«وَلِكُلِّ حَيَوَانِ ٱلأَرْضِ وَكُلِّ طَيْرِ ٱلسَّمَاءِ وَكُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى ٱلأَرْضِ فِيهَا نَفْسٌ حَيَّةٌ، أَعْطَيْتُ كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ طَعَاماً. وَكَانَ كَذٰلِكَ».
ذكر في الآية الحادية عشرة ثلاثة أنواع من النبات وهي «العشب» و «البقل» و «الشجر» وأعطى الإنسان أكمل النوعين وأعلاهما طعاماً. وفي الآية الثلاثين أعطى البهائم والطيور العشب الأخضر أي النوع الأدنى. ولا نريد بذلك أن الله منع الحيوانات والطيور من أكل الأثمار والبزور بل إن أصل قوام أجسادها أوراق العشب وسوقه. وفي كل هذا دليل على أن الإنسان أعلى من سائر الحيوان. ومما يستحق الذكر هنا إن الطعام المعيّن للإنسان هو من النوع الذي يستلزم إعداداً خاصاً وطبخاً ليصلح للأكل كالقمح والحبوب والبقول وكثير من الأثمار. ولزوم إعداد هذه الأطعمة وطبخها كان من أكثر أسباب الترفيه والتهذيب الإنساني في اجتماع العيال حول مائدة الطعام.
وهل اعتاد الإنسان أكل اللحوم قبل الطوفان. إن الله أباح لنوح ونسله بعد ذلك أكلها بقوله: «كل دابة حية تكون لكم طعاماً» أي جميع الحيوانات التي تصلح للأكل (تكوين ٩: ٣).
ولا صعوبة في فرض إن أولاد آدم قبل الطوفان أكتفوا بأكل الأثمار والنباتات لأن السواد الأعظم من قبائل أسيا اليوم لا يأكلون اللحم إلا نادراً لكنهم يتناولون اللبن والجبن وغيرهما من نتاج الحيوان. فالطعام الأصلي المعيّن للإنسان نباتي. والتصريح بإباحة أكل اللحوم لم يكن إلا بعد الطوفان. ولكن السلطة التي وُهبت للإنسان في الآية الثامنة والعشرين على السمك والطير وكل حيوان تستلزم جواز ذلك. والجلود التي لبسها آدم وحواء عند طردهما من الفردوس برهان على ذبح البهائم قبل السقوط. وذُكر بعد السقوط أنه قدّم هابيل من أبكار غنمه ومن سمانها (ص ٤: ٤) وذلك دليل على أن الذي قدم هذه الذبيحة أكل منها هو وعياله لأن هذا كان أكله رسماً دينياً يقدم قسم منه لله ويحرق على المذبح ويأكل الباقي الإنسان المقدِّم الذبيحة كأنه ضيف الله. ولنا من ذلك أن نسل شيث قبل الطوفان لم يأكل اللحم أكلاً عادياً بل حين تقديم الذبائح وإن الله بعد الطوفان أباح أكل اللحم مطلقاً. ونرى في ذلك حكمة الله ورحمته للإنسان فإنه في الأقاليم الشمالية والجنوبية الباردة يقل النبات ويكثر الحيوان الموافق للطعام ويحتاج الإنسان إلى أكل اللحم هناك أكثر من سكان الأقاليم الحارة والمعتدلة.