سـَمِعْتُمْ أَنَّهُ قيلَ لِلأَوَّلين: لا تَقْتُلْ، فإِنَّ مَن يَقْتُلُ يَستَوجِبُ حُكْمَ القَضـاء.
"حُكْمَ ٱلْقَضَاءِ" فَتُشِيرُ إِلَى ٱلْقَضَاءِ بِمَعْنَاهُ ٱلْمُزْدَوِجِ: ٱلْقَضَاءِ ٱلْبَشَرِيِّ ٱلَّذِي تَصْدُرُهُ ٱلْمَحَاكِمُ، وَٱلْقَضَاءِ ٱلْإِلٰهِيِّ ٱلَّذِي يَنْبُعُ مِنْ عَدْلِ ٱللهِ ٱلْمُطْلَقِ. وَفِي هٰذَا ٱلْمَعْنَى، يُوَضِّحُ بُولُسُ ٱلرَّسُولُ لِأَهْلِ رُومَةَ أَنَّ ٱلْإِنْسَانَ لَا يُدَانُ عَلَى ٱلْفِعْلِ فَقَطْ، بَلْ عَلَى ٱلرِّضَا بِٱلشَّرِّ أَيْضًا:
"وَمَعَ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ قَضَاءَ ٱللهِ، بِأَنَّ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ هٰذِهِ ٱلْأَعْمَالِ يَسْتَوْجِبُونَ ٱلْمَوْتَ، فَهُمْ لَا يَفْعَلُونَهَا فَحَسْبُ، بَلْ يَرْضَوْنَ عَنِ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَهَا" (رُومَةَ 1: 32).
وَمِنْ هُنَا، يَتَّضِحُ أَنَّ ٱلْقَاتِلَ لَا يَسْتَحِقُّ دَيْنُونَةَ ٱلْقَضَاءِ ٱلْبَشَرِيِّ فَقَطْ، بَلْ دَيْنُونَةَ ٱللهِ أَيْضًا. وَفِي تَعْلِيقِهِ عَلَى هٰذِهِ ٱلْآيَةِ
يُؤَكِّدُ ٱلْقِدِّيسُ يُوحَنَّا ٱلذَّهَبِيُّ ٱلْفَمُ أَنَّ يَسُوعَ "لَمْ يُبْطِلِ ٱلْوَصِيَّةَ، بَلْ أَدْخَلَ ٱلْقَلْبَ فِي مِجْهَرِ ٱلدَّيْنُونَةِ، لِيُظْهِرَ أَنَّ ٱلْغَضَبَ جَذْرُ ٱلْقَتْلِ" (pg 57, 246-248). وَهٰكَذَا يَرْفَعُ ٱلْمَسِيحُ ٱلْوَصِيَّةَ مِنْ مُسْتَوَى ٱلْفِعْلِ ٱلْخَارِجِيِّ إِلَى مُسْتَوَى ٱلْقَلْبِ وَٱلنِّيَّةِ، فَيُظْهِرُ أَنَّ ٱلْبِرَّ ٱلْحَقِيقِيَّ لَا يُقَاسُ بِمَا تَرَاهُ ٱلْمَحَاكِمُ، بَلْ بِمَا يَعْلَمُهُ ٱللهُ ٱلَّذِي "يَفْحَصُ ٱلْقُلُوبَ وَٱلْكُلَى".