«١٠ ثُمَّ بَوَّقَ ٱلْمَلاَكُ ٱلثَّالِثُ، فَسَقَطَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ كَوْكَبٌ عَظِيمٌ مُتَّقِدٌ كَمِصْبَاحٍ، وَوَقَعَ عَلَى ثُلُثِ ٱلأَنْهَارِ وَعَلَى يَنَابِيعِ ٱلْمِيَاهِ. ١١ وَٱسْمُ ٱلْكَوْكَبِ «ٱلأَفْسَنْتِينُ. فَصَارَ ثُلُثُ ٱلْمِيَاهِ أَفْسَنْتِيناً، وَمَاتَ كَثِيرُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ مِنَ ٱلْمِيَاهِ لأَنَّهَا صَارَتْ مُرَّةً».
وقع هذا الكوكب على ثلت المياه ما سوى البحر الذي ضُرب بالقضاء الثاني على أثر التبويق بالبوق الثاني فالمصاب هنا ثلث الأنهار وينابيع المياه. والمقصود «بالثلث» إن الهلاك لم يكن عاماً بل خاصاً. وكان ما أصاب المياه من الضرر أنها صارت سامة حتى حسن أن تُسمى أفسنتنياً. وأُشير «بالإفسنتين» في الكتاب المقدس إلى النوازل والأرزاء ومن ذلك قول إرميا في إسرائيل «هَئَنَذَا أُطْعِمُ هٰذَا ٱلشَّعْبَ أَفْسَنْتِيناً وَأَسْقِيهِمْ مَاءَ ٱلْعَلْقَمِ وَأُبَدِّدُهُمْ فِي أُمَمٍ لَمْ يَعْرِفُوهَا الخ» (إرميا ٩: ١٥ و١٦). وحذّر موسى بني إسرائيل من عبادة الأوثان بقوله «لِئَلاَّ يَكُونَ فِيكُمْ رَجُلٌ أَوِ ٱمْرَأَةٌ أَوْ عَشِيرَةٌ أَوْ سِبْطٌ قَلْبُهُ ٱلْيَوْمَ مُنْصَرِفٌ عَنِ ٱلرَّبِّ إِلٰهِنَا لِكَيْ يَذْهَبَ لِيَعْبُدَ آلِهَةَ تِلْكَ ٱلأُمَمِ. لِئَلاَّ يَكُونَ فِيكُمْ أَصْلٌ يُثْمِرُ عَلْقَماً وَأَفْسَنْتِيناً» (تثنية ٢٩: ١٨). وتذكرنا هذه «المياه المرّة» مياه مارّة المذكورة في (خروج ١٥: ٢٣). والمياه التي ذكرها حزقيال النبي وهي التي لا تشفى إلا بالمياه الحية الجارية من الهيكل (خروج ٤٧: ٩). أظهر موسى كرهه لعبادة الأوثان بسحقه العجل الذهبي الذي صنعه بنو إسرائيل للعبادة وجعله غباراً وذرّاه في الجدول الذي كانوا يشربون منه وأجبرهم على أن يشربوا ماءه (خروج ٣٢: ٢٠). ولعل هذه «المياه المرّة» تشير إلى اللذات الدنيوية التي يشتهي الناس أن يرووا بها عطش أنفسهم بدلاً من أن يرووه بماء الحياة. وذكر إشعياء الكوكب الذي سقط بقوله «كَيْفَ سَقَطْتِ مِنَ ٱلسَّمَاءِ يَا زُهَرَةُ، بِنْتَ ٱلصُّبْحِ» (إشعياء ١٤: ١٢).
وقعت الضربة الأولى على غير الحيوان. ووقعت الثانية على النبات والبهائم. ووقعت الثالثة على المواد التي يضر الناس بأضرارها وبهذا اشتد البلاء على التوالي. ويغلب أن يكون سقوط الكوكب رمزاً إلى موت ملك عظيم من ملوك الأرض كان يعجب الناس به وربما عبدوه. وكثيراً ما حدث مثل هذا السقوط على توالي تقدم الدين المسيحي ممن اشتهروا بالفتوحات والتعصب الديني وكان سقوطهم ضاراً لمن حولهم من الناس فيشبه ذلك مصير ينابيع السرور مرة سامة وأنهار النجاح ناشفة.