![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
رقم المشاركة : ( 1 )
|
|||||||||||
|
|||||||||||
|
محاكمته أمام بيلاطس 1 فَحِينَئِذٍ أَخَذَ بِيلاَطُسُ يَسُوعَ وَجَلَدَهُ. 2 وَضَفَرَ الْعَسْكَرُ إِكْلِيلًا مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَلْبَسُوهُ ثَوْبَ أُرْجُوَانٍ، 3 وَكَانُوا يَقُولُونَ: «السَّلاَمُ يَا مَلِكَ الْيَهُودِ!» وَكَانُوا يَلْطِمُونَهُ. 4 فَخَرَجَ بِيلاَطُسُ أَيْضًا خَارِجًا وَقَالَ لَهُمْ: «هَا أَنَا أُخْرِجُهُ إِلَيْكُمْ لِتَعْلَمُوا أَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً». 5 فَخَرَجَ يَسُوعُ خَارِجًا وَهُوَ حَامِلٌ إِكْلِيلَ الشَّوْكِ وَثَوْبَ الأُرْجُوانِ. فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «هُوَذَا الإِنْسَانُ!» 6 فَلَمَّا رَآهُ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْخُدَّامُ صَرَخُوا قَائِلِينَ: «اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!» قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاصْلِبُوهُ، لأَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً». 7 أَجَابَهُ الْيَهُودُ: «لَنَا نَامُوسٌ، وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ، لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللهِ». 8 فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاَطُسُ هذَا الْقَوْلَ ازْدَادَ خَوْفًا. 9 فَدَخَلَ أَيْضًا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَقَالَ لِيَسُوعَ: «مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟» وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمْ يُعْطِهِ جَوَابًا. 10 فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَمَا تُكَلِّمُنِي؟ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ لِي سُلْطَانًا أَنْ أَصْلِبَكَ وَسُلْطَانًا أَنْ أُطْلِقَكَ؟» 11 أَجَابَ يَسُوعُ: « لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ سُلْطَانٌ الْبَتَّةَ، لَوْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُعْطِيتَ مِنْ فَوْقُ. لِذلِكَ الَّذِي أَسْلَمَنِي إِلَيْكَ لَهُ خَطِيَّةٌ أَعْظَمُ». 12 مِنْ هذَا الْوَقْتِ كَانَ بِيلاَطُسُ يَطْلُبُ أَنْ يُطْلِقَهُ، وَلكِنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَصْرُخُونَ قَائِلِينَ: «إِنْ أَطْلَقْتَ هذَا فَلَسْتَ مُحِبًّا لِقَيْصَرَ. كُلُّ مَنْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ مَلِكًا يُقَاوِمُ قَيْصَرَ!» 13 فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاَطُسُ هذَا الْقَوْلَ أَخْرَجَ يَسُوعَ، وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ الْوِلاَيَةِ فِي مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ «الْبَلاَطُ» وَبِالْعِبْرَانِيَّةِ «جَبَّاثَا». 14 وَكَانَ اسْتِعْدَادُ الْفِصْحِ، وَنَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ. فَقَالَ لِلْيَهُودِ: «هُوَذَا مَلِكُكُمْ!» 15 فَصَرَخُوا: «خُذْهُ! خُذْهُ! اصْلِبْهُ!» قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «أَأَصْلِبُ مَلِكَكُمْ؟» أَجَابَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ: «لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ إِلاَّ قَيْصَرَ!» "فحينئذ أخذ بيلاطس يسوع وجلده". [1] حاول بيلاطس أن يطلق السيد المسيح إذ وثق من براءته، وظن أنه يمكنه تحقيق ذلك، إذ اعتاد أن يطلق لهم سجينًا في وقت الفصح، لكنه أمام ثورة الجمهور فشل. مع هذا فلا يزال بيلاطس مقتنع بأنه ليست ثمة جريمة حقيقية يمكن أن تُنسب إلى يسوع المسيح. استخدم وسيلة أخرى، بأن سمح لجنوده أن يجلدوه ويسخروا منه كملك، حتى يؤكد للجمهور أنه لا حول له ولا قوة، فيعفوا عنه. يقدم لنا الإنجيلي عرضًا لمحاكمة السيد المسيح المملوءة ظلمًا، فالمدَّعون أنفسهم كانوا في حالة ارتباكٍ، والقاضي كان مرتبكًا جدًا بين شعوره بالظلم الساقط على شخص يسوع وبين ثورة الجماهير عليه، وادعاء أنه يقيم نفسه ملكًا، لأنه يقاوم قيصر. فشلت محاولة بيلاطس في تبرئة يسوع، فالتزم أن يواصل سير الدعوى حسب الأصول المرعيّة. كان لا بُد من التعامل معه بقسوة، وذلك بسبب خطورة الاتهام وطبيعته. أول تنازل من جانب بيلاطس أمام عناء الجماهير أنه أمر بجلد يسوع، فعامله الجنود كصانع فتنة، مع أمله في إظهار براءة يسوع على الصعيد القانوني. لم يكن بيلاطس جادًا في الحكم بالعدل، فمع إدراكه أن يسوع بار حكم عليه بالجلد كمجرم [1]. يذكر لوقا الإنجيلي أن بيلاطس قال للجماهير أنه يؤدبه ويطلقه. وكأن غاية بيلاطس هو جلده مترجيًا أن يتراجع اليهود عن طلبهم الخاص بصلبه بعد أن تأكد أنه ليس ما يستوجب صلبه (لو 23: 16). يبدو أن الجلد قد تم حسب النظام الروماني وهو أعنف بكثير منه حسب النظام اليهودي. كان من عادة الرومان جلد المقدمين للصلب. من أجلنا قبل السيد المسيح ذلك، وكما جاء في إشعياء: "بذلت ظهري للضاربين وخدي للناتفين، وجهي لم أستر عن العار والبصق" (إش 50: 6). ويقول المرتل: "على ظهري حرث الحراث، طوَّلوا أتلامهم" (مز 129: 3). كما سبق السيد المسيح نفسه فقال: "ويسلمونه إلى الأمم لكي يهزأوا به ويجلدوه ويصلبوه" (مت 20: 19؛ راجع مر 10: 34؛ لو 18: 33). يقول القديس بطرس أن بجلداته شفينا (1 بط 2: 24)، فقد جُلد الطبيب لكي يُشفى المرضى. احتمل الجلدات من أجلنا، لكي يجد المؤمنون مسرتهم في احتمالهم الآلام من أجله، ومشاركتهم إياه آلامه وصلبه (أع 5: 41؛ 16: 22، 25). كان الجلد عقوبة مرعبة، حيث كان يستخدم السوط من عدة سيور توضع بها قطع معدنية أو عظام، حتى متى جُلد الشخص يتهرأ جسمه، وتظهر أحيانًا شرايينه وبعض طبقات جسمه الداخلية كما يخبرنا يوسابيوس المؤرخ. ويروي لنا الكاتب الروماني شيشرون Cicero أن الجلد أحيانًا يؤدي إلى الموت. وكان الجلادون الرومان قساة لا يعرفون الرحمة. ولعله بسبب الجلدات لم يحتمل يسوع المسيح أن يحمل الصليب حتى موضع الصلب، ويبرر البعض موته سريعًا على الصليب بسبب الجلدات القاسية. هذا ونلاحظ أن الإنجيليين أشاروا إلى جلد السيد كحقيقة تمت دون الحديث عن مدى آلامه أثناء الجلد. استهان السيد بكل أنواع العذابات والسخرية من أجل محبته لنا وشوقه لخلاصنا، حتى نحسب شركتنا معه في عاره وآلامه مجدًا لا نستحقه. * قال يوحنا الرسول: "أخذ بيلاطس يسوع وجلده". لعل بيلاطس أراد بذلك أن يحل غيرة اليهود ويتلافاها، لأنه إذ لم يقدر أن ينقذ السيد المسيح بأقواله الأولى سارع لوقف شرهم إلى هذا الحد. القديس يوحنا الذهبي الفم * يلزمنا أن نعتقد بأن بيلاطس فعل هذا لا لسبب سوى أن اليهود إذ يرون فيض الأذية التي لحقت به يشعرون بالاكتفاء، ويحجمون عن رغبتهم الجنونية نحو موته. بذات الهدف سمح الحاكم لكتيبته أن تمارس ما حدث بعد ذلك، وربما أمرهم بذلك، وإن كان الإنجيلي قد صمت عن ذكر هذا. القديس أغسطينوس "وضفر العسكر إكليلًا من شوك، ووضعوه على رأسه، وألبسوه ثوب أُرْجُوَانٍ". [2] اعتاد الجند أن يسخروا بمن يسقطون تحت الحكم، خاصة وأنهم يمثلون السلطة المحتلّة الساخرة بمن يثير الفتنة ضد روما. جاءت السخرية تتناسب مع نوع الاتهام: "ملك اليهود". إنهم لم يجدوا ملكًا يُقدم للموت كل يوم، فحسبوا السخرية بملك اليهود تمثيلية هزلية يصعب أن تتكرر. الأرجوان: لون صباغة ثمينة يشمل البنفسجي والأحمر، تُستخدم من بعض أصناف صدف السمك، يصعب العثور عليه، وكانت ثياب الأرجوان غالية الثمن. ارتبط الأرجوان بالحياة الملوكية، كما يلبسها الأغنياء وذوي المكانة الرفيعة وكبار موظفي الدولة. يروي متى البشير أنه ثوب قرمزي (مت 27: 28)، تستخرج صبغته من بعض أجسام الحشرات الميتة، لذا فالثوب القرمزي أرخص بكثير من الأرجوان، وهو خاص بالقادة العسكريين، ولعل الجند جاءوا بثوبٍ قديمٍ لقائد عسكري ألقاه بسبب قِدَمه. فاستخدمه الجند كثوبٍ أرجوانيٍ يرتديه جليلي فقير (يسوع)، إذ يقيم نفسه ملكا! إكليل الشوك والثوب الأرجواني الأحمر يعترفان بالمرتبة الملوكية، لكن العالم يقلبانها إلى الهزء به. * قال: "وضفر العسكر إكليلًا من شوك، ووضعوه على رأسه، وألبسوه ثوب أرجوان" ليرضي بيلاطس غيظ اليهود، ولهذا الغرض أخرج إليهم السيد المسيح مكللًا بالشوك، حتى إذا أبصروا المسبة الواصلة إليه يتنفسوا من مرضهم قليلًا، ويقذفوا سمهم. القديس يوحنا الذهبي الفم "وكانوا يقولون: السلام يا ملك اليهود، وكانوا يلطمونه". [3] هكذا سلمه بيلاطس للجند كي يسخروا به، فضفروا له إكليلًا من شوك، ووضعوه على رأسه عوض إكليل الملك، وألبسوه ثوب أرجوان كملكٍ، وفي سخرية كانوا يلطمونه، وهم يقولون: "السلام لك يا ملك اليهود". "فخرج بيلاطس أيضًا خارجًا، وقال لهم: ها أنا أخرجه إليكم، لتعلموا إني لست أجد فيه علة واحدة". [4] أخرجه بيلاطس أمام القيادات اليهودية وجمهور الثائرين ليروا أن شكواهم ضده بأن يقيم نفسه ملكًا نوعًا من الخيال. فها هو أمامهم قد تهرأ جسمه من الجلدات، وصار أضحوكة وموضع سخرية. إذ أساء بيلاطس للسيد المسيح وهو يعلم أنه بريء قدمه للمدعين عليه لعلهم يسحبون دعواهم ضده. لقد شهد بيلاطس أنه بحسب القانون الروماني "لست أجد فيه علة واحدة" [4]، ليس من دعوى حقيقية يمكن توجيهها ضد، مكررًا ما سبق أن أعلنه (يو 18: 38). بهذا دان بيلاطس نفسه، لأنه ما دام ليس فيه علة واحدة لماذا جلده، ولماذا سلمه للجند كي يسخروا به، ولماذا أخرجه للمدعين عليه ولم يطلقه فورًا كما تستوجب العدالة؟ "فخرج يسوع خارجًا، وهو حامل إكليل الشوك وثوب الأرجوان. فقال لهم بيلاطس: هوذا الإنسان". [5] ربما بقوله: "هوذا الإنسان" Ecce homo يود أن يؤكد لليهود إن كنتم تتطلعون إليه كمن يثير فتنة ليقيم نفسه ملكًا يقاوم قيصر، فها أنتم ترونه في صورة الضعف الشديد عاجز عن المقاومة، وليس من أتباعٍ له حاولوا مقاومة السلطات. بهذا لا مجال لتخوفكم منه. إخراجه للمدعين وقد وُضع إكليل الشوك على رأسه وقد امتلأت رأسه ووجهه مع بقية جسمه بالدماء أعطى فرصة للمدعين أن يصروا على صلبه، لأن بيلاطس عامله كعبدٍ، قام بتعذيبه بغير حقٍ. فالعبد ليس من حقه الدفاع عن نفسه، أما الحرّ فيلزم إثبات إدانته قبل تعذيبه خاصة بهذه الصورة المؤلمة. خرج السيد المسيح ليكون مشهدًا أمام الناس، يحمل العار عنهم. الأمر الذي دفع الرسول بولس فيما بعد أن يشتهي الخروج معه خارج المحلة حاملًا عاره (عب 13: 13). إذ صار مشهده مؤلمًا للغاية قال بيلاطس: "هوذا الإنسان" [5] ولم يذكر اسمه، كنوع من الاستخفاف به. هذا المنظر سحب قلب الحكيم منذ قرابة ألف عام قبل حدوثه فقال: "أخرجن يا بنات صهيون وانظرن الملك سليمان بالتاج الذي توجته به أمه في يوم عرسه، وفي يوم فرح قلبه" (نش 3: 11). يرى البعض أن قول بيلاطس: "هوذا الإنسان" حمل معني سريًا. فكلمة "آدم" في العبرية تعني إنسانًا. وكأن هوذا الإنسان معناها: هوذا آدم الذي خلقه الله ليكون ملكًا على الخليقة، صاحب سلطان، صار في بؤسٍ شديدٍ جلب اللعنة لنفسه كما للخليقة. هكذا احتل آدم الثاني، السيد المسيح، مركز آدم الأول ليجلب الحياة الملوكية السماوية لمن فقدوا حتى سلامهم الزمني، وعوض الموت الذي جلبه آدم الأول حلت الحياة الأبدية بآدم الثاني (1 كو 15: 22، 45). هذا ما نطق به بيلاطس دون أن يدرك معناه! أمام هياج شرس لمبغضي يسوع أعلن بيلاطس براءته ليكون شاهدًا على ذلك عبر التاريخ، أما يسوع فلم ينطق ببنت شفةٍ. قال بيلاطس: "هوذا الإنسان" ولم يقل؛ "هوذا المذنب"، وكأنه يقول لهم إنه لا يزال في نظره منزهًا من أي ذنب يمكن أن يسنده إليه. "فلما رآه رؤساء الكهنة والخدام صرخوا، قائلين: أصلبه، أصلبه. قال لهم بيلاطس: خذوه أنتم واصلبوه، لأني لست أجد فيه علة". [6] كان يمكن للشعب بعد أن سمع بيلاطس يكرر تعليقه أنه لم يجد فيه علة واحدة، وقد نظروا جسمه تمزق بالجلدات، ورأسه وجبينه قد نُخسا بالأشواك، ووجهه تورم باللطمات، أن يطلبوا إطلاقه، لكن سرعان ما تحرك رئيس الكهنة وحراس الهيكل ليصرخوا قائلين: "أصلبه، أصلبه" [6]. قد بلغ حسدهم وحقدهم عليه أقصى الحدود فلم يذعنوا لحكم بيلاطس، ولا تأسفوا لآلام السيد، بل حسبوه مستوجب الموت حتى وإن كان بريئًا. فسلامهم وسلام المدينة -كما ظنوا- يستوجب صلبه والخلاص منه. لقد جاء رؤساء الكهنة وأتباعهم لهدفٍ واحدٍ، وهو تأكيد ضرورة صلبه، مهما كانت التكلفة. لم يصغوا لأية كلمة نطق بها بيلاطس، وإنما إذ لاحظوا رغبته الملحة في إطلاقه لأول مرة تظهر كلمة "أصلبه"، هذه التي نطق بها رؤساء الكهنة وخدام الهيكل. لقد افصحوا عما في قلوبهم. للمرة الثالثة يعلن بيلاطس براءة السيد المسيح، طالبًا منهم: "خذوه أنتم واصلبوه لأني لست أجد فيه علة" [6]. إنه يعلم تمامًا أنهم لن يستطيعوا أن يصلبوه، وإنما قال هذا ليوبخهم. وكأنه يقول لهم: "إن كان حقدكم عليه يدفعكم لصلبه، فلا تستخدموني أداة طيعة لهذا الحقد، فأرتكب شرًا ضد العدالة. ضميري غير مستريح! نفذوا شهوة حقدكم إن استطعتم!" * انظروا كيف قدم القاضي دفاعه بطرقٍ كثيرةٍ، مبرئًا إياه من الاتهامات الموجهة ضده. لكن ليس شيء من هذا كله جعلهم في خزي من تحقيق هدفهم... فإن القول: "خذوه أنتم واصلبوه" تعبير لشخصٍ يبرئ نفسه من ارتكاب جريمة، ويدفعهم لممارسة عمل غير مسموح لهم به. فقد احضروا (السيد) لكي يتم الأمر بقرار الحاكم، لكن حدث العكس، فإن الحاكم أبرأ السيد ولم يدنه بقرارٍ منه. القديس يوحنا الذهبي الفم "أجابه اليهود: لنا ناموس، وحسب ناموسنا يجب أن يموت، لأنه جعل نفسه ابن الله". [7] إذ بطلت حجتهم أنه مقاوم لقيصر وللسلطات الرومانية، وأنه مثير للشغب قدموا اتهامًا آخر ليس من حق بيلاطس أن يتدخل فيه، وهو أنه مجدِّف ومقاوم للناموس اليهودي. هذا من اختصاص رئيس الكهنة ومجمع السنهدرين، وليس لبيلاطس ورجاله التدخل في الشئون الدينية الداخلية. لقد جدف وادعى الألوهية، "لأنه جعل نفسه ابن الله". لقد أدركت القيادات الدينية خلال أحاديث السيد المسيح الكثيرة أنه عني بقوله "ابن الله" مساواته لله، لهذا اتهموه بالتجديف. قدم المدَّعون صحيفة الاتهام، وهي أنه قد جدَّف فهو مستحق للموت (لا 24: 16). كانوا يفتخرون بالناموس حتى وهم يكسرون الناموس ويخطئون في حق الله. "الذي يفتخر بالناموس، أبتعدي الناموس نهين الله" (رو 2: 23). وهم يسيئون إلى الناموس ظنوا أنهم يكرمونه. لم ينصتوا للقول النبوي: "ويل للذين يقضون أقضية الباطل وللكتب الذين يسجلون جورًا" (إش 10: 1). * تأملوا الاتهام: "جعل نفسه ابن الله " [7]. اخبروني، هل هذا أساس اتهام، أن الذي يمارس أعمال ابن الله يدعو نفسه ابن الله؟ ماذا إذن يفعل المسيح؟ بينما كانوا يواصلون هذا الحوار الواحد يلي الآخر واصل هو سلامه، متممًا قول النبي: "لم يفتح فاه، في تواضعه نزع حكمه" (إش 53: 7-8) القديس يوحنا الذهبي الفم "فلما سمع بيلاطس هذا القول ازداد خوفًا". [8] إذ سمع بيلاطس أن المتهم ليس فقط نسب لنفسه الملوكية وإنما الألوهية، اضطرب بالأكثر وخاف. صار الأمر بالنسبة له أكثر صعوبة. فقد كان يمكنه أن يقوم بدورٍ لتهدئة الشعب بالنسبة لنسبه الملوكية لنفسه، أما أن ينسب لنفسه الألوهية فليس في مقدرة بيلاطس أن يهدئ من روع الشعب. وفي نفس الوقت خشي بيلاطس من شخصية يسوع، إذ لم يكن ممكنًا التحقق منها. لقد تأكد من حقد القيادات الدينية عليه، لكن كيف يتأكد أنه بالحقيقة ابن الله. لقد خشي بيلاطس أن يكون مشتركًا معهم في الجريمة مقاومًا ابن الله المتأنس. "فدخل أيضًا إلى دار الولاية، وقال ليسوع: من أين أنت؟ وأما يسوع فلم يعطه جوابًا". [9] قدم بيلاطس سؤالًا للمتهم في داخل دار الولاية يكشف عما يدور في ذهن الوالي، وهو أن شخصية يسوع تمثل لغزًا. كأنه يسأله: "ما هو أصلك الخفي السرّي؟ من أنت؟ اخبرنيّ". إنه سؤال كثيرًا ما وُجِّه إلى شخص السيد، فقد سأله اليهود، "من تجعل نفسك؟" (يو 53:8). أما إجابته فهي أنه لن يعرفه إلا ذاك الذي هو معه في كل حين، من ذات جوهره، إذ يقول: "إن كنتُ أمجد نفسي، فليس مجدي شيئًا؛ أبي هو الذي يمجدني" (يو 54:8). لقد تحيّر اليهود إذ يعلن: "أبي هو الذي يمجدني، الذي تقولون أنتم أنه إلهكم، ولستم تعرفونه، وأما أنا فأعرفه" (يو 54:8-55). أمام حيرة بيلاطس وخوفه سأل السيد المسيح: "من أين أنت؟" [9]. تحدث معه في دار الولاية في قاعة القضاء، بعيدًا عن ضجيج القيادات اليهودية والشعب. أجاب يسوع على أسئلة بيلاطس السابقة، أما عن هذا السؤال "فلم يعطه جوابًا" (يو 9:19). لأن بيلاطس يطلب معلومات عنه من معطيات هذا العالم، بينما تتطلب الإجابة الخروج من العالم لإدراك ذاك الأزلي، فهو ليس بنبي مجرد بين الأنبياء ولا أحد المعلمين أو صانع عجائب وأشفيَة، لذا صمت. لقد سبق فسأله: "أنت ملك اليهود؟" (يو 18: 33)، "أفأنت إذن ملك؟" (يو 18: 37). أجابه: "أنت تقول إني ملك". الآن لم يسأله: "من أنت؟" ولا "هل أنت ابن الله؟" إنما سأله بطريق غير مباشر: "من أين أنت؟" [9] هل أنت من البشر أم قادم من السماء؟ من أسفل أم من فوق؟ كان بيلاطس يعلم موطن السيد المسيح كابن بشر، إنما كان يسأله ليتأكد هل هو أعظم من البشر أم لا. لم يكن ممكنًا أن يقدم السؤال مباشرة لئلا يُتهم بأنه يتدخل في المعتقدات الدينية التي تحكم فيها القيادات اليهودية وحدها. صمت السيد المسيح ليس عن عجز، ولا عن عدم اكتراث بخلاص بيلاطس، وإنما ليعطي بيلاطس فرصة للتفكير المتزن، لأنه سبق فأجاب على سؤاله بقوله: "مملكتي ليست من هذا العالم" (يو 18: 26)، كما أوضح له من أين هو خلال الحوار التالي. بروح النبوة دُهش إشعياء لصمت السيد المسيح، فتحدث عنه في أكثر من موضع: "لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته" (إش 42: 3)، "ظُلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه، كشاهٍ تُساق إلى الذبح، وكنعجةٍ صامتةٍ أمام جازيها فلم يفتح فاه" (إش 53: 7). * خاف بيلاطس إذ سمع من اليهود أن السيد المسيح "جعل نفسه ابن الله"[7]، وارتاع لئلا يكون ما قالوه صدقًا، ويظن أنه يتجاوز الناموس، فلهذا السبب لم يسأله أيضًا: ماذا عملت، لكن إذ زعزعه خوفه صار يفحصه من جهة شخصه، إذ قال: "من أين أنت؟" إلا أن السيد المسيح لم يعطه جوابًا، لأن قد سمع: "مملكتي ليست من هذا العالم" (يو 18: 36) و"لهذا وُلدت ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق" (يو 18: 37)، فقد وجب عليه ألا يعاند ما سمعه. * وقال يوحنا الرسول: "وأما يسوع فلم يعطه جوابًا"، فإذ صمت السيد المسيح عن جواب بيلاطس أوضح أنه جاء إلى التألم طائعًا. القديس يوحنا الذهبي الفم * كان يجتاز ماثلًا للقضاء دون أن يفتح فاه، ليس في سمة حملٍ فعل هذا بضمير شريرٍ مقتنعٍ بخطاياه، وإنما منْ هو في وداعته يقدم نفسه ذبيحة عن خطايا الآخرين. القديس أغسطينوس "فقال له بيلاطس: أما تكلمني؟ ألست تعلم إن لي سلطانًا أنأصلبك، وسلطانًا أن أطلقك؟" [10] في اعتزاز بالسلطة ثار بيلاطس لرفض السيد المسيح أن يجيبه على سؤاله. لذلك قال له: "أما تكلمني؟ ألست تعلم أن لي سلطانًا أن أصلبك وسلطانًا أن أطلقك؟" بالغ بيلاطس في نظرته لسلطانه، إذ ظن في نفسه إنه سيد الموقف؛ ولم يدرك أنه من جانب ليس من حقه أن يصلب من كان بريئًا، ولا أن يطلق من يستحق الصلب حسب القانون الروماني، ومن جانب آخر نسي أنه يوجد إله ضابط الكل، وأنه لا يحدث أمر ما بدون سماح منه. رأينا أن صمته لم يكن رفضًا من جانب ربنا يسوع عن الإجابة، لكنه قائم على عجز بيلاطس عن إدراك الحقيقة، لهذا إذ ظن بيلاطس أن له سلطان أن يصلبه أو أن يطلقه[10] أجابه يسوع معترفًا بما لبيلاطس من سلطان في حدود ما سُمح له به من فوق. * أرأيت كيف أن بيلاطس قد أوجب الحكم على نفسه مقدمًا، لأنه إن كان الحل والربط كله عنده، فلِم لم يطلقه إذ لم يجد فيه علة واحدة؟ القديس يوحنا الذهبي الفم "أجاب يسوع: لم يكن لك عليّ سلطان البتة لو لَمْ تكن قد أعطيت من فوق، لذلك الذي أسلمني إليك له خطية أعظم". [11] ربما توقع بيلاطس أنه بهذا يفتح المجال ليسوع المسيح كي يتحدث معه لعله يطلقه، لكن السيد وبخه على كبريائه وافتخاره بالسلطة فوق العدالة مع تجاهل دور الله ضابط الكل. جاوبه السيد المسيح لكي ينزع عنه هذه الحماقة. وكما يقول الحكيم: "جاوب الجاهل حسب حماقته، لئلا يكون حكيمًا في عيني نفسه" (أم 26: 5). حين استخدم بيلاطس سلطانه وجلده ظلمًا صمت ربنا يسوع، لكنه حين أعلن في كبرياء عن هذا السلطان وبخه، حتى يدرك بيلاطس حقيقة حجمه. لقد نسي بيلاطس: "لأن فوق العالي عاليًا يُلاحظ، والأعلى فوقهما" (جا 5: 8). هذه هي آخر كلمات نطق بها السيد المسيح مع بيلاطس في هذا السفر. لقد طالبه أن يدرك أن كل سلطانٍ أرضيٍ يتمتع به الشخص بناء على سماح الهي، يصدر من فوق، من السماء، وليس مستمدًا من روما. صاحب السلطان الحقيقي على كل شئون البشر هو الله، لا الإمبراطور أو من يعينهم حكامًا وولاة. لم يمر بيلاطس بلحظات مثل هذه حين وجد نفسه يحاكم شخصًا يتطلع إليه كثيرون أنه ابن الله وملك إسرائيل. فقد صار مصير هذا الإنسان بين يديه، لهذا أراد السيد المسيح أن يكشف له أنه إنما هو أداة في يد الله، ما كان يمكنه أن يفعل شيئًا بدون سماح السماء (أع 4: 27-28). مع هذا قدم له السيد المسيح شيئًا من العذر إن قورنت خطيته بخطية الذين سلموه له. هذا لن يبرر بيلاطس ولا يعفيه من المسئولية. مسئولية مسلميه الذين قرأوا العهد القديم وسمعوا عن النبوات التي تحققت فيه بجانب ما رأوه من معجزات لا حصر لها وما حمله من سلطان إلهي. هذا كله جعل خطيتهم أعظم من خطية بيلاطس. يرى البعض أن السيد المسيح هنا يشير إلى يهوذا التلميذ الخائن الذي سلمه. لكنواضح أنه لا يقصد من أسلمه "يهوذا" وحده، لكنه يعني الأمة اليهودية كلها ورؤساء الكهنة، وكما قال بيلاطس قبلًا: "أُمتك ورؤساء الكهنة أسلموك إليّ" (يو 35:8). حقًا لم يجد بيلاطس في يسوع المسيح علة تستوجب الموت، أما يهوذا فكان تلميذًا وصديقًا نال الكثير من البركات والإمكانيات للعمل لحساب الملكوت السماوي. انحرف بيلاطس عن العدالة، لكنه لم يأخذ رشوة كيهوذا. أخطأ بيلاطس في عدم ثباته لإطلاق البريء، لكنه لم يحمل روح الحسد والحقد والضغينة التي اتسمت بها القيادات اليهودية ضد يسوع المسيح. ماذا يعني بالخطيئة هنا؟ في نظر الإنجيلي يوحنا هي "عدم معرفة" اللَّه في استعلانه في يسوع المسيح. * لقد حطم السيد كبرياء (بيلاطس) وتشامخه، إذ قال: "لم يكن لك عليّ سلطان البتة لو لم تكن قد أعطيت من فوق"، موضحًا أن هذا الحادث ليس على بسيط ذاته مثل حوادث كثيرة، لكنه يتم بطريقة سرية. * وإذا سمعت قول السيد المسيح لبيلاطس: "لولم تكن قد أعطيت من فوق" لا تظن أن بيلاطس بريء من كل زلة، لذلك قال: "الذي أسلمني إليك له خطية أعظم"، موضحًا أن بيلاطس مُطالب بخطية. القديس يوحنا الذهبي الفم * عندما لم يجب كان صامتًا كحملٍ، وعندما أجاب علمنا كراعٍ. لذلك ليتنا نتعلم مما قاله، كما علمنا أيضًا برسوله: "ليس سلطان إلا من الله" (رو 13:1). وأن من يسلم للسلطان بريئًا لكي يُقتل لهو خاطئ أكثر من صاحب السلطان نفسه إن قتله خوفًا من سلطانٍ أعظم منه. القديس أغسطينوس "من هذا الوقت كان بيلاطس يطلب أن يطلقه، ولكن اليهود كانوا يصرخون قائلين: إن أطلقت هذا فلست محبًا لقيصر، كل من يجعل نفسه ملكًا يقاوم قيصر". [12] حديث السيد المسيح لم يثر بيلاطس ضده للدفاع عن سلطانه، بل على العكس صار أكثر حماسًا وغيرة على تبرئته وإطلاقه. هذا واضح من ثورة اليهود وصراخهم ليحولوا الاتهام ضد بيلاطس نفسه كمن هو ليس محبًا لقيصر، وكمتهاونٍ مع من يقاومه، وكمن لا يصلح أن يحتل هذا المركز ويمارس واجباته. وجد الخصوم وسيلة لزيادة الضغط على بيلاطس بتوجيه تهمة التهاون مع من يزرع الفتنة والتمرد. فمع حرص الشرع الروماني على احترام حقوق الشعوب المستعمرة وعاداتهم عند ممارستها في إطار جماعتهم، إلا أنه كان قاسيًا عديم الشفقة في قمع التمرد والعصيان. بهذا قد يلحق بيلاطس الأذى إذا ما أصرت الجماهير على الشكاية عليه لتهاونه في هذا الاتهام. خشي بيلاطس من الوشاية لدى طيباريوس قيصر ضده، فقد عُرف أنه من أكثر الأباطرة انفعالًا. سمع لوشايات ضد كثيرين، وكان لا يثق فيمن يخدمونه. كان بيلاطس مستعدًا أن يطلق يسوع، ولكنه لم يكن مستعدًا أن يواجه اتهامًا بأنه فشل في مهمته كصديقٍ لقيصر، ويدخل في متاعب مع روما مهما كانت التكلفة. * لما أراد اليهود أن يجدوا في الشريعة علة على السيد المسيح فلم تنفعهم، انقلبوا بمكرهم إلى الشرائع التي هي خارج شريعتهم، إذ قالوا: "كل من يجعل نفسه ملكًا يقاوم قيصر" وأنا أسأل اليهود: وأين ظهر السيد المسيح عاصيًا مغتصبًا؟ من أين يجوز لكم اتهامه بذلك؟ أرجو أن توضحوا هذا؟ أمن تاجه؟ أم من شكله؟ أم من جنده؟ أم من مشيه مع تلاميذه الاثني عشر، مستخدمًا البساطة في الطعام والثوب والمبيت؟ القديس يوحنا الذهبي الفم "فلما سمع بيلاطس هذا القول أخرج يسوع، وجلس على كرسي الولاية، في موضع يقال له البلاط، وبالعبرانية جباثا". [13] البلاط هنا أشبه برصيف حجري غالبًا في هواء طلق، حيث كان يوجد فيه كرسي العدالة للقضاء خاص بالولاة والحكام ليحكموا من خلاله. كان الموضع مرصوفًا بحجارةٍ ملونة ورخامٍ أزرق وأبيض وأسود. كان الموضع يُدعى بالعبرانية "جباثا"، مشتقة من "جابا"، معناها "مرتفع" أو "عالٍ"، حيث كان موضع الحكم غالبًا ما يكون مرتفعًا في دار القضاء حتى يمكن للكل أن يروا القاضي أو الحاكم ويتابعوا الحوار، ويسمعوا الحكم. كان القاضي يصعد عليه بواسطة درجات رخامية، ولعل هذه الدرجات هي التي كانت تُدعى "البلاط". ويرى البعض أن كلمة "جباثا" تعني مكانًا مغلقًا، إذ كان محاطًا بسورٍ حتى لا يقتحمه أحد من الحاضرين لإساءة التصرف مع المتهمين أثناء محاكمتهم. ويرى البعض أن هذا الموضع كان مخصصًا لمحاكمة المجرمين خاصة في الأمور الخطيرة التي تمس كيان الدولة. بات إصدار الحكم قريبًا، لأن الوالي يجلس على كرسي الولاية الرسمي curule، وهو كرسي من العاج خاص بالقضاة الرومانيين وما يمثلونه. "وكان استعداد الفصح، ونحو الساعة السادسة، فقال لليهود: هوذا ملككم". [14] بعد عرضه لمكان المحاكمة عرض الإنجيلي أيضًا التوقيت فكان وقت الاستعداد للفصح نحو الساعة السادسة أي ظهرًا. كانت أيام عيد الفطير (لو 23: 54)، وكان اليهود يستعدون لسبت الفصح. جاء التوقيت يضخم من ذنب صالبيه، إذ لم ينتظروا عبور العيد، مما يكشف عن مرارة حقدهم واندفاعهم وتسرعهم. لقد نزعوا الخمير القديم من كل بيت، لكنهم لم ينزعوا أعمال الإنسان القديم من قلوبهم وأفكارهم وسلوكهم. كان ذلك ما بين الساعة الثالثة والساعة السادسة، إذ رُفع على الصليب في تمام الساعة السادسة. تحدث الإنجيلي مرقس (مر 15: 25) عن صلب السيد المسيح في وقت الساعة الثالثة حيث حسب الجلد منذ بدأ جلد السيد، أما الإنجيلي يوحنا فحسبه وقت الساعة السادسة حيث بدأ رفعه على الصليب. يرى البعض أن الساعة السادسة هنا حسب التوقيت الروماني، حيث يبدأ اليوم الجديد من منتصف الليل وليس كالتوقيت اليهودي الذي استخدمه الإنجيليون الآخرون، حيث يبدأ اليوم من الغروب إلى الغروب، أي السادسة صباحًا حيث كاد أن يصدر الحكم وتبدأ الإجراءات الفعلية للصلب. وفي بعض المخطوطات وبعض نصوص الآباء جاءت "نحو الساعة الثالثة" وليس "السادسة". إذ اتجه اليهود إلى اتهام بيلاطس نفسه في غضب سخر بهم قائلًا لهم: "هوذا ملككم" [14]. وكأنه يقول لهم: "إن كنتم بكل طاقتكم تريدون صلبه، فأنتم تسيئون إلى أنفسكم، إنه ملككم". لعله بهذا يلقي بآخر سهم لإنقاذ يسوع المسيح من الصلب! * أسلم بيلاطس السيد المسيح إلى اليهود، ظانًا أنه يستعطفهم، والدليل على أنه عمل هذا العمل على هذا القصد اسمع ما قاله لهم: "هوذا ملككم". القديس يوحنا الذهبي الفم في سخرية باليهود أعلن بيلاطس: "هوذا ملككم"، ولعله إلى هذه اللحظات كان السيد مكللًا بإكليل الشوك ومرتديًا ثوبًا أرجوانيًا أو قرمزيًا قديمًا. لم يدرك بيلاطس أنه بالحقيقة ليس فقط ملك اليهود، بل ملك العالم كله الذي فيه تحققت النبوات بكونه مسيح الرب. قديما رفض جدعون إقامته ملكًا على إسرائيل متطلعًا إلى الرب نفسه بكونه الملك الحقيقي (قض 8: 23). وعندما أراد الشعب أن يقيم لهم صموئيل النبي ملكًا كسائر الأمم، أعلن له الله أنهم لم يرفضوا صموئيل، بل رفضوه هو نفسه كملكٍ عليهم (1 صم 8: 5 ،7). وكان رجال العهد القديم يترقبون تحقيق الوعد الإلهي: "أنت ابني وأنا اليوم ولدتك. اسألني فأعطيك الأمم ميراثًا لك، وسلطانك إلى أقطار الأرض، لترعاهم بقضيب من حديد." (مز 2: 7-9). كان يليق ببيلاطس أن يعلن لكل العالم: "هوذا ملككم الذي يرعى النفوس ويقيمها في مملكته السماوية الأبدية". جاء السيد المسيح، حمل الله، لكي يرفع الخطية عن العالم (يو 1: 29). إنه محب للبشرية لكنه لا يطيق رؤية خطاياهم. إنه يرفع خطاياهم ليتقدموا في حضرة الآب حاملين برَّه. أما هنا فنجد الإنسان لا يطيق مخلصه، يريد أن يرفعه عن عينيه حتى لا يراه. لا يحتمل الشرير حب الله، ولا يقدر حتى على معاينته! "فصرخوا: خذه، خذه! أصلبه! قال لهم بيلاطس: أأصلب ملككم؟ أجاب رؤساء الكهنة: ليس لنا ملك إلا قيصر". [15] ازدادت الصرخات بأنهم لا يطيقون رؤيته "خذه، خذه" [15]، فقد رفضوا نسبتهم إليه، أو انتسابه إليهم، ليس لهم ملك إلا قيصر. تطلع إليهم إشعياء النبي فقال عنه: "مكروه الأمة" (إش 49: 7)، كما قال: "لا صورة له ولا جمال فننظر إليه، ولا منظر فنشتهيه، محتقر ومخذول من الناس، ورجل أوجاع ومختبر الحزن، وكمُستر عنه وجوهنا، محتقر فلم نعتد به" (إش 53: 2-3). كان الحكم بالإعدام صلبًا معروفًا قديمًا في الإمبراطورية الرومانية وخارجها. وكان العالم القديم يتطلع إلى الصلب كأبشع أنواع الموت، إذ يمثل عارًا وخزيًا. وكان الكتاب القدامى يحجمون عن الكتابة عن الصلب في شيء من التفصيل. قال شيشرون أن الصلب "أقسى أنواع العقوبات وإثارة للاشمئزاز". وتحدث عنه يوسيفوس بأنه "أدنى أنواع الموت". وتحدث الفيلسوف الروماني سينيكا عن الصلب كموت بطيء ومؤلم للغاية، متسائلًا إن كان يوجد شخص يود أن يموت بإرادته بهذه الوسيلة: "هل يمكن وجود شخص يفضل أن يضيع وقته في ألم بموت عضوٍ يلي عضوًا، أو بترك حياته تنتهي نقطة فنقطة عوض أن يسلم النفس مرة واحدة؟ هل يمكن أن يوجد إنسان يرغب في تثبيته على خشبة اللعنة، يلتصق بها إلى مدة طويلة وقد تشوه شكله، انتفخ جسمه بحُبُر (آثار الجراحات) على كتفيه وصدره، يتنسم الحياة وسط آلام مريرة ممتدة؟ حقا إنه يجد مبررات كثيرة لكي يفضل الموت قبل أن يرتفع على الصليب". كان يندر جدًا الحكم بالصلب على مواطنٍ روماني، إنما كانت هذه العقوبة تُستخدم لضبط العبيد حتى لا يفكروا في الثورة، ويبقوا في مذلة وضعهم مهما كانت متاعبهم. أمام ثورتهم ضد السيد المسيح لم تعد لهم رغبة في الحرية ولا قيمة للخلاص، كل ما يترجوه هو الخلاص من شخصه، حتى وإن صاروا عبيدًا لقيصر. لقد فقدوا إحساسهم بأنهم تحت الاستعمار الروماني. حقًا كان اليهود - خاصة القيادات - يكرهون قيصر ولا يطيقون من ينتدبهم حكامًا أو ملوكًا عليهم، لكن أمام بغضهم لشخص السيد المسيح حسبوا الولاء لقيصر والاستعباد له أفضل. كانوا مستعدين للخضوع لأي طاغية من قبل قيصر، يطيعون أوامره برضا إن كان في هذا خلاصًا من شخص السيد المسيح. جواب رؤساء الكهنة فيه تخوِّف من جهة تهديد مؤسستهم الكهنوتية بالزوال. إنهم يقبلون قيصر ملكًا وحيدًا عليهم متناسين ملكوت اللَّه. * تطلع باهتمام إلى الرب وهو يُحاكم، فقد سمح لنفسه أن يقوده الجنود. جلس بيلاطس في الحكم. الذي يجلس عن يمين الآب يقف ليُحاكم! الشعب الذي عتقه من أرض مصر... يصرخ: "خذه! أصلبه!" لماذا أيها اليهود؟ هل لأنه شفى عميانكم؟ أم لأنه جعل العرج منكم يمشون؟ ووهب البركات للآخرين؟! يدهش النبي فيقول:"على من تفغرون الفم وَتَدْلَعُونَ اللسان؟" (إش 4:57) ويقول الرب نفسه في الأنبياء: "صار لي ميراثي كأسد في الوعر. نطق عليّ بصوته. من أجل ذلك أبغضته" (إر 8:12). لم أرفضهم لكنهم رفضوني، لهذا أقول:"قد تركت بيتي" (إر 7:12). القديس كيرلس الأورشليمي * ضغطوا عليه، قائلين: "أصلبه". ولماذا كانوا يجاهدون كي يقتلوه بهذه الوسيلة؟ إنه موت شائن! لقد خشوا لئلا يكون له فيما بعد أي ذكرى، فأرادوا أن يسقطوا عليه عقوبة لعينة، وهم لا يدرون إن الحق يتمجد خلال العوائق. لتأكيد إن هذا الشك كان لديهم اصغوا إلى ما قالوه: "سمعنا أن هذا المضل قال بعد ثلاثة أيام أقوم" (مت 27: 63). لهذا قاموا بإثارة الكل ليقلبوا الأوضاع ويحطموا الأمور فيما بعد. وقد فسد الشعب المشوش بواسطة حكامه، وصرخوا مكررين: "أصلبه!" * "ليس لنا ملك إلا قيصر". بإرادتهم اخضعوا أنفسهم للعقوبة. لذلك سلمهم الله، إذ وهم أولاد طردوا أنفسهم عن عنايته وإشرافه الفائق. وحيث أنهم بصوتٍ واحدٍ مجدوا سلطانه سمح لهم بالسقوط حسب طلبتهم. * هنا انحدروا عن مملكة المسيح، ودعوا لأنفسهم مملكة قيصر. القديس يوحنا الذهبي الفم |
|