع. هذا ما أكده الكتاب المقدس بقوله: "خرج قايين من لدن الرب، وسكن في أرض نود شرقي الأردن" [16]. أي تخرج النفس من حضن ربها مصدر سلامها لتسكن في "نود" التي تعني "التيه" أو "الاضطراب".

وكما يقول القديس ديديموس الضرير: ["نود" تعني "اضطراب". هناك كان يجب أن يسكن من ترك الفضيلة الهادئة ودخل إلى الاضطراب ].

ويقول القديس چيروم: [ترجمة "نود" هو "تيه"، فإذ اُستبعد قايين من حضرة الله سكن بالطبيعة في نود وصار تائهًا. هكذا اليهود إذ صلبوا الله ربهم تاهوا هنا وهناك وصاروا يلتمسون خبزهم. لقد تفرقوا في العالم ولم يبقوا في أرضهم. أنهم يشحذون الغنى الروحي إذ ليس لهم أنبياء، وصاروا بلا ناموس ولا كهنة ولا ذبيحة، صاروا شحاذين بمعنى الكلمة]. أما سر التيه فهو الخروج من لدن الرب [16]؛ ليس خروجًا مكانيًا إنما هو خروج عن الشركة معه والتمتع به.
وكما يقول القديس ديديموس الضرير: [لا نفهم أن قايين خرج بعيدًا عن الرب مكانيًا، إنما نقول أن كل خاطئ هو خارج الرب بنفس المعنى الذي يحمله التعبير "أدخل نحو الرب" عندما يقول المزمور: "ادخلوا إلى حضرته بترنم" (مز 100: 2). فعندما ندخل إلى حضرته نترك عنا كل ما هو خارجي أي الخطايا وكل الملموسات، حتى ننعم بأمور أخرى ليست من هذا العالم، لنشترك في معرفة الله... الله ليس بخاضع لمكان بالرغم من إقامة هيكل له... لقد خرج قايين لأنه حسب نفسه غير مستحق لمعاينة وجه الرب، بمعنى أنه لم يعد له فكر الرب].

ويرى القديس باسيليوس الكبيرأن أقسى عقوبة يسقط تحتها الإنسان حرمانه من حضرة الرب: [أقسى أنواع العقوبة التي تفرض على ذوي القلوب الصالحة هي التغرب عن الله].

أدرك قايين خطورة ما بلغ إليه حاله، فاعترف للرب: "ذنبي أعظم من أن يحتمل. إنك قد طردتني اليوم من وجه الأرض من وجهك اختفي وأكون تائهًا وهاربًا في الأرض، فيكون كل من وجدني يقتلني. فقال له الرب: لذلك كل من قتل قايين فسبعة أضعاف يُنتقم منه، وجعل الرب لقايين علامة لكي لا يقتله كل من وجده" [13- 15].
واضح من اعتراف قايين أنه شعر بالندم ليس كراهية في الخطية وإنما خوفًا من العقاب الأرضي، ومع هذا فقد فتح الرب باب الرجاء إذ لم يعده بألا يُقتل وإنما من يقتله يعاقب بمرارة شديدة كمن يُنتقم منه سبعة أضعاف، مقدمًا له علامة حتى لا يقتله كل من وجده، هكذا يبدأ الرب مع قايين بالحب لعل قايين يرتمي من جديد في حضن الله بالتوبة الصادقة والرجوع إليه.
يرى القديس باسيليوس الكبير أن قايين أخطأ، واستحق أيضًا سبعة تأديبات،
أم خطاياه السبع فهي: [حسده لأخيه هابيل، كذبه على الله، خداعه لهابيل إذ استدرجه إلى الحقل، ما هو أبشع من قتل أخاه، قدم قدوة سيئة للبشرية في بدء تاريخها، أخطأ في حق والديه بقتل إبنهما].
أما التأديبات السبعة فهي: [بسببه لُعنت الأرض، صارت الأرض عدوة له يعيش عليها كمن مع عدوه، لا تعطيه الأرض قوتها، يعيش في تنهد، يصير في رعب، يُطرد تائهًا، يتغرب عن وجه الرب].
أما العلامة التي قدمها الله لقايين حتى لا يقتله كل من وجده فربما تشير إلى علامة الصليب التي فيها يختفي الخاطئ ليجد أمانًا وسلامًا خلال مصالحته مع الله. هذه هي العلامة التي يوسم بها أولاد الله الذين لا يطيقون الرجاسات فتحفظهم من الهلاك المهلك كما رأى حزقيال النبي (حز 9: 6).

ويرى القديس أغسطينوس أنها علامة العهد الذي وُهب لرجال العهد القديم كظل للصليب، معلنًا في ناموسهم وطقوسهم، إذ يقول: [هذه العلامة لليهود إذ أمسكوا بناموسهم واختتنوا وحفظوا السبوت وذبحوا الفصح وأكلوا خبزًا غير مختمر ].
3. أولاد قايين:

إن كان الله قد فتح باب الرجاء أمام قايين بالرغم من بشاعة ما ارتكبه من شر ضد الله والناس، عوض الرجوع إليه بالتوبة ليسترد سلامه أقام مدينة دعاها باسم ابنه "حنوك" [17]، حتى لا يعيش أولاده مثله تائهين. وكأنه يكرر ما فعله والداه من قبله إذ خاطا لنفسيهما مآزر من أوراق التين (تك 3: 7). تستر عريهما مع بقاء الفساد الداخلي بلا علاج.
هذه هي أول مدينة بناها الإنسان لنفسه ليحتمي فيها من قرارات الله وتأديباته، بل بالحري يحتمي من التيه الذي جلبه لنفسه بنفسه لهذا

يقول القديس چيروم: [المدينة العظيمة التي بناها قايين أولًا ودعاها باسم ابنه تؤخذ رمزًا لهذا العالم الذي بناه الشيطان بالرذيلة ودعمه بالجريمة وملأه بالشر].

ويقول القديس أغسطينوس: [لقد سُجل أن قايين بَنَى مدينة، أما هابيل فكعابر لم يبن شيئا، لأن مدينة القديسين فوق، وإن كانت تنجب لها مواطنين هنا أسفل لكي يرحلوا في الوقت المناسب ويملكوا، عندما يجتمعون في يوم القيامة ويُعطَى لهم الملكوت الموعود به، الذي فيه يملكون مع رئيسهم وملك كل الدهور، آمين ].

إن كان قايين قد أنجب "حنوك" مقدمًا له مدينة ترابية تحميه من التيه، عوض البركة الروحية، فإن الكتاب يسجل لنا سلسلة مواليد قايين حتى يصل إلى لامك ليقدمه لنا كزوج لامرأتين هما عادة وصلة. أنجب من الأولى يابال ويوبال، ومن الثانية توبال وأخته نعمة.

ويرى القديس چيروم أن لامك لم تكن له حواء واحدة بل أول من تزوج بامرأتين إشارة إلى عمل الهراطقة الذين يقسمون الكنيسة إلى كنائس منحرفة عن الإيمانعلى أي الأحوال إن كان قايين قد قدم أبشع مثل للجريمة في بدء تاريخ البشرية بقتله أخيه ظلمًا، فإن ثمرة الشر هي الهرطقة التي تفسد كنيسة الله وتحرف الإيمان، بل وتدفع إلى الإحاد،

وكما يقول القديس أغسطينوس: [وراء كل إلحاد شهوة].
يرى البعض في حياة لامك مع هاتين المرأتين أنها تمثل الحياة الوثنية أو البعد عن الله، فإن كانت "عادة" في العبرية تعني "جمال" أو "زينة"، و"صلة" تعني "ظل"، فإن الأولى تشير إلى شهوة العين، والثانية تشير إلى "شهوة الجسد". الأولى بجمالها أو زينتها تغوي العين عن التطلع إلى السمويات، والثانية كظل تسحب النفس للعبودية لشهوات الجسد الذي لا يمثل إلاّ ظلًا يختفي، أي تسحبها للأمور الجسدانية الزمنية المؤقتة.
في اللغة الأشورية "عادة" مأخوذة من "عدهاتو" وتعني "ظلام"، وأما "صلة" فمشتقة من "ظلاتو" وتعني "ظلال الليل"، وكأن لامك اختار في شره أن يتحد مع الظلام وظلال الليل خلال حياته الشريرة.
قبل أن نتحدث عن المثل الذي نطق به لامك لامرأتيه نذكر معاني الأسماء الواردة في هذا الأصحاح:
أ. عيراد بن حنوك؛ كلمة "عيراد" مشتقة من الكلمة العبرية "عير" وتعني "مدينة"، ربما لأن قايين كان يبني المدينة الأولى في العالم التي دعاها باسم ابنه حنوك. ويرى البعض أن كلمة "عير" في العبرية تعني "جحش" أو "حذر".
ب. محويائيل بن عيراد، اسمه يعني "مضروب من الله".
ج. متوشائيل بن محويائيل، اسمه عينه "بطل الله" أو "رجل الله".
د. لامك، يعني "قوي".

قدم لامك لامرأتيه أول قطعة شعرية في الأدب العبري، تسمى "أغنية السيف للامك"، جاء فيها "أسمعا لقولي يا امرأتي لامك، وأصغيا لكلامي، فإني قتلت رجلًا لجرحي وفتى لشدخي. إنه ينتقم لقايين سبعة أضعاف وأمّا للامك فسبعة وسبعين" [23، 24]. خلال هذه الأغنية نشتم روح الافتخار والاعتداد بالذات بالدفاع عن النفس والثقة في قوة الإنسان وعنفه، إذ يرى البعض أن لامك يعلن لامرأتيه أنه يستخدم السيف الذي اخترعه ابنه توبال والذي قيل عنه "الضارب كل آلة من نحاس وحديد" [22]، يستخدمه في دفاعه عن نفسه؛ لهذا فيحسب نفسه بريئا إن قتل إنسانًا مادام ليس بقصد القتل وإنما دفاعًا عن نفسه. إن كان قايين كقاتل أخيه ينتقم له سبعة إضعاف فإن لامك كمدافع عن نفسه ينتقم له سبعة وسبعين.
توجد تفاسير كثيرة لهذه الأغنية فالبعض يرى أن لامك شاخ جدًا وصار ضعيف البصر وإذ كان حفيده يقوده وكان محبًا للصيد أشار له حفيده عن صيد فضرب بالسهم فإذا به يقتل جده قايين عن غير قصد، وإذ صرخ الحفيد معلنًا قتل قايين ضرب لامك الفتى فقتله، لذلك قال "قتلت رجلًا (قايين) لجرحي، وفتى لشدخي". وأدرك إنه كقاتل لا بُد أن يُقتل، لكنه إذ قتل بغير عمد ينتقم له الرب سبعة وسبعين.
يرى البعض أن رقم 77 يذكرنا بنسب السيد المسيح كما ورد في إنجيل لوقا (3: 23- 38) فإنه ينتقم للخطية أو يُقتص العدل بمجيء المخلص الذي يدفع الثمن كاملًا على الصليب.

4. ميلاد شيث:

عندما اقتنت حواء "قايين" ظنت فيه بركة للأجيال كلها، لكن سرعان ما فسدت حياته وقتل أخاه البار... فلم يترك الله حواء منكسرة الخاطر، بل وهبها بداية جديدة بإنجاب "شيث" عوض "هابيل". معنى "شيث" في العبرية "عوض" أو "معيّن" وكأن الله جبله عوض هابيل وعينه رأسًا لجيل مقدس. وبالفعل أنجب شيث "أنوش" الذي يعني "إنسانًا"، "وحينئذ أبتدئ أن يُدعى باسم الرب" [26].
 
قديم 23 - 11 - 2022, 01:51 PM   رقم المشاركة : ( 5 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,042,228

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem متواجد حالياً

افتراضي رد: تفسير سفر التكوين التاريخ البدائي

تفسير سفر التكوين التاريخ البدائي




تفسير سفر التكوين
الموت


بالخطية دخل الموت الروحي كما الجسدي إلى حياة الإنسان، فمهما طال عمر الإنسان على الأرض لا يستطيع الهروب من الموت... لأنه "بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع" (رو 5: 12). لكن وسط هذه الصورة القاتمة وُجد أخنوخ الذي انتقل إلى الله بكونه بارًا.
1. مواليد آدم (وموتهم):

قبل أن يبدأ الحديث عن تجديد العالم خلال الطوفان والفلك قدم لنا الوحي الإلهي سلسلة مواليد آدم، مبتدأ بآدم لينتهي بنوح حيث يبدأ العالم من جديد خلال معمودية الطوفان.
قدم إدرشيم Edershein الجدول التالي من آدم حتى تجديد العالم (نوح):

تفسير سفر التكوين التاريخ البدائي






















































ويلاحظ في هذه السلسلة من الأنساب:

أ. لم يذكر هابيل الذي استشهد قبل أن يكون له نسل، فإن كان ذكره على الأرض قد انتهي بعدم الإنجاب، لكن صوته لم يتوقف بعد كقول الرسول: "وإن مات يتكلم بعد" (عب 11: 4). كما تجاهل ذكر قايين وذريته الذي حكم على نفسه بنفسه بالموت وهو حيّ.
ب. مع أن الإنسان بشر فقد شبهه لله، مع ذلك ففي بداية سلسلة الآباء يقول: "يوم خلق الله الإنسان على شبه الله عمله" [1]. فإن كان الإنسان قد تدنس بالإثم، لكن الله يترجى أن يرده مرة أخرى إلى صورته الأصلية التي خلقه عليها... ولعل غاية هذه السلسلة أن تقدم لنا في النهاية شخص المخلص الذي يقوم بهذا العمل فينعم المؤمنون بهذه العطية، أي حملهم شبه الله فيهم.
ج. إذ يذكر ميلاد شيث يقول "وولد (آدم) ولدًا على شبهه كصورته ودعا اسمه شيثًا" [3]، أي "إنسانًا". ولعله يقصد بحمله شبه صورة أبيه وصورته، إنه حمل نفس الرجاء الذي لأبيه آدم في التمتع بالخلاص الموعود به، وليس كقايين الذي عاش بلا رجاء تائهًا في الأرض.
د. يلاحظ أيضًا في سلسلة الآباء جاء أخنوخ من نسل شيث الذي "سار مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه" [24]، ولعله يقابل "حنوك (أخنوخ)" الله من نسل قايين، على اسمه بُنيت أول مدينة على الأرض... وكأن الله أقام نسلًا يحمل السمة السماوية عوض النسل المرتبط بالأرضيات. وبنفس الفكر نجد لامك هنا السابع من نسل شيث يلد نوحًا علامة النياح الروحي والراحة في الرب، عوض لامك السابع من نسل قايين الذي تزوج بامرأتين هما الظلمة وظل الليل كما رأينا وقد أتسم بالعنف... بمعنى آخر إن كان عدو الخير يبذل كل طاقاته لإفساد البشرية لحساب مملكته، فإن الله يقيم له شهودًا في كل جيل أحباء له ينعمون بشركة أمجاده.
ه. من جهة أعمار هؤلاء الآباء: حاول كثير من الدارسين تقديم تفاسير مختلفة فمنهم من قال أن الأرقام في العبرية قديمًا كانت غامضة ويصعب ترجمتها، وآخرون قالوا أن الأعمار المذكورة لا يقصد بها الآباء وإنما تعني عمر عشائرهم... على أي الأحوال الكتاب المقدس ليس بالكتاب التاريخي ولا يهدف بكلماته الإلهية تسجيل تاريخ الإنسان بمفهومنا الحرفي، وإن كنا لا ننكر دقته وإمكانية الحياة الطويلة في بداية الخليقة.
و. لعل غاية هذه السلسلة تأكيد أن الإنسان وإن طال عمره لكنه يموت، مسلمًا ابنه الوعد بالخلاص ليترقب الحياة الجديدة التي لا يغلبها الموت.

2. أخنوخ البار:

بين هذه السلسلة من الأنساب وُجد إنسان واحد لم تختم حياته بعبارة "ومات"، إنما قيل عنه "ولم يوجد لأن الله أخذه" [24]، هذا الذي "قبل نقله شُهد له بأنه أرضي الله" (عب 11: 5). فإن كانت الأنساب الأخرى تمثل البشرية المؤمنة التي تمتعت بالرجاء في مجيء المخلص الموعود به لينقلها من الموت إلى الحياة، فإن "أخنوخ" يمثل أعضاء الكنيسة التي لا تعاين الموت عند مجيء ربنا يسوع بل ترتفع معه على السحاب لتنعم مع بقية الأعضاء بالحياة الأبدية المجيدة (1 تس 4: 14- 17).
لعل ما ورد عن أخنوخ هنا وسط سلسلة الآباء، تأكيد أن سرّ سعادة الإنسان ليس طول بقائه على الأرض وإنما انتقاله إلى حضرة الرب ليعيش معه وجها لوجه.
وكأن "أخنوخ" يمثل استرداد الإنسان لحالته الأولى الفردوسية، بانطلاقه من الأرض التي فسدت إلى مقدس الله. وكما يقول يهوذا الرسول: "وتنبأ عن هؤلاء أيضًا أخنوخ السابع من آدم قائلًا: "هوذا قد جاء الرب في ربوات قديسيه، ليضع دينونة على الجميع ويعاقب جميع فجورهم على جميع أعمال فجورهم التي فجروا بها على جميع الكلمات الصعبة التي تكلم بها عليه خطاة فجار" (يه 14: 15). انتقال أخنوخ إلى الله هي نبوة عملية عن الحياة الأبدية وشهادة ضد الأشرار ودينونتهم العتيدة، بجانب نبوته النطقية التي تسلمتها الكنيسة اليهودية خلال التقليد الشفوي وسجلها الرسول يهوذا.
أخنوخ يمثل القلب الذي يتحد مع الذي ويصير موضع سروره ورضاه في المسيح يسوع الابن المحبوب، فلا يمكن للموت (الروحي) أن يجد له فيه موضعًا، بل يكون في حالة انطلاق مستمر نحو الأبدية، لا يقدر العدو أن يمسك به أو يقتنصه.
لم نعرف عن حياة أخنوخ شيئًا سوى هذه العبارة "وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه" [24]، إذ لم يذكر لنا الكتاب شيئًا عن تصرفاته أو مثلًا لمعاملاته، لكنه بحياته الخفية سحب قلوب الكثيرين عبر الأجيال نحو التوبة والحياة مع الله. يقول أبن سيراخ: "نُقل أخنوخ كمثال للتوبة لجميع الأجيال" (44: 16).
ورأى فيه القديس أمبروسيوسصورة للحياة الرسولية التي لا يهزمها الموت إذ يقول: [حقًا لم يعرف الرسل الموت كما قيل لهم: "الحق الحق أقول لكم إن كثيرين من القيام ههنا لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان قادمًا في ملكوته" (راجع مت 16: 28). فمن ليس بداخله شيء يموت (يحيا أبديًا)، هذا الذي ليس فيه من مصر (رمزيًا) أي نعل أو رباط، إنما خلع عنه هذا كله قبل تركه خدمة الجسد. ليس أخنوخ وحده هو الحيّ ولا وحده أُخذ إلى فوق، إنما بولس أيضًا ارتفع ليلتقي بالمسيح].


بنفس الفكر يرى القديس كبريانوس مثلًا حيًا للمنتقلين إلى الرب سريعًا إذ تركوا عنهم محبة الزمنيات: [إنك تكون (كأخنوخ) قد أرضيت الله إن تأهلت للانتقال من عدوى العالم. لقد علّم الروح القدس سليمان أن الذين يرضون الله يؤخذون مبكرين ويتحررون سريعًا لئلا بتأخيرهم في هذه العالم يتدنسون بوبائه. وكما قيل: "خطفه لئلا يغير الشر عقله، إنه كان مرضيًا لله فأحبه وكان يعيش بين الخطاة فنقله" (حك 4: 10، 11). وفي المزامير تسرع النفس المكرمة لإلهها نحوه قائلة: "ما أحلى مساكنك يا رب الجنود، تشتاق بل تتوق نفسي إلى ديار الرب" (مز 84: 1)].
ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن "أخنوخ" فاق هابيل في إيمانه، إذ يقول: [فاق هذا الرجل هابيل في إيمانه. ربما تسأل كيف؟ لأنه بالرغم من مجيئه بعده فإن ما أصاب هابيل كان كافيًا بصده عن سعيه... ومع هذا لم يدخل أخنوخ إلى اللامبالاة، ولا قال في نفسه: ما الحاجة إذن إلى التعب؟!]. كان أخنوخ عظيمًا في إيمانه، فمع عدم رؤيته أمثلة حيَّة يحتذي بها، ومع سماعه ما حدث مع هابيل عاش مع الله يسلك بالبر فاستحق أن يأخذه الله.

3. متوشالح:

"متوشالح" اسم سامي معناه "رجل السلاح"، ابن أخنوخ، مات في سنة الطوفان وكان عمره 969 عامًا، أطول عمر ذكر في الكتاب المقدس... لكنه وإن طال عمره فقد انتهى بالموت.

وكما يقول القديس چيروم: [حتى إن عشنا تسعمائة سنة أو أكثر كما كان الناس قبل الطوفان، ولو وُهب لنا أيام متوشالح لكن هذه الفسحة من الزمن الطويل عندما تعبر وتنتهي تُحسب كلا شيء. فإن عاش الإنسان عشرة سنوات أو ألفًا من السنين، عندما تنتهي الحياة ويتحقق الموت المحتوم يُحسب الماضي -طال أو قصر- واحدًا، غير أن الذي عاش مدة أطول يُثقل بخطايا أكثر يحملها معه].
4. نوح:

خلال نسب الآباء أعلن الوحي ميلاد "نوح" بكونه علامة "النياح" أو "الراحة" التي يتمتع بها العالم بتجديده بمياه الطوفان... الأمر الذي يعرضه الكتاب في الأصحاحات التالية بشيء من التفصيل. وقد جاء نسل نوح: "سام وحام ويافث" [32] كرؤوس لكل شعوب الأمم بعد الطوفان.
 
قديم 26 - 11 - 2022, 12:07 PM   رقم المشاركة : ( 6 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,042,228

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem متواجد حالياً

افتراضي رد: تفسير سفر التكوين التاريخ البدائي

تفسير سفر التكوين التاريخ البدائي




فلك نوح

إن كان الموت قد دب في الجنس البشري إنما ليكشف عن موت خفي أكثر خطورة هو موت النفس الداخلي وفسادها، الأمر الذي ظهر في انسحاب قلب أولاد الله نحو بنات الناس وفساد الأرض، فصارت الأرض في حاجة إلى تجديدها مرة أخرى خلال الطوفان وفلك نوح.


+ مقدمة عن الفلك والطوفان:

احتلت قصة الطوفان مركزًا رئيسيًا في تاريخ الخلاص وتجديد العالم بالمياه، إذ أعلن الله: "نهاية كل بشر قد أتت قدامي"، لا ليبيد الإنسان وإنما ليجدد العالم، فيحول كارثة الطوفان إلى خير أعظم للبشرية التي ألقت بنفسها في الهلاك الأبدي. هكذا جاء الطوفان في الخارج يكشف عن طوفان الخطية المدمر للنفس في الداخل.
توارثت البشرية هذه القصة وقدمتها الشعوب بصور مختلفة متباينة، انحرفت عن هدفها الحقيقي، وشابها الكثير من الأساطير. وفيما يلي صورة موجزة عن بعض التقاليد القديمة الخاصة بالقصة:

أ. آثار بابل: جاء في آثار بابل عن الكاهن المصري بيروسوس من رجال القرن الثالث ق.م. أنه في عهد الملك أكسيسوثروس Xisuthras حدث طوفان، حيث بني الملك فلكًا أخذ فيه عائلته وأصدقاءه المقربين إليه، وجمع فيه من الطيور والحيوانات والمؤن حتى إذا انقطع المطر أرسل بعض الطيور فجاءته وأرجلها بها طين، وهكذا في المرة الثانية، وفي الثالثة لم ترجع، وقد رسى الفلك في أريدينا.
أما أقدم رواية عن الطوفان في بابل فهي "ملحمة جلكامش Gilgamesh" التي جاء فيها أن جلكامش سأل أثنافيشتيم عن سبب بلوغه الحياة اللانهائية، فروي له قصة الطوفان، كيف أن أربعة آلهة قرروا إهلاك العالم بالطوفان، لكن إله الحكمة "أيا" أمره أن يضع فلكًا ليدخل فيه مع أسرته. وأنه أرسل بعض الطيور ليتفقد أحوال الأرض فعاد بعضها يحمل غصنا من الزيتون. بعد خروجه قدّم ذبائح شكر فجاء إله الحكمة يباركه هو وزوجته ويهبهما الحياة الخالدة.
ب. آثار الهند:وُجدت صورة في هيكل للبوذيين لنوح داخل الفلك، والآلهة كوانين تتطلع إليه بشفقة، كما رُسمت حمامة تطير إلى الفلك ومعها زيتون.
ومن القصص الهندية أن الإله براهما ظهر لمانو في هيئة سمكة، وأمره أن يصنع له فلكًا يدخله مع سبعة من الأبرار. ثم ربط الفلك بقرني السمكة، فسبحت به في الطوفان أجيالًا طويلة، ولما خرج أمرته أن يخلق العالم من جديد.
ج. الآثار اليونانية: جاء أن الإله جوبتر أمر ديوكاليون البار أن يدخل الفلك مع امرأته وبقية عائلته. ولما رسا الفلك على جبل بارتاسوس أرشدته الحمامة إلى نهاية الطوفان، فخرج يقدم ذبائح شكر.
د. آثار فريجية بآسيا الصغرى: قيل أن "أباخوس"، وهي كلمة يحتمل أن تكون محرفة عن "نوح"، عرف بأمر الطوفان فبكي من أجل الناس. وقد وجدت في أباميا بفريجية قطع من العملة عليها صورة الفلك بداخله أناس، وخارجه طيور يحمل أحدها غصن زيتون. وبجانبه صورة لنفس الأشخاص يقدمون ذبائح شكر لأجل نجاتهم. وقد نقش عليها اسم نوح، وكان اسم المدينة القديم "كبوتوش" أي (الفلك)، إذ كان أهلها يعتقدون أن الفلك استقر في مدينتهم.
ه. وجدت قصص مشابهة لدى شعوب الفرس والصين والفينيقيين والسريان والأرمن وقبائل هنود المكسيك إلخ...
هذه التقاليد القديمة وإن حملت أساطير لكنها تكشف عن وجود قصة حقيقية واقعية تسلمتها البشرية، انحرفت بها خلال عبادتها الوثنية.
1. أبناء الله وبنات الناس:

"وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض ووُلد لهم بنات، أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات، فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا" [1، 2].

إذ يتحدث القديس أغسطينوس في كتابه "مدينة الله" عن مدينتين إحداهما أرضية وأخرى سماوية، الأولى تمثل جماعة الأشرار المرتبطين بالأرضيات، والأخرى جماعة المؤمنين المرتبطين بالسماويات، لذلك عندما تعرض للعبادة التي بين أيدينا رأَى في زواج أبناء الله ببنات الناس الخلطة بين المدينتين، الأمر الذي يفسد مواطني المدينة السماوية. هذا الأمر حذرنا منه الرسول بولس بقوله: "لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين، لأنه أية خلطة للبر والإثم؟‍! وأية شركة للنور مع الظلمة؟‍! وأي اتفاق للمسيح مع بليعال؟‍" (2 كو 6: 14، 15).
جاء تعبير "أبناء الله" في الترجمة السبعينية "الملائكة"، بينما الترجمة الحرفية للعبرية "أبناء الآلهة"... لهذا يتساءل القديس أغسطينوس وهو يعتمد بالأكثر على الترجمة السبعينية: هل يتزوج الملائكة بنساء من البشر؟ وإذ أجاب على السؤال بشيء من الإطالة اكتفي بعرض النقاط الرئيسية في شيء من الاختصار :
أولًا: إن كلمة "أنجيلوس" في اليونانية تعني (رسول)، وكأن تعبير "ملائكة" هنا يشير إلى خدام الله، وكأن أولاد الله أو خدامه قد انشغلوا بالزواج بشريرات عوض انشغالهم بخدمة الله.
ثانيًا: يقول القديس أغسطينوسأن في عصره ظهرت خرافات كثيرة بين الوثنيين تدعي اعتداء بعض الشياطين على النساء بطريقة جسدية دنسة، الأمر الذي لا يمكن قبوله خاصة بالنسبة لملائكة الله. لهذا فإن قول الرسول بطرس: "لأنه إن كان لم يشفق على ملائكة قد أخطئوا بل في سلاسل الظلام طرحهم في جهنم وسلمهم محروسين للقضاء" (1 بط 2: 4)، لا يعني سقوطهم في شهوات جسدية مع نساء بشريات، إنما سقوطهم قبل خلق الإنسان في الكبرياء.
ثالثًا: جاء التعبير في ترجمة أكيلا "أبناء الآلهة" وهو ينطبق على المؤمنين الذين قيل عنهم: "أنا قلت أنكم آلهة وبني العلي كلكم" (مز 82: 6). بمعنى آخر أن ما قصده الكتاب سواء ملائكة أو أبناء الآلهة إنما يعني أبناء شيث الذين كان ينبغي أن يعيشوا كملائكة الله وخدامه المشتعلين بنار الحب الإلهي، أو كآلهة، فإذا بهم ينجذبون إلى بنات قايين الشريرات لجمالهن الجسدي. بهذا اختلط الأبرار بالأشرار، وفسد الكل، فصارت الحاجة إلى تجديد عام لكل الخليقة خلال مياه الطوفان. لقد أعلن الرب عدم رضاه بقوله:
"لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد لزيغانه هو بشر، وتكون أيامه مائة وعشرين سنة" [3].

إذ زاغ الإنسان إلى الشر أعلن الله أن روحه لا يدين في الإنسان إلى الأبد، أي لا يستقر فيه مادام يسلك في الشر، وأن أيامه تقصر إلى مائة وعشرين عامًا، وقد تحقق ذلك بالتدريج بعد الطوفان، وإن كان قد سمح للبعض أن يعيشوا أكثر من مائة وعشرين لكنهم بلا حيوية. وربما قصد بالمائة وعشرين عامًا الفترة التي فيها أنذر نوح الناس حتى دخل الفلك.
ولعل قوله: "لا يدين روحي في الإنسان" يعني أنه مادام الإنسان مصرًا على شره وعناده يُحرم من تبكيت الروح القدس فيه، إذ يسلمه الله لذهن مرفوض. ويري البعض أن كلمة "روحي" لا تعني (روح الله القدوس) وإنما الروح التي وهبها الله للإنسان، فإنها لا تبقي في الجسد أبديًا بل يسحبها بعد 120 عامًا، وإن كان هذا الرأي غير مقبول.
ويلاحظ أنه إذ زاغ الإنسان إلى شهوة الجسد دعاه الرب "جسدًا"، إذ قال عنه: "هو بشر" وفي الترجمة السبعينية "هو جسد"، وكأنه بسلوكه الجسداني صار كجسد بلا روح، لأن الجسد بشهواته يستعبد الروح أيضًا ويسيرها حسب أهوائه.
في هذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كما أن الذين لهم أجنحة الروح يجعلون الجسد روحانيًا، هكذا الذين يخرجون عن هذا ويكونون عبيدًا لبطونهم وللذة يجعلون النفس جسدانية لا بمعنى يغيرون جوهرها وإنما يفسدون نبل مولدها

كما يقول: [مع أنه لهم نفوسًا لكنها إذ صارت ميتة فيهم دعاهم "جسدًا" ، هكذا بالنسبة للأتقياء فمع أن لهم جسدًا لكننا نقول أنهم كلهم نفس أو كلهم روح... يقول القديس بولس الرسول عن الذين لم يتمموا أعمال الجسد: "وأما أنتم فلستم في الجسد" (رو 8: 9)، أما من يعيش في ترف فلا يعيش في النفس ولا في الروح بل في الجسد ].
هكذا إذ انشغل أولاد الله بالجسديات فأحبوا بنات الناس، تحولوا إلى الجسد وصاروا غير روحيين. أما ثمر هذا العمل فهو إنجاب أولاد طغاة محبين للكرامة الزمنية، إذ يقول: "كان في الأرض طغاة في تلك الأيام... هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم" [4]. وكأن كل خطية تجلب أخرى، أو كأن الإنسان إذ يستسلم لضعف يصير ألعوبة بين الخطايا، كل منها تلقفه لغيرها. فقد بدأ هنا بتطلع أولاد الله إلى جمال بنات الناس جسديًا، فتركوا رسالتهم الروحية وتحولوا إلى الفكر الجسداني، فصاروا جسدًا، وانجبوا العنف وحب الكرامة الزمنية عوض ثمار الروح من لطف ووداعة واتضاع!
2. نوح البار:

"ورأي الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم. فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض. وتأسف في قلبه. فقال الرب أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته. الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء. لأني حزنت أني عملتهم" [5-7].
لم يكن ممكنًا لله القدوس أن يطيق الشر الذي كثر على الأرض، ولا يتحمل الالتقاء مع النفس التي خلقها كمسكن له أن يري تصورها شريرًا كل يوم، لهذا حزن أنه صنع الإنسان في الأرض. وحينما يقول الكتاب: "حزن" أو "تأسف قلبه" أو "ندم" ، لا نفهم هذه التعبيرات كانفعالات غضب، إنما هي لغة الكتاب الموجهة لنا نحن البشر لكي نفهم وندرك مرارة الخطية في ذاتها وعدم إمكانية الشركة بين القداسة الإلهية والفساد الإنساني.
يفسر لنا القديس أغسطينوس معني تأسف الله أنه عمل الإنسان بقوله: [غضب الله ليس انفعالًا يعكر صفاء عقله إنما هو حكم خلاله تقع العقوبة على الخطية].
كما يقول: [غير المتغير (الله) يغير الأشياء وهو لا يتأسف كالإنسان على أي شيء عمله، لأن قراره في كل شيء ثابت ومعرفته للمستقبل أكيدة، لكنه لو لم يستخدم مثل هذه التعبيرات لما أمكن إدراكه بواسطة عقول الناس المحتاجين أن يحدثهم بطريقة مألوفة لهم (بلغة تناسبهم) لأجل نفعهم، حتى ينذر المتكبر ويوقظ المستهتر ويدرب الفضولي ويرضي الإنسان المتعقل. فما كان يمكن أن يتحقق هذا إن لم ينحنِ أولًا وينزل إليهم إلى حيث هم (يحدثهم بلغتهم) وبإعلانه موت كل حيوانات الأرض والجو المحيط ليكشف عن عظم الكارثة التي كادت تقترب؛ فهو لا يهدد بإبادة الحيوانات غير العاقلة كما لو كانت قد ارتكبت خطية].

هكذا يري القديس أغسطينوس في إعلان الله عن تأسفه أنه خلق الإنسان إنما هو تنازل منه ليحدثنا بلغتنا لندرك مدى ما بلغناه من عدم إمكانية الشركة مع الله مصدر حياتنا، لا بتغير قلب الله من نحونا وإنما بتغيرنا نحن واعتزالنا إياه بقبولنا الفساد الذي هو غريب عن الله. أما تهديده بإبادة الحيوانات والطيور إنما من قبيل محبته الفائقة حتى نعيد النظر من جديد في موقفنا وندرك خطورة الموقف.
العجيب أنه وسط هذه الصورة المؤلمة التي أعلنها الله من جهة بني البشر، لا يتجاهل إنسانًا واحدًا يسلك بالبر وسط جيل شرير، إذ يقول الكتاب: "وأما نوح فوجد نعمة في عيني الله" [8]. في وسط الظلام الدامس لا يتجاهل إشراقة جميلة مهما بدت صغيرة وباهتة، وفي كل جيل يفرح الله بقديسيه ولو كانوا بقية قليلة وسط فساد عام يملأ الأرض. لقد وجد نوح نعمة في عيني الرب الذي شهد له: "كان نوح رجلًا بارًا كاملًا في أجياله" [9]. أما قوله: "في أجياله" فتكشف أن بره وكماله ليسا مطلقين، إنما أن قورنا بما يقدمه أجياله من فساد؛ فالإنسان بره نسبي.
3. فساد الأرض:

"وفسدت الأرض أمام الله وامتلأت الأرض ظلمًا... إذ كان كل بشر قد أفسد طريقه على الأرض" [11، 12].
يلاحظ أن كلمة "الأرض" تكررت كثيرًا في هذا الأصحاح خاصة في العبارة [5-13]، إذ فيها ذُكرت سبع مرات؛ ولكل تكرار الكلمة يكشف عن أن الله كان يشتاق أن يري في الحياة البشرية سمة سماوية، لكنه إذ فسد الإنسان صار أرضًا ترابية تحمل فسادًا. ولئلا نظن أن مادة الأرض قد فسدت أو ما حملته الأرض من موارد وثمار إلخ... لذا أكد: "إذ كان كل بشر قد أفسد طريقه على الأرض"، وكأن فساد الإنسان هو الذي شوه المخلوقات غير العاقلة.
4. فلك نوح:

كشف الله لعبده البار نوح ما كان مزمعًا أن يفعله، إذ قال له: "نهاية كل بشر قد أتت أمامي، لأن الأرض امتلأت ظلمًا منهم، فها أنا مهلكهم مع الأرض" [13]. كان يمكن لله أن يأمر نوحًا بصنع الفلك فيطيع في إيمان وثقة، لكن الله كمحب للبشر لا يشتاق أن يكون الآمر الناهي، إنما الصديق المحب الذي يحاور الإنسان ويكشف له حكمته وأسراره، وكما يقول المرتل: "سرّ الرب لخائفيه، وعهده لتعليمهم" (مز 25: 14).
لقد كشف له أنه وإن كان يهلكهم مع الأرض، فإن الهلاك هو ثمرة طبيعية لفساد هم اختاروه، ويظهر ذلك من قوله: "نهاية كل بشر قد أتت أمامي"، وكأنه يقول: لم أكن أود هذا لكنهم صنعوا بأنفسهم هلاكًا يجلب نهايتهم، اختاروه بمحض إرادتهم.
الآن إن كان الأشرار قد فعلوا هكذا بأنفسهم مقدمين هلاكًا حتى للأرض، فالله لا يترك أولاده يهلكون معهم، لذا قدم لنوح أمرًا بعمل فلك لخلاصه، وقد عرض لنا الكتاب المقدس قصة الفلك بدقة شديدة وفي شيء من التفصيل لما حمله الفلك من عمل رمزي يمس خلاصنا بالصليب.

أولًا- أهمية الفلك: في دراستنا للمعموديةلاحظنا كيف سلطت الليتورجيات الكنيسة وأقوال الآباء الضوء على فلك نوح بكون الطوفان رمزًا لعمل التجديد الحق للطبيعة البشرية، والفلك رمزًا للصليب الذي حمل المسيح معلقًا لأجلنا، فحمل فيه الكنيسة التي هي جسده المقدس. كان لا بُد من هلاك العالم القديم (الإنسان العتيق) في مياه المعمودية ليقوم العالم الجديد أو الإنسان الجديد الذي على صورة خالقه يحمل جدة الحياة أو الحياة المقامة في المسيح يسوع (رو 6: 3، 4). كأن الطوفان وهو رمز للمعمودية يضع حدًا فاصلًا بين الحياة القديمة المظلمة والحياة الجديدة المشرقة بنور قيامة الرب يسوع. وقد جاء هذا الفكر الكنسي الآبائي امتدادًا للفكر الرسولي، إذ يقول الرسول بطرس: "وكانت أناة الله تنتظر مرة في أيام نوح إذ كان الفلك يُبني، الذي فيه خلص قليلون أي ثماني أنفس بالماء، الذي مثاله يخلصنا نحن الآن في المعمودية، لا إزالة وسخ الجسد بل سؤال ضمير صالح عن الله بقيامة يسوع المسيح" (1 بط 3: 20، 21).
وإذ سبق لنا عرض الفكر الليتورجي والآبائي في هذا الشأن اكتفي ببعض كلمات قليلة:
* خلق الله الإنسان من التراب، وجدده بالماء، ونماه بروحه، ودربه بكلمة للتبني والخلاص، موجهًا إياه بالوصايا المقدسة حتى يحول الإنسان مولود التراب إلى كائن مقدس سماوي عند مجيئه.
القديس إكليمنضس الإسكندري

* في الطوفان -أيام نوح- مات كل جسد أما نوح البار فُحفظ مع عائلته... فالإنسان الخارجي يفني، لكن الداخلي يتجدد. هذا يحدث ليس فقط في المعمودية وإنما أيضًا بالتوبة حيث تفني (شهوات) الجسد فتنمو الروح، كما يعلمنا السلطان الرسولي بالقول: "قد حكمت كأني حاضر في الذي فعل هذا هكذا... أن يُسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع" (1 كو 5: 3، 5).
القديس أمبروسيوس

ثانيًا- مادة الفلك: "اصنع لنفسك فلكًا من خشب جفرٍ" [14]، ربما يعني خشب السرو، وقد جاء في الترجمة السبعينية: "من عرائض مربعة"،

وكما يقول القديس أغسطينوس: [إنه يشير إلى الكنيسة(171)، أو إلى حياة القديسين الثابتة والراسخة فإن العرائض المربعة أينما حركتها تبقي واقفة].
يقول القديس أمبروسيوس: [إنكم ترون الماء والخشبة والحمامة، فهل تقفون أمام السر حيارى؟ فالماء هو الذي يُغمر فيه الجسد لكي تغسل فيه كل خطية جسدية، ويُدفن فيه كل شر، والخشبة هي التي عُلق عليها الرب عندما تألم لأجلنا، والحمامة هي التي نزل الروح القدس على هيئتها كما قرأتم في العهد الجديد، ذاك الذي يهبكم سلام النفس وهدوء الفكر، والغراب هو رمز الخطيئة التي تذهب ولا ترجع، إذ حفظ فيكم البر في الداخل والخارج].
ويري العلامة أوريجانوس في العرائض الخشبية المربعة التي تحمل شكلًا منتظمًا بزوايا قائمة إشارة إلى الأنبياء والرسل، خلالها تُقام مكتبة العلم الإلهي في النفس، إذ يري في الفلك رمزًا للدخول إلى أسرار معرفة الله وعلمه خلال كلمته الإلهية.


ثالثًا- أبعاد الفلك: إن كان الفلك يشير على التمتع بخلاص السيد المسيح المجاني والدخول في معرفة أسرار الله الفائقة خلال الصليب حتى دعاه العلامة أوريجانوس "مكتبة الكلام الإلهي" أو "مكتبة العلم الإلهي"، لذا جاءت أبعاده من طول وعرض وارتفاع تشير إلى الإيمان والمحبة والرجاء، إذ يقول: [مَن كان قادرًا أن يسمع كلام الرب والأمور الإلهية بالرغم من ثقل الشر وكثرة الرذائل، تارِكًا عنه الأمور الفانية السريعة الزوال، فمثل هذا يُبْنَى في قلبه فلك الخلاص ويُكَرَّس في نفسه مكتبة الكلام الإلهي، فَيُعْطَى له الإيمان والمحبة والرجاء كطول وعرض وارتفاع. فالإيمان بالثالوث القدوس هو الطول الممتد إلى الخلود، والعرض هو المحبة التي تبسطها العواطف اللطيفة الرقيقة، وأما الارتفاع فهو الرجاء الذي يحمله إلى حيث الحق السماوي، إذ ونحن على الأرض تكون "سيرتنا في السموات" (في 3: 20)].
في أكثر تفصيل يقول بأن الطول 300 ذراعًا، لأن رقم 100 يشير إلى قطيع المسيح العاقل (لو 15: 4، 5) والذي يحرص السيد المسيح ألا يضيع منه خروف واحد. فإن هذا القطيع يتقدس خلال معرفته بالثالوث القدوس (100 × 3)، أو الإيمان به. أما عرض الفلك فهو 50 ذراعًا، وقد رأينا في دراستنا لسفر الخروج والعدد أن رقم 50 يشير إلى التمتع بغفران الخطايا ، كما كان يحدث مع اليوبيل (السنة الخمسين) حيث يتم عفو عام وشامل وتحرير للعبيد والأرض، وأيضًا كما حدث في يوم الخمسين حين حلّ الروح القدس على التلاميذ في العلية ليهب الكنيسة طبيعة سماوية متحررة من الخطية. فالعرض يشير إلى المحبة، محبة الله الغافرة وحبنا الساتر لضعفات الآخرين. أما العلو فثلاثون ذراعًا يشير إلى ارتفاع الإنسان إلى الله كما انطلق يوسف في سن الثلاثين من السجن إلى القصر ليمسك بتدبير شئون المملكة... إذن ليُبْنَ الفلك الروحي فينا لتكون لنا المعرفة الحقة الاختبارية، طوله الإيمان الحيّ بالثالوث القدوس، وعرضه الحب الحق لله والناس، وارتفاعه الرجاء في السمويات.
ويري القديس أغسطينوسفي أبعاد الفلك رمزًا لجسد السيد المسيح، فالفلك أبعاده هكذا 300 × 50 × 30، والإنسان الكامل في نظر هذا القديس طوله من قمة رأسه حتى أخمص قدميه ستة أضعاف عرضه من جانبيه (300: 50)، وعشرة أضعاف ارتفاعه (سُمكه) من الظهر إلى الصدر (300: 30). وكأن الفلك يشير إلى كلمة الله الذي صار جسدًا، فحملنا فيه ليعبر بنا خلال الطوفان إلى الأرض الجديدة التي له.

رابعًا- طلاء الفلك بالقار من الداخل والخارج: فكما يقول العلامة أوريجانوس: [يريدنا أن نكون قديسين من الخارج وأنقياء في الداخل في القلب، محفوظين من كل جانب، محروسين بفضيلة الزهد (القار الخارجي) والطهارة (القار في الداخل) ].


خامسًا- الباب الجانبي: يقول القديس أغسطينوس: [بابه الجانبي يشير بالتأكيد إلى الجرح الذي في جنب المصلوب بواسطة الحربة، خلاله يدخل القادمون إليه، ومنه فاضت الأسرار التي بها ينضم المؤمنون به إلى عضويته].

سادسًا- الطوابق الثلاثة: يري القديس أغسطينوسفي هذه الطوابق الثلاثة صورة حيَّة للكنيسة التي اجتمعت من كل الشعوب والأمم، إذ استكملت من نسل أبناء نوح الثلاثة: سام وحام ويافث. وربما تشير هذه الطوابق إلى الفضائل الثلاث التي أمر بها الرسول: الإيمان والرجاء والمحبة. كما يري في هذه الطوابق الثلاثة المؤمنين الذين جاءوا وبثلاث كميات متباينة من المحاصيل مائة ضعف وستين وثلاثين (مت 13: 23، مر 4: 8)، أو يمثل المدينة السماوية أو الكنيسة الأبدية التي تضم في عضويتها متزوجين أطهارًا وأيضًا أرامل وبتوليين أنقياء.
ويري العلامة أوريجانوس في الطوابق الثلاثة إشارة إلى طرق التفسير الثلاثة: التفسير الحرفي، التفسير السلوكي أو الأخلاقي، والتفسير الروحي. فمن يقف عند التفسير الحرفي يَكُنْ كمن استقر في الطابق الأسفل مع الحيوانات أما من يرتفع إلى السلوكي ثم ينعم بالروحي فيكون كنوح رجل الله وعائلته في لقاء مع الله.

سابعًا نوح وعائلته داخل الفلك: يقول العلامة أوريجانوس: [بصعودنا خلال أدوار الفلك المختلفة نصل إلى نوح نفسه الذي يعني (نياح) أو (بر)، فنوح هو يسوع المسيح، إذ لا ينطبق على نوح القديم قول لامك أبيه: "هذا يعزينا عن عملنا وتعب أيدينا من قبل الأرض التي لعنها الرب" (تك 5: 29)... انظروا إلى ربنا يسوع المسيح الذي قيل عنه: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم" (يو 1: 29)، "المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا، لأنه مكتوب ملعون كل من عُلِّق على خشبة" (غلا 3: 3)، وأيضًا قال: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (مت 11: 28). ها أنتم ترونه بالحقيقة يهب راحة للبشرية، ويخلص الأرض من اللعنة].
هذا وقد لاحظ القديس بطرس الرسول أن عدد النفوس التي خلصت خلال الفلك ثمانية (1 بط 20، 21)، هذا الرقم يشير إلى الكنيسة المختفية في صليب ربنا يسوع المسيح، أو يشير إلى طبيعتها السماوية وسمتها الجديدة خلال تمتعها بالحياة المقامة في المسيح يسوع. نحن نعلم أن رقم 8 يشير إلى الحياة ما بعد الزمن، حيث يشير رقم 7 إلى أيام الأسبوع، فكأن رقم 8 يعني تعدى حدود الزمن.



 
قديم 27 - 11 - 2022, 01:09 PM   رقم المشاركة : ( 7 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,042,228

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem متواجد حالياً

افتراضي رد: تفسير سفر التكوين التاريخ البدائي

تفسير سفر التكوين التاريخ البدائي




خلاص نوح بالفلك



إذ غرق العالم القديم بمياه الطوفان قام العالم الجديد ممثلًا في أشخاص نوح وعائلته. لقد اهتم الله نفسه بخلاصهم وتجديد الأرض وقبل ذبيحة الإنسان رائحة رضا ليدخل معه في عهد جديد.
1. اجتياز ريح على الأرض:

"ثم ذكر الله نوحًا وكل الوحوش وكل البهائم التي معه في الفلك،
وأجاز الله ريحًا على الأرض فهدأت المياه...
وفي العاشر في أول الشهر ظهرت رؤوس الجبال" [1، 5].
إن كان الله قد أغلق على نوح فهو لا ينساه وسط المياه، إنما كالفخاري الذي يترقب الإناء الطيني داخل الفرن، يخرجه في الوقت المناسب إناءً للكرامة. من أجل نوح البار تفجرت ينابيع الغمر وانفتحت طاقات السماء لكي تغسل له الأرض وتجددها، فينعم بعالم جديد عوض القديم، ومن أجله أغلق عليه الرب حتى يكون محفوظًا من كل التيارات المحيطة به، ومن أجله أيضًا أرسل ريحًا على الأرض. نحن نعلم أن كلمة "ريح" وكلمة "روح" في العبرية هما كلمة واحدة... وكأن الله وسط مياه المعمودية يهب بروحه القدوس لتقديس أرضنا، فنتهيأ كأعضاء لجسد السيد المسيح ونصير هيكلًا لروحه القدوس.
يقول القديس إكليمنضس الإسكندري: [أن المربي يخلق الإنسان من تراب ويجدده بالماء وينميه بالروح ].
الآن إذ هدأت المياه ورجعت استقر الفلك في اليوم السابع عشر من الشهر السابع على جبل أراراط بأرمينيا، اسمه مشتق من الكلمة الأكادية "أرارطو" وتعني "مكان مرتفع"، ولعلها القمة التي تدعى حاليًا بالتركية "أغرى داع" أي "جبل شاهق" يبلغ ارتفاعها 16916 قدمًا فوق سطح البحر.

في اليوم الأول من الشهر العاشر بدأت تظهر رؤوس الجبال الأقل ارتفاعًا إن كان رقم 10 يشير إلى الناموس فإذ يبدأ الإنسان حياته بالوصية (الناموس الروحي) تظهر في داخله رؤوس جبال الفضيلة التي سبقت فتغطت واختفت بسبب خطايانا. إن كان الفلك أي السيد المسيح يستقر في داخلنا كما على جبل أراراط، جبله الشاهق الصلد، فإنه يتجلى في داخلنا وتتراءى الحياة التقوية في أعماقنا كرؤوس جبال حيَّة حينما نقبل ناموسه الروحي فنكون كمن في اليوم الأول من الشهر العاشر.
2. إرسال غراب وحمامة:

مضى أربعون يومًا على ظهور رؤوس الجبال، عندئذ فتح نوح طاقة الفلك التي كان قد عملها وأرسل غرابًا، فكان الغراب مترددًا [7]، ينطلق إلى حيث الجيف النتنة ليعود مرة أخرى إلى الفلك يقف خارجه، وهكذا كان يراه نوح مترددًا. عان نوح فأرسل حمامة وإذ لم تجد مقرًا لرجلها رجعت إليه إلى الفلك [9]، فمد يده وأخذها عنده فلبثت أيضًا سبعة أيام وعاد فأرسلها فجاءته عند المساء معها ورقة زيتون خضراء في فمها. وبعد سبعة أيام آخر أرسلها فلم ترجع إليه.
إن كان الفلك يشير إلى الكنيسة، فقد وجد فيه الغراب والحمامة،

وكما يقول القديس أغسطينوس: [لقد أرسل نوح هذين النوعين من الطيور، كان لديه الغراب والحمامة أيضًا... إن كان الفلك هو الكنيسة فبالحقيقة تُرى خلال طوفان العالم الحاضر وقد ضمت بالضرورة النوعين: الحمامة والغراب. ما هي الغربان؟ الذين يطلبون ما لذواتهم. ما هو الحمام؟ الذين يطلبون ما هو للمسيح (في 2: 21)]
الغراب يشير إلى الخطية التي يجب أن تُطرد، تنطلق فلا تعود تدخل إلى الفلك؛ بل تبقى مترددة بين الجيف الفاسدة والفلك من الخارج، ولا يمد نوح يده ليدخلها عنده كما فعل مع الحمامة.

يقول القديس أمبروسيوس: [الغراب هو رمز الخطية التي تذهب ولا ترجع، إذ حُفظ فيكم البر في الداخل والخارج ].

كما يقول القديس چيروم: [أُرسل الغراب من الفلك ولم يرجع، وبعده أعلنت الحمامة السلام للأرض؛ هكذا في عماد الكنيسة يُطرد الشيطان، أدنس أنواع الطيور، وتعلن الحمامة الروح القدس السلام لأرضنا].

كما يقول: [إذ سقط العالم في الخطية لا يقدر أن يغسله من جديد إلاَّ مياه الطوفان. طارت حمامة الروح القدس نحو نوح بعد أن خرج الغراب بعيدًا، وصار كما لو كانت متجهة نحو المسيح في الأردن (مت 3: 16). جاءت تحمل في منقارها غصنًا يرمز للإصلاح والنور، لتبشر للعالم كله بالسلام].
إن كان الغراب وجد له طعامًا ومستقرًا على الجيف الفاسدة، لكن الحمامة (النفس المؤمنة) لا تستريح إلاّ في يدي نوح... خرجت من الفلك ثلاث مرات:
أ. في المرة الأولى لم تجد لرجلها مقرًا، إشارة إلى النفس الملتهبة بالروح القدس - الحمامة السماوية - التي لا يمكن أن تستقر أو تستريح على الجيف الفاسدة. إنها منجذبة في غربتها نحو الفلك، تجد يد مسيحها ممتدة لتحملها في حضنه كموضع راحة.

ب. في المرة الثانية خرجت إلى العالم لتعود تعلن سلام المسيح خلال العالم الجديد، بعد اختفاء الجيف ونزع الفساد بظهور الحياة الجديدة في المسيح يسوع.
يرى القديس أغسطينوس في غصن الزيتون رمزًا للسلام من جوانب كثيرة منها أن شجرة الزيتون دائمة الاخضرار وكأنها تمثل الإنسان المملوء سلامًا لا تفقده العواصف اخضراره؛ ومن جانب آخر فإن زيت الزيتون متى سكب عليه سائل آخر كالماء ليس لا يفسد بل يطفو على الماء دون أن يمتزج به، وكأنه بالإنسان الذي متى صدمته مياه التجارب يعلو عليها ويطفو فوق الضيق.
ج. في المرة الثالثة خرجت من الفلك ولم تعد لا لتترك نوحًا وإنما إشارة لانطلاق الموكب كله إلى الأرض الجديدة، وكأنها تمثل الإنسان وقد انطلق إلى الأبدية كحياة جديدة، فلا يعود بعد بالجسد داخل الكنيسة المنظورة على الأرض، وإنما وهو عضو فيها انطلق إلى حيث يلتقي الموكب كله على السحاب ويدخل إلى الأمجاد.
3. كشف الغطاء عن الفلك:

"فكشف نوح الغطاء عن الفلك ونظر وإذا وجه الأرض قد نشف" [13]. كان ذلك في السنة الواحدة والستمائة من عمر نوح، في اليوم الأول من الشهر الأول... وكأن نوحًا ينهي الستمائة عامًا من عمره ليبدأ القرن السابع من عمره بكشف غطاء الفلك والتطلع إلى الأرض الجديدة من خلال الفلك. بهذا يشير إلى السيد المسيح -نوح الحقيقي- قائد الكنيسة والحال في وسطها لنياحتها، يعمل الأيام الستة (6) من أجل خلاص قطيعه المئة (لو 15: 4) كل أيام تغرب الكنيسة (6 × 100 = 600)، حتى متى انقضى الزمن وجاء اليوم السابع الذي هو يوم الراحة ينزع الرب كل غطاء لنلتقي معه وجهًا لوجه. وكما يقول الرسول بولس: "فإننا ننظر الآن في مرآة في لغز، لكن حينئذ وجهًا لوجه؛ الآن أعرف بعض المعرفة، لكن حينئذ سأعرف كما عُرفت" (1 كو 13: 12). هكذا مع كل ما تمتع به الرسول هنا من إعلانات إلهية وشركة مع الله وتذوق للحياة السماوية، حسب نفسه في هذا كله كمن هو في مرآة أو في لغز إن قورن بما يناله في اللقاء الأبدي مع الله وجهًا لوجه.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان الله يسرع إلينا الآن لكي نلتصق به وعندئذ نعرف الكثير من الأمور التي تُحسب الآن سرًا، وننعم بالحياة المطوبة جدًا والحكمة].
4. خروج نوح إلى الأرض الجديدة:

في اليوم السابع والعشرين من الشهر الثاني جفت الأرض تمامًا وصدر الأمر لنوح أن يخرج، وكان ذلك بعد ثمانية أسابيع من رفع الغطاء عن الفلك، وفي ختام الأسبوع الثالث والخمسين من بدء الطوفان. فيما يلي جدول مبسط لأحداث الطوفان.


تفسير سفر التكوين التاريخ البدائي




5. إقامة نوح مذبحًا للرب:

أول ما صنعه نوح بعد خروجه من الفلك هو إقامة مذبح للرب على الأرض الجديدة التي غسلتها مياه الطوفان، وكأن الكنيسة لا تقدر أن تقدم ذبيحة السيد المسيح (الأفخارستيا) إلاّ بعد التمتع بالمعمودية. لهذا السبب أيضًا نجد الكتاب المقدس للمرة الأولى يعلن عن إقامة مذبحًا للرب، وإن كان بلا شك قد قدمت ذبائح للرب منذ الخروج من الفردوس...
أعلن الله رضاه على الإنسان بعد أن تنسم رائحة سرور خلال ذبيحة المصالحة، مؤكدًا أنه لا يعود يهلك البشرية معًا بسبب ضعفها. عجيب هو الله في صفحه وعفوه!
بدأت الحياة الجديدة بالعبادة خلال الذبيحة كما خلال الصليب، فانتزعت اللعنة عن الأرض [21]... وعندئذ صار الإنسان يعمل لاحتياجاته اليومية.
أخيرًا ما قدمه نوح كان رمزًا لعمل السيد المسيح الذبيحي في كنيسته، وكما يقول الكاهن: [الذي أصعد ذاته ذبيحة مقبولة على الصليب عن خلاص جنسنا، فاشتمّه أبوه الصالح وقت المساء على الجلجثة].
 
قديم 27 - 11 - 2022, 01:57 PM   رقم المشاركة : ( 8 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,042,228

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem متواجد حالياً

افتراضي رد: تفسير سفر التكوين التاريخ البدائي

تفسير سفر التكوين التاريخ البدائي




تجديد العهد



1. الله يبارك نوحًا وبنيه:

"وبارك الله نوحًا وبنيه، وقال لهم: اثمروا واكثروا واملأوا الأرض" [1]. إذ خرج نوح وبنوه إلى الأرض المتجددة بمياه الطوفان باركهم الله وقدم لهم ما سبق أن وهبه لآدم وحواء: "اثمروا واكثروا واملأوا الأرض"... وكأن الإنسان قد بدأ من جديد، أو كأن العالم قد انطلق انطلاقة جديدة خلال نوح عوض آدم الأول. هذه البركة في حقيقتها هي رمز للبركة التي نالتها الكنيسة في العهد الجديد خلال نوح الحقيقي، ربنا يسوع واهب النياح أو الراحة، فعوض آدم الأول صار لنا آدم الثاني رأسًا، وعوض حواء الأولى صارت لنا الكنيسة حواء الجديدة خلالها يولد أولاد الله ويتكاثرون وينمون جدًا. خلال آدم الأول صار لنا الميلاد الجسدي، وخلال آدم الجديد أو نوح الحقيقي صار لنا الميلاد الروحي.



وكما يقول القديس مار يعقوب السروجي: [أبونا الأول لدغته الحية، وانحدرت به إلى الجحيم، وها هو هناك داخل الهلاك مطروح في مذلة يحيط به الوحل، وأصناف الدود، صار السوس لباسه، والعنكبوت رداءه. الأرض من تحته والسوس فوقه. لقد انحط في التراب فاحتضن طينه وابتلى بالهاوية. هذا هو أبونا الأول، وهذه هي بلده. فلو لم يتغير هذا الميلاد لكنا في ذلٍ عظيمٍ... اهربوا أيها السامعون من هذا الذل العظيم، واطلبوا لكم أبًا آخر في السماء. أسرع والتجئ إلى المعمودية واطلبها أمًا لك، فهي تقدم لك أبًا غنيًا مملوءًا خيرات. إنها تلدك حتى وإن كنت شيخًا، فتجعلك صبيًا محبوبًا للملك أبيك].
ويقول القديس أغسطينوس: [إن لنا ميلادين: أحدهما أرضي والآخر سماوي. الأول من الجسد والثاني من الروح. الأول صادر عن مبدأ قابل للفناء والثاني عن مبدأ أبدي. الأول من رجل وامرأة الثاني من الله والكنيسة. الأول يجعلنا أبناء الجسد، والثاني أبناء الروح. الأول يصيرنا أبناء الموت والثاني أبناء القيامة. الأول أبناء الدهر والثاني أبناء الله. الأول يجعلنا أبناء اللعنة والغضب، والثاني أبناء البركة والمحبة. الأول يقيدنا بأغلال الخطيئة الأصلية والثاني يحلنا من رباطات كل خطيئة ].
2. ناموس نوح:

إن كان الله قد وهب البشرية خلال مياه المعمودية بركة لتبدأ بانطلاقة جديدة خلال نوح عوض آدم، فقد وضع الله لها ناموسًا عوض الوصية التي قدمها قبلًا لآدم، وقد جاء هذا الناموس الذي يمكن دعوته "ناموس نوح" يحوي البنود التالية:
أولًا: السماح بأكل لحوم الحيوانات والطيور والأسماك، إذ قال لهم "لتكن خشيتكم ورهبتكم على كل حيوانات الأرض وكل طيور السماء، مع كل ما يدب على الأرض وكل أسماك البحر دُفعت إلى أيديكم. كل دابة حيَّة تكون لكم طعامًا، كالعشب الأخضر دفعت إليكم الجميع" [3-4]. كان طعام الإنسان قبلًا العشب الأخضر، والآن سُمح له بأكل لحوم الحيوانات والطيور والأسماك... لماذا؟ لكي يهيئ الطريق لقبول الشريعة الموسوية التي بها يلتزم الكاهن أن يأكل من ذبيحة السلامة كرمز للتمتع بالتناول جسد ربنا يسوع ودمه، كقوله: "لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق، من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية" (يو 6: 54، 55). فالذبيحة ليست كما يظن بعض الوثنيين لتهدئة غضب الله، إذ الله لا يُسر بالمحرقات ولا يأكل لحوم أو شحوم، إنما الذبيحة المقدسة وهي تعلن مصالحة الله مع الإنسان هي عطية للإنسان بها تشبع نفسه ويرتوي قلبه على مستوى روحي فائق للطبيعة.

ثانيًا: إذ سمح بأكل اللحوم حذر من أكلها بدمها، ليهيئ الطريق للكشف عن خطورة الدم المبذول عنا كعنصر أساسي للتكفير والفداء، إذ "بدون سفك دم لا تحصل مغفرة" (عب 9: 22)، "دم كريم من حمل بلا عيب دم المسيح" (1 بط 1: 19).
من الجانب الجسدي منعه من أكل الدم أو شربه لأجل المحافظة على صحته، ومن الجانب السلوكي خشى عليه من التوحش والعنف، أما من الجانب الروحي فأراد تقديس الدم بكونه يمثل الحياة المبذولة من أجل خلاص الإنسان.
ثالثا: خشي الله من السماح للإنسان بأكل لحم الحيوانات فتمتد يده على أخيه الإنسان لذا حذر من سفك دم الإنسان.
3. تجديد العهد:

أقام الله ميثاقًا مع نوح وبنيه، وجعل قوس قزح علامة للميثاق بينه وبينهم، وبينه وبين نسلهم من بعدهم. إذ جاء التأديب خلال الطبيعة (الطوفان) أقام الله العلامة في الطبيعة علانية (قوس قزح)، إما في العهد الجديد إذ حمل السيد المسيح تأديبنا في جسده جعل العلامة فيه خلال جراحات الصليب.
يظهر قوس قزح حول العرش الإلهي (رؤ 4: 3؛ 10: 1)، ذلك لأن مجد الله ليس جبروتًا وعظمة فحسب وإنما هو أيضًا حب بلا حدود. وقوس قزح علامة الحب التي قدمها الله حين أقام ميثاقًا مع نوح بعد الطوفان، ويبقى الله كمحب للبشرية يقدم لنا كل حب خلال ميثاقه معنا. هذا القوس له ألوان كثيرة تعلن عن إحسانات الله وعطاياه المتعددة. وهو كقوس يشير إلى القوس الذي كان مستخدمًا في الحروب، وكأن الله يدافع عنا بقوسه لكن بدون سهم لأنه غير محب لسفك الدماء، به نغلب الخطية وندوس على الشيطان.
والعجيب أن الله في حبه للإنسان يعتز بالميثاق معه، فيقول: "ميثاقي" [9، 11، 15]، "قوسي" [13].

4. نوح وعريه:

إذ خرج إلى الأرض الجديدة التي غسلتها مياه الطوفان "ابتدأ نوح يكون فلاحًا وغرس كرمًا" [2]. لم يكن "عاملًا في الأرض" (تك 4: 2) كما كان قايين بل فلاحًا يغرس كرمًا، فقايين يشير إلى الإنسان الذي يصب عمله في الأرض والأرضيات ويبذل كل طاقته في الزمنيات، أما نوح فيشير إلى السيد المسيح الذي جاءنا كفلاح يغرس كرمه من جديد، أي الكنيسة التي صارت كما في أرض جديدة ترتوي بمياه الروح القدس وتغتسل بدم السيد المسيح القدوس. وقد جاء في أسطورة يهودية أن نوحًا حصل على "عُقلة" من كرم سقطت من الفردوس فغرسها.
على أي الأحوال غرس نوح كرمًا غالبًا ما كان لا يدرك فاعلية عصير الكرم المختمر...
لذا يرى بعض الآباء في نوح أنه أول من اختبر المسكر. إن كان قد سكر بمعرفة أو غير معرفة فقد تعرى، وسجل لنا الكتاب المقدس هذا الضعف ليؤكد لنا أن الخلاص لم يكن بسبب بر نوح الذاتي فإن كان بارًا إنما بسبب النعمة التي كانت تسنده في جهاده.

كشف هذا الموقف عن الآتي:

أولًا: خطورة السكر الذي يُفقد الإنسان سترته، ويعريه حتى أمام بنيه.

يقول القديس چيروم: [لا يجوز لأحد أن يقول بأن السكر ليس بخطية نقرأ عن نوح أنه سكر مرة، ولكن الله يحذرنا من أن نظن فيه أنه سكير ومدمن للخمر ].

كما يقول: [ساعة واحدة سكر فينا عرّت (نوحًا) الذي ظل مستترًا طوال ستمائة عام بالوقار ].

كما يقول: [بعد سكره تعرى جسده، فإن تدليل النفس يؤدي في النهاية إلى السقوط في الشهوة، فالبطن تتخم أولًا وعندئذ تثور الأعضاء].
ويقول القديس أمبروسيوس: [يا لسلطان الخمر، فقد جعلت ذاك الذي لم تغلبه مياه الطوفان أن يصير عاريًا! ].
إن كانت الخمر هكذا تسكر الإنسان، فتعري ذاك الذي استتر بالوقار أكثر من ستمائة عام، ذاك الذي لم تستطع أن تبلغ إليه مياه الطوفان، فإن الخطية هي بالحقيقة الخمر المسكر الذي يعري النفس ويفضحها، أما السيد المسيح فهو اللباس البهي الذي يستر النفس من فضيحتها الأبدية.

يقول القديس چيروم: [نحن ثوب المسيح إذ يلبسنا خلال إيماننا به نلبسه نحن أيضًا (كثوب لنا)، وكما يقول الرسول أن المسيح هو لباسنا، نرتديه عندما نعتمد (غلا 3: 27). فإننا إذ نلبس المسيح يلبسنا هو أيضًا!].
ثانيًا: إذ تعرى نوح أبصر حام عورة أبيه، أما سام ويافث فبوحي الناموس الطبيعي حرصا ألا يبصروا عورة أبيهما. هنا تظهر وحدة الناموس الطبيعي والناموس المكتوب وتطابقهما، إذ يحذر الناموس الإنسان من كشف عورة الأب أو الأم (لا 8: 6- 18). هذا وكشف العورة لا يفهم فقط بالمعنى الحرفي البحت، إنما ربما يقصد به عدم الاعتداء على زوجة الأب أو ارتكاب الفتاة شرًا مع زوج أمها...! لكن ما فعله حام كان فيه سخرية بأبيه المتعري بالمعنى الحرفي لمعنى التعرية.
إن كنا نرى بالإيمان كل إنسان أبًا أو أمًا أو أخا أو أختًا لنا، فليتنا لا نعري أحدًا، إنما نستر بالحب قدر ما نستطيع في المسيح يسوع ساتر خطايانا!

ثالثًا: إن كان نوح قد أخطأ بشربه الخمر وسكره حتى تعرى، فإن الله في محبته لم يخف ضفعات رجاله بل يحول حتى الضعفات للخير، كما حول خطة إخوة يوسف لهلاك أخيهم لخيرهم وخيره. لقد رأى القديس چيروم في قصة نوح هذه صورة رمزية للسيد المسيح الذي شرب كأس الألم، ومن أجلنا تعرى على الصليب، فسخر به الأشرار (حام) بينما آمن به الأمم (سام ويافث).

وكما يقول القديس چيروم: [قيل هذا كله كرمز للمخلص الذي شرب الألم على الصليب، قائلًا: "يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس" (مت 26: 39). شرب وسكر وتعرى جسده... فقد جاء الكبير (حام) أي اليهود وضحك، أما الأصغر أي الأمم فغطى آلامه... وكما سكر الأب بآلامه هكذا يسكر القديسون برائحة إيمانهم، يسكرون بالروح القدس. فقد كنتم بالأمس تجمعون الذهب والآن تلقونه عنكم، أما يُحسب هذا سكرٌ في عيني من لا يفهم هذه الأمور. أخيرًا، عندما حل الروح القدس على التلاميذ وملأهم وتكلموا بلغات كثيرة اُتهموا أنهم سكارى بخمر جديدة ]. ويلاحظ أن القديس چيروم حسب حامًا هو الأكبر، وربما يقصد أكبر من يافث أو من سام، أما الأصغر ممثل الأمم فربما قصد يافث أو سام. على كلّ فقد اختلفت الآراء في ترتيب أبناء نوح، فريق يرى ترتيبهم هكذا: سام ثم حام فيافث باعتبار أنهم ذكروا هكذا في مواضع كثيرة في الكتاب المقدس، وفريق آخر يرى أن سامًا لم يكن بالبكر جسديًا لكنه ذكر أولًا لأن منه جاء الآباء إبراهيم وإسحق ويعقوب وظهر منه الشعب القديم الذي وُلد منه السيد المسيح حسب الجسد. وأن حامًا ذُكر بعده لمجاورته لأخيه سام، ثم يافث لبعده عن أخويه نسبيًا. ويؤيد هذا أنه في الأصحاح الحادي عشر جاءت مواليد يافث أولًا ثم مواليد حام وأخيرًا سام.
5. نبوة نوح عن كنعان وسام ويافث:

"فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير" [24]. يرى البعض أن المقصود بابنه الصغير هنا حفيده كنعان بن حام، لكن الأرجح أنه حام.
يرى العلامة أوريجانوس أن كنعان رأى عوره جده فأخبر أباه حامًا، وقال أن كنعان هزيء بجده كثيرًا... على أي الأحوال يبدو أن حامًا وابنه كنعان اشتركا في السخرية بنوح، فكانًا يمثلان الذي يصلبون السيد المصلوب لأنفسهم مرة ثانية ويشهرونه بسبب أعمالهم الشريرة (عب 6: 6). وقد لعن نوح حفيده كنعان، مباركًا إله سام وطالبًا الخيرات ليافث... وقد جاءت كلماته تحمل نبوة عن الأجيال المقبلة، ويلاحظ فيها الآتي:
أولًا: لم يلعن نوح ابنه حامًا بل حفيده كنعان، ولعل حفيده كان أكثر سخرية به من ابنه؛ هذا ويرى الشهيد يوستين أن الابن الذي باركه الله بفمه من قبل مع أخوته لا يمكن أن يُعلن، وقد حلت اللعنة بالابن الذي مارس خطية أبيه وربنا بصورة أبشع. هذا ومن ناحية أخرى فإن دعوة كنعان بعبد العبيد أي النزول إلى أدنى صور العبيد إنما هي نبوة عن الكنعانيين الذين عاندوا الله وانحرفوا إلى الرجاسات الوثنية مثل تقديم أبنائهم ذبائح للأصنام (لا 18: 25- 28؛ تث 20: 17، 18).
ثانيًا: حين تحدث عن سام، بارك "إله سام" ، فقد نُسب الرب لنسل سام، إذ منهم خرج إبراهيم وإسحق ويعقوب،
وكما يقول القديس أغسطينوس : [أن النبوة تحققت بولادة السيد المسيح منهم حسب الجسد؛ فإن كان اسم "سام" يعني "سامٍ" أو "عالٍ" فأي اسم أسْمَى من السيد المسيح الذي فاح عبيره في كل موضع؟!
ثالثًا: جاءت النبوة عن "يافث" والذي يعني "توسع" أو "ملء" أن الله يفتح له فيسكن في مساكن سام، فقد اتسعت مساكن سام كنيسة (السيد المسيح) لتقبل ملء الأمم، أي تقبل يافث فيها.
 
قديم 27 - 11 - 2022, 02:21 PM   رقم المشاركة : ( 9 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,042,228

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem متواجد حالياً

افتراضي رد: تفسير سفر التكوين التاريخ البدائي

تفسير سفر التكوين التاريخ البدائي




تعمير الأرض الجديدة



بعد تجديد الأرض بمياه الطوفان عمرّها الله بذرية نوح، ولكن بالرغم من التجديد الذي تم عاد الإنسان وتمسك بالشر فانتشر في العالم.
في هذا الأصحاح يقدم لنا الوحي الإلهي سلسلة مواليد نوح، تكشف عن أصل الأمم القديمة،

وكما يقول الأستاذ كاتوتش من مدينة هال Prof. Kautysch of Haile [إنه سجل لا نظير له على الإطلاق لبيان أصل الأمم ومنشأها، وقد أيدته كل الاكتشافات الأثرية السالفة]. في القديم ظن البعض في هذه السلسلة لبثًا أو خطأ من جهة أصل الشعوب لكن الاكتشافات الحديثة جاءت متفقة مع ما ورد في هذا الأصحاح.
هذا السفر لا يهدف إلى عرض نشأة الأمم إنما أراد أن يقدم لنا تميدًا لنشأة الشعب القديم الذي منه يخرج السيد المسيح مخلصًا للشعوب.
1. بنو يافث:

"يافث" اسم سامي يعني "ليكن فسيحًا أو رحبًا".
وُلِدَ بعدما بلغ نوح حوالي 500 عامًا (5: 32؛ 6: 10). عندما تعرى والده بسبب السكر تصرف مع أخيه سام بحكمة ووقار فنال بركة تبدو غامضة (9: 27)، تعلن تحرك الشعوب غير السامية (من نسل يافث) لتسكن في مساكن سام. ويرى البعض أنها تشير إلى التحركات التي حدثت أكثر من مرة لبعض الأمم والشعوب إلى حضن السيد المسيح أو إلى كنيسته، هذا الذي جاء متجسدًا من نسل سام، وقد فتح أبواب كنيسته لكل الشعوب والأمم. يافث يمثل الشعب (الهندو أوربي) بوجه عام.
ذكر هنا سبعة بنين ليافث دعيت بأسمائهم عدة شعوب، كما تفرعت من بينه السبعة شعوب أخرى، لا يسع المجال هنا للحديث عنها. أما أولاده السبع فهم:
أولًا- جومر: كلمة "جومر" بالعبرية تعني "نهاية الكمال" خاصة كمال الفشل ، وقد حملت امرأة هوشع النبي ذات الاسم: "جومر بنت دبلايم".
سكن نسل جومر في الشمال حتى لقبهم هوميروس اليوناني Homer "أهل الشمال الأقصى(210)" وذكر هيرودت Herodotus أنهم جاءوا إلى آسيا من مناطق ما وراء القوقاز ، واستوطنوا كبادوكية، وهددوا الإمبراطورية الأشورية لكن اسرحدون هزمهم. وإذ اتجهوا نحو الغرب احتلوا آسيا الصغرى ودخلوا في أكثر من معركة مع جيجس Guges ملك ليديا، وانتهت بقتله، ولعله هو الذي دعي في الكتاب المقدس باسم جوج. انسحبوا بعد ذلك من آسيا (ليديا) بواسطة الألياتيس Alyattes.
ثانيًا- ماجوج: كلمة "ماجوج" عبرية تعني "أرض جوج". اقترن اسم ماجوج باسم جوج، وصار الاسمان رمزًا لمقاومة الإيمان المسيحي (رؤ 20: 7- 9).
في القرون الوسطى دعا السوريون بلاد التتر ماجوج، أما العرب فسموا الأرض الواقعة بين بحر قزوين والبحر الأسود ماجوج، لكن الغالبية حسبوا السكيثيين هم أهل ماجوج.
ثالثًا- ماداي: من نسله تكونت إمبراطورية مادي التي اتحدت مع فارس؛ وقد عرفت بلادهم باسم مادي أو ميديا، سكنوا جنوب وجنوب غربي بحر قزوين، تبلغ مساحتها حوالي 150.000 ميلًا مربعًا.
رابعًا- ياوان: هو أب اليونانيين، لذا فإن كلمة ياوان في الكتاب المقدس كما في (زك 9: 13)، يقصد بها الشعب اليوناني أو المكدوني؛ كانت بلادهم تلقب أيضًا "أيوينا".
خامسًا- توبال: ذكر مع ياوان (إش 66: 19) ومع ماشك في تجارة الرقيق (حز 27: 13). كان جوج رئيسًا لماشك وتوبال، إذ أرتبط الشعبان معًا، وقد ظهرا في التواريخ الأشورية باسمي Mushbi, Tabali كمقاومين عنيدين ضد أشور في القرن الثاني عشر ق.م.
يرجح أن ذرية توبال كانت تسكن البلاد الواقعة شرق آسيا الصغرى.
سادسًا- ماشك: يظن أن ذريته قطنت الأراضي التي تقع بقرب ينابيع الفرات ودجلة (مز 120: 5؛ حز 32: 26)، ثم انتقلت إلى جوار البحر الأسود وبحر قزوين. كان نسله يتاجر مع صور (حز 27: 13).
سابعًا- يتراس: جاء من نسله الشعب الترسيني؛ قطنوا في جزر وسواحل بحر إيجية Aegean Sea ولعلهم هم قراصنة تروشا Turusha الذي غزوا مصر وسوريا في القرن 13 ق.م، وأُشير إليهم في سجلات رمسيس الثالث(214).
من هؤلاء الأبناء السبعة جاء نسل يقدم لنا أممًا وشعوبًا أخرى لا يسع المجال للحديث عنهم الآن.
2. بنو حام:

كلمة "حام" تعني "حامٍ" أو "ساخن"، لذلك دعي إله الشمس "حامو" Hammu بسبب حرارة الشمس ودفئها.
وُلد حام بعدما بلغ نوح 500 عامًا (تك 5: 32؛ 6: 10؛ 9: 24). وقد تصرف هو وابنه الصغير كنعان مع نوح بغير حكمة فسقط كنعان تحت اللعنة (9: 22- 27).
وقد قدم لنا حام خلال أولاده الشعوب التي قطنت جنوب العربية والنوبة وأثيوبيا ومصر وأرض كنعان. وإن كان اسم حام أحيانا يطلق على مصر في القطع الشعرية (مز 78: 51؛ 105: 23، 27؛ 106: 22).
أولًا- كوش: كلمة "كوش" تعني بالعبرية "أسود".
كوش، بكر حام، أنجب خمسة أبناء قدموا خمسة شعوب: سبا "إنسان"، حويلة "دائرة أو مقاطعة"، سبتة "ضارب"، رعمة "ارتعاش"، سبتكا "ضارب". سكنت هذه الشعوب في وسط البلاد العربية وجنوبها، لكن سبا رحل إلى أفريقيا (أثيوبيا)، لذلك فإن كوش في العهد القديم غالبًا ما يقصد به أثيوبيا والنوبة (جنوب مصر)، وأحيانًا جنوب ووسط شبه الجزيرة العربية... وفي كثير من قواميس الكتاب المقدس تعتبر كوش هي أثيوبيا فقط.
وقد قدم نسل حام بوجه عام شعوبًا وأممًا مقاومة لعمل الله ولشعبه في العهد القديم، لذا جاء العهد القديم يعلن العقوبة الإلهية على هذه الشعوب بكونها تحمل رموزًا للشر، فكوش كانت تشير إلى ظلمة الجهالة، ومصر إلى محبة العالم التي تستعبد النفس وكنعان إلى العمل الشيطاني إلخ... لكن النبوات في العهد القديم لم تترك هذه الشعوب بلا رجاء وإنما أعلنت رفض شعب الله للإيمان ودخول هذه الأمم إلى الميثاق الإلهي. هكذا الأمم التي كانت تحت اللعنة بسبب وثنيتها ورجاساتها صارت العروس المقدسة التي تتهيأ للحياة الأبدية في حضن الآب السماوي.
إن كان الكتاب المقدس قد قدم كشفًا عن عمله خلال نسل سام حيث يأتي كلمة الله متجسدًا من نسل إبراهيم... فإنه يكشف أيضًا عن عمل عدو الخير خاصة خلال نسل كوش الذي قدم نمرودًا، ومن نسل كنعان الذي قدم الشعوب الكنعانية المقاومة لعمل الله، أما بالنسبة لنمرود بن كوش فقيل: "الذي ابتدأ أن يكون جبارًا في الأرض، الذي كان جبار صيد أمام الرب، لذلك يُقال: كنمرود جبار صيد أمام الرب" [8، 9]. كان صيادًا جبارًا، أسس الأسرة الحاكمة في بابل وشعنار وأكاد، وربما كان هو نفسه جلجاميش الأكادي أو البابلي. على أي الأحوال لقد صارت بابل فيما بعد رمزًا لمعاندة الله والكبرياء، كما للزنى الروحي (رؤ 14: 8؛ 16: 19؛ 17: 1- 5).
صارت بابل تشير إلى جماعة الأشرار كما يقول القديس أغسطينوس: [كما إلى مملكة الدجال ].
كلمة "نمرود" تعني "جبار" أو "متمرد". أما القول "جبار صيد أمام الرب"، فربما تعني أنه كان عنيدًا ومتمردًا يعتز بذاته في قدرته على الصيد وفي مقاومته للرب. والعجيب أن كثيرين من مقاومي الرب كانوا صيادين للوحوش مثل عيسو.
لهذا السبب يقول القديس چيروم: [عيسو أيضًا كان صيادًا، وكان خاطئًا. في كل الكتاب المقدس لا نجد صيادًا عبدًا مؤمنًا إنما نجد صيادي السمك مؤمنين].
كانت مملكة نمرود في أرض شنعار التي تعني "نهرين"، ربما لوقوعها بين نهري دجلة والفرات، وهي المناطق السهلة في بلاد بابل. وقد حوت هذه المملكة أربع مدن رئيسية في ذلك الوقت: بابل التي تعني باب الله (باب إيلو)، أرك أي مستديم، أكد أو أكاد أي مستقيم، وكلنة أي حصن.
لم يكتف نمرود أو قبيلته فيما بعد بهذه المنطقة بل انطلق إلى آشور، ونينوى (مأوى الإله نين)، ورحوبرت عير (المدنية الرحبة)، وكالح (شيخوخة)، ورسن (رأس عين).
ثانيًا- مصرايم: كلمة "مصرايم" في العبري مثنى، لذا ظن البعض أنها دعيت هكذا بسبب وجود الوجه البحري والوجه القبلي، أو لأن نهر النيل يقسمها إلى ضفة شرقية وأخرى غربية، لكن الرأي الأرجح أنها دعيت "مصر" بالعربية عن العبرية نسبة إلى مصرايم حيث سكن هو وأولاده فيها، وإن كان قد امتد نسله إلى البلاد المجاورة. أما أولاده فهم:
لوديم: منه جاء شعب لود أو اللوديون، وهم غير شعب لود من نسل سام [22]. هؤلاء من نسل مصرايم، كانوا يقطنون غربي النيل نحو ليبيا.
عناميم: يبدو أن القبيلة التي من نسله سكنت في ليبيا.
لهابيم: يبدو أن قبيلة لهابيم هي بعينها قبيلة لوبيم أو "اللوبيون"، وهم أفريقيون، نشأوا أصلًا في مصر.
نفتوجيم: نسله من سكان مصر الوسطى، قرب منف مركز الإله بتاح، وربما نزح بعضهم إلى أثيوبيا.
فتروسيم: سكنوا في فتروس بصعيد مصر. كلمة "فتروس" تعني "أرض الجنوب".
كسلوجيم: معناها "محصن"، نسله غالبًا سكنوا في "كسيونس" وهي منطقة جبلية شرق البلسم، في حدود مصر من جهة فلسطين. وقد خرج من كسولجيم فلشتيم الذي هاجر نسله إلى فلسطين، وهناك نشأ الشعب الفلسطيني القديم. ولعل كلمة فلسطين مشتقة من "فلشتيم"، وتعني "متغرب" أو "مهاجر". كما خرج من كسلوجيم كفتوريم، وتعني "أكاليل"، سكن نسله في كفتور ويظن البعض أنها كانت في كبدوكية بآسيا الصغرى، والآخر يرى أنها قبرص أو جزيرة كريت، وإن كان آخرون يرون أنها كانت في دلتا مصر بجوار منف، حيث وجدت مدينة تسمى "كابت هور" يغلب أنها "كفتور".
ثالثًا- كنعان: الابن الأصغر لحام، من نسله ظهرت القبائل الكنعانية، وقد تحدثنا في اختصار عن بعض هذه القبائل في مقدمة سفر يشوع.
3. بنو سام:

"سام" اسم عبري يعني "سامٍ".
إذ تصرف سام مع يافث بحكمة عندما سكر أبوهما نوح وتعرى نال سام بركة من فم أبيه. وقد سكن أولاده الخمسة في الأرض الممتدة من عيلام غرب آسيا حتى شرق البحر المتوسط. ومن نسله جاء اليهود والآراميون والآشوريون والعرب، لذلك تُدعى اللغات التي ينطق بها نسل سام باللغات السامية مثل العربية والعبرية. أما أبناء سام الخمسة فهم:
عيلام: كلمة "عيلام" بالأكادية تعني "مرتفعات". إليه يُنسب العيلاميون والفرس. بلاد عيلام وهي تمتد وراء دجلة، شرق مملكة بابل وجنوب آشور وميديا وشمال الخليج الفارسي وجنوب غربي مملكة فارس. عاصمة المملكة شوشان أو شوشن لذلك سمي العيلاميون بالشوشانيين. كانت عيلام مركز إمبراطورية قديمة لها دورها الفعّال السياسي في تاريخ الإمبراطوريات الشرقية القديمة. مع أن عيلام ساهمت في إسقاط دولة بابل (إش 21: 2) لكن الميديين ضموها إلى إمبراطوريتهم (فارس ومادي)، وجعلوا منها ولاية تابعة لهم، كما أقاموا شوشن عاصمة لهم (دا 8: 2). ونسمع عن بعض العيلاميين في يوم العنصرة (أع 2: 9)، والآن تمثل جزءًا من إيران، تسمى مقاطعة خوزستان.
أشور: هو أب الأشوريين. بلاد أشور تقع على الجزء الأعلى من نهر الدجلة... عاصمة المملكة هي أشور، التي تسمى اليوم "قلعة شرقات" على الشاطئ الغربي من نهر الدجلة بعد ذلك اتخذوا نينوى عاصمة لهم... وكانت أشور في صراع مستمر مع البابليين في الجنوب وضد الحيثيين في الشمال الغربي. وقد خضعت إسرائيل كما خضع يهوذا لأشور يدفع ملوكها الجزية. سقط إسرائيل تحت سبي أشور كما تنبأ عاموس (5: 27؛ 6: 14)، وهوشع (10: 6؛ 11: 5). وقد حارب الله عن حزقيا ملك يهوذا حينما هاجمه سنحاريب ملك أشور (إش 36، 37). أخيرًا حاربهم الماديون والبابليون وانتصروا عليهم بظهور مملكة بابل.
أرفكشاد: جد القبائل العربية اليقطانية. ويرى يوسيفوس أنه جد الكلدانيين أيضًا. موطن الكلدانيين هو المنطقة الجنوبية فيما بين النهرين (المصة).
لود: جد اللوديين، غير شعب لود أو اللوديين الذين من نسل مصرايم. فالآخرون سكنوا غرب النيل بشمال أفريقيا، أما الذين من نسل سام فغالبًا ما سكنوا في منطقة ليديا غرب آسيا الصغرى.
أرام: وتعني "الأرض المرتفعة"؛ اللغة الآرامية هي اللغة السورية القديمة. وقد كانت أرام مجموعة من الدويلات أو المقاطعات، منها أرام ما بين النهرين (24: 10)، وأرام دمشق، وأرام صوبة (1 صم 14: 17)، وأرام معكة (يش 12: 5)، وأرام بيت رحوب (يش 19: 28) إلخ...
اهتم موسى بذكر أولاد أرفكشاد إذ أنجب شالح، وشالح أنجب عابر، وعابر أنجب فالج، وفالج رعو، ورعو سروج، وسروج ناحور، وناحور تارح الذي أنجب أبرآم الذي تزوج ساراي. وهكذا بدأ بأول انطلاقة للشعب بظهور أبرآم (إبراهيم) أب الآباء. كما أوضح موسى النبي قرابة لوط لأبرآم بكونه ابن أخيه من هاران بن تارح.
ويفسر القديس أغسطينوسالعبارة: "أسم الواحد فالج لأن في أيامه قُسمت الأرض" [25]. بأن هذا التقسيم إنما يشير إلى تعدد اللغات، ففي أيام فالج بدأ ظهور أكثر من لغة على الأرض، بعدما كان الكل يتحدث بما دعي فيما بعد بالعبرية.
 
موضوع مغلق

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

الانتقال السريع

قد تكون مهتم بالمواضيع التالية ايضاً
الموضوع
تفسير سفر التكوين - د/ مجدى نجيب
تفسير سفر التكوين د. مجدى نجيب
تفسير سفر التكوين - المقدمة
تفسير سفر التكوين - المقدمة
الأصحاح الاربعين تفسير سفر التكوين


الساعة الآن 11:55 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2022