وَأَجَابَهُ أَحَدُهُمَا، وَاسْمُهُ قَلاُوبَا: "أَأَنْتَ وَحْدَكَ نَازِلٌ
فِي أُورَشَلِيمَ وَلَا تَعْلَمُ الأُمُورَ الَّتِي جَرَتْ فِيهَا هٰذِهِ الأَيَّامِ؟"
"الأُمُورَ الَّتِي جَرَتْ فِيهَا هٰذِهِ الأَيَّامِ» فَتُحِيلُ إِلَى مَجْمُوعِ أَحْدَاثِ الآلاَمِ: صَلْبِ يَسوعَ وَمَوْتِهِ، وَمَا رَافَقَ ذٰلِكَ مِنْ ظَوَاهِرَ كَوْنِيَّةٍ كَالظُّلْمَةِ وَالزَّلْزَلَةِ (راجع متى 27: 45، 51)، وَمَا أَثَارَتْهُ هٰذِهِ الأَحْدَاثُ مِنْ جَدَلٍ وَاضْطِرَابٍ فِي أُورَشَلِيمَ. وَهُنَا تَتَجَلَّى مُفَارَقَةٌ لاهُوتِيَّةٌ عَمِيقَةٌ: فَالتِّلْمِيذُ يَظُنُّ أَنَّ يَسوعَ هُوَ "الغَرِيبُ" الَّذِي لا يَعْرِفُ، بَيْنَمَا هُوَ فِي الحَقِيقَةِ الرَّبُّ الَّذِي يَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ الَّذِي عَاشَ هٰذِهِ الأَحْدَاثَ وَحَقَّقَ مَعْنَاهَا الخَلاَصِيَّ.
وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس عَلَى هٰذِهِ المُفَارَقَةِ قَائِلًا: "كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ مَعَ الحَقِّ، وَلٰكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ الحَقَّ"(pl 38). وَهٰكَذَا يَكْشِفُ هٰذَا السُّؤَالُ عَنْ مَفَارَقَةٍ إِنْجِيلِيَّةٍ: الإِنْسَانُ قَدْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَفْهَمُ الأَحْدَاثَ، وَيَحْكِي عَنْهَا، لٰكِنَّهُ يَبْقَى غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى إِدْرَاكِ مَعْنَاهَا الحَقِيقِيِّ مَا لَمْ يَلْتَقِ بِالمَسِيحِ القَائِمِ الَّذِي يُنِيرُ التَّارِيخَ بِنُورِ القِيَامَةِ.