![]() |
كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر القمص تادرس يعقوب ملطي مقدمة في إحدى جلسات الجمعية العمومية لمجلس كنائس الشرق الأوسط (29 من نوفمبر 1980)، إذ تحدث بعض اللاهوتيين الأرثوذكس والبروتستانت عن موضوع التجديد الكنسي Church Renewal أثيرت عدة تساؤلات منها: · ما هي نظرة الكنيسة لتعبير "التجديد الكنسي"؟ · من الذي يتجدد: الكنيسة أم العالم بدخوله في خبرة الحياة الكنسية كحياة جديدة في المسيح يسوع ربنا؟ · كيف ينعم الإنسان بالحياة الجديدة؟ وهل تبقي حياة تتجدد بغير انقطاع؟ · هل يتم التجديد علي المستوي الفردي أم خلال إطار الجماعة الكنسية؟ · هل يمكن للكنيسة أن تحيا علي الدوام بفكر متجدد دون أن تفقد طابعها التقليدي الأصيل؟ أو بمعني آخر، هل الحياة الكنسية التقليدية تمثل عائقًا في تجديدها المستمر أم معينًا لها؟ هذه عينة من الأسئلة التي رأيت لزامًا عليّ أن أجيب عليها بفكر إنجيلي كنسي أرثوذكسي، خاصة وأننا في هذا العام (1981) نحتفل بذكرى مرور ستة عشر قرنًا علي انعقاد مجمع القسطنطينية المسكوني (381 م) الخاص بالروح القدس. لذا اشتهى أن ندخل جميعًا لا في جدل عقلي جاف، بل نخضع للروح القدس الناري الذي يأخذ مما للمسيح ويخبرنا (يو 16: 15)، هذا الذي وهبنا الميلاد الجديد الروحي، ويثبتنا فيه، ويتعهد نمونا المستمر حتى يدخل بنا كلهيب نار متقد فنلتحم مع السمائيين وندخل إلي أحضان الآب أولادًا مقدسين له. القمص تادرس يعقوب ملطي |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
التجديد في العهد الجديد كلمة "تجديد"كلمة "تجديد" لها جاذبيتها، يستخدمها البعض على المستوى الفردي، كأن يعلن الإنسان عن نفسه أنه في لحظة معينة صار متجددًا ومتمتعًا بخلاص السيد المسيح خلال الإيمان به. ويستخدمها البعض على المستوى الجماعي مثل حركات التجديد الليتورجي، كأن تعيد الكنيسة النظر في ليتورجياتها لتقدمها بفكر كنسي أصيل، وفي نفس الوقت تناسب الإنسان المعاصر. ويرفض البعض هذا الاصطلاح كلية بكونه يحمل ثورة على كل خبرة الكنيسة في الماضي وفكرها الأول. التجديد في العهد الجديديرى نيافة المطران جورج خضر [1] أن كلمة "تجديد" كما تعنيها الكلمة الإنجليزية Renewal لم ترد في العهد الجديد. وأن الكلمة الواردة في حديث السيد المسيح مع تلاميذه: "الحقَّ أقول لكم إنكم أنتم الذين تبعتموني في التجديد متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده" (مت 19: 28) جاءت في العبرية لتحمل معنى انقضائيًا، أي يخص الانقضاء أو الحياة الأخرى. لهذا يرفض نيافته تعبير "التجديد الكنسي Church Renewal"، ويرى أن الكنيسة ليست هي التي تتجدد، بل العالم "Cosmos" يدخل إلى التجديد (رؤ 21: 1، مز 104: 30)، بتمتعه بالحياة الجديدة في المسيح يسوع، وعودته إلى ما كان عليه من مجدٍ،بمعنى آخر، الكنيسة في جوهرها هي "الحياة الجديدة" التي لا تشيخ، خلالها يدخل الكون إلى التجديد، ويدخل كل إنسان في العالم إلى الحياة الجديدة. وكان تعليق المتنيح نيافة الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي أنه لا مانع من استخدام كلمة "تجديد" بشرط التمييز بين أربعة مصطلحات: 1- التجديد بالروح القدس: وهو قبول عمل السيد المسيح فينا، أي قبول عمل الخلاص الذي ننعم به في المعمودية، حيث ننال الميلاد الروحي الجديد، ونصير أبناء الله. 2- التجديد الذهني: إذ يتجدد الذهن بالتوبة. وقد ميَّز نيافته بين التوبة الشاملة حين يرفض الإنسان ماضيه الشرير لينطلق بالسيد المسيح ربنا في حياة جديدة، والتوبة اليومية خلال اعتراف المؤمن بضعفه وقبول نعم إلهية جديدة كل يوم. 3- تجديد الخليقة: أي تجديد الكون كله، بمجيء السيد المسيح الثاني، فننعم بالسماء الجديدة والأرض الجديدة (رؤ 21: 1). 4- تجديد الكنيسة: هنا نقصد النمو المستمر، فالكنيسة كائن حيّ متطور، وليس كائنًا جامدًا. إنها تحمل تيار الروح القدس العامل فيها كحياة نامية متدفقة. هذا التيار الناري يحرق وينشط، خلاله نحافظ على الماضي بغير جمود، كما نبني عليه حلولًا للمشاكل المعاصرة الجديدة. _____ الحواشي والمراجع: [1] عن محاضرته في الجمعية العمومية لمجلس كنائس الشرق الأوسط بتاريخ 29 نوفمبر 1980. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
الله سرّ تجديدنا ظلال من العهد القديمكانت كلمة الرب لإرميا النبي: "قد وكَّلتك هذا اليوم على الشعوب وعلى الممالك، لتقلع وتهدم وتهلك وتنقض وتبني وتغرس" (إر 1: 10). فقد كانت كنيسة العهد القديم في أسوأ عصورها، لا من جهة الفساد الذي دبّ في حياة الكهنة والأنبياء الكذبة، والرؤساء والشعب، وإنما ما هو أمرّ وأقسى أنه إذ نودي بالإصلاح اتجهوا إلى المظهر، فاهتموا بترميم الهيكل دون بناء النفس الداخلية، فتحوّل الهيكل إلى مغارة لصوص (7: 11)، وانشغلوا بتقديم الذبائح الحيوانية دون تقديم ذبيحة الطاعة (17: 14-26)، كأن الله تهمه اللحوم والشحوم، ومارسوا ختان الجسد الظاهري دون أن ينعموا بختان القلب الداخلي (4: 4)، ويتمتعوا بختان الأذنين الروحي (6: 4). هذا كله ألهب قلب إرميا النبي بنار الروح القدس الملتهب مناديًا بالحاجة إلى إصلاح حقيقي من نوع جديد. نادى بضرورة الدخول في عهدٍ جديدٍ مع الله، يقوم على أساس انفتاح القلب لقبول شريعة ليست منقوشة على لوحين حجريين بل على القلب ذاته (24: 7، 31: 33)، قادرة بحق أن تقلع وتغرس، تهدم وتبني! هذا هو التجديد الحقيقي، الذي يتحقق لا خلال وصايا وشرائع مكتوبة بحبر على ورق، بل خلال الخالق ذاته القادر أن يعمل داخل النفس، يهدم الإنسان القديم بكل أعماله ويقيم في داخلنا الإنسان الجديد على صورة خالقه. بهذا كان إرميا النبي يتحدث عن شخص السيد المسيح، كلمة الله، القادر وحده بروحه القدوس أن يقلع القديم ويغرس الجديد، يهدم طبيعتنا الفاسدة ويقيم فينا طبيعة جديدة مقامة من الأموات، فيكون هو "سرّ الجدة". هذا العهد الجديد -كما رآه إرميا النبي- طرفاه ليس أفرادًا بل الجماعة الكنسيّة والله، إذ يقول: "ها أيام تأتي يقول الرب وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهدًا جديدًا.. أجعل شريعتي في داخلهم، وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهًا، وهم يكونون لي شعبًا" (31: 31، 33). فإن كان الإصلاح يمس حياة الإنسان شخصيًا، يمس أعماقه الداخلية ويُنقش على قلبه، لكن ليس خلال لقاءٍ فرديٍ انعزاليٍ، إنما خلال لقائه مع الله كعضوٍ في الجماعة المقدسة، أو الشعب الواحد. شارك داود النبي إرميا النبي في شعوره بالحاجة إلى من يقيم حياة جديدة عوض الحياة القديمة التي يئن منها، إذ يقول: "قلبًا نقيًّا اخلق فيَّ يا الله وروحًا مستقيمًا جدّد في أحشائي" (مز 51: 10). لقد أدرك داود بعد سقوطه أنه ليس بمحتاج إلى وصايا وشرائع بقدر ما هو محتاج إلى قلب جديد من صنع الخالق، وروح جديد يعمل في أحشائه الداخلية.. محتاج إلى عمل الله نفسه الذي يرسل روحه القدوس ليجدد خليقته: "ترسل روحك فتخلَق، وتُجدّد وجه الأرض" (مز 104: 30). لعلّه قصد بالأرض هنا "الجسد" الذي أُخذ من التراب، فهو لا يحتاج إلى انتهار وتوبيخ بقدر ما يحتاج إلى تجديد وجهه، لكي ما يخرج داود من دائرة الخطية وينطلق بحياته الجديدة مسبحًا أغنية جديدة (مز 33: 3). هنا نلاحظ أن المرتل يصرخ إلى الآب ليرسل روحه القدوس واهب التجديد، وهو امتداد لعمل المسيح الخلاصي، إذ يقول الرب: "يأخذ مما لي ويخبركم" (يو 16: 15). أما حزقيال النبي فينصح شعبه هكذا: "اعملوا لأنفسكم قلبًا جديدًا وروحًا جديدة" (18: 31). لكن من الذي يستطيع أن يعمل لنفسه قلبًا جديدًا وروحًا جديدة؟! لهذا يعود حزقيال النبي نفسه فيتكلم على لسان الله قائلًا: "وأعطيكم قلبًا جديدًا وأجعل روحًا جديدة في داخلكم، وأنزع قلب الحجر من لحمكم، وأعطيكم قلب لحم. وأجعل روحي في داخلكم، وأجعلكم تسلكون في فرائضي... وتكونون لي شعبًا وأنا أكون لكم إلهًا" (36: 26-28). وكأنه يشترك مع إرميا النبي ليس فقط في الفكر والروح وإنما حتى في العبارات، فيبرز حزقيال النبي ثلاث نقاط هامة بخصوص سرّ تجديدنا: (أ) الحاجة إلى الله نفسه واهب التجديد القلبي والروحي. (ب) السلوك في وصايا الله وفرائضه، لا يتحقق بمجهودنا الذاتي ما لم ننعم أولًا بتجديد طبيعتنا الداخلية، فتصير وصاياه سهلة وعذبة. (ج) هذا العمل التجديدي يتم في إطار عمل الله مع الجماعة المقدسة. فهو يعطي تجديدًا للقلب والروح لكل عضو كعطية إلهية شخصية، ليقيمه عضوًا في شعبه المقدس الواحد. لهذا يقول في موضع آخر: "وأعطيهم قلبًا واحدًا وأجعل في داخلهم روحًا جديدًا، وأنزع قلب الحجر من لحمهم، وأعطيهم قلب لحمٍ" (11: 19). أما إشعياء النبي الذي قدم لنا "إنجيل العهد القديم" إن صح هذا التعبير فقد حدّثنا في أكثر من موضع عن الحياة الجديدة التي توهَب لنا خلال عمل الله الخلاصي، وحدد ملامحها الجديدة وأوضح سماتها، نذكر على سبيل المثال قوله: "لا تذكروا الأوليات، والقديمات لا تتأَمَّلوا بها، هأنذا صانع أمرًا جديدًا. الآن ينبت. أَلا تعرفونهُ؟! اجعل في البرية طريقًا في القفر أنهارًا" (43: 18-19). يريدنا ليس فقط أن نخلع الإنسان القديم بأعماله وإنما ننساه تمامًا، ولا نعود نتأمّله حتى لا نيأس ونتحطم، إنما بالأحرى ننشغل بالحياة الجديدة التي تنبت فينا. إنه يجعل في البرية طريقًا، وفي القفر أنهارًا. ما هو هذا الطريق إلا السيد المسيح نفسه القائل "أنا هو الطريق" (يو 14: 6)، قام في وسطنا نحن البرية الجدباء، يحل في قلوبنا لكي يدخل بنا إلى ملكوته؟! ما هي هذه الأنهار إلا ينابيع الروح القدس المتفجرة داخلنا نحن القفر بلا ساكن، فيتحول قلبنا الخرب إلى مسكن لله القدوس؟! إذن سرّ تجديدنا هو سكنى السيد المسيح فينا، وحلول روحه القدوس في أعماقنا الداخلية. مرة أخرى يقول إشعياء النبي: "تُسمَّين باسمٍ جديدٍ يعيّنهُ فم الرب" (62: 2)،فالتجديد يشمل حتى اسمنا، علامة أنه تجديد كامل. فإذ جاء السيد المسيح وقدم لنا بروحه القدوس تجديدًا، حملنا "اسمه" كاسم جديد وصرنا "مسيحيين". لهذا كان المدافعون الأولون مثل الفيلسوف أثيناغوراس يقول إن الاتهام الحقيقي الذي كان موجهًا ضد المسيحيين هو اتهام "الاسم"، فكان الاضطهاد عنيفًا ضدهم ليس لأجل جريمة ارتكبوها، وإنما لأجل الاسم الذي حملوه. مرة ثالثة يقول إشعياء النبي: "هأنذا قد جعلتك نورجًا محدَّدًا جديدًا ذا أسنانٍ. تدرس الجبال وتسحقها وتجعل الآكام كالعُصافة. تذرّيها فالريح تحملها والعاصف تبددها، وأنت تبتهج بالرب. بقدوس إسرائيل تفتخر" (41: 15-16). إن كان إنساننا القديم قد صار كالجبال بأعماله الشريرة الصلبة وكالآكام ليس من يقدر أن يحركها، فإن الله وحده الذي يلمس الجبال فتدخن (مز 104: 32). يجعلنا بالمسيح يسوع ربنا نورجًا جديدًا محددًا، ندرس الجبال ونسحقها، ونذري الآكام كالعاصفة، دون أن يصيبنا القِدمْ، ولا نفقد قوتنا أو تضعف إمكانياتنا مع الزمن. هذا ما يبهج نفوسنا بالرب مجدد حياتنا، فنفتخر بقدوس إسرائيل الجديد. يتحدث أيضًا إشعياء النبي على لسان السيد المسيح، قائلًا: "روح السيّد الرب عليَّ لأن الرب مسحني لأبشر المساكين... ويبنون الخِرَب القديمة، يقيمون الموحشات الأُوَل ويجدّدون المدن الخربة موحشات دور فدور. ويقف الأجانب ويرعون غنمكم ويكون بنو الغريب حرَّاثيكم وكرَّاميكم. أمَّا أنتم فتُدعَون كهنة الرب تُسمَّون خدام إلهنا. تأكلون ثروة الأمم وعلى مجدهم تتآمرون" (1:61، 4-6). كأن إشعياء النبي يوضح رسالة السيد المسيح الذي مسحه الآب ليبشر المساكين، ألا وهي "تجديد المدن الخربة التي صارت موحشة عبر الأجيال". لقد صارت الطبيعة البشرية في كل الأجيال أشبه بالمدن الخربة تحتاج إلى هدم وإعادة بناء! هذا هو عمل الله الخالق الذي يقيم ملكوته فينا، فيحوّلنا بروحه القدوس من مسكن للخطية والشر إلى مقدسٍ للرب. أما الأجانب الذين يرعون غنمنا وبنو الغريب الذين يقومون بحراثة أرضنا والعمل ككرامين في حديقتنا، فهم طاقات النفس الداخلية ودوافعها، التي صارت كمن هي أجنبية وغريبة عن الرب وملكوته. إنها تخضع من جديد فلا تصير عثرة في طريق خلاصنا بل على العكس تصير معينًا للنفس، تسندها في جهادها، وذلك كما فعل الشعب العبراني قديمًا حين حملوا الذهب والفضة والثياب الفاخرة من المصريين واستخدموها في إقامة خيمة الاجتماع بدلًا من استخدامها في عبادة الأوثان في مصر. أما قوله: "تُدعون كهنة الرب"، فذلك لأننا إذ نحمل الطبيعة الجديدة خلال المعمودية نصير روحيًا كهنة، نرفع أيدينا للصلاة ونقدم أجسادنا ذبيحة حب مقبولة لدى الآب. نختتم حديثنا عن إشعياء النبي بتقديم الصورة الحية التي رسمها للحياة الإنجيلية الجديدة، إذ يقول: "لأني هأنذا خالق سماوات جديدة وأرضًا جديدة، فلا تُذكَر الأولى ولا تخطر على بالٍ. بل افرحوا وابتهجوا إلي الأبد في ما أنا خالق، لأني هأنذا خالق أورشليم بهجةً وشعبها فرحًا. فابتهج بأورشليم وأفرح بشعبي ولا يُسمَع بعدُ فيها صوت بكاءٍ ولا صوت صراخ. لا يكون بعدُ هناك طفلُ أيامٍ ولا شيخ لم يكمل أيامهُ.. ويبنون بيوتًا ويسكنون فيها ويغرسون كرومًا ويأكلون أثمارها. لا يبنون وآخر يسكن، ولا يغرسون وآخر يأكل. لأنهُ كأيام شجرةٍ أيام شعبي ويستعمل مختاريَّ عمل أيديهم. لا يتعبون باطلًا، ولا يلدون للرعب، لأنهم نسل مباركي الرب وذريتهم معهم.. الذئب والحمل يرعيان معًا، والأسد يأكل التبن كالبقر. أما الحيَّة فالتراب طعامها. لا يُؤْذون ولا يُهلكون في كل جبل قدسي قال الرب" (65: 17-25). يا لها من صورة رائعة لما قدمه السيد المسيح لكنيسة العهد الجديد! لقد أقام سماوات جديدة وأرضًا جديدة، أقام تجديدًا حقيقيًا للنفس (السماوات) وللجسد (الأرض)، فصارت النفس والجسد معًا في انسجام، إذ خضع كليهما لروحه القدوس. انتهى الصراع القديم بين شهوات النفس وشهوات الجسد، ودخلنا بالروح القدس إلي حياة الفرح الروحي والبهجة السماوية، إذ امتلأت حياتنا بثمر الروح القدس من محبة وفرح وسلام.. (غل 5: 22). نفرح نحن كعروسٍ مقدسةٍ متجددةٍ بعريسنا، ويفرح هو بنا، إذ يقول: "أبتهج بأورشليم وأفرح بشعبي". إنها فرحة الحب المشترك! في هذه الحياة الجديدة "لا يسمع فيها صوت بكاء، ولا صوت صراخ" إذ نلنا سلطانًا على الحيات والعقارب وكل قوة العدو. كذلك يقول: "لا يكون هناك طفل أيام ولا شيخ لم يكمل أيامه"، فنحيا بروح النضوج الروحي الحقيقي، وليس كأطفال بلا خبرة، كما نعيش بشباب روحي بلا شيخوخة وضعف قاتل. في هذه الحياة الجديدة التي صارت لنا بالمعمودية، تتحول الذئاب إلي حملان، فيرعى الذئب مع الحمل، وتتحطم طبيعة الافتراس والشراسة، فيأكل الأسد مع البقر. أما الحيّات فلا تؤذي ولا تُهلك من عرف بنوته لله وعاش بإمكانيات الحياة الجديدة التي صارت له. هذه صورة مبسطة للظلال التي عاش تحتها الأنبياء في العهد القديم يشتهون الحياة الجديدة -تجديد القلب والروح- التي هي عطية الخالق نفسه، يقدمها لنا الآب بابنه الوحيد يسوع بواسطة روحه القدوس. بقي لنا أن ننطلق من الظلال إلى الحقيقة، لنتلمس دور الابن الوحيد يسوع المسيح في تجديدنا وعمل روحه القدوس فينا. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
المسيح والحياة الجديدة تطلع أنبياء العهد القديم خلال الرموز والظلال ليروا أنه لا خلاص للإنسان من الفساد الذي حلّ بطبيعته في أعماقها، والعودة به إلى الأحضان الإلهية بتجديد هذه الطبيعة تجديدًا جذريًا، يمس النفس في أعماقها، والجسد بكل أحاسيسه وطاقاته، إلا بتدخل الخالق نفسه. وجاء العهد الجديد يكشف في وضوح خطة العمل الإلهي في حياة الإنسان للدخول به إلى شركة الأمجاد الإلهية. كشف لنا عن محبة الآب الذي أرسل كلمته متجسدًا، فنزل الكلمة الإلهي إلى نهر الأردن مقدسًا مياهه، ثم أسلم نفسه للتجربة منقادًا إليها بالروح، وكلل خدمته بحمل الصليب وموته ودفنه ليقوم ويصعد إلى سماواته، ويرسل لنا روحه القدوس الذي يهبنا التجديد حتى نتأهل في المجيء الأخير، للتمتع بشركة الميراث مع السيد المسيح. هذه الأحداث مترابطة معًا ومتفاعلة، وإن خضعت لترتيب زمني لكنها أحداث إلهية تبقى حيّة وفعّالة في حياتنا لتجديدنا والعبور بنا فوق كل حدود زمنية. هذا ما يجعلني أشعر أني محصور في الكتابة عن التجديد في حياتنا خلال العمل الإلهي المتكامل، الذي يشترك فيه الثالوث القدوس. لهذا أرجو في الرب ألا تقف عند حدود الكلمات التي بين يديك، إنما أطلب من الروح الناري أن يرفع قلبك إليه لتكتشف سرّ حب الله الفائق في حياتك الداخلية، الأمور التي لا يُعبر عنها، لأنها تتحدث عن سرّ حب الله الفائق للعقل! التجديد والتجسد الإلهيلخص الرسول بولس دور التجسد الإلهي في تجديد حياتنا دون فصله عن بقية أعماله الخلاصية الأخرى من صلبٍ وقيامةٍ وصعودٍ في هذه الكلمات القليلة: "من أجل ذلك كأنَّما بإنسانٍ واحدٍ دخلت الخطية إلي العالم وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلي جميع الناس إذ أخطأَ الجميع.. ولكن ليس كالخطية هكذا أيضًا الهبة. لأنهُ إن كان بخطية واحدٍ مات الكثيرون، فبالأَولى كثيرًا نعمة الله والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين.. لأنهُ إن كان بخطية الواحد قد ملك الموت بالواحد، فبالأَولى كثيرًا الذين ينالون فيض النعمة وعطية البرّ سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح. فإذًا كما بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة، هكذا ببرٍّ واحدٍ صارت الهبة إلى جميع الناس لتبرير الحياة. لأنهُ كما بمعصية الإنسان الواحد جُعِل الكثيرين خطاةً، هكذا أيضًا بإطاعة الواحد سيُجعَل الكثيرون أبرارًا" (رو 5: 12-19). هكذا دخل الرسول بولس في مقارنة بين الإنسان الأول الذي أحنى رأسه للخطيئة ففسدت الطبيعة البشرية في صُلبه، والتزم آدم أن يتخلى عن بكوريته للبشرية للآخر. وجاء ابن الله المتجسد: "الإنسان الواحد يسوع المسيح" يحني رأسه بالطاعة الكاملة للآب مقدمًا فيض النعمة وعطية البرّ بإعادة طبيعتنا البشرية إلي مجدها الأول باتحادنا به، البكر الحقيقي لكل الخليقة. في أكثر وضوح إذ حلّ الفساد بالطبيعة الإنسانية في آدم الأول خرجت البشرية كلها من الفردوس، وفارقها روح الرب، الذي هو سرّ حياتها وصلاحها. فصارت الحاجة إلى آدم الجديد الذي وحده يقدر أن يبارك طبيعتنا فيه، كقول القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس [2]، هذا الذي وحده لن يفارقه روح الرب، لأنه روحه. بهذا قدم لطبيعتنا مجدها الأول بعودة الروح القدس إليها وثباته فيها. فلم يكن ممكنًا تجديد طبيعتنا إلا في المسيح يسوع، الذي حلّ وسطنا وتوَّجنا بمجد عدم الخطيئة، وأغنى طبيعتنا بروحه القدوس، مقدمًا على الصليب ثمن هذا العمل الإلهي. وللقديس كيرلس السكندري عبارات رائعة في هذا الأمر، نقتطف منها الآتي: [بسبب تعدي آدم "ملكت الخطيئة على الكل" (رو 5: 14)، وفارق الروح القدس الطبيعة البشرية التي صارت مريضة في كل البشر. ولكي تعود الطبيعة البشرية من جديد إلى حالتها الأولى احتاجت إلى رحمة الله، لكي تحسب بموجب رحمة الله مستحقة للروح القدس. لذلك صار الابن الوحيد كلمة الله إنسانًا، وظهر للذين على الأرض بجسد من الأرض لكنه خالٍ من الخطيئة، حتى فيه وحده تتوج الطبيعة البشرية بمجد عدم الخطيئة، وتغتني بالروح القدس، وتتجدد بالعودة إلى الله بالقداسة [3].] [لقد فارق الروح القدس الإنسانية لأنه لم يكن قادرًا أن يحل في الفساد، ولكن الآن ظهر إنسان جديد بين البشر وهو وحده الذي يجعل عودة الروح ممكنة، لأن هذا الإنسان بدون خطيئة [4].] [لقد وعد الله أن يعطي الروح مرة ثانية للبشرية.. ولم تكن هناك طريقة أخرى يمكن بها إعادة هذه النعمة إلى الإنسانية بدون مفارقة سوى في يسوع المسيح.. إنها عودة أبدية سببها حالة الاستقرار والثبات.] [لقد منح المسيح الروح القدس لناسوته وبذلك جعل الروح يتآلف من جديد مع طبيعتنا.] [إن عودة الروح القدس للإنسان في المسيح، الإله المتجسد -آدم الثاني- عودة أبدية. فالروح القدس حلّ على آدم الثاني لبرِّه، والبرّ في المسيح برّ ثابت، لأن اتحاد اللاهوت بالناسوت في شخص المسيح ثابت.. وهذا ضمان ثابت للبشرية واستقرارها في الحياة الجديدة.] هذا الربط بين التجسد الإلهي وعمل الروح القدس في خلق طبيعة جديدة على صورة خالقها نعيشها على الأرض وندخل بها ممجدة في السماوات قد ظهرت منذ لحظات البشارة وبقيت معالمها واضحة حتى الصعود. ففي البشارة يقول الملاك للقديسة مريم: "الروح القدس يحلُّ عليكِ، وقوَّة العليّ تظلّلكِ، فلذلك أيضًا القدوس المولود منكِ يُدعَى ابن الله" (لو 1: 35). حلَّ الروح القدس على العذراء ليجعل منها سماءً جديدة هيكلًا مقدسًا للرب المتجسد. كأن هذا العمل -وإن كان فريدًا في نوعه- لكنه قُدم لحساب البشرية كلها التي صار لها خلال التجسد الإلهي حق قبول الروح القدس فيها لتهيئتها جسدًا وروحًا لتصير عضوًا في جسد السيد المسيح رأسها، وهيكلًا مقدسًا لسكناه! هذا هو سرّ التجديد لطبيعتنا الذي انطلق بالبشارة بالتجسد، فصار لنا حق قبول الروح القدس بعد أن يدفع كلمة الله ثمن خطايانا! وفي حديث السيد مع تلاميذه عن صعوده، قال لهم: "لكني أقول لكم الحقَّ إنه خير لكم أن أنطلق. لأنهُ إن لم أنطلق لا يأْتيكم المعزّي. ولكن إن ذهبت أرسلهُ إليكم.. ذاك يمجّدني، لأنهُ يأخذ ممَّا لي ويخبركم" (يو 7:16، 14). فإن كان الروح القدس فد هيأ الطبيعة البشرية في شخص القديسة مريم لاستقبال كلمة الله المتجسد، فإن كلمة الله ينطلق إلى سماواته ليرسل الروح القدس الذي يأخذ مما له -أمجاده- ويقدم لنا، أي يهبنا شركة الطبيعة الإلهية، ويدخل بنا إلى الحياة الجديدة. ليس لنا أن نسأل من الذي يُعِدُنا للآخر، الروح القدس للمسيح، أم المسيح للروح القدس، فإن الروح القدس ليس إلا روح المسيح غير المنفصل عنه. فالسيد المسيح يؤكد أنه "خير لنا" أن ينطلق ليرسل لنا روحه القدوس، والروح القدس الذي وُهب لنا بالمسيح في داخلنا إنما يهيئنا للعريس، إذ يصرخ مع العروس قائلًا للرب: "تعالَ" (رؤ 22: 17)، لكي يدخل بنا إلى أحضان أبيه. إننا لا نعزل الثالوث القدوس حتى وإن نسبنا لكل أقنوم عمله فينا، وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [لأننا إذ تكون لنا شركة في الروح القدس تكون لنا نعمة الكلمة، وتكون لنا أيضًا محبة الآب في الكلمة]، [عندما يُعطى لنا الروح القدس.. يصبح الله فينا]، [عندما يقال إن الروح القدس في إنسان، فإن هذا يعني أن الكلمة حالّ فيه مانحًا الروح القدس [5].] لا أريد الدخول في جدلٍ لاهوتي، لكنني أريد أن أوضح أن عمل الروح القدس هو تجديد حياتنا، بل هو "سرّ حياتنا"، هذا هو روح المسيح نفسه وعطيته، إذ هو مُرسل إلينا من عند الآب.. وقد هيّأ لمجيئه بالتجسد الإلهي، في هذا يقول القديس مار افرآم السرياني: [المجد لك يا من تركت سكناك لتقطن في موضع آخر، لكي تأتي وتجعلنا مسكنًا لروحك المرسل]، وبهذه السكنى نلبس السيد المسيح، فنوجد في أحضان الآب القدوس. هذا الالتحام بين التجسد الإلهي وعطية الروح القدس في تجديد حياتنا هو سرّ تعييد الكنيسة الأولي بعيدي الميلاد وعماد السيد المسيح في يومٍ واحدٍ،وكأن الكنيسة أرادت أن تربط في أذهان أولادها ميلاد ابن الله حسب الجسد بميلادنا نحن لله في المعمودية بالروح القدس. فقد أخلى ابن الله ذاته وقبِل طبيعتنا البشرية مولودًا حسب الجسد، لكي يفتح لنا بروحه القدوس ميلادًا روحيًا، فنتقبل غناه فينا، وصارت أغنية الكنيسة التي ترددها عبر الأجيال: "صار ابن الله ابنًا للإنسان، لكي يصير بنو البشر أبناءً لله". فيقول العلامة أوريجينوس: [صار مثلهم ليصيروا هم مثله، مشابهين صورة مجده (رو 8: 29). في مجيئه الأول صار مشابهًا لجسد تواضعنا (في 3: 21)، إذ أخلى نفسه وأخذ شكل العبد، حتى يدخل البشر إلى شكل الله، يجعلهم على شبهه [6].] هذا أيضًا ما قاله القديس إيريناؤس: [صار الله إنسانًا لكي يصير الإنسان إلهًا [7]]، والقديس إكليمنضس السكندري: [صار كلمة الله (اللوغوس) إنسانًا حتى تتعلم كيف يصير الإنسان إلها [8]]، والقديس يوحنا الذهبي الفم: [هكذا وُلد بالجسد حتى تولد أنت بالروح. ولد من امرأة لكي تكف عن أن تكون ابن امرأة [9]]، [صار ابنًا للإنسان لكي يصير بنو الإنسان أبناء الله [10].] في اختصار نقول إن سّرّ التجسد الإلهي غير المنطوق به هو احتضان اللاهوت لطبيعتنا، إذ اتحد بها اتحادًا سرّيًا فريدًا وفائقًا للعقل. أخذ طبيعتنا بكل مالها ما عدا الخطيئة ودخل بها إلى الأمجاد التي لا تُوصف دون أن يفقدها كيانها أو سماتها، إذ تحقق الاتحاد دون اختلاط بين اللاهوتّ والناسوت أو امتزاج بينهما أو تغيير، وفي نفس الوقت دون انفصال إلى الأبد. هكذا فتح الرب في ذاته طريقًا جديدًا لطبيعتنا، فوهبنا بروحه القدوس حق سُكناه فينا ودخولنا إلى شركة أمجاده، وحمل صورته الإلهية وختمه على أعضائنا وطاقاتنا، فنحسب بحق أولاد الله المتحدين بالابن وحيد الجنس. التجديد بين الصلب والقيامةإن كان كلمة الله بتجسده قد فتح لنا طريق قبول روحه القدوس الذي يجدد طبيعتنا خلال تقديمه اتحادنا في الكلمة، فإن هذا العمل قد كلّفه الكثير، فقد كان عليه أن يهدم الإنسان القديم وكل أعماله، ليقيم فينا الإنسان الجديد. كان لابد أن تتم عملية هدم وبناء في جسده الذي بلا خطيئة حتى يأخذ الروح القدس مما له -الموت والقيامة- ويقدمه لنا، فنموت عن إنساننا القديم ونقوم في جدة الحياة. لقد شرح السيد المسيح منهجه في الخلاص بقوله: "ليس أحد يجعل رقعةً من قطعةٍ جديدة على ثوبٍ عتيق. لأن المِلءَ يأخذ من الثوب فيصير الخَرق أردأَ. ولا يجعلون خمرًا جديدة في زقاقٍ عتيقة. لئَلاَّ تنشقَّ الزقاق، فالخمر تنصبُّ، والزقاق تتلف. بل يجعلون خمرًا جديدة في زقاقٍ جديدةٍ، فتُحفَظ جميعًا" (مت 9: 16-17؛ راجع مر 2: 12، 5: 36، 38). أنه لا يريد عملية "ترقيع" بين قديم وجديد، بل إزالة لما هو قديم، وإقامة ما هو جديد. لهذا حمل السيد موتنا في جسده ليهبنا فيه قوة قيامته. دفع الثمن بالكامل: موت وقيامة. في هذا يقول الرسول: "إن كان واحد قد مات لأجل الجميع، فالجميع إذًا ماتوا. وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات لأجلهم وقام.. إذًا إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياءُ العتيقة قد مضت. هوذا الكلُ قد صار جديدًا" (2 كو 5: 14-17). صلب السيد المسيح وقيامته هما "فصح" دائم، أي عبور للطبيعة البشرية من حالة الموت التي ملكت عليها إلى حالة القيامة، وتجديد مستمر لها، كقول الرسول بولس: "ونحن أموات بالخطايا أحيانا مع المسيح. بالنعمة أنتم مخلَّصون. وأقامنا معهُ وأجلسنا معهُ في السماويَّات في المسيح يسوع" (أف 1:2،5، 6). "لأنكم قد متُّم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله" (كو 3: 1-3). جدة المسيح تجعل أبعاد التاريخ في وضع فصحي، أي في واقع عبور من هذا العالم المليء بالخطايا والموت إلى عالم جديد أُفتتح بالقيامة [11] [NMH1]. هذا العالم الجديد هو الإنسان الروحي الداخلي الذي يحمل السمة السمائية الإسخاتولوجية (انقضائية)، سمة البرّ والقداسة: "وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البرّ وقداسة الحقّ" (أف 4: 24). هذه هي الخليقة الجديدة التي وُهبت لنا في العهد الجديد في المعمودية بالدفن مع السيد المسيح والقيامة معه: "فدُفِنَّا معهُ بالمعموديَّة للموت حتى كما أُقِيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضًا في جدَّة الحياة" (رو 6: 4). يحدثنا القديس أغسطينوس عن عمل موت المسيح وقيامته في تجديد طبيعتنا بقوله: [إذ شاركنا في موتنا وهبنا أن نصير شركاء معه. هكذا بموت البار الذي تم بمحض اختياره نزع موت الخطاة الذي حدث كحكم نستحقه [12].] ويقول القديس كيرلس الأورشليمي: [إذ تنزلون أمواتًا في خطايا تصعدون أحياءً في البرّ. فإن كنتم قد صرتم متحدين مع المخلص بشبه موته تصيرون أيضًا بقيامته (رو 6: 5). وكما حمل يسوع خطايا العالم ومات، حتى بإماتته للخطيئة نقوم في برّ، هكذا بنزولكم في الماء إذ تدفنون فيه كما دُفن هو في الصخرة تقومون أيضًا سالكين في جدة الحياة (رو 6: 4) [13].] _____ الحواشي والمراجع: [2] قداس الإلهي القبطي "باركت طبيعتي فيك". [3] دكتور جورج بباوي: شرح تجسد الابن الوحيد للقديس كيرلس الاسكندري، 1975، ص 11،12. [4] هذا النص وما يليه من نصوص مقتبسة من ترجمة الدكتور بباوي عن تفسير القديس كيرلس الاسكندري لإنجيل يوحنا ومن مقال للدكتور بباوي، عن: لماذا اعتمد المسيح؟ وفد نقل هذه النصوص القمص متياس فريد: التجسد والروح القدس،1981، ص 10. [5] رسائل أثناسيوس الرسولي عن الروح القدس، تعريب القس مرقس داود الناشر مدارس الأحد بالجيزة ص 106،51،79. [6] Comm. Matt. 12:29. [7] Adv. Haer 3:10:2;19:1. [8] Prot. 1; Strom 4:23; 7:3; 7:10; 7:13. [9] للمؤلف: الحب الإلهي، 1967، ص 283. [10] للمؤلف: القديس يوحنا الذهبي الفم، 1980، ص 295. [11] الأب جان كوربون: تجدد الكنيسة، ص 2. (منشورات مجلس كنائس الشرق الأوسط). [12] الحب الإلهي، ص 280. [13] Cat. hom 3:12. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
الميلاد الجديد بصعود السيد المسيح إلى السماوات أرسل إلينا روحه القدوس الذي يأخذ مما له ويخبرنا (يو 16: 14). ما الذي يأخذه الروح القدس ويقدمه لنا؟ إنه يأخذ أعمال السيد المسيح الخلاصية ويقدمها لنا، ففي مياه المعمودية يدخل بنا الروح القدس إلى الدفن مع المسيح والقيامة أيضًا معه، فنخرج من المعمودية أعضاء جسد المسيح القائم من الأموات الذي لا يشيخ ولا يقدم بل ينمو على الدوام بغير انقطاع متمتعًا بالحياة الجديدة. بهذا يتحقق اتحادنا مع السيد المسيح فننعم بالبنوة لله، إذ نصير خلال الابن الوحيد الجنس monogenyc `Uioc أبناء معه بالتبني، أي ليس حسب الطبيعة، وإنما خلال النعمة المجانية. هذا ما قصده الرسول بقوله: "لا بأعمالٍ في برّ عملناها نحن، بل بمقتضى رحمتهِ خلَّصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس" (تي 3: 5)، "مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي حسب رحمتهِ الكثيرة ولدنا ثانيةً لرجاءٍ حيٍّ بقيامة يسوع المسيح من بين الأموات لميراثٍ لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحلُّ، محفوظ في السماوات لأجلكم" (1 بط 1: 3-4). هذا ما قصده السيد المسيح نفسه في حديثه مع نيقوديموس: "الحقَّ الحقَّ أقول لك إن كان أحد لا يُولَد من الماءِ والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله" (يو 3: 5). ولم يستطع نيقوديموس معلم إسرائيل أن يفهم، لأنه لم يكن بعد قد أدرك أن يسوع هذا الذي يحدثه إنما يضم المؤمنين به إلى نفسه في المعمودية بالروح القدس، حتى يهبهم حياته المُقامة كعطية الميلاد الروحي الجديد. ولكي نتفهم هذا الميلاد الجديد بالروح القدس الذي به نلنا الطبيعة الجديدة يليق بنا أن نتعرف أولًا على ما قدمه العهد القديم من رموز ونبوات عن المعمودية، ثم نتفهم فاعلية المعمودية في حياتنا من واقع الكتاب المقدس خلال فكر الآباء، وأخيرًا نتفهم هذا السرّ الإلهي خلال الطقس الكنسي الأصيل مع شرح لبعض الأمور المتعلقة بالمعمودية، مثل معمودية الأطفال وارتباط المعمودية بسرّ الميرون. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
المعمودية المسيحية والعهد القديم
ليست المعمودية نظرية فكرية قدمتها كنيسة العهد الجديد للمتعة الفكرية، لكنها عمل إلهي مقدس يمس خلاص البشرية في صميمه والحياة الأبدية. فالمعمودية عنصر حيّ في خطة الله الخلاصية، لهذا كان الوحيّ الإلهي حريصًا كل الحرص أن يقدم لنا إعدادًا طويلًا وتدريجيًا عبر الأجيال خاصًا بالمعمودية، جنبًا إلى جنب مع الإعداد للتجسد الإلهي وذبيحة الصليب، بل أقول جاء الإعداد لهذه الأمور الإلهية المترابطة معًا لأنها في الحقيقة عمل خلاصي متكامل. وكما أنه لو تحقق التجسد الإلهي فجأة بلا مقدمات خلال رموز العهد القديم ونبواته لما استطاع أحد أن يقبله، هكذا لو أُعلن عن المعمودية بطريقة مفاجئة لما استطاع أحد أن يفهمها أو يتقبلها [14]. لقد أشار الكتاب المقدس في بداية أول أسفاره إلى ارتباط الروح القدس بالمياه، وانتهى العهد القديم بتقديم القديس يوحنا المعمدان كملاك سابق يهيئ الطريق للرب بالمناداة بالتوبة والتعميد. وفي العهد الجديد أشار القديس بولس إلى عبور البحر الاحمر كرمز للمعمودية (1 كو 10: 1-5)، والقديس بطرس إلى الطوفان (1 بط 3: 19-21)، والقديس يوحنا إلى صخرة حوريب (7: 38). وفي القرن الثاني وضع العلامة ترتليان [15] قائمة برموز المعمودية التي وردت في العهد القديم، وقام القديس ديديموس السكندري [16] بتطويرها وإعادة تقديمها، كما قدم لنا القديسان كيرلس الأورشليمي [17] وأمبروسيوس [18] قائمتين بها. وتحدث كثير من الآباء الأولين عن هذه الرموز، منهم برناباس ويوستين الشهيد وإيريناؤس. يليق بنا أن نوضح أن هذه الرموز -في فكر الآباء- لم تكن مجرد إيضاحات، لكنها إعلانات عن قوة المعمودية وفاعليتها كما كشفه التقليد كله [19]. إنها شهادات إلهية خلالها نستطيع أن نتفهم ماهية المعمودية وعملها في حياتنا. فإذ وُلدت المعمودية في أرض إسرائيل وحملت أسرارًا إلهية خلال الرموز والنبوات لذا نجد شرحًا لها خلال الطقس اليهودي الرمزي [20]. 1. روح الله يرف على وجه المياه يقول الوحي الإلهي: "وكانت الأرض خربةً وخاليةً وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرفُّ على وجه المياه" (تك 1: 2). هذا هو عمل الروح القدس، أنه في بدء الخلقة كان يرف على وجه المياه ليخلق العالم الصالح الجميل من الأرض الخالية الخربة. ولا يزال الروح الإلهي يحلّ على مياه المعمودية ليقدسها، فيقيم من الإنسان الذي أفسدته الخطيئة سماوات جديدة وأرضًا جديدة، عوض الأرض الخربة والخالية من كل صلاح. إنه يخلق من الإنسان الترابي (الأرض) نفسًا مقدسة متجددة (سماوات جديدة) وجسدًا مباركًا تُحسب أعضاؤه آلات برّ لله (أرضًا جديدة). * لقد أنجبت المياه الأولي حياة، لا يتعجب أحد إن كانت المياه في المعمودية أيضًا تقدر أن تهب حياة. * كان روح الله محمولًا على المياه هذا الذي يعيد خلقة من يعتمد. كان القدوس محمولًا على المياه المقدسة، أو بالأحرى على المياه التي تتقبل منه القداسة. بهذا تقدست المياه بالروح وتقبلت إمكانية التقديس. هذا هو السبب الذي لأجله إذ كانت المياه هي العنصر الأوّلي (للخلقة) حصلت على سرّ التقديس خلال التوسل لله [21]. العلامة ترتليان * تتم الخلقة الجديدة بواسطة الماء والروح وذلك كخلقة العالم، إذ كان روح الله يرف على المياه [22].القديس إكليمنضس السكندري * المياه هي بدء العالم، والأردن هو بدء الإنجيل [23].القديس كيرلس الأورشليمي يربط القديس ديديموس بين عمل الروح القدس في بدء الخلقة، وعمله وهو حال أثناء العماد.* إذ رأى الثالوث غير المنقسم ولا منطوق به منذ الأزل سقوط الطبيعة البشرية، وفي نفس الوقت أوجد الماء من العدم، أعدَّ للإنسان الشفاء المزمع أن يتم في المياه. هذا هو السبب الذي لأجله إذ حُمل الروح القدس على المياه ظهر مقدِسًا لها... وربطها بعملية الولادة (الإنجاب). بهذا يليق بنا أن نقرن الحقيقة معًا، فإنه من المهم أن نعرف أنه في اللحظة التي اعتمد فيها يسوع نزل الروح القدس على أمواج الأردن واستقر عليها [24]. القديس ديديموس السكندري يسأل القديس أمبروسيوس: لماذا يتم الميلاد الجديد في المياه؟ ويجيب أنه مكتوب "لتفض المياه ذات أنفس حية" (تك 1: 20)، وأفاضت المياه كائنات حيّة (مثل الأسماك). هكذا أنجبت المياه كائنات حيّة طبيعيًا بكلمة الله، والآن تلد المياه المقدسة بكلمة الله كائنات حيّة حسب النعمة، إذ نعيش نحن كالسمك، متمثلين بالسيد المسيح "السمكة الحقيقية". وقد سبق فرأينا أن كلمة "سمكة" باليونانية (إخسوس) تحمل الحروف الأولي للعبارة "يسوع المسيح ابن الله المخلص"، فصارت رمزًا للسيد المسيح كما ترمز للمؤمنين [25].هذا كله جعل العلامة ترتليان يربط بين الروح القدس وعمله في المياه المقدسة، حتى ليتصور أن الروح قد وجد له فيها مسكنًا. والعجيب أنه كان هناك تقليد سائد حتى بين اليهود بأن إبليس يحارب البشرية كتنين يسكن في المياه. لذلك جاء الطقس القبطي الخاص بالمعمودية المقدسة يحمل اتجاهين متكاملين هما تحطيم سلطان التنين (إبليس) القاطن في الأعماق، وقبول ملكوت المسيح الغالب للظلمة. ففي صلاة التقديس يقول الكاهن: "أنت رضضت رؤوس التنين على المياه". وكما يقول ليندبرج Lundberg: [في الليتورجيات القبطية والسريانية تستدعى قوة الله على المياه، فتُعلن كما أعلنت في الخلقة. إنها القوة التي تحوّل مياه الموت إلى مياه واهبة الحياة بطريقة سرية وذلك خلال التقديس [26].] وإنني أرجو أن أتحدث عن أهمية عنصر الماء في الخلقة الجديدة التي تتحقق في المعمودية عند حديثي عن "طقس المعمودية" في الباب الرابع. 2- فلك نوح والطوفان في بدء الخلقة يظهر الماء كعنصر أوّلي للخلقة حيث كان روح الله يرف على وجه الغمر ليخلق. أما في قصة الطوفان فيظهر الماء كأداة إدانة للعالم الشرير، وإن كان الفلك وسط المياه يظهر كأداة خلاص لنوح وعائلته حيث يدخل بهم إلى عالم جديد. تطلع الرسول بطرس إلى الطوفان والفلك، فرأى صورة رمزية حيّة للخلاص في المعمودية بموت السيد المسيح، الذي انطلقت نفسه إلى الجحيم تبشر الذين رقدوا على الرجاء. كما رأى الرسول في الطوفان إعلانًا لقبول السيد حكم الإدانة في جسده لكي يدخل بمؤمنيه إلى قوة القيامة. "فإن المسيح أيضًا تأَلَّم مرَّةً واحدة من أجل الخطايا، البارُ من أجل الآثمة لكي يقرّبنا إلى الله مماتًا في الجسد ولكن مُحيًى في الروح، الذي فيهِ أيضًا ذهب فكرز للأرواح التي في السجن، إذ عصت قديمًا حين كانت أناة الله تنتظر مرَّةً في أيام نوح، إذ كان الفلك يُبنَى، الذي فيهِ خلص قليلون أي ثماني أنفس بالماءِ. الذي مثاله يخلّصنا نحن الآن أي المعمودية. لا إزالة وسخ الجسد بل سؤال ضميرٍ صالحٍ عن الله بقيامة يسوع المسيح الذي هو في يمين الله، إذ قد مضى إلى السماء وملائكة وسلاطين وقوَّات مُخضَعَة لهُ" (1 بط 3: 18-21). لقد فتح القديس بطرس بحديثه عن الطوفان والفلك في رسالتيه طريقا للآباء للحديث عنهما كرمزٍ للمعمودية بفيضٍ. * كان الطوفان الذي طهّر العالم من شره القديم يحمل نبوة خفيّة عن تطهير الخطايا بواسطة الجرن المقدس. كان الفلك الذي خلّص من كان بداخله أيقونة للكنيسة المملوءة رهبة، وللرجاء الصالح الذي صار لنا بسببها. أما الحمامة التي أحضرت غصن زيتون إلى الفلك فأظهرت بهذا أن الأرض قد انكشفت، رسمت مجيء الروح القدس في المصالحة الذي كان من المزمع أن يتحقق من الأعالي، لأن الزيتون علامة السلام [27]. العلامة ترتليان * قصة الطوفان سرّ، محتوياتها كانت مثالًا للأمور العتيدة أن تتم، الفلك هو الكنيسة، ونوح المسيح، والحمامة الروح القدس، وغصن الزيتون هو الصلاح الإلهي. كما كان الفلك في وسط البحر حصنًا لمن في داخله، هكذا تُخلّص الكنيسة الهالكين. الفلك يُعطي حصانة أما الكنيسة فتفعل ما هو أعظم. كمثال احتوى الفلك الحيوانات غير العاقلة وحفظها، أما الكنيسة فأدخلت البشر الذين يسلكون بغير تعقل ولم تحصنهم فحسب وإنما أيضًا غيّرت طبيعتهم [28].القديس يوحنا الذهبي الفم * طارت حمامة الروح القدس نحو نوح بعد أن خرج الطائر الأسود (الغراب) وصارت كما لو كانت متجهة نحو المسيح في الأردن [29].القديس جيروم * خذوا شهادة أخرى (بجانب رمز الخليقة السابق): كل بشرٍ فسد بآثامه، إذ يقول الله: لا يبقى روحي بين الناس لأنهم بشر (تك 6: 3)، حيث يوضح الله أن نعمة الروح تتباعد بسبب الدنس الجسدي ونجاسة الخطيئة الشنيعة، التي بسببها أرسل الله الطوفان رغبة منه في استكمال ما كان ناقصًا.أٌمر نوح البار أن يدخل الفلك وإذ انتهى الطوفان أرسل نوح غرابًا فلم يرجع، ثم أرسل حمامة عادت بغصن زيتون،إنكم ترون الماء والخشبة والحمامة، فهل تقفون حيارى أمام السرّ؟ فالماء هو الذي يُغمر فيه الجسد لكي تُغسل فيه كل خطية جسدية، ويدفن فيه كل شر، والخشبة هي التي عُلق عليها الرب يسوع عندما تألم لأجلنا، والحمامة هي التي نزل الروح القدس على هيئتها كما قرأتم في العهد الجديد، ذاك الذي يهبكم سلام النفس وهدوء الفكر. والغراب هو رمز الخطيئة التي تذهب ولا ترجع، إذًا حفظ فيكم البرّ في الداخل والخارج [30]. القديس أمبروسيوس * يقول البعض أنه كما جاء الخلاص في أيام نوح بالخشبة والماء، وكان بدءً لخليقة جديدة، وكما عادت الحمامة إلى نوح في المساء بغصن زيتون، هكذا نزل الروح القدس على نوح الحقيقي مُوجد الخليقة الجديدة. لقد نزلت عليه الحمامة الروحية أثناء عماده لكي يظهر أنه هو الذي يمنح الخلاص للمؤمنين بخشبة الصليب، والذي وهب العالم نعمة الخلاص بموته نحو المساء [31].القديس كيرلس الأورشليمي استخدم القديس كبريانوس هذا الرمز كدليل على عدم قانونية معمودية الهراطقة والمنشقين، إذ يرى أنه لا خلاص إلا خلال معمودية الكنيسة الواحدة التي يمثلها فلك نوح الواحد. يقول: [لكي يُظهر بطرس (1 بط 3: 18-21) أن الكنيسة واحدة، وأن الذين في داخلها هم وحدهم الذين يمكن أن يخلصوا. قال أنه في فلك نوح ثمانية أنفس فقط خلصوا بالماء، الأمر الذي تفعله المعمودية بالنسبة لكم. لقد برهن أن فلك نوح كان رمزًا للكنيسة الواحدة. فلو أنه في ذلك الوقت كان يمكن لإنسان أن يخلص وهو خارج فلك نوح حين كان العالم يعتمد لكي يتطهر ويخلص، هكذا يمكن الآن لإنسان خارج الكنيسة أن يخلص بالمعمودية [32].]لقد أشار الرسول بطرس إلى عدد الذين خلصوا في الفلك أي ثمانية أنفس، حيث رقم "8" يشير للحياة المقامة، أي الحياة ما بعد الزمن (7 أيام الأسبوع)، وقد قام الرب في أول الأسبوع الجديد أي اليوم الثامن بالنسبة للأسبوع السابق. ورأى الرسول بطرس في نوح أنه الثامن (2 بط 2: 5). وقد شغل هذا الرقم ذهن كثير من الآباء، نعطي هنا بعض الأمثلة: جاء في المعارف الاكلمندية أن سبعة أجيال سبقت نوح [33]، فجاء نوح يمثل الجيل الثامن أو اليوم الثامن الذي لقيامة الرب. فارتبط خلاصنا بقيامة السيد، وصارت راحتنا في هذا اليوم الجديد أو السبت الجديد. ويقول الشهيد يوستين: [في الطوفان تحقق سرّ خلاص البشر. فإن نوحًا البار ومعه أناس الطوفان الآخرين، أي زوجته وأولاده الثلاثة ونساء بنيه يكَّونون (رقم) ثمانية. هكذا يظهرون رمزًا لليوم الثامن الذي فيه ظهر مسيحنا قائمًا من الأموات، ويظهر هكذا على الدوام، ويحمل ضمنًا اليوم الأول. لأن المسيح هو بكر كل الخليقة، قد صار في معنى جديد رأسًا لجنس آخر حيث تجدد هذا الجنس بالماء والخشبة اللذين وُجدا في سرّ الصليب، إذ خلص نوح بخشبة الفلك حين حمله الماء هو وعائلته... لقد غرقت كل الأرض كقول الكتاب، وواضح أن الله لا يتكلم عن الأرض بل عن الناس... وذلك لكي يظهر مقدمًا كل هذه الرموز في وقت الطوفان. أقصد الذين قد تهيّأوا بالماء والإيمان والخشبة، الذين تابوا عن خطاياهم، هؤلاء يهربون من دينونة الله العتيدة [34].] 3- عبور البحر الاحمر والسحابة يقول القديس بولس: "ولست أريد أيُها الأخوة أن تجهلوا أن آباءَنا جميعهم كانوا تحت السحابة، وجميعهم اجتازوا في البحر، وجميعهم اعتمدوا لموسى في السحابة وفي البحر" (1 كو 10: 1-2). وكأن الرسول بولس قد رأى كنيسة العهد القديم في أيام موسى النبي قد اجتازت المعمودية رمزيًا. فالبحر يشير إلى جرن المياه، والسحابة التي ظللتهم تشير إلى الروح القدس، كقول الكتاب: "أرسلت روحك فغطّاهم" (خر 15: 10). ظهرت رمزية عبور البحر الاحمر للمعمودية في العهد القديم نفسه، إذ رأى إشعياء النبي ذراع الرب (رمز للمسيح) يستيقظ من القبر محطمًا العدو إبليس أو التنين الساكن في أعماق المياه، فاتحًا طريق النصرة لكي يعبر أولاده وسط المياه ويخلصوا. يقول النبي: "استيقظي استيقظي، البسي قوةً يا ذراع الرب. استيقظي كما في أيام القدم، كما في الأدوار القديمة. أَلستِ أنتِ القاطعة رَهَب، الطاعنة التنين؟! أَلستِ أَنتِ هي المُنَشِّفة البحر مياه الغمر العظيم، الجاعلة أعماق البحر طريقًا لعبور المفديين؟! ومفديُّو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بالترنم، وعلى رؤُوسهم فرح أبدي. ابتهاج وفرح يدركانهم. يهرب الحزن والتنهُّد" (إش 51: 9-11). إنها ثلاث صرخات: "استيقظي، استيقظي، استيقظي" وكأنها إعلان عن قوة القيامة المعلنة في اليوم الثالث، التي تُوهب لمفديي الرب في المعمودية خلال الغطسات الثلاث باسم الثالوث القدوس. مرة أخرى يطلب من السيد الذي عمل في القديم خلال رمز العبور، أن يعمل الآن ليعبر بمفديّيه وسط المياه ويدخل بهم إلى "الفرح الأبدي" الذي هو ملكوت الله الذي يهرب منه الحزن والتنهد. رأى النبي هلاك التنين وطعنه هذا الذي هو قاتل للبشر! هكذا رأى إشعياء النبي في العبور مفاهيم لاهوتية حيّة لعمل المعمودية في حياة المؤمنين، ونصرتهم خلال الرب الذي قام وأقامهم معه، وتحطيم إبليس التنين القديم. هذه الصورة تبقى حيّة وأبدية، إذ رآها القديس يوحنا الحبيب تتحقق بصورة أخرى في الكنيسة الممجدة في السماء: "ورأيت كبحرٍ من زجاج مختلط بنارٍ، والغالبين على الوحش وصورتهِ وعلى سِمَته وعدد اسمهِ واقفين على البحر الزجاجيّ معهم قيثارات الله. وهم يرتّلون ترنيمة موسى عبد الله وترنيمة الخروف..." (رؤ 15: 2-3). فالبحر الزجاجي هو مياه المعمودية حيث يظهر الروح القدس كنارٍ ملتهبةٍ، يقف فيها أولاد الله غالبين الوحش ومتهللين كما فعل موسى عند عبوره البحر الحمر، يرتلون ترنيمته التي كانت رمزًا لتسبحه الخلاص الحقيقي خلال حمل الله! فيما يلي مقتطفات من كلمات الآباء عن العبور كرمز للمعمودية المسيحية: * عندما ترك الشعب مصر بإرادته، وهربوا من سلطان ملك مصر بعبورهم الماء، أهلك الماء الملك وكل جيشه. أي شيء أكثر وضوحًا من هذا كرمز للمعمودية؟! فالشعوب تخلص من العالم بواسطة الماء، إذ يتركون الشيطان الذي كان يطغي عليهم، فيهلك في الماء [35]. العلامة ترتليان * يريد (فرعون وجنوده) أن يصلوا إليك، لكنك إذ تنزل في المياه تخرج منها إنسانًا صحيحًا سليمًا، حيث تغتسل فيها من نجاسات الخطيئة لتصعد إنسانًا جديدًا مستعدًا للتسبيح بالنشيد الجديد (إش 42: 10) [36]. العلامة أوريجينوس * البحر الاحمر الذي تَقّبل الإسرائيليين الذين لم يخافونه، هذا الذي خلصهم من الشرور التي أضمرها لهم المصريون المقتفون آثارهم، كان -كل تاريخ الخروج- رمزًا للخلاص الذي يتم في المعمودية.مصر في الحقيقة ترمز هنا إلى العالم الذي نمارس فيه شقاءنا بالحياة الشريرة التي نعيشها، والشعب هم الذين يستنيرون (يعتمدون)، والماء هو واسطة الخلاص للشعب يمثل المعمودية. فرعون وجنوده رمز للشيطان وأعوانه [37]. القديس ديديموس الضرير * خلاص إسرائيل من فرعون كان خلال البحر، وخلاص العالم من الخطيئة يتم بغسل الماء بكلمة الله (أف 5: 26) [38].القديس كيرلس الأورشليمي * لقد قدم لنا ما يخص خروج إسرائيل لكي نعرف الذين يخلصون بالمعمودية... البحر هو رمز للمعمودية، فخلص الشعب من فرعون كما تخلص أنت من طغيان إبليس في المعمودية. أهلك البحر العدو، وفي المعمودية تُقتل عداوتنا لله. خرج الشعب من البحر أصحاء وسالمين، ونحن أيضًا نخرج من الماء كمن هم أحياء يخرجون من بين الأموات. * لو لم يعبر إسرائيل البحر لما نجا من فرعون، وأنت إن لم تدخل المياه فلن تهرب من طغيان الشيطان القاسي [39]. القديس باسيليوس الكبير * عبور البحر الاحمر كقول القديس بولس نفسه هو نبوة عن سرّ المعمودية... في الحقيقة إذ يقترب الشعب الآن إلى مياه التجديد، يكونون كمن يهربون من مصر التي تشير إلى الخطيئة (في ذاك الوقت)، فيتحررون ويخلصون، أما إبليس وأعوانه مع أرواح الشر فيهلكون. * تلقي الشهوات بنفسها في المياه لكي تقتفي أثر العبرانيين، لكن المياه التي تمثل عنصر حياة بالنسبة للذين يلتجئون إليها تكون عنصر موت للذين يقتفون أثرهم [40]. القديس غريغوريوس أسقف نيصص * أي شيء أعظم من عبور البحر بواسطة الشعب اليهودي؟! ومع هذا فإن اليهود الذين اجتازوه مات جميعهم في البرية! أما الذي يعبر هذا الينبوع (المعمودية) أي يجتاز من الأرضيات إلى السماويات، فيُحسب ذلك بحق تحول أو عبور، عبور من الخطيئة إلى الحياة، فلا يموت بل يقوم.* عمود السحاب هو الروح القدس. فقد كان الشعب في البحر، وكان عمود النور يتقدمهم، عندئذ تبعهم عمود السحاب كظل للروح القدس. ها أنت ترى كيف ظهر بوضوح الروح القدس والماء كمثال للمعمودية [41]. القديس أمبروسيوس أخيرًا يرى القديس كبريانوس في هلاك فرعون وجنوده رمزًا لجحد الشيطان وملائكته أثناء ممارسة طقس العماد، حيث ينال طالب العماد قوة للغلبة على قوات الظلمة والتحرر من سلطانهم [42].4. مياه "مارة" في طقس الكنيسة القبطية يصلي الكاهن أثناء تقديس مياه المعمودية قائلًا: "أنت أمرت الصخرة الصماء فأفاضت الماء لشعبك، وأيضًا المياه المُرّة نقلتها إلى مياه حلوة..." هكذا تتطلع الكنيسة إلى تحويل مياه "مارة" المُرّة إلى مياه حلوة كرمز للمعمودية. * كانت مارة عين ماء شديدة المرارة، فلما طرح فيها موسى الشجرة أصبحت مياهها عذبة، لأن الماء بدون الكرازة بصليب الرب لا فائدة منه للخلاص العتيد، ولكن بعد أن تكرس بسرّ صليب الخلاص يصبح مناسبًا لاستعماله في الجرن الروحي وكأس الخلاص. إذ كما ألقى موسى النبي الخشبة في تلك العين، هكذا أيضًا ينطق الكاهن على جرن المعمودية بشهادة صليب الرب، فيصبح الماء عذبًا بسبب النعمة [43]. القديس أمبروسيوس 5. عبور يشوع نهر الأردنفي الليتورجيا القبطية وأيضًا الإثيوبية الخاصة بتقديس مياه المعمودية -بعد الإشارة إلى المياه الخاصة ببدء الخليقة والطوفان وعبور البحر الاحمر ومياه مارة وصخرة حوريب- ورد الحديث عن مجموعة أخرى هي: "عبور يشوع بن نون نهر الأردن، وقبول ذبيحة إيليا بالماء، وشفاء نعمان السرياني في نهر الأردن. وقد ورد الحديث عنها في أعمال العلامة أوريجينوس السكندري ومن بعده أخذها الآباء عنه، لذا يرى دانيلو أن هذه المجموعة إسكندرانية المنشأ، نشأت عن التقليد الليتورجي لكنيسة الإسكندرية، وإن ما جاء عنها في أعمال أوريجينوس لا يمثل رأيًا شخصيًا بل يعكس فكر كنيسته وتقليدها في ذلك الحين [44]. يرى العلامة أوريجينوس في عبور يشوع بن نون نهر الأردن رمزًا للمعمودية أفضل من عبور موسى النبي البحر الاحمر، وإن كان لا ينكر ما للأخير من أهمية كمركز للمعمودية: أ. في معمودية موسى والشعب خلال البحر الاحمر والسحابة وُجدت مشقة بل وملحًا، إذ كانوا يخافون عدوهم (فرعون وجنوده)، بل صرخوا للرب ولموسى قائلين: هل لأنه لا توجد قبور في مصر أتيت لتهلكنا في البرية؟! (خر 14: 11)، أما معمودية يشوع فحدثت في مياه هادئة عذبة يمكن شربها، وهي بهذا أشرف من المياه السابقة، لأن الإيمان في عهد يشوع كان قد نما وأصبح واضحًا منظمًا. ب. في عبور يشوع بن نون تقدم الشعب تابوت العهد يحمله الكهنة واللاويين ثم تبع الشعب خدام الله بعد أن تطهروا (يش 3: 5). يرى العلامة أوريجينوس في حمل الكهنة للتابوت أثناء العبور إشارة واضحة إلى تدبير الآب الخاص بالابن الذي رفعه وأعطاه هذه الخدمة حتى تجثو له كل ركبة مما في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع هو رب لمجد الله الآب (في 2: 9-11). ج. تم الفصح قبل عبور البحر الاحمر، أما في أيام يشوع فاحتفلوا بالفصح بعد العبور، وقد اختتنوا بحجر حاد علامة هلاك الإنسان القديم الشرير، ونزع العار عنهم. د. بعد العبور أكلوا الفصح بخبزٍ غير مختمر من قمح أرض الميعاد، فتمتعوا بطعام جديد غير المن، وكأنهم كانوا يأكلون من طعام أورشليم الجديدة العليا. ه. بعد عبور نهر الأردن سقطت أريحا إشارة إلى هلاك الإنسان القديم الشرير [45]. يقول أيضًا إن من يذهب إلى الأردن لا يهرب إليه في صمت، بل يحمل معه الأبواق التي تعلن الأسرار الإلهية، كارزًا بالبوق السماوي [46]. لقد حملوا من وسط قاع نهر الأردن اثني عشر حجرًا وعبروا بها النهر، وكأنما قد انطلقت الكنيسة -حجارة الله الحيَّة- إلى الوجود خلال مياه المعمودية، كل إنسان يصير حجرًا حيًا في هيكل الرب. * يقدم لنا يشوع بن نون رمزًا للمسيح بطرق كثيرة. فبعد عبوره الأردن بدأ يمارس قيادته للشعب، لهذا اعتمد المسيح أولًا ثم بدأ حياته العملية. أقام ابن نون اثني عشر رجلًا لتقسيم الميراث، وأرسل يسوع اثني عشر رسولًا إلى كل العالم يكرزون بالحق. الذي كان رمزًا أنقذ راحاب لأنها آمنت، والذي هو الحق قال أن العشارين والزناة يسبقونهم إلى ملكوت الله. سقطت أسوار أريحا لمجرد سماعها صوت الأبواق في وقت الرمز، وبكلمة يسوع سقط هيكل أورشليم أمام أعيننا ولم يبقَ حجر على حجر [47]. القديس كيرلس الأورشليمي * يشوع بن نون العبد مدبر العهد القديم، ويسوع ابن الله مدبر العهد الجديد. هناك تابوت العهد من الخشب الميت وقد زُين بصفائح ذهب، أما هنا فتابوت العهد هو ناسوت المسيح من لحم ودم حيّ طاهر مزيّن بالروح القدس. هناك اثنا عشر حجرًا صماء بلا روح، وهنا اثنَا عشر تلميذًا ورسولًا روحيون ومقدسون. لقد انشق الأردن ووقفت المياه النازلة من فوق في جانب واحد، بينما نزلت المياه المنحدرة نحو البحر المالح. هنا يظهر فرق الإيمان بالمسيح بين المؤمنين وغير المؤمنين. فيقف المؤمنون والمولودون من الماء والروح في جانب واحد على العذوبة ككنيسة واحدة مؤسسة على صفات الإيمان، بينما ينحدر غير المؤمنين النازلون إلى أسفل نحو البحر المالح الذي هو البحر الميت، وإلى ملوحة الكفر. القديس أثناسيوس الرسولي * لم يتسلم الشعب العبراني أرض الموعد قبل عبوره الأردن تحت قيادة يشوع، وقد أقام اثني عشر حجرًا في النهر كرمز واضح للاثني عشر خادمًا للمعمودية.* لقد تمجد الأردن لأنه يجدد أناسًا، ويزرعهم في فردوس الله [48]. القديس غريغوريوس أسقف نيصص 6. قبول ذبيحة إيليا على جبل الكرمل (1 مل 18)* قرّب إيليا عجلًا على جبل الكرمل، وقطّعه إربًا، وبنى مذبحًا، ووضع عليه حطبًا والقربان على الحطب، ثم أمر أعوانه وصحبه فحفروا خندقًا مثالًا للمعمودية، وأن يصبّوا على ذلك كله ماءًا فصبّوا، وقال لهم ثنوا فثنوا، وثلثوا فثلثوا قياسًا لتثليث غطسات المعمودية، وامتلأ الخندق ماءً. ثم صلى إلى الرب أن يستجيبه بنارٍ، فنزلت نار من السماء فأكلت القربان والحطب والماء ولحست الأرض، تحقيقًا لقبول الرب القربان والماء، ومثالًا لنزول الروح القدس على ماء المعمودية وعلى قربان المذبح.. ومن بعد ذلك تمكن إيليا من أعدائه الكفرة كهنة إبليس، وقتلهم مثالًا لتمكن المؤمن بالمسيح من بعد المعمودية والقربان، من أعدائه -إبليس والشياطين- بعون الرب [49]. القديس أثناسيوس الرسولي * بهذا تنبأ إيليا بوضوح مُقدمًا عن سرّ المعمودية العتيد أن يتحقق. نزلت النار على المياه التي سًكبت ثلاث مرات ليظهر أنه حيث يوجد الماء السرائري يكون الروح الذي يهب حياة ويحرق ويلهب، يبيد الشرير (الإنسان القديم) وينير المؤمن [50].القديس غريغوريوس النيسي 7. عبور إيليا نهر الأردن* يليق بنا أن نلاحظ أنه قبل أن يُحمل إيليا في الزوبعة كما إلى السماء، أخذ رداءه ولفَّه ثم ضرب به الماء فانشق إلى اثنين وعبر هو وإليشع (2 مل 2: 8). بهذا اعتمدا في الأردن، لأن بولس كما سبق فقلت دعي عبور هذه المياه العجيب عمادًا. بهذا تهيأ إيليا للارتفاع [51]. العلامة أوريجينوس * ارتفع إيليا إلى السماء، ولكن ليس بدون ماء. لقد بدأ بعبور الأردن بعد ذلك حملته المركبة إلى السماء [52].القديس كيرلس الأورشليمي 8. شفاء نعمان السرياني (2 مل 5)بمشورة فتاة صغيرة أسيرة لدى الآراميين جاء نعمان السرياني بخيله ومركباته ووقف عند باب بيت إليشع يطلب الشفاء من برصه. لم يخرج إليه إليشع بل أرسل إليه يقول: "اذهب واغتسل سبع مرات في الأردن فيرجع لحمك إليك وتطهر". تذمر نعمان قائلًا: "هوذا قلت أنه يخرج إليَّ ويقف ويدعو باسم الرب إلهه ويردّد يده فوق الموضع فيشفي الأبرص، أليس ألبانه وفرفر نهرا دمشق أحسن من جميع مياه إسرائيل؟! أما كنت أغتسل بهما فأطهر؟!" ورجع ومضى بغيظ، لكن أشار إليه عبيده أن يطيع كلمات النبي، فأطاع ورجع لحمه كلحم صبيٍ صغيرٍ وطهر، فرجع إلى رجل الله هو وكل جيشه ودخل ووقف أمامه. جذب هذا الرمز أنظار آباء مدرسة السكندرية، إذ رأوا فيه صورة حيّة للمعمودية المسيحية، وقبل أن نورد بعض تعليقات هؤلاء الآباء وغيرهم أود أن أوضح في هذا الرمز أن نعمان لم يلتقِ مع إليشع قبل دخوله نهر الأردن مع أنه كان عند بابه، ولكنه تلاقى معه بعد دخوله النهر. فإنه لا يستطيع أحد أن يدخل في شركة مع السيد المسيح ما لم يتقبل أولًا الميلاد الجديد في المعمودية. هذا ونلاحظ أيضًا أن ملك إسرائيل شق ثيابه عند قراءته خطاب ملك آرام، وقال: "هل أنا الله، لكي أٌميت وأحيّي حتى أن هذا يرسل إليَّ أن أشفي رجلًا من برصه؟!" فنطق الملك بنبوة عن قوة المعمودية دون أن يدري، إذ ليس في قدرة إنسان أو خليقة ما أن يهب التجديد في مياه المعمودية بل هو عمل الله نفسه الذي يغسلنا من برص الخطية، هو الذي يميت إنساننا القديم ويحي إنسانًا جديدًا فينا. أما شق الثياب فعلامة نزع المُلك عن إسرائيل القديم ليحل ملك جديد، من نوع آخر، ملكوته روحي أبدي. * لكي نفهم معنى الأردن الذي يطفئ الظمأ ويروي النعم، من المفيد لنا أن نشير أيضًا إلى نعمان السرياني الذي برأ من البرص... ليس نهر آخر ينزع البرص من الإنسان إلا ذاك النهر الواحد (الأردن)، إن دخله الإنسان بإيمان وغسل نفسه في يسوع! السبب في ذلك أن الذين يغتسلون فيه يخلصون من عار مصر (محبة العالم). [إذ عبر فيه يشوع بعد ترك مصر والبرية]، ويصيرون قادرين على الصعود إلى السماء [عبر فيه إيليا قبل ارتفاعه]، ويتطهّرون من البرص المرعب للغاية [نعمان السرياني]، بهذا يصيرون متأهلين لقبول الروح القدس [53]. * لم يتطهر أحد إلا نعمان السرياني الذي ليس من إسرائيل. انظر، إن الذين يغتسلون بواسطة إليشع الروحي الذي هو ربنا ومخلصنا يتطهرون في سرّ المعمودية، ويغتسلون من وصمة الحرف (الذي للناموس). لقد قيل لك: قم، اذهب إلى الأردن واغتسل، فيتجدد جسدك. لقد قام نعمان وذهب واغتسل رمزًا للمعمودية، فصار جسمه كجسم صبيٍ صغيرٍ. من هو هذا الصبي؟ إنه ذاك الذي يُولد في جرن التجديد [54]. العلامة أوريجينوس * أعلن إليشع النبي مُقدمًا عن غنى مياه المعمودية غير الموصوف. وفي نفس الوقت أشار إلى أنه سيمتد إلى كل الذين يرغبون في قبول الإيمان، فقد أرسل نعمان الأبرص الذي كان غريبًا الذي طلب الشفاء، وأمره أن يغطس سبع مرات في الأردن.لقد أوضح له أنه يلزمه أن يغطس سبع مرات، لكي يتعلم هذا الغريب أن الله استراح في اليوم السابع، أو لأنه كان يشير إلى الروح الإلهي بطريقة رمزية [55]. القديس ديديموس الضرير * مجيء نعمان السرياني وشفاؤه باستحمامه في مياه الأردن كان قياسًا لنقاء أنفس المؤمنين المعتمدين بالمسيح من خطاياهم. وكان الموضع الذي استحم فيه نعمان في نهر الأردن هو الذي وقف فيه تابوت الرب على عهد يشوع بن نون، وفيه تعمد المسيح ابن الله فحقق الرسم بالحقيقة [56].القديس أثناسيوس الرسولي يعلق القديس على شفاء نعمان السرياني، قائلًا:* في الحقيقة الأردن وحده بين كل الأنهار تقبَّل باكورة التقديس والبركة، وأفاض كينبوع نعمة المعمودية على العالم كله [57]. القديس غريغوريوس النيسي * الشعب الذي -كان غريبًا- كانوا بُرصًا قبل عمادهم في النهر السرّي، هؤلاء يتطهرون بسرّ المعمودية من وصمات نفوسهم وأجسادهم. حقًا لقد أُعلن للأمم عن خلاصهم المقبل خلال مثال نعمان [58].القديس أمبروسيوس * افهموا الآن من هي تلك الفتاة الصغيرة بين الأسرى؟ إنها الجماعة التي جُمعت من الأمم، كنيسة الله التي كانت مستعبدة قديمًا في أسر الخطيئة عندما لم تكن لها حرية النعمة، هذه التي بواسطة تدبيرها سمع الناس الأغبياء من الأمم كلمة النبوّة التي كانوا يُشّكون فيها قبلًا، ولكن بعدما آمنوا أنه ينبغي أن تُطاع اغتسلوا من دنس الخطيئة. لقد شك نعمان قبل أن يبرأ، أما أنتم فقد برئتم فلا ينبغي إذن أن تشكّوا [59].القديس أمبروسيوس 9. إخراج الفأس من الماء (2 مل 6)إذا أراد بنو الأنبياء أن يقيموا لأنفسهم بيوتًا استأذنوا إليشع النبي فسمح لهم، وبينما كان أحدهم يقطع خشبة سقطت الفأس الحديدية في الماء، فألقى النبي خشبة في الماء فللحال طفت الفأس على وجه المياه، هذا الرمز كما يقول القديس أمبروسيوس يكشف عن عجز القوة البشرية عن الخلاص، والحاجة إلى قوة الله لخلاصنا في المعمودية [60]. * ألقى إليشع قطعة خشب على مجرى الأردن، فاسترد من الماء حديد الفأس الذي أراد أبناء الأنبياء أن يقطعوا به الخشب لبناء بيوتهم. هكذا خلصنا مسيحنا في المعمودية من خطايانا الثقيلة بصلبه على الخشبة والعماد في الماء. القديس يوستين * إليشع رجل الله الذي سأل: أين سقطت الفأس؟ (2 مل 6) كان رمزًا لله الذي يأتي بين البشر، هذا الذي سأل آدم: أين أنت؟سقوط الحديد في الأعماق المظلمة هو رمز لثقل الطبيعة البشرية الخالية من النور. الخشبة التي أٌخذت وأٌلقيت في الموضع حيث كان الشيء الذي يبحث عنه ترمز للصليب المجيد. الأردن هو المعمودية الخالدة. حقًا، من أجلنا عيَّن خالق الأردن أن يعتمد في الأردن. أخيرًا فإن الحديد الذي طفا على المياه وعاد إلى من قد فقده يشير إلى أننا في المعمودية نصعد إلى الأعالي السماوية، ونجد النعمة التي هي مسكننا الحقيقي القديم. لو أن إنسانًا ظن أن هذا الموضوع ليس نبوة عن المعمودية، فلماذا سجله الكتاب المقدس؟! [61] القديس ديديموس الضرير * كما أن الحطب الذي من طبعه الخفة لما أُلقي في الماء في أيام إليشع أخرج الحديد من طبعه الثقيل (2 مل 6: 16)، فكم بالأحرى يرسل الرب إلينا روحه الخفيف النشيط الصالح السماوي وبواسطته يخرج النفس التي غطست في مياه الإثم، ويُصيّرها خفيفة، ويرفعها على جناحه تجاه أعالي السماء، ويغير طبيعتها الأصلية تغيرًا كاملًا.وكما أنه في الأمور المنظورة لا يقدر أحد من نفسه أن يجتاز البحر ويعبره، إلا إذا كان له قارب خفيف مصنوع من الخشب يسير على المياه، لأن من يزعم أن يسير على البحر يغرق ويهلك، هكذا لا يمكن للنفس أن تعبر بذاتها بحر الخطيئة المُرّ وتعلو عليه وتجتاز الهُوّة الصعبة التي هي هُوَّة قوات الظلمة الخبيثة في الهواء، إلا إذا أحرزت روح المسيح اللطيف السماوي الخفيف الذي يسير بها ويعبر بها من كل خبث. بواسطة هذا الروح يمكنها أن تصل إلى ميناء الراحة السماوية من معبر ضيّق إلى مدينة الملكوت [62]. القديس مقاريوس الكبير في شرحنا لسفر الخروج [63] رأينا أن الأشرار قد شُبهوا بالرصاص الذي هبط في الأعماق (خر 15: 5-10)، فالشر كالرصاص يجعل النفس تهبط (زك 5: 8)، أما القديسون فلا يغوصون بل يمشون على المياه، إذ ليس فيهم ثقل الخطيئة. هذا هو عمل الروح القدس، ففي المعمودية يُنزع الرصاص عنهم لكي يصيروا خفيفي الوزن. وكما يقول العلامة أوريجينوس: [لقد مشى ربنا ومخلصنا على المياه (مت 14: 25)، هذا الذي بالحقيقة لا يعرف الخطيئة، ومشى تلميذه بطرس مع أنه ارتعب قليلًا إذ لم يكن قلبه طاهرًا بالكلية، إنما حمل في داخله شيئًا من الرصاص... لهذا قال الرب: يا قليل الإيمان لماذا شككت؟ فالذي يخلص إنما يخلص كما بنار (1 كو 3: 15). حتى وإن وُجد فيه رصاص يُصهر [64].]10. رؤيا حزقيال (47: 1-12) في ليتورجيا تبريك المياه في عيد الغطاس حسب الطقس القبطي تُقرأ هذه الرؤيا التي تقدم صورة حيّة لعمل المعمودية المسيحية من جوانب متعددة، نذكر على سبيل المثال، وبشيء من الاختصار: أ. رأى حزقيال النبي مياه نازلة من تحت عتبة البيت نحو المشرق، من الجانب الأيمن عن جنوب المذبح. ما هو هذا البيت المتجه نحو المشرق إلا كنيسة العهد الجديد التي تتجه نحو المسيح مشرقها، وتحتضن المذبح المقدس، حيث تقدم عليه ذبيحة العهد الجديد؟! أما هذه المياه التي عند عتبة البيت، بدونها لا يقدر أحد أن يدخل البيت المقدس، هي مياه المعمودية المقدسة التي تحمل قوتها خلال الذبيحة، كقول الرسول: "الذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة: الروح والماء والدم، والثلاثة هم في واحد" (1 يو 5: 8). هذه هي المعمودية المسيحية التي من فعل الروح القدس الذي يعمل في المياه خلال دم السيد المسيح. ب. رأى حزقيال النبي رجلًا قاس ألف ذراع وعبر به إلى المياه ثم قاس ألفًا ثانية فثالثة وعند الرابعة يقول: "وإذا بنهر لم استطع عبوره، لأن المياه طمت، مياه سباحة نهر لا يُعبر، وقال لي: أرأيت يا ابن آدم؟ ثم ذهب بي وأرجعني إلى شاطئ النهر" (حز 5: 5-6). ما هذا المنظر إلا العبور بحزقيال النبي إلى أسرار المعمودية. نحن نعرف أن رقم 1000 يشير إلى "الحياة السماوية" لأن يومًا واحدًا عند الرب كألف سنة وألف سنة كيومٍ واحدٍ، أما تكرار الألف أربع مرات فلأن المعمودية تفيض بالحياة السماوية على المسكونة في المشارق والمغارب والشمال والجنوب، لكي تحتضن كل الأمم والشعوب. عندئذ إذ تأمل النبي أسرار المعمودية وجدها تفوق كل إدراكه، مثل نهر لا يُمكن عبوره، فالتزم بالعودة إلى الشاطئ يتأمل عمل الله مع الناس خلال هذه المياه المقدسة. ج. سُئل النبي: أرأيت يا ابن آدم؟ هذا السؤال يذكرنا بقول الله لآدم: "أين أنت؟". فإن كان آدم قد فقد بهاء طبعه وأمجاده في الفردوس، الآن يستعيد ما قد فقده... هذا هو سرّ السؤال التعجبي! د. عند رجوعه إلى الشاطئ رأى النبي أشجارًا كثيرة جدًا من هنا ومن هناك [ع 7]. هذه صورة رمزية للمؤمنين المغروسين على مجاري المياه، الذين يعطون ثمرهم في الوقت المناسب وورقهم لا يذبل، وكل ما يصنعونه ينجحون فيه (مز 1: 3). هؤلاء هم المؤمنون الذين تمتعوا بالروح القدس كينبوع مياه حيّة يرويهم، فصاروا أشجارًا كثيرة جدًا في فردوس الرب. ه. رأى أيضًا السمك كثيرًا جدًا [ع 9]... رأى أنواعًا كثيرة كسمك البحر العظيم كثيرًا جدًا [ع 10]. كما تشير الأشجار المثمرة الكثيرة جدًا إلى المؤمنين الذين تمثَّلوا بالمسيح شجرة الحياة، هكذا يشير السمك الكثير جدًا، ذو الأنواع الكثيرة إلى المؤمنين أيضًا الذين تمثَّلوا بالسيد المسيح السمكة (إخسوس)، يعيشون في مياه المعمودية [65]. يقول العلامة ترتليان: [نحن السمك الصغير بحسب سمكتنا يسوع المسيح قد وُلدنا في المياه، ولا نكون في أمان بطريق ما غير بقائنا في المياه على الدوام.] و. يتحدث النبي أيضًا عن تقديس مياه المعمودية بقوله: "لان مياهه خارجة من القدس" [ع 12]. 11. مزمور 22 (23) يرى كثير من آباء الكنيسة في هذا المزمور تسبحة جميلة تغنى بها داود النبي حين لمس رعاية الله في حياة كل عضو من أعضاء شعب الله خلال أعماله السرائرية، خاصة الإفخارستيا والمعمودية والميرون. يفتتح المرتل تسبحته بقوله: "الربُّ راعيَّ فلا يُعْوِزني شيء"، موضحًا حالة الفرح الداخلي التي تملأ قلب المؤمن بشبعه الروحي من النعم الإلهية، التي تُغدق عليه خلال هذه الأسرار الإلهية. أما قوله: "في مراعِ خضر يُربِضني"، فيرى القديس غريغوريوس النيسي أن هذه المراعي الخضراء هي كلمة الله التي تقدم للموعوظين قبل عمادهم. "إلى مياه الراحة يوردني" [ع 2]: يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [مياه الراحة بلا شك تعني المعمودية التي تزيل ثقل الخطيئة [66].] ويقول القديس كيرلس السكندري: [المراعي هي الفردوس الذي سقطنا منه، هذا الذي يقودنا المسيح إليه ويقيمنا فيه بواسطة مياه الراحة التي هي المعمودية [67].] "أيضًا إن سِرْتُ في وادي ظل الموت لا أخاف شرًّا لأنك أنت معي. عصاك وعكَّازك هما يعزّيانني" (ع 4). يعلق الآباء على هذه الكلمات بالقول: * يلزمك أن تدفن بالموت معه في المعمودية، لكنه ليس في ذات الموت إنما تدخل في ظل الموت وصورته [68]. القديس غريغوريوس النيسي * إذ نعتمد في موت المسيح تسمى المعمودية ظل الموت وصورته فلا تخيفنا [69].القديس كيرلس السكندري * عندئذ يقود الإنسان بعصا الروح، فبالحق (الذي يقود) الروح هو الباركليت [70].القديس غريغوريوس النيسي "مسحتَ بالدهن رأسي" [ع 5.] يقول القديس كيرلس الأورشليمي: "إنه يدهن رؤوسكم بزيت على جباهكم، بالختم الذي تتقبلونه من الله، كما تحملوا علامة الختم [71]".هذه صورة مختصرة لفهم الآباء لهذا المزمور بطريقة سرائرية، ولعل هذا ما دفع بعض الكنائس الأولى أن تجعله "مزمور المعمودية" الذي يترنم به المعمدون حديثًا وهم خارجون من حجرة المعمودية متجهين نحو صحن الكنيسة، للاشتراك لأول مرة في ليتورجيا الإفخارستيا يوم عيد القيامة (الفصح) ليتمتعوا بالمائدة الدسمة. إنه أنشودة الفرح برعاية الله للكنيسة خلال جرن المعمودية ومسحة الميرون والمذبح المقدس! 12. العهود وخدمة الكهنوت يرى القديس كيرلس الأورشليمي [72] أنه حيثما يقيم الله عهدًا يوجد الماء إشارة إلى المعمودية التي خلالها ندخل مع الله في عهد فيه نلتزم بجحد الشيطان ومملكته، وقبول روح البنوة لله وملكوت الله. وكما سنرى في دراستنا لطقس العماد في الكنيسة الأولى أن بعض الآباء كانوا يتطلعون إلى ترديد قانون الإيمان وسط مياه المعمودية، كتوقيع عهدٍ أو عقدٍ يُكتب بالروح القدس ويُسجل في أسفار السماء. في القديم إذ قطع الله مع نوح عهدًا، قائلًا فيه: "ها أنا مقيم ميثاقي معكم ومع نسلكم من بعدكم. ومع كل ذوات الأنفس الحيَّة التي معكم..." (تك 9: 8-10)، تم ذلك بعد الطوفان. وحين أقام الله مع موسى عهدًا كان هناك ماء أيضًا، يقول الرسول: "لأن موسى بعدما كلَّم جميع الشعب بكل وصيَّةٍ بحسب الناموس، أخذ دم العجول والتيوس مع ماءٍ وصوفًا قرمزيًّا وزوفا ورشَّ الكتاب نفسهُ وجميع الشعب قائلًا: هذا هو دم العهد الذي أوصاكم الله بهِ" (عب 9: 19-20). وهارون لم يصر رئيسًا للكهنة يُمارس عمله الشفاعي عن شعبه إلا بعد أن اغتسل: "لأنه كيف يقدر أن يصلي من أجل الآخرين إن لم يتطهر بالماء؟! [73]، وكان رئيس الكهنة يغتسل دومًا قبل أن يقدم بخورًا،كما وُجدت المرحضة في الهيكل وخيمة الاجتماع إشارة إلى المعمودية، التي بدونها لا يقدر أحد أن يدخل مقدسات الله. 13. المزمور الثاني والثلاثون يرى البعض [74] في هذا المزمور أن داود النبي يترنم بعمل الله في سرّ المعمودية، إذ يفتتحه بالقول: "طوبى للذي غُفر إثمه وسُتِرت خطيته، طوبى لرجل لا يحسب له الرب خطية ولا في روحه غش". هذا هو عمل نعمة الله الغنية في المعمودية التي تغفر خطايانا وتستر علينا مجانًا. هنا لاحظ الأب دانيال الصلحي [75] أن المزمور يبدأ بالكلمات: "طوبى للذي..." وكأن باب المعمودية مفتوح لجميع الأمم والشعوب ولم تعد المغفرة قاصرة على شعب إسرائيل. ويعلق الأب دانيال الصلحي أيضًا على العبارة الواردة في المزمور "ليس في قلبه (روحه) غش"، قائلًا: [كثيرون إذ يرغبون في رئاسة الكهنوت يُقبلون على العماد لكي ينالوا درجة الكهنوت المكرمَّة. هؤلاء يتقدمون للمعمودية بقلب غاش، فلا يستحقون الغفران. إنهم ينزلون جرن الخلاص ومعهم علامة الإنسان العتيق ويصعدون غير مغسولين. إنهم يدنون من المعمودية المقدسة مثل بني جبعون بأوانٍ بالية وزقاق مشققة يتقدمون للرب. إنه لا يليق أن تكون الرقعة البالية في الثوب الجديد أي المعمودية المقدسة.] وإذ تقدم الكنيسة ليتورجية شكر لله في اليوم الثامن من المعمودية لم تجد أفضل من مقدمة هذا المزمور تترنم به قبل قراءة الإنجيل. 14. المزمور الرابع والعشرون يرى البعض [76] في هذا المزمور أنه خاص بالمعمودية المقدسة، إذ يبدأ بالقول: "للربّ الأرض ومِلؤُها. المسكونة وكل الساكنين فيها. لأنهُ على البحار أسَّسها وعلى الأنهار ثبَّتها". الرب يجدد الأرض وكل الساكنين فيها: من جميع الأمم والشعوب على بحار المعمودية وأنهارها المقدسة. يقول الأب دانيال الصلحي: [لأن الطوباوي داود لما قال هذا كان ينظر مُقدمًا إلى غرض المسيح مخلصنا فيما يخص ميلادنا. فالأرض الموضوعة أساساتها في البحر إنما هي الكنيسة التي يقيمها الله في وسط بحر المعمودية.] أما تكملة المزمور: "مَنْ يصعد إلى جبل الربّ ومَنْ يقوم في موضع قدسهِ؟!" [ع 3]، فيتحدث عن السيد المسيح الذي وحده الطاهر اليدين والنقي القلب [ع 4] يرتفع بنا إلى جبل المعمودية المقدسة ويدخل إلى المقدسات الإلهية. إذ يتحقق هذا تؤخذ الملائكة في دهشة فتقول: "ارتفعنَ أيتها الأبواب الدهريَّات فيدخل ملك المجد!"، فإنه يدخل حاملًا معه الذين اتحدوا به في مياه المعمودية. 15. حزقيال 16 يصف الرب على لسان حزقيال النبي ما كانت عليه النفس البشرية قبل تمتعها بسرّ العماد، وما صارت إليه خلال هذه المياه المقدسة، فيقول: "أبوكِ أَموريّ وأمكِ حثِّيَّة. أمَّا ميلادكِ يومَ وُلِدتِ فلم تُقطَع سرَّتكِ ولم تُغسَلي بالماءِ للتنظُّفِ ولم تُملَّحي تمليحًا ولم تُقَّمطي تقميطًا. لم تشفِق عليكِ عين.. فمررتُ بكِ ورأيتُكِ مدوسةً بدمِكِ.. وقد كنتِ عريانة وعارية. فمررتُ بكِ ورأيتُكِ وإذا زمنُكِ زمن الحب. فبسطتُ ذيلي عليكِ وسترتُ عورتكِ وحلفتُ لكِ ودخلتُ معكِ في عهدٍ يقول السيد الرب فصرتِ لي. فحَّممتكِ بالماءِ وغسلتُ عنكِ دماءَكِ ومسحتكِ بالزيت. وألبستُكِ مطرَّزًة ونعلتُكِ بالتَّخَس، وأزَّرتُكِ بالكتان وكسوتُكِ بزًّا. وحليتُكِ بالحُلي فوضعتُ إسورة في يديكِ وطوقًا في عنقُكِ. ووضعتُ خُزامةٍ في أنفكِ، وأقراطًا في أُذنيكِ، وتاج جمالٍ على رأسكِ. فتحلّيتِ بالذهب والفضة ولباسكِ الكتان والبزُّ والمطرَّز. وأكلتِ السميذ والعسل والزيت، وجَمُلْتِ جدًّا جدًّا فصلُحتِ لمملكةٍ. وخرجَ لكِ اسم في الأمم لجمالك،ِ لأنهُ كان كاملًا ببهائي الذي جعلتُهُ عليكِ يقول السيد الرب" [ع 3-14]. لا تحتاج هذه النبوة الصريحة عن عمل النعمة الإلهية في حياة المؤمنين خلال المعمودية إلى كلمات للتوضيح، فبعد ما كنت في عارٍ وهوانٍ وجوعٍ وعطشٍ وقُبحٍ وفقرٍ تمتعت بأسرار الله المشبعة للنفس الواهبة أمجاد إلهية. أ. يقول للنفس: "أبوكِ أموري وأمك حثِّيَّة"، أي كانت تحمل روح الأمم الوثنيين، أما في المعمودية فصار الله أباها والكنيسة أمها، دخلتْ إلى العضوية في العائلة الإلهية. ب. منذ ميلادها كانت مملوءة دنسًا وقبحًا إذ لم تُقطع سرتها، ولم تُغسل بالماء للنظافة، ولا قُمطت بأقماطٍ، ولم تشفق عليها عين. أما في المعمودية فلم تتطلع إليها عين بشرية، بل مرّ بها الرب نفسه ونظر عريها وخزيها ودنسها، فأحبها وبسط ذيله عليها ليستر ضعفاتها ونجاساتها، حمَّمها بالمياه المقدسة وغسل عنها دماء خطاياها بدمه الطاهر، ومسحها بزيت نعمته، وألبسها ثوب البرّ والخلاص وأعطاها نعلًا يسندها في الطريق ويحمي قدميها. قدم لها الحُلي الذي هو عربون الروح. إذ خطبها لنفسه عروسًا وجعلها ملكة تجلس عن يمينه. كللها بتاج سماوي يُفرِّح قلبها وقلوب السمائيين. جمّلها جدًا جدًا، لأنه سكب بهاءه عليها، فحملت صورته في داخلها. أكلت السميذ والعسل والزيت، فشبعت من ثمر الروح القدس، وصار لها اسم عريسها بين الأمم، منقوشًا على جبهتها وفي أعماقها. 16. يونان في الحوت إن كان يونان بدخوله إلى جوف الحوت صار آية رمزية لدفن السيد المسيح وقيامته كقول السيد نفسه، فإنه حمل أيضًا رمزًا للمعمودية المقدسة، التي في حقيقتها هي دفن وقيامة مع السيد المسيح. في وسط المياه تغيرت إرادة يونان، فبعدما كان مُصَرًا على إرادته الذاتية تعلم الطاعة لإرادة الله. هذا هو عمل المعمودية في حياة الإنسان أن يموت الإنسان عن ذاته، ليحيا بإرادة الله القوية الحية. في وسط المياه تعلم يونان التسبيح لله (يونان 2) مع أنه كان داخل الضيقة المرة، هذا أيضًا هو عمل المعمودية أن يحيا الإنسان بروح الرجاء والفرح والتسبيح من أجل الخلاص الذي قدمه الله لنا ونحن وسط الضيقة العظيمة. 17. التطهيرات بالماء كان الماء يمثل عنصرًا رئيسيًا في الطقس اليهودي الخاص بالتطهيرات، فكان رئيس الكهنة والكهنة يغتسلون بالماء قبل ارتدائهم ثياب الخدمة الكهنوتية (خر 29: 4؛ 40: 12) وفي يوم التكفير العظيم (لا 16: 4، 24)، ويستخدم الماء الحيّ أيضًا في التطهير من النجاسة الناتجة من مس جثة [عد 19]، أو الناتجة عن سيلان (لا 15)، أو التطهير من البرص (لا 14) الخ. كان الماء في الطقس اليهودي يحمل رمزًا لتطهير النفس، لكنه في ذاته كان عاجزًا، يقف عند حدود الغسل الخارجي. لهذا إذ بدأ الرب خدمته بدخوله عرس قانا الجليل (يو 2: 6) حوّل الماء الذي في الأجران الموضوعة حسب تطهير اليهود إلى خمرٍ، كرمز للروح القدس والكلمة المطهِّر (يو 13: 10). فانطلق بنا من التطهيرات الجسدية العاجزة إلى التجديد الكامل للنفس والجسد معًا، في مياه المعمودية بالروح القدس الناري. 18. المياه في العصر المسياني كان عصر المسيّا في ذهن أنبياء العهد القديم هو العصر الذهبي الذي طال انتظار البشرية له، وصفوه كعصرٍ غنيٍ بمياه فيّاضة. وكأن الماء في ذهنهم يحمل علامة غنى نعمة الله غير المدركة في ذلك الحين. نذكر على سبيل المثال أن هذا العصر وُصف بأن الله يقدم فيه المطر في حينه (حز 34: 26)، وإن المطر يروي الأرض فتأتي بوفرة الغلال والزراعة (إش 30: 23 الخ)، فلا يوجد جوع أو عطش (إر 31: 9، إش 49: 10). تفيض مياه حيّة من الهيكل وتأتي بثمار عجيبة وتنمو أشجار كثيرة جدًا (حز 47: 1-12). يخرج ينبوع مفتوح لبيت داود يقطع أصنام الأرض ويزيل الروح النجس (زك 13: 1-2). تفيض ينابيع يهوذا ماء، ويخرج من بيت الرب ينبوع يهب حياة (يؤ 3: 18، زك 14: 8)، يُفرّح مدينة الله مَقدس مساكن العلي (مز 46: 4). بإيجاز ارتبط العصر المسيّاني بالمياه المقدسة، التي تعطي ارتواءً، وتحوِّل القفر أرضًا خصبة، تروي المؤمنين كأشجار فردوس الله، تنزع النجاسات وتطهر الأرض من عبادة الأصنام، وتقدم حياة وتقديسًا، الأمور التي نتحدث عنها في شيء من التفصيل فيما بعد إن شاء الرب وعشنا. _____ الحواشي والمراجع: [14] D. Stone: Holy Baptism, London 1905, and p. 12. [15] De Baptismo. [16] PG 39:693. [17] PG 33:433. [18] De Sacr. 1:11-24. [19] J. Daniélou: The Bible and The Liturgy, p. 71. [20] W. F. Flemington: The New Testament Doctrine of Baptism, London 1948. [21] De Baptismo 2. [22] Ecol. Proph 7. [23] Cat Lect 3:5. [24] PG 39:692. [25] راجع للمؤلف: الكنيسة بيت الله، 1979، ص 311-314. [26] P. Lundberg:La typologie baptismale dans l’ancienne église, p 12, 13. [27] PG 39:697 A, B. [28] Hom. Laz. 6. PG 48:1037-8. [29] Ep. 69:6. [30] الأسرار، فصل 3. [31] PG 33:982 A. [32] Ep. 68:2. [33] Recogn. Clementines 1:29. [34] Dial. 138:2,3. [35] De Baptismo 9. [36] In Exod., hom 5:5. [37] De: Triantate 2:14. PG 39:697 A. [38] Cat. Lect. 3:6. [39] De Spiritu Sancto 14: PG 31:425 B, C. [40] PG 46:589 D; 44:361 C. [41] De Sacr 1:12, 22. [42] Ep. 68:15. [43] الأسرار، فصل 3. [44] J. Daniélou: The Bible and The Liturgy, ch 6. [45] In Jos. hom 6:4-6. [46] In Jos. Hom 1:3. [47] PG 33:676 D-677 A. [48] In Bapt- Christu, PG 46:592 A, 593 D. [49] كمال البرهان على حقيقة الإيمان، ص 131. [50] PG 46:592. [51] Comm. Jos 6:47. [52] PG 33:433A. [53] هنا يربط العلامة أوريجينوس بين ثلاث أحداث خاصة بالأردن: عبوره بيشوع، وعبوره بإيليا، واغتسال نعمان السرياني. [54] Origen: Comm. Jos 6:47, 48; In Lue - hom 33. [55] PG 39; 700 d. [56] كمال البرهان على حقيقة الإيمان، ص 132. [57] PG 46:593 D. [58] Exp. Luc. 4:50, 51. [59] الأسرار: فصل 3. [60] Sacr. 2:11. [61] PG 39:700 A. [62] المؤلف: الحب الإلهي، ص 851. [63] المؤلف: سفر الخروج، إصحاح 15. [64] In Exod, hom 6. [65] راجع كتابنا الكنيسة بيت الله، 1979، ص 311-314 عن السمكة كرمز للسيد المسيح ولمؤمنيه. [66] PG 25:140 A. [67] PG 27:841 A. [68] PG 46:692 B. [69] PG 27:841 B. [70] PG 46:692 B. [71] PG 33:1102 B. [72] Catch. Lect 3:5.6. [73] Catch. Lect 3:5.6. [74] راجع تفسير المزامير للأب دانيال الصلحي الذي وجهه للأب يوحنا رئيس دير مار أبوس (مخطوط 6 التفاسير بدير القديس أنبا أنطونيوس مترجمًا عن السريانية). [75] المرجع السابق، مقال 32. [76] المرجع السابق، مقال 24. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
المعمودية المسيحية والإيمان المسيحي أولًا: لقاء مع معلم لإسرائيلسجل لنا الكتاب المقدس لقاءً تاريخيًا فريدًا بين السيد المسيح المخلص ورئيس لليهود، رجل فريسي يدعى نيقوديموس جاءه ليلًا على مستوى شخصي يعلن إيمانه به (يو 3)، ويطلب مشورته. كنا نتوقع من المخلص أن يستعرض نبوات العهد القديم عن عمله الخلاصي لكي يكرز بها لهذا المعلم الإسرائيلي [ع 10]، لكننا نراه يفاجئه بالحديث المباشر عن المعمودية المقدسة، قائلًا له: "الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله" [ع 3.] وإذ فهم الولادة الفوقانية بطريقة بشرية عاد يؤكد له: "الحقَّ الحقَّ أقول لك إن كان أحد لا يُولَد من الماءِ والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله. المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح" [ع 5، 6]. لم يستطع نيقوديموس أن يفهم هذا العمل الإلهي، فوبّخه السيد قائلًا: "أنت معلّم إسرائيل ولست تعلم هذا؟!" [ع 10]، وقدم له رمزًا لعمل الخلاص خلال الصليب من العهد القديم، الذي هو الحيَّة النحاسية، ثم عاد يتحدث الإنجيلي في بقية الإصحاح عن المعمودية المقدسة. يكشف لنا هذا اللقاء عن هدف السيد المسيح ورسالته، فقد جاء ليدخل بالعالم إلى ملكوته الإلهي خلال الميلاد الجديد من الماء والروح. هكذا يربط بين الإيمان بخلاصه والمعمودية المقدسة، وبين ملكوته الإلهي والتمتع بالمعمودية. إذن لا عجب إن ختم السيد حياته على الأرض بالجسد مقدمًا هذه الوصية لتلاميذه: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم بهِ. وها أنا معكم كل الأَيَّام إلى انقضاءِ الدهر. آمين" (مت 28: 19-20)، مطالبًا إياهم بالكرازة والتعميد حتى يقدر المؤمنون على حفظ الوصية والتمتع بمعمودية السيد المسيح كل أيام حياتهم. ثانيًا: المعمودية وكرازة الرسلرسم لنا سفر الأعمال صورة حيّة عن ارتباط المعمودية المقدسة بالإيمان المسيحي في الكنيسة الأولى في عصر الرسل، فقدمها الرسل كجزء لا يتجزأ من الإيمان، وليس كعملٍ رمزيٍ ثانوي في حياة الكنيسة. من أمثلة ذلك: أ. في أول حديث كرازي قام به الرسول بطرس في يوم العنصرة إذ نُخِست قلوب الآلاف، قالوا: "ماذا نصنع أيها الرجال الإخوة؟" وجاءت الإجابة واضحة: "توبوا وليعتمد كل واحدٍ منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس" (أع 2: 38). وكأن الرسول يضع المعمودية شرطًا أساسيًا لنوال الغفران وعطية الروح. ب. إذ تم لقاء بين فيلبس الرسول والخصي وزير كنداكة ملكة الحبشة (إثيوبيا) في الطريق، وكانا يتحدثان معًا في المركبة، يقول الكتاب أنه إذ أقبلا على ماء قال الخصي: "هوذا ماء. ماذا يمنع أن اعتمد؟" (أع 8: 36). كأن الرسول في أول لقاء مزج حديثه عن الإيمان بالمسيح المخلص بالمعمودية المقدسة بالتغطيس. وما أن اعتمد الخصي و"صعد من الماء" حتى خطف روح الرب فيلبس، كأن مهمته قد انتهت بالنسبة له، إذ "ذهب الخصي في طريقهِ فرحًا" [ع 39]. ج. في تحول شاول الطرسوسي الذي تم خلال لقاء مباشر بينه وبين السيد المسيح نفسه، سأل شاول: ماذا تريد أن أفعل؟ (أع 9: 6) فأرسله إلى حنانيا الذي تحدث معه ثم "قام واعتمد" (أع 9: 18). د. في أول كرازة للرسول بطرس مع الأمم أكد الرب له قبولهم برؤيا سماوية، وبانسكاب الروح القدس عليهم في بيت كرنيليوس، حتى تطمئن نفسه للعمل. فكان سؤال الرسول في الحال: "أَترى يستطيع أحد أن يمنع الماءَ حتى لا يعتمد هؤلاءِ الذين قبلوا الروح القدس كما نحن أيضًا؟! وأمر أن يعتمدوا باسم الرب..." (أع 10: 47-48). ه. إذ سأل السجان الرسولين بولس وسيلا: يا سيّدَيَّ ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص؟ (أع 16: 30) أجاباه: "آمِن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك... وكلَّماهُ وجميع مَن في بيتهِ بكلمة الرب. فأخذهما في تلك الساعة من الليل... واعتمد في الحال هو والذين لهُ أجمعون" (أع 16: 31-33). و. في الخدمة الجماعية وسط الأمم، يذكر الكتاب المقدس: "وكثيرون من الكورنثيين إذ سمعوا آمنوا واعتمدوا" (أع18: 8). هذه جميعها صور حيّة قدّمها لنا الوحي الإلهي، تكشف عن مدى اهتمام الرسل بالمعمودية، في التحام قوي وضروري ومباشر مع الإيمان المسيحي، سواء في الكرازة بين اليهود أو الأمم، للمدعوّين للرسولية كشاول الطرسوسي أو لغريبٍ مسافرٍ كالخصي أو سجَّانٍ، على مستوى فردي أو جماعي. ثالثًا: المعمودية والخلاصبعد أن استعرضنا رموز المعمودية في العهد القديم والنبوات عنها، وحديث السيد المسيح نفسه مع نيقوديموس في وضوح، ووصيته الوداعية لتلاميذه، واهتمام الرسل بها في كرازتهم كشرطٍ أساسي لنوال الغفران وعطية الروح القدس (أع 2: 38)، لا يستطيع أحد أن يصفها أنها رمز أو مجرد علامة لإشهار الإيمان، إنما هي عمل إلهي يمس خلاصنا ويرتبط بأحداث الخلاص من تجسد الكلمة وعماده وتجربته على الجبل وصلبه وموته ودفنه وقيامته وإرسال روحه القدوس... ترتبط معًا هذه الأحداث جميعًا ليتمتع طالب العماد بالشركة مع السيد المسيح في أعماله الخلاصية ويدخل معه في خبرة الحياة الجديدة. وقد جاءت كلمات العهد الجديد خاصة في الرسائل تكشف بطريقة واضحة عن عمل المعمودية كغسل الخطايا الجَدّية والشخصية، وختان روحي يختم النفس بسمة الرب كجنديٍ في ملكوته السماوي، وتهبه التبني كابن الله والاتحاد مع السيد المسيح وتقبُّل الحياة الأبدية،وقد جاءت تعاليم آباء الكنيسة في موضوع المعمودية المقدسة كما يقول Stone: [ضخمة وغنية، غير أن كمال معانيها لا يزيد عن أن يُعبر ويُوضح التعليم الوارد في العهد الجديد بطريقة واضحة أو ضمنية. جاءت هذه التعاليم بقوة عظيمة وإجماع كامل، يصف المعمودية كوسيلة تجديد القلب، والتبني كأولاد لله، والاتحاد مع المسيح، وشركة الروح القدس، وتقبُّل غفران الخطايا والحياة الأبدية [77].] في الصفحات التالية عرض لدور المعمودية في خلاصنا، معتمدًا على الكتاب المقدس والليتورجيات الأولى وكلمات الآباء. _____ الحواشي والمراجع: [77] D. Stone: Holy Baptism, p 41. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
المعمودية غسل للخطايا عمل المعمودية يمثل وحدة واحدة، لا نستطيع الحديث عن عملها كغسل للخطايا منفصلًا عن عملها كختان للروح، أو تمتع بالاتحاد مع السيد المسيح كعضو في جسده الأقدس، لأن عمل الروح متكامل معًا، لكن من أجل الدراسة حاولت ما استطعت الحديث عن عملها في بنود متتالية، مبتدأ بعملها كغسل للخطايا الجَدّية والشخصية. في صراحة كاملة تحدث السيد المسيح مع رئيس لليهود قائلًا: "إن كان أحد لا يُولَد من الماءِ والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت السماوات" (يو 3: 5). مؤكدًا عمل المعمودية الخلاصي أنها الطريق الذي بدونه لا عودة للملكوت المفقود. فإن كانت الخطيئة قد حرَمت الإنسان الأول وبنيه من الفردوس، وأفقدته سُكنى روح الرب فيه (تك 6: 3)، فإنه بالولادة الجديدة في المعمودية (من الماء والروح) لا يعود الإنسان إلى الفردوس الأول بل إلى ملكوت السماوات الأبدي، ويصير هيكلًا للروح القدس بغسل خطاياه الجَدّية والشخصية. لهذا يؤكد السيد: "مَنْ آمن واعتمد خلص..." (مر 16: 6). وفيما يلي مقتطفات من العهد الجديد عن غسل الخطايا بالمعمودية: "توبوا وليعتمد كل واحدٍ منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس" (حديث الرسول بطرس يوم العنصرة أع 2: 38). "لماذا تتوانى؟! قُمْ واعتمد وأغسل خطاياك داعيًا باسم الربّ" (حديث حنانيا لشاول الطرسوسي أع 22: 16) "إذ كان الفُلك يُبنَى، الذي فيهِ خلص قليلون أي ثماني أنفس بالماءِ. الذي مثالهُ يخلّصنا نحن الآن أي المعمودية. لا إزالة وسخ الجسد بل سؤال ضميرٍ صالحٍ عن الله بقيامة يسوع المسيح" (1 بط 3: 20-21). "أيُّها الرجال أحبُّوا نساءَكم كما أحبَّ المسيح أيضًا الكنيسة وأسلم نفسهُ لأجلها لكي يقدسها مطهرًا إياها بحميم الماءِ بالكلمة" (أف 5:25-26). "ولكن حين ظهر لطف مخلّصنا الله وإحسانهُ، لا بأعمالٍ في برٍّ عملناها نحن، بل بمقتضى رحمتهِ خلَّصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس" (تي 3: 5). وقد أكد Pusey في كتابه "التعليم عن المعمودية المقدسة" أنه لا توجد أي عبارة في كل أقوال الآباء وكتاباتهم فسّرت هذا القول إلا بأنه عن المعمودية المقدسة، كما جاءت كل ليتورجيات العماد تؤكد ذلك بطريق أو آخر [78]. شهادة آباء الكنيسة* كان ضروريًا أن يصعدوا بواسطة المياه لكي يصيروا أحياء، فإنهم لا يستطيعون أن يدخلوا ملكوت الله ما لم يخلعوا حالة الموت التي كانت لهم قبلًا... فإنه قبل أن يحمل الإنسان اسم "ابن الله" يكون ميتًا، ولكنه إذ يتقبل الختم يلقي عنه حالة الموت ويتمتع بالحياة. الختم إذن هو الماء الذي ينزلون فيه أمواتًا ويصعدون أحياء [79]. الأب هرماس * حقا إننا ننزل في المياه مملوءين من الخطايا والدنس، ونصعد حاملين ثمرًا في قلوبنا، حاملين في أرواحنا خوف (الله) والرجاء بيسوع [80]. القديس برناباس * يجب أن نُسرع في معرفة أي طريق هو لمغفرة الخطايا ورجاء ميراث الخيرات الموعود بها، فإنه لا يوجد سوى هذا الطريق: أن تتعرف على هذا المسيح، وتغتسل في الينبوع (المعمودية) الذي تحدث عنه إشعياء لغفران الخطايا، وهكذا نبتدئ أن نعيش بالقداسة [81]. الشهيد يوستين * إنني سأروي الطريقة التي تكرّست بها حياتنا لله حينما صرنا جددًا خلال المسيح... إذ يتقبل كثيرون هذه الأمور التي يتعلمونها والتي ننطق نحن بها، ويؤمنون أنها حق، ويعدُون أنهم قادرون أن يعيشوا هكذا، يتعلمون أن يصلوا ويسألوا الله بأصوامٍ من أجل غفران خطاياهم، بينما نحن نصلي ونصوم معهم. عندئذ نحضرهم إلى حيث الماء وينالون التجديد بذات الكيفية التي نلنا نحن بها ذلك. فإنهم يتقبلون الغسل بالماء باسم الله الآب ورب كل الخليقة، ومخلصنا يسوع المسيح، والروح القدس [82]. الشهيد يوستين * مغبوط هو سرّ الماء الذي لنا، فبغسل خطايا العمى الذي أصابنا مبكرًا نتحرر وندخل إلى الحياة الأبدية [83]. * حقا، يغتسل الجسد لكي تتطهر النفس، يُدهن الجسد لكي تتقدس النفس، يُرشم الجسد بعلامة (الصليب) لكي تتقوّى النفس. يُظلَّل الجسد بوضع الأيدي لكي تستنير النفس بالروح (القدس) [84]. العلامة ترتليان * إلى الذين يمنح لهم الآن غفران الخطايا. بعد التجديد لا توجد حاجة للجرن مرة أخرى، إنما يكفي غسل الأيدي، لأن الروح القدس يُعطِّر جسد المؤمن ويطهره بالكامل [85]. قوانين القديس هيبوليتس * يُدعى هذا الفعل (المعمودية) بأسماء كثيرة، أعني: نعمة، واستنارة، وكمالًا، وحميمًا... فهو حميم لأننا به نغسل خطايانا، ونعمة إذ تُترك عقوبات خطايانا. * تغسلنا المعمودية من كل عيب، وتجعلنا هيكل الله المقدس، وتردّنا إلى شركة الطبيعة الإلهية بواسطة الروح القدس [86]. القديس إكليمنضس السكندري * إنها المعمودية التي فيها يموت الإنسان القديم ويولد الإنسان الجديد كما يعلن الرسول، مؤكدًا أنه خلصنا بغسل التجديد. فإن كان التجديد يتحقق في الغسل أي في المعمودية، فكيف يمكن للهراطقة -وهم ليسوا عروسًا للمسيح- أن ينجبوا أبناءً لله خلال المسيح؟! [87] القديس كبريانوس * [يصف القديس كبريانوس لصديقه دوناتوس Donatus عمل المعمودية في حياته فيقول:] إذ كنتُ ملقيًّا في الظلام وسط الليل المربك، كنت أتقلب هنا وهناك على وسائد هذا العالم المملوء اضطرابًا، وأنا أجهل حياتي الحقيقية. كنت بعيدًا عن الحق والنور، فصرت أفكر في الميلاد الثاني الذي وعدَتني به الرحمة الإلهية لخلاصي، كأنه أمر صعب وذلك خلال واقع حياتي التي أعيشها: كيف أتمتع بحياة جديدة في حميم المياه الشافية بخلع الطبيعة ذاتها، ومع احتفاظي بالخيمة القديمة يتغير القلب وتتغير النفس؟! قلت: كيف يمكن أن يتم هذا؟ كيف يتحقق تغير عظيم كهذا، فيخلع عنا دنس كياننا الطبيعي العنيد وعاداتنا القديمة المتأصلة، وتزول فجأة وبسرعة الشرور التي تعمّقت جذورها في داخلنا زمانًا طويلًا؟! لكن بمعونة واهب الحياة غُسلت وصمة الماضي، وانصبَّ النور المشرق من السماء في صدري، النور الطاهر المقدس، بعد أن شربت الروح السماوي، وخُلقت كإنسان جديد بالميلاد الثاني بطريقة معجزية. كنت قبلًا أشك فيما قد صار لي الآن واضحًا. ما كان مخفيًا صار مُعلنًا. ما كان قبلًا ظلمة قد أشرق، وما كان صعبًا صار الآن له طريقه ووسائله. ما كان يبدو لي مستحيلًا قد تمتعت الآن به... إنك تعرف جيدًا ما كنت أنا عليه قبلًا، وتستطيع أن تتذكر ذلك، الآن قد نُزع عني هذا. لقد وُهب لي موت الخطية وإحياء قوة القداسة... أقول أنه هبة من الله. من الله نأخذ كل ما نحن عليه، وبه نعيش، وبه ننمو... [88] القديس كبريانوس * يُعطَى الروح القدس للذين يؤمنون، ويولدون ثانية بغسل التجديد [89]. البابا أثناسيوس الرسولي * بواسطة غسل الميلاد الجديد والتجديد بالروح القدس نصير أبناء الله [90]. القديس باسيليوس الكبير * نعمة المعمودية تنقي الإنسان من خطيئته، وتغسله بالكامل من الأوساخ والأقذار اللاحقة به من الرذيلة... وهي من حيث أنها نجدة للولادة الأولى تجعلنا جُددًا من عتق، وإلهيين بدلًا مما نحن عليه [91]. القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس * كل خطية تغفر في المعمودية. * إن لم يعتمد (الموعوظ) باسم الآب والابن والروح القدس فلن يستطيع أن ينال صفح الخطايا ولا منحة النعمة الروحية [92]. القديس أمبروسيوس * لا تقدر التوبة وحدها أن تنقي من الرذيلة، لذا يعتمد المؤمنون حتى يستطيعوا بنعمة المسيح أن يحققوا الأمور التي يعجزون عن تنفيذها بأنفسهم. لا تكفي التوبة للتطهير، لذا يُقبل المؤمنون على المعمودية. * يسمع الغير عن العماد فيحسبونه مجرد ماء، أما أنا فلا أري مجرد المادة المنظورة، بل أرى تنقية النفس بالروح! هم يحسبونه غسلًا للجسد، أما أنا فأومن أن النفس تتنقى وتتقدس! إني أحسبه القبر المقدس، القيامة، التقديس، البرّ، الخلاص، التبني، الميراث، الملكوت السماوي، تدفّق كامل للروح. لست أحكم على هذه الأمور حسب الظاهر بل حسبما تراه عينيْ عقلي. * خلال المعمودية تقبّلنا غفران الخطايا والتقديس وشركة الروح والتبني والحياة الأبدية، فماذا تطلبون بعد؟! * إذ دُفنت خطايانا في المعمودية لا تعود تظهر بل تختفي مادمنا نود التوبة [93]. القديس يوحنا الذهبي الفم * المعمودية تمحو جميع الخطايا: الخطيئة الأصلية والخطايا الفعلية، خطايا الفكر والقول والفعل، الخطايا التي يتذكرها الإنسان والخطايا التي ينساها، فإن الذي خلق الإنسان يجدده. من فارق الحياة في الحال بعد المعمودية لا يكون عليه شيء يُكفِّر عنه، بل كل شيء قد غفر له [94]. القديس أغسطينوس * بالمعمودية المقدسة يُعتق الإنسان من سلطان إبليس، ويصير مولودًا من غير نطفة (دنسٍ) مثل ناسوت المسيح، لأن الروح القدس يقدسه من ميلاد النطفة، فلا يبقى للشيطان عليه سلطان مادام روح المسيح فيه [95]. الأنبا ساويرس أسقف الأشمونين * أمرنا الرب أن نعيد ولادتنا بالماء والروح، إذ يحل الروح القدس على الماء بعد التضرع والدعاء... أما الروح فيجدد الصورة التي فينا والمثال الذي عليه خُلقنا، وأما الماء فينقى الجسد من الخطيئة بنعمة الروح القدس وينقذه من الهلاك. الأب يوحنا الدمشقي * إذ سقطنا وأفسدتنا الخطيئة صار حكم الموت علّة انحلالنا الكامل، لكن بالتبعية شَكَّلنا من جديد خالقنا وسيدنا وذلك بقدرته غير الموصوفة [96]. الأب ثيؤدور المؤبسستي (المصيصي) * هذه النفس التي انعكست بالأهواء الدنيئة بالمعصية، يجعلها شريكة لروحه الإلهي، وقد أتى ليصنع عقلًا جديدًا ونفسًا جديدة وأعينًا جديدة، وآذانًا جديدة، ولسانًا جديدًا روحانيًا، وباختصار يصير المؤمنون به بشرًا جُددًا وآنية جديدة بعد أن يمسحهم بنوره، ليصب فيهم الخمر الجديدة أي روحه القدوس، فقد قال بأن الخمر الجديدة توضع في زقاق جديد [97]. القديس مقاريوس الكبير * [يتحدث القديس كيرلس الأورشليمي عن إمكانية المعمودية كقوة نارية فعَّالة ومُسكر قاتل للخطيئة وواهب حياة للقلب.] حلَّ (الروح القدس) لكي يلبس الرسل القوة ويعمدهم، إذ قيل: "فستتعمَّدون بالروح القدس ليس بعد هذه الأيام بكثيرٍ" (أع 1: 5)،لم تكن هذه النعمة جزئية، بل هي قوة (الروح) في كمالها... لماذا تتعجب؟ خذ مثالًا واقعيًا وإن كان فقيرًا ودارجًا لكنه نافع للبسطاء. إن كانت النار تعبر خلال قطعة حديد فتجعلها كلها نارًا، هكذا من كان باردًا يصير ملتهبًا. من كان أسودً يصير لامعًا. إن كانت النار وهي جسم تخترق الحديد هكذا وتعمل فيه بلا عائق مع أنه هو أيضًا جسم، فلماذا تتعجب من الروح القدس الذي يخترق أعماق النفس الداخلية؟! * آخرون سخروا قائلين: "إنهم سكرى" (أع 2: 13). حتى في استهزائهم نطقوا بالحق، لأنه بالحقيقة كانت الخمر الجديدة هي نعمة العهد الجديد... إنهم سكرى... بمُسكر سام يقتل الخطيئة ويهب حياة للقلب. إنهم سكرى، لأنهم شربوا خمر الكرمة الحقيقية، القائل: "أنا الكرمة وأنتم الأغصان..." (يو 15: 5) [98]. القديس كيرلس الأورشليمي غسل خطايانا وتجديدنا لا يعني موت الجسد، بل موت الشهوات الجسدية أو الإنسان القديم بأعماله، أما الجسد فصالح ومقدس. * أريد أن يموت هذا الجسد عن الخطيئة. لست أسأل أن يموت الجسد، بل ألا يخطئ مرة أخرى. وكما أن الميت يكون جثمانه فوق إمكانية الخطيئة، هكذا الذي يصعد من مياه المعمودية يخلص من الخطيئة. فإن كنتَ قد متَّ في هذه المياه يلزمك أن تبقى ميتًا عن الخطيئة [99]. القديس يوحنا الذهبي الفم لا يقف دور المعمودية عند الجانب السلبي أي غسل الخطايا، وإنما يمتد إلى الجانب الإيجابي أي "الحياة بالله". * المعمودية باب يردنا إلى الفردوس، فيها يدخل الإنسان إلى الله ليكون معه. المعمودية سفينة جديدة حاملة للأموات، بها يقومون ويعبرون إلى بلد الخالدين. وُضعت المعمودية في العالم لأجل العالم الجديد، فيها يعبر الإنسان من عند الأموات إلى بلد الحياة... * تعالوا أيها المدينون وادخلوا، خذوا صكِّكم مجّانا، فتُمحى ذنوبكم داخل المياه. تعالوا أيها المساكين واقتنوا الغنى بالعماد الروحي، وأقيموا الخزانة العظيمة عوض الفقر. تعال أيها الخروف الضال الذي لسيد القطيع واعتمد، فبك يكمل العدد مائة. تعال أيها الخاطئ المتعَب، والمنسحق، والمملوء جراحات، واقطع عنك ثقل الإثم بالمعمودية. تعالوا أيها العميان المُظْلِِمون باختيارهم، اعتمدوا لتتفتح أعينكم وتستضيئوا بابنة النهار. تعالوا أيها الهالكون، لأن الراعي الصالح قد خرج وراءكم ليجمعكم عند الينبوع... تعالوا، فإن طرق بيت الله مفتوحة داخل المياه... تعالوا أيها العتيقون الذين شاخوا وبليوا... اقتنوا تجديدًا في بطن المعمودية الجديد [100]. * المعمودية هي الكور العظيم الممتلئ نارًا، فيها يُسبك الناس ليصيروا غير أموات [101]. مار يعقوب السروجي * إن صنعت صلاحًا، علنًا أو خفية، فتأكد أن المعمودية والإيمان هما الوسيطان لهذا الصلاح، إذ بهما قد دُعيتَ إلى الأعمال الصالحة في المسيح يسوع [102]. مار اسحق السرياني _____ الحواشي والمراجع: [78] Pusey: Doctrine of Holy Baptism, p 57-58. [79] Pastor: Simil 9:16. [80] Epis. of Berrabas 11 [81] Dial. With Trypho 44. [82] 1 Apol. 61. [83] De Baptismo 1. [84] De Resurrec. Carn., 8. [85] Canons of Hippolytus, can 19:138; 27:243. [86] Paed 1:6:26; In Lucam 22:8. [87] Epist. 74:5, 6. [88] Ad Donat. De Grat. Dei 3, 4. [89] Ep. 1 ad Serap. 4. [90] Adv. Eunom 5. [91] On Baptis. 7, 8 [92] In Martyr. 3, 4. [93] In Hebr. Hom 9:4; In, Car. hom 7:2; In Act. hom 40:2; In Joan. hom 34:3. للاستزادة راجع كتابنا: القديس يوحنا الذهبي الفم، 1980، ص 230-238. [94] On the Creed 10 (cf. Epist 178:28). [95] الدّر الثمين في إيضاح الدين، 1925، ص121. [96] Hom 14:11. [97] للمؤلف: الحب الإلهي ص849 (الحديث هنا خاص بسرّي العماد والميرون معًا). [98] Cat. Lect. 17:14,19. [99] In Epis. Ad Rom. Hom 2. [100] ميمر عن المعمودية المقدسة (مخطوط بدير الأنبا أنطونيوس نسخ عام 1488 ش). [101] ميمر عن المعمودية المقدسة (مخطوط بدير الأنبا أنطونيوس نسخ عام 1488 ش). [102] A. J. Wensinck: Mystical Treatises, St. Isaac the Syrian, p 7. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
المعمودية ختان روحي بين ختان الروح وختان الجسدالمعمودية ليست ختانًا للجسد كما كان في العهد القديم حيث الرموز والظلال، وإنما ختان القلب بالروح (في3: 3)، فيه يتم ليس نزع جزء من الجسد (تك 17: 10-14) بل نزع الطبيعة القديمة التي نولد بها بالخطيئة الأصلية. في هذا يقول الرسول:"وبه أيضًا ختنتم ختانًا غير مصنوع بيد بخلع جسم خطايا البشرية بختان المسيح، مدفونين معه في المعمودية التي فيها أقمتم أيضًا معه بإيمان عمل الله الذي أقامه من الأموات. وإذ كنتم أمواتًا في الخطايا وغلف جسدكم أحياكم معه مسامحًا لكم بجميع الخطايا. إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضدًا لنا، وقد رفعه من الوسط مسمرًا إياه بالصليب" (كو 2: 11-14). في المعمودية يقوم الروح القدس نفسه بختان النفس البشرية التي يدخل بها إلى شركة الصلب مع السيد المسيح وموته ودفنه ليهبها قوة قيامته، أي يدخل بها إلى عمليتين متكاملتين: ترك القديم وأخذ الجديد، خلع وهدم للطبيعة الفاسدة التي للظلمة مع بناء وقيام طبيعة الإنسان الجديد الُمقام مع المسيح. في هذا يقول الرسول: "إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعمالهِ، ولبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقهِ" (كو 3: 9-10). في المعمودية يقطعنا الروح القدس من الزيتونة البرية ويطعمنا في الزيتونة الجيدة (رو 11: 24) لكي ننمو في المسيح يسوع حاملين ثمر روحه القدوس فينا. كان الختان في العهد القديم جسديًا مؤقتًا، أما في العهد الجديد فروحي أبدي كختمٍ يبقى مطبوعًا في هذا العالم وفي الدهر الآتي سرّ كرامة للمجاهدين الغالبين بالرب وسرّ تبكيت للمتجاسرين المستهترين. * ينال شعب الله علامة الختان في قلوبهم من داخل، لأن السيف السماوي يقطع فضلة العقل يعني غلف الخطيئة النجسة. القديس مقاريوس الكبير كان الختان في العهد القديم أشبه بختم مطبوع على الجسد، بدونه يفقد الإنسان انتسابه لشعب الله، ويحسب خائنًا للعهد الإلهي، ويسقط تحت الهلاك، لأنه "ختم لبرّ الإيمان" (كو 2: 11-12). أما في العهد الجديد فدُعيت المعمودية ختمًا Sphragis به يحمل الإنسان علامة العضوية الكنسيَّة الداخلية والاتحاد مع السيد المسيح وقبول ملكوت الله. وترجع هذه التسمية "ختم" ربما إلى الرسول بولس القائل: "ولكن الذي يثبّتنا معكم في المسيح وقد مسحنا هو الله الذي ختمنا أيضًا وأعطى عربون الروح في قلوبنا" (2 كو 1: 21-22). "الذي فيهِ أيضًا إذ آمنتم خُتِمتم بروح الموعد القدّوس" (أف 1: 13). * المعمودية ختم مبارك [103]. القديس كيرلس الأورشليمي * المعمودية هي شركة في اللوغوس، هلاك للخطيئة، مركبة تحملنا إلى الله، مفتاح ملكوت السماوات، ثوب عدم الفساد، حميم الميلاد الجديد، ختم [104]. القديس غريغوريوس النزينزي * عظيمة هي المعمودية المعدة فداء عن المأسورين... وختمًا مقدسًا لا ينفك [105]. * أثناء العماد، عندما تأتي إلى حضرة الأساقفة أو الكهنة أو الشمامسة... اقترب إلى خادم العماد، ولا تفكر في الوجه المنظور، بل تذكر الروح القدس، هذا الذي نتكلم عنه الآن، لأنه حاضر ليختم نفسك. إنه سيهبك الختم الذي يُرعب الأرواح الشريرة، وهو ختم سماوي مقدس كما هو مكتوب: "الذي فيه أيضًا (إذ آمنتم) ختمتم بروح الموعد القدوس" [106]. القديس كيرلس الأورشليمي تحدث آباء كثيرون عن المعمودية كختم للنفس، مثل القديس إكليمنضس الروماني [107] وهرماس [108] والعلامة ترتليان [109] والقديس يوحنا الذهبي الفم [110]. أولًا: علامة الدخول في ملكية اللهيقول دانيلوا [111] J. Daniélou بأن الختم كان يستخدم على الشمع لحفظ المجوهرات، والأشياء الثمينة والمستندات الرسمية. ولا يزال هذا الأمر مُتبعًا في مصر خاصة في حفظ المستندات في وزارة العدل كما في الطرود في البريد ضمانًا لعدم فتحها في غير وجود المسئولين، وعدم تزوير المستندات أو غش الأشياء المحفوظة. وكأن غاية الختم هو تأكيد أصالة الشيء وعدم غشه. استخدم الرسول بولس هذا التعبير أيضًا في نفس المعنى حين كتب يؤكد صدق رسوليته، قائلًا: "إن كنت لست رسولًا إلى آخرين فإنما أنا إليكم رسول لأنكم أنتم ختم رسالتي في الرب" (1 كو 9: 2). وهكذا نتقبل في المعمودية ختم الروح القدس لكي نحمل فينا سمات ربنا يسوع المسيح الحقيقية غير المغشوشة، خلالها يتعرف علينا السيد المسيح كقطيعه الخاص، ويقبلنا الآب أولادًا له، والروح القدس هيكلًا ومقدسًا له. لقد كان الرعاة الأغنياء يختمون خرافهم بالكيّ بعلامة مميزة، هكذا نُختم نحن في أعماق النفس بالروح القدس لتمييزنا. * اقترب وتَقبَّل الختم السرائري لكي يعرفك سيدك، وتحسب بين القديسين وقطيع المسيح المعروف، فتوضع عن يمينه [112]. القديس كيرلس الأورشليمي * العلامة التي تتسمون بها الآن إنما هي علامة أنكم قد صرتم قطيع المسيح [113]. الأب ثيؤدور المؤبسستي * كما يطبع المالك على قطيعه علامة خاصة يتعرف بها عليه، خلالها تظهر أنها ملك له، هكذا يختم الروح القدس من له في المعمودية بواسطة مسحة الزيت المقدس التي يتقبلونها أثناء العماد [114]. القديس مار افرآم السرياني * عندما نغطس في جرن المعمودية، فبفضل صلاح الله الآب وبنعمة روحه القدوس نتعرّى من خطايانا إذ نتخلص من الإنسان القديم، ونتجدد، ونختم بقوته لملكيته الخاصة. ولكن عندما نخرج من جرن المعمودية نلبس المسيح مخلصنا كثوب لا يبلى، مستحقًا لكرامة الروح القدس عينها، الروح القدس الذي جددنا ودمغنا بختمه.. لا يمكن لأحد أن يحصل على المواهب السماوية ما لم يتجدد بروح الله القدوس ويُدمغ بختم قداسته، ولو كان كاملًا في حياة بلا عيب في كل شيء آخر [115]. القديس ديديموس السكندري خلال هذه العلامة نُحسب في ملكية الله كعبيدٍ له: "ألستم تعلمون أن الذي تقدّمون ذواتكم لهُ عبيدًا للطاعة أنتم عبيد للذي تطيعونهُ، إمَّا للخطية للموت، أو للطاعة للبرّ. فشكرًا لله أنكم كنتم عبيدًا للخطية ولكنكم... إذ أُعتِقتم من الخطية صرتم عبيدًا للبرّ" (رو 6: 16-18). هذا ما سجله لنا الرسول بولس بعد حديثه عن المعمودية مباشرة، إننا تركنا عبودية الخطية لندخل بإرادتنا الحرة في الطاعة كعبيد لله، فصارت المعمودية هي ختم العبودية لسيدنا الجديد الذي هو الله. وكما يقول القديس أمبروسيوس [وُسم العبيد بعلامة سيدهم.] هذه العبودية الاختيارية هي عبودية الطاعة المملوءة حبًا التي تلتحم مع بنوتنا لله وتناسبها. ثانيًا: علامة الدخول تحت حماية اللهمادام هذا الختم يحمل علامة سيدنا، يميزنا كقطيعٍ خاصٍ به، فإنه يحمل أيضًا التزام الله -بإرادته المملوءة حبًا- نحو خليقته الجديدة برعايتها والحفاظ عليها. حينما قتل قايين أخاه هابيل ووبّخه الرب ملأ الخوف قلبه، فقال للرب: "ذنبي أعظم من أن يُحتَمل... فيكون كل من وجدني يقتلني"، لذلك "جعل الرب لقايين علامةً لكي لا يقتلهُ كل من وجده" (تك 4: 13، 15). أعطاه علامة لحمايته مع أنه قاتل، لكن رحمة الله تدخلت من أجل ندامته. وفي سفر حزقيال أرسل الله رجلًا يلبس كتانًا علامة النقاوة، وكان يضع علامة (وسمًا) على جباه الرجال الذين يئنون ويتنهدون على كل الرجاسات المرتكبة وسط أورشليم (9: 4) وأمر الرب بقتل كل سكان المدينة ماعدا الذين لهم هذه السمة. وفي سفر الرؤيا حُفظ المختومون على جباههم بختم الله من الهلاك (رؤ 7: 2-4). هذا هو عمل المعمودية كختم للنفس يحفظها من غضب الله وضربات العدو الشرير، إذ تحمل علامة الملك العظيم الواهب النعم المجانية. * (الختم) هو ضمان للحفظ وعلامة الملكية. * إن كنتم تحصنون أنفسكم بالختم فتُوسم نفوسكم وأجسادكم بالزيت (المسحة) والروح ماذا يمكن أن يحدث لكم؟! القطيع الموسوم بالعلامة لا يُسلب بمكرٍ بسهولة، أما القطيع الذي لا يحمل العلامة فهو غنيمة للصوص... يمكنكم أيضًا أن تموتوا في سلام. لا تخافوا من أن تحرموا من عون الله الذي يهبه لكم لأجل خلاصكم [116]. القديس غريغوريوس النزينزي * الروح القدس يسمنا بعلامته الخلاصية لنعود إلى شبهنا الأول، لأن القطيع الذي لا يُميز بعلامة يكون غنيمة سهلة للذئاب، فلا يكون له عون الختم ولا يكون معروفًا كالقطيع الآخر من الراعي الصالح [117]. القديس ديديموس الضرير * النفس التي لم تستنر ولا تحلَّت بنعمة الميلاد الجديد، لا أعرف إن كانت الملائكة تتقبلها بعد تركها الجسد! حقًا إنهم لا يستطيعون أن يتقبلوها مادامت لا تحمل الختم Asphragiston، ولا أي علامة خاصة بمالكها. حقًا أنها تصير محمولة في الهواء وتتجول بغير راحة دون أن يتطلع إليها أحد، إذ هي بلا مالك. إنها تطلب الراحة فلا تجدها، تصرخ باطلًا، وتندم بلا فائدة [118]. القديس غريغوريوس النيسي كان الجندي في الجيش الروماني يوسم بعلامة Signaculum على يده تحمل اختصار اسم قائده [119]، لهذا تطلع الآباء إلى المعمودية كعلامة يوسم بها جنود السيد المسيح الروحيين، حاملين على قلوبهم وأجسادهم علامة قائدهم الروحي الأعظم يسوع المسيح واسمه القدوس. * لقد دعينا إلى جيش الله... عندما نجيب على كلمات السرّ Sacramentum [120]. العلامة ترتليان * لقد أردت أن أحارب بشجاعة، واضعًا في ذهني السرّsacramentum الذي لي، حاملًا سلاحّي التكريس والإيمان [121]. القديس كبريانوس * الآن ينقش اسمك وتدعى للدخول إلى المعسكر (الروحي). * يأتي كل واحد منكم ويقدم نفسه أمام الله في حضرة جيوش الملائكة غير المحصية، فيضع الروح القدس علامة على نفوسكم. بهذا تسجل أنفسكم في جيش الملك العظيم [122]. القديس كيرلس الأورشليمي * العلامة التي تطبع الآن هي علامة أنك قد صرت من قطيع المسيح، جندي ملك السماوات... الجندي الذي يُختار تفحص نفسيته وصحة جسده ثم يتقبل علامة على يده تظهر الملك الذي يخدمه. والآن قد أخذت لملكوت السماوات ويمكن التعرف عليك، إن فحصك أحد يجدك جنديًا لدى ملك السماء! [123] القديس ثيؤدور المؤبسستي * كما يطبع الختم على الجند هكذا يطبع الروح القدس على المؤمنين [124]. القديس يوحنا الذهبي الفم * من يتقبل حميم التجديد يشبه جنديًا صغيرًا، أُعطى له مكان بين المصارعين، لكنه لم يبرهن على استحقاقه للجندية [125]. القديس غريغوريوس النيسي إذ ندخل مياه المعمودية نصعد حاملين ختم الله، لنا صورة خالقنا وحاملين سماته فينا... لسنا فقط نتمثّل بالمسيح إلهنا، إنما تصير حياة المسيح هي حياتنا، موته هو موتنا، قيامته قيامتنا، سماته سماتنا وأمجاده أمجادنا كما يصير أبوه أبانا. * المعمودية هي ختم الله، وكما خلق الإنسان الأول على صورة الله ومثاله، هكذا الذي يتبع الروح القدس يُختم منه ويأخذ صورة الخالق [126]. القديس إيرونيموس * الذين يستنيرون يتقبلون ملامح المسيح... فإنه حتما يُطبع على كل واحد منهم شكل الكلمة وصورته وملامحه حتى يُحسب المسيح مولودًا في كل واحدٍ منهم بفعل الروح القدس... ويصير الذين يتعمدون مسحاء آخرين [127]. الأب ميثوديوس يتحدث القديس أمبروسيوس عن المعمودية كختم روحي [128]،وهو في هذا يختلف عن الختم المادي. الختم المادي يُطبع على السطح، وفي موضع محدود، أما الختم الروحي فيخترق أعماق النفس، يطبع بصماته على كيان الإنسان كله: جسده وقلبه وأحاسيسه واشتياقاته وكل طاقاته، وذلك كما تصبغ قطعة قماش بطريقة سليمة، فيتشرب النسيج اللون تمامًا في السطح كما في الداخل. طبيعة هذا الختم الروحي تعطيه سمة الأبدية، لهذا يسميه القديس باسيليوس [129] [ختم لا ينفك sigllum infrangibile]، لا يستطيع أن تحلّه الخطيئة أو الهرطقة أو حتى الموت. لهذا إن أنكر إنسان الإيمان ثم عاد لا تُعاد معموديته، لأن الختم مخفي فيه لإدانته. * [في حديث موجه لهرطوقي.] إنك حمل في قطيع سيدي، تحمل علامته، وها أنت شارد مع أنك تحمل العلامة عليك... أما نحن فلنا ذات العلامة [130]. القديس أغسطينوس * تمسك بما نلته فإنه لن يتغير. إنه وسم ملكي! * المُعمد في الكنيسة، إن ترك الكنيسة يُحرم من قداسة الحياة، لكنه لا يفقد وسم السرّ. * السمة السيدية لا تنحل البتة عن الذين تقبلوها، ولا تُعاد المعمودية [131]. القديس أغسطينوس _____ الحواشي والمراجع: [103] Kay’s Writings of Clement of Alexandria, London 1835, p. 439. [104] PG 36:361 C. [105] Procortechesis 16. [106] Cat. Lect. 17:35. [107] Epis. 7.6. [108] Sheph. Sim 9:6:3. [109] De pudic 9:9. [110] In 2 cor hom 3:7. [111] The Bible and the Liturgy. Ch 3. [112] PG 33:372. [113] Cat. Hom 13:17. [114] Enchir. Patr. 712. [115] De Trinitate 2:12. [116] PG 36:364; 36:377 A. [117] PG 39:717 B. [118] PG 46:424 C. [119] F. j. doelger: Sphragis, Poderborn 1911, p 32،33. [120] Ad Martyr 3. [121] De Lapsis 13. [122] PG 33:333 A, 428 A [123] Cat. hom 13:17. [124] PG 61:418. [125] PG 46:429 C. [126] Convivum virginum. Ench. Patr n. 613. [127] على رسالة أفسس 1، 13. [128] Ech. Pate. 1282. [129]) Ibid 968. [130] P! 43:693. [131] تفسير يوحنا مقال 16، عظة 8، رسالة 185، 23 إلى بونيفاتيوس. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
المعمودية ولادة جديدة غاية العماد المقدس هو شركتنا مع السيد المسيح ابن الله الوحيد لكي نحمل سمة البنوّة لله، فيرفعنا الروح القدس الناري إلى حضن الآب، ونُوجد فيه أولادًا أحياء، لنا برّ المسيح وقداسته وشركة أمجاده. هذا هو مفهوم الحياة الجديدة التي صارت لنا في المسيح يسوع والتي دفع السيد المسيح ثمنها: "صلبه وموته". لهذا لا عجب إن افتتح القديس يوحنا اللاهوتي إنجيله عن لاهوت السيد المسيح بقوله: "فيهِ كانت الحياة..."، "أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمهِ. الذين وُلِدُوا ليس من دمٍ ولا من مشيئَة جسدٍ ولا من مشيئَة رجلٍ بل من الله" (يو 1: 4، 12-13). وتحدث السيد المسيح صراحة وبكل وضوح عن هذه الولادة الجديدة بقوله: "الحقَّ الحقَّ أقول لك إن كان أحد لا يُولَد من الماءِ والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله" (يو 3: 5). ولهذا السبب بدأ السيد المسيح خدمته بعماده أولًا ليؤكد لنا أنه لا دخول لأحد إلى مملكة الله وخدمته إلا عن طريق الولادة الجديدة التي في المعمودية. وكما يقول القديس كيرلس الأورشليمي مع طالبي العماد: [المسيح هو ابن الله ومع هذا لم يكرز بالإنجيل قبل العماد. إن كان السيد نفسه قد اتبع هذا الوقت المناسب واللائق، فهل يجوز لنا نحن خدامه أن نخالفه في النظام؟! [132]] هذا المركز الجديد الذي صار لنا في المعمودية، أي البنوة لله، قد شغل أذهان التلاميذ والرسل وكل الكنيسة كسرّ قوة المسيحي في حياته الروحية، لهذا لا يكف الرسل عن الإشارة إليه من حين إلى آخر: "لأنكم جميعًا أبناءُ الله بالإيمان بالمسيح يسوع. لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح" (غل 3: 26-27). "إذ لم تأْخذوا روح العبوديَّة أيضًا للخوف، بل أخذتم روح التبنّي الذي بهِ نصرخ يا أَبا الآب. الروح نفسهُ أيضًا يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله" (رو 8: 15-16). "مولودين ثانيةً، لا من زرعٍ يفنى، بل مِمَّا لا يفنى، بكلمة الله الحيّة الباقية إلى الأبد" (1 بط 1: 23). "ولكن حين ظهر لطف مخلّصنا الله وإحسانه لا بأعمالٍ في برٍّ عملناها نحن، بل بمقتضى رحمتهِ خلَّصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس الذي سكبهُ بغنى علينا بيسوع المسيح مخلّصنا" (تي 3: 5-6). "شاءَ فولدنا بكلمة الحقّ لكي نكون باكورةً خلائقهِ" (يع 1: 18). جاءت كتابات الآباء في الشرق والغرب والليتورجيات الأولى تفسرّ كل عبارة وردت في العهد الجديد عن المؤمنين كأولاد لله أنها خاصة بعمل المعمودية كولادة حقيقية. وكما يقول D. Stone: [لا يليق تجنب شهادات الآباء بافتراض أنهم كانوا يتحدثون بطريقة مجازية أو أنهم كانوا في بعض الظروف يتحدثون بلغة تحمل سمة البلاغة. إنه لا توجد إشارة في كل عباراتهم الخاصة بالمعمودية تشير إلى استخدامهم المجاز [133].] * انظروا إلى المولدين من الله. هنا الرحم المادي، مياه المعمودية! * لنا ميلادان: أحدهما أرضي، والآخر سماوي. الأول من الجسد، والثاني من الروح. الأول صادر عن مبدأ قابل للفناء، والثاني عن مبدأ أبدي. الأول من رجل وامرأة، والثاني من الله والكنيسة. الأول يجعلنا أبناء الجسد، والثاني أبناء الروح. الأول يصيرنا أبناء الموت، والثاني أبناء القيامة. الأول أبناء الدهر، والثاني أبناء الله. الأول يجعلنا أبناء اللعنة والغضب، والثاني أبناء البركة والمحبة. الأول يقيدنا بأغلال الخطيئة الأصلية، والثاني يحلّنا من رباطات كل خطيئة [134]. القديس أغسطينوس * كان يوحنا ينادي بمعمودية التوبة... والرب ينادي بمعمودية البنوة. * من أين نحن مسيحيون؟ يجيب الكل: أننا مسيحيون بالإيمان، وبأي وجه نخلص؟ واضح أننا نخلص بولادتنا بنعمة المعمودية [135]. القديس باسيليوس الكبير * عظيمة هي المعمودية التي تَهِب لكم: عتق الأسر، غفران المعاصي، موت للخطيئة، ولادة ثانية للنفس، ثوب النور، ختم مقدس لا ينحل، مركبة إلى السماء، نعيم الفردوس، سبب الملكوت، عطية التبني [136]. * كنتم تولدون في نفس اللحظة التي فيها كنتم تموتون، فقد كانت مياه الخلاص بالنسبة لكم قبرًا وأمًا [137]. القديس كيرلس الأورشليمي * ليس بأم وأب، ليس باجتماع بشر، ولا بآلام المخاض نولد ثانية، ولكن من الروح القدس تُصنع أنسجة طبيعتنا الجديدة، وفي الماء تُشّكل، ومن الماء نولد سرّا كما من الروح... الرحم يحتاج إلى زمن طويل فيه يتشّكل الجسد، أما الماء والروح فمنهما تتشكل حياة الروح في لحظة في طرفة عين. * ميلادنا ليس حسب الطبيعة إنما يتم بالكلمات التي ينطق بها الكاهن والتي يعرفها المؤمنون، فيكون جرن المعمودية أشبه برحم فيه يُشّكل المعمد ويولد! إذن نحن أولاد العاقر، نحن أحرار! [138] القديس يوحنا الذهبي الفم * الاستنارة هي المعمودية... هي معينة للضعفاء، هي ترك الجسد واتباع الروح. هي مشاركة الكلمة، استصلاح الجبلة، غرق الخطيئة، مساهمة النور، انتفاضة الظلمة! الاستنارة مركب تسير نحو الله، مسايرة المسيح، أساس الدين، تمام العقل. الاستنارة مفتاح ملكوت السماوات، استعادة الحياة، عتق العبودية، انحلال الرباطات... نحن ندعوها عطية وموهبة المعمودية واستنارة ولباس الخلود وعدم الفساد وحميم الميلاد الجديد وخاتمًا وكل شيء كريم! [139] القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس * أما بالنسبة لنا، نصير سكرى عندما نتقبل الروح القدس الذي يدعى النهر... فإنه بالنسبة لنا نحن الذين ولدنا ثانية بواسطة سرّ المعمودية نمتلئ بالفرح الأعظم فنتقبل بعض بدايات الروح القدس فينا، إذ يصير لنا فهم الأسرّار ومعرفة النبوة وكلمة الحكمة وثبات الرجاء ومواهب الشفاء والسلطان على الشياطين التي تخضع لنا [140]. القديس هيلاري أسقف بواتيه * كما أن قوة النار حينما تتسلط على عروق الذهب المختلطة بتراب الأرض تتحول إلى ذهب نقي، هكذا أيضًا، بل وأكثر من هذا يعمل الروح القدس في المعمودية في الذين يغسلهم، إذ يحوّلهم إلى ما هو أنقى من الذهب عوض الطين،فحينما يحّل الروح القدس كالنار في نفوسنا يحرق أولًا صورة الترابي ليعطى صورة السماوي، فنصير كعملة بهية متلألئة خارجة من أفران الصهر. أما كيف يُخلق الإنسان جديدًا من الماء بواسطة الروح، فبنفس القوة والسرّ اللذين بهما خُلق الإنسان أولًا من التراب. وكما تقوّى التراب وتشدّد بإرادة الله، وصار أعضاءً وأجهزة جسدية كاملة، هكذا وأكثر يعمل الروح القدس بالماء صانعًا أمورًا عجيبة وفائقة للعقل. إذن فلا تشك في عمل الماء والروح في الإنسان الجديد بسبب أنك لا ترى، فأنت أيضًا لا ترى نفسك التي فيك [141]. القديس يوحنا الذهبي الفم * هذه الأم غير المائتة تلد شموسًا جسدانية كل يوم... أم الحياة أولادها مرتفعون فوق الظلام. * من هذه الأم الجديدة التي جعلت الشيوخ أحداثًا، إذ تحبل بهم وتلدهم ليصيروا صبيانًا؟! * المعمودية هي البطن التي تلد كل يوم أحياء، وتقدّسهم ليصيروا إخوة الابن الوحيد. * المعمودية تلدنا ببتوليتها فهي الأم، وهي البتول... * تعالوا يا من في الخارج أدخلوا إلى البنوة، لأن الباب مفتوح، وتمسكوا بالبيت، وابتهجوا بالآب فإنه يقبلكم. تعالوا أيها البعيدون وصيروا بالمعمودية قريبين، لأن بيت الله مفتوح لكل القادمين إليه. تعالوا أيها الغرباء وصيروا من أهله في داخل المياه، واقتنوا لكم أبًا جديدًا في العلي وادعوه أبانا. القديس يعقوب السرّوجي يرى القديس يعقوب السروجي أن الإنسان بدخوله مياه المعمودية، إنما يدخل إلى ميلاده الجديد، فيحرره من ميلاده الجسدي القديم، فبعد أن كان له آدم الذي لدغته الحيّة أبًا، صار له الآب السماوي أباه الجديد، وعوض حواء التي سقطت صارت له المعمودية المقدسة الأم الجديدة. بهذا دخلنا إلى حياة جديدة وإمكانيات جديدة. ويقارن القديس بين المياه المقدسة وكأنها أحشاء بتولية، وبين القديسة مريم البتول. ففي أحشاء البتول قدم لنا الآب ابنه أخًا لنا، ابنًا للبشر، وفي أحشاء المعمودية نصير نحن أبناء الله. في أحشاء القديسة مريم حمل ابن الله طبيعتنا فصار ابنًا للبشر، أما نحن ففي المعمودية قبلنا الاتحاد مع الله فصرنا أبناء الله. * صارت لنا المعمودية أمًا، وصرنا نحن بها أبناء الآب، ندعوه أبانا بمحبة! هذه البطن كوّنتنا روحيًا، لكي بالقداسة نكون أبناء الله. لو لم تهبنا الميلاد الثاني، فمن أين لنا أن ندعوه أبانا السماوي؟! عند حواء نحن تراب وأبناء الموت. أما عند هذه الأم الجديدة فنحن أبناء الله... * من أين لنا الآب السماوي؟ ومتى؟ هوذا أبونا آدم في الهاوية بغباوة، فإن كان ميلادنا من حواء قائم فإننا ندعو أبانا ذاك الذي في الهاوية. أبونا الأول لدغته الحيّة، وانحدرت به إلى الجحيم، وها هو هناك داخل الهلاك مطروح في مذلة يحيط به الوحل، وأصناف الدود. صار السوس لباسه، والعنكبوت رداءه. الأرض من تحته والسوس فوقه. لقد انحط في التراب فاحتضن طينه وابتلى بالهاوية. هذا هو أبونا الأول، وهذه هي بلده. فلو لم يتغير هذا الميلاد لكنا في ذلٍ عظيمٍ... اهربوا أيها السامعون من هذا الذل العظيم، واطلبوا لكم أبًا آخر في السماء. أسرع والتجئ إلى المعمودية واطلبها أمًا لك، فهي تقدم لك أبًا غنيًا مملوء خيرات. إنها تلدك حتى وإن كنت شيخًا، فتجعلك صبيًا محبوبًا للملك أبيك. هي تعلمك أن تدعو: "أبانا الذي في السماوات"، ومنها ولها يكون لنا أب من فوق وليس في الهلاك... * المعمودية تكتب اسمك فوق في السماء، في بيعة الأبكار، ابنًا للآب الجالس بارتفاعه. اعتمد أيها السامع وأدعو "أبانا الذي في السماوات"، فقد صار لك الأب الحقيقي من داخل المياه، هو في السماء في بلدته يتباهى ويتمجد فوق الجبال... * أبوك في السماء وليس في الهاوية... لقد نسينا حواء، وقبلنا أمنا المعمودية التي بدونها كنا قد طرحنا من العلو وبلغنا العمق. تركنا آدم، لأن الله أعدنا أبناء. انكتمت الهاوية عن جنسنا، وها نحن قد تركناها. الآن لسنا ندعو ذاك المسكين المحتاج المنهدم آدم أبًا لنا، لأننا قد وجدنا لنا أبًا آخر مملوء غنى، أخذ موضع ذاك المسكين. * اختار البتول وجعلها أمًا لابنه الوحيد، وفي داخل البطن صار أخًا لبني البشر. أٌحصى مع البشر الذين هم من أسفل، ودُعي ابن الإنسان في كل طرقه، حتى يصير بنو البشر أبناء معه. * استبدل الأم التي هي من أسفل بأم أنزلها معه من بيت أبيه! المعمودية هي البطن الطاهرة الممتلئة نورًا، تلد كل يوم الأحياء ببتوليتها، وتغير البشر فتجعلهم أبناء الله. تستقبل الجسدانيين وتهبهم كل روحانية بالقداسة. اختلط فيها الجنس بالجنس، لتجعل الذين من أسفل عاليين. تجنَّس بيت آدم مع الله، لكي يدعو الآب أبًا... أنزل الروح القدس في الماء، وأنزلهم حتى يصيروا بميلادهم اخوة لابنه الوحيد، ويصير لهم -في المعمودية- أبًا بدون ألم! * أٌعطيت مريم الجسد ليتجسد الكلمة، وأعطيت المعمودية الروح لتجديد الناس، إذ صار لنا أخًا في البطن وجعلنا نحن أبناء بالمعمودية لندعو أبانا الذي في السماوات... * تجنَّسنا بلاهوته في داخل المياه، صرنا بالحقيقة أبناء، ومنذ ذلك الحين صار لنا أن ندعوه أبانا، ذاك الخفي الذي أعطانا روحه بالمعمودية [142]. القديس يعقوب السروجي يقول الرسول بولس: "لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح" (غل 3: 27). في المعمودية تتم ولادتنا لله بلبسنا السيد المسيح الابن الوحيد الجنس monogenyc `Uioc، نلبسه لا بطريقة جسدية، بل لباسًا روحيًا داخليًا، فيه تختفي طبيعتنا، واهبًا إيانا نفسه دون أن يٌفقدنا شخصياتنا. إننا نلبس المسيح لا كثوب خارجي، بل نتحد به ونتفاعل معه لنحمل شركة طبيعته دون أن نفقد طبيعتنا الإنسانية. * إذ اعتمدتم في المسيح، ولبستم المسيح، صرتم خاضعين لابن الله... بهذا تصيرون شركاء المسيح [143]. القديس كيرلس الأورشليمي * الذي يعتمد للمسيح لا يولد من الله فقط، بل يلبس المسيح أيضًا. لا نأخذ هذا بالمعنى الأدبي كأنه عمل من أعمال المحبة بل هو حقيقة. فالتجسد جعل اتحادنا بالمسيح وشركتنا في الألوهية أمرًا واقعيًا [144]. القديس يوحنا الذهبي الفم يقول العلامة ترتليان: [بالمعمودية يستعيد الإنسان تشبهه بالله [145].] يتحقق هذا الشبه باتحاد النفس مع مخلصها اتحادًا حقيقيًا، حيث تتطعم فيه كالغصن في الشجرة ليحمل ثمارها فيه. وقد استخدم السيد مثل الكرمة والأغصان (يو 15) ليعلن أنه هو سرّ حياتنا، عليه نقتات، كما يحيا الغصن على العصارة التي تقدم له من الأصل. وكأن عمل الروح القدس هو تطعيمنا "في المسيح". هذه العبارة: "في المسيح" استخدمها الرسول بولس 164 مرة في رسائله، ولا نكون مبالغين إن قلنا أن جميع كتاباته في جوهرها ليست إلا تعليقات على هذه العبارة العميقة الغنية [146]. "في المسيح" نقبل موته وقيامته (رو 6)، فإذ ننزل إلى مياه المعمودية نختفي فيه عن أعين العالم، أي ندفن معه ونموت، وإذ نصعد من المياه نقوم أيضًا "فيه" متمتعين بالميلاد الجديد أو الحياة الجديدة المُقامة، نترك خطايانا ونقوم حاملين برّ المسيح فينا. بمعنى آخر، في المعمودية نختفي في المسيح، فنقبل موته موتًا لنا، وقيامته قيامة لنا. ندخله في حالة اتحاد على مستوى زواج روحي، فيه تتحد طبيعتنا به ونوجد نحن فيه كما يتحد الزوجان فيصيران جسدًا واحدًا دون أن يفقد أحدهما شخصه،في هذا الاتحاد ننعم بما للمسيح، حياته وسماته وأعماله (غل 17:6). تصير لنا نصرته على الشيطان نصرة لنا (2 كو 14:2)، وبرَّه برَّنا (1 كو 11:6)، وفكره فكرنا (1 كو 16:2)، وكهنوته كهنوتنا، وملكوته ملكوتنا، ميراثه ميراثنا (رو 17:8)، وأمجاده أمجادًا لنا، حتى عبادته تحسب عبادتنا نحن [147]، وأمه صارت أمًا لنا [148]، واخوته الأصاغر هم إخوتنا. هذا هو التطعيم في المسيح، يأخذ الروح القدس مما للمسيح يسوع ويعطينا بغير كيلٍ. وقد نقل الأب توما الأكويني هذا المفهوم عن القديس أغسطينوس متحدثًا عن فاعلية المعمودية، قائلًا: [الذين يتقبلونها يتحدون مع المسيح كأعضاء له، فيتحقق شيء من ملء النعمة والفضيلة يفيض في كل الأعضاء من الرأس الذي هو المسيح، وكما يقول القديس يوحنا: "من ملئه نحن جميعًا أخذنا" (يو 1: 16) [149].] الولادة الجديدة وسرّ الفصحفي رسائل معلمنا بولس الرسول "سرّ الفصح" هو مركز التعليم بالمعمودية [150]، فميلادنا الجديد في حقيقته هو تمتع شخصي بفصح المسيح، عبور بالمسيح ومعه: "فدُفِنَّا معهُ بالمعموديَّة للموت، حتى كما أُقِيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضًا في جدَّة الحياة. لأنه إن كُنَّا قد صرنا متحدين معهُ بشبه موتهِ، نصير أيضًا بقيامتهِ". (رو 4: 5-6) في المعمودية لا نتقبل رمزًا لفصحه، بل شركة حقيقية في سرّ فصح المسيح، فنقبل بالإيمان: "عمل الله الذي أقامهُ من الأموات" (كو 2: 12)، ليعبر بنا إلى الحياة المقامة ويجلسنا معه في السماويَّات (أف 2: 4-6). * ندفن مع المسيح بواسطة المعمودية لكي نقوم معه [151]. القديس غريغوريوس النزينزي * لقد سُئلتم: أتؤمنون بالمسيح يسوع وبصليبه؟ وقلتم: نؤمن، وغطستم في الماء. هذا هو السبب الذي لأجله دفنتم مع المسيح: أن من يدفن مع المسيح يقوم معه [152]. القديس أمبروسيوس * المعمودية ليست فقط تطهيرًا من الخطايا ونعمة البنوة، لكنها أيضًا تمثُلًا بآلام المسيح [153]. القديس كيرلس الأورشليمي * في المعمودية يتحقق عربون ميثاقنا مع الله: الموت والدفن والقيامة والحياة. يحدث هذا كله دفعة واحدة! عندما نُغطس رؤوسنا في الماء يُدفن الإنسان العتيق كما في القبر من أسفل، يغطس بكماله إلى الأبد. وإذ نقيم رؤوسنا من جديد يقوم فينا الإنسان الجديد عوض الإنسان القديم. كما يسهل علينا أن نغطس برؤوسنا ونقيمها ثانية، هكذا يسهل على الله أن يدفن الإنسان القديم ويُظهر الجديد. هذا يحدث ثلاث دفعات لكي تعلموا أن ما يتم إنما هو بقوة الآب والابن والروح القدس. ولئلا تظنوا أن ما أقوله هو على سبيل الحدس اِسمع ما يقوله بولس: "دُفِنَّا معهُ بالمعمودية للموت"، وأيضًا: "إنساننا العتيق قد صُلِب معهُ"، "متحدين معهُ بشبه موتهِ" (رو 4:6، 3). ليس فقط المعمودية تُدعى صليبًا، بل والصليب أيضًا يدعى معمودية، إذ يقول المسيح: "بالمعمودية (بالصبغة) التي أعتمد (اصطبغ) بها أنا تعتمدان (تصطبغان)" (مر 10: 39)، "لي معمودية أعتمد بها (ولي صبغة اصطبغها)" (لو 12: 50). وكما يسهل علينا أن نُغطس رؤوسنا ونقيمها ثانية، هكذا في أكثر سهولة مات المسيح وقام حين أراد ذلك، وإن كان قد بقي ثلاثة أيام من أجل تدبير السرّ [154]. القديس يوحنا الذهبي الفم * العماد هو الصليب. ما قد حدث بالنسبة للمسيح في الصلب والدفن يصنعه العماد معنا، وإن كان ليس بذات الطريقة. لقد مات المسيح بالجسد ودفن، أما نحن فنموت عن الخطية ونُدفن... إن كنت تشاركه الموت والدفن، فبالأولى تشاركه القيامة والحياة... [155] * لا تعجب من حدوث ولادة وهلاك في المعمودية... هذا هو عمل النار: تصهر الشمع وتستهلكه، وتحلُّ العناصر المعدنية وتُخرج ذهبًا. قبل العماد كنا أرضًا، بعده صرنا ذهبًا."الإنسان الأوًّل من الأرض ترابي. الإنسان الثاني الربُّ من السماء". (1 كو 15: 47) [156] القديس يوحنا الذهبي الفم _____ الحواشي والمراجع: [132] Cat. Lect. 3:14. [133] Holy Baptism, p 50. [134] In Joan. hom 19. [135] On Bapt., On The Holy Spirit 10. [136] Procatchesis 16. [137] Cat Mys. 2:4. [138] Comm. on Gal, Ch 4. للمؤلف: الله مقدسي، ص 48 [139] للمؤلف: الحب الإلهي، ص 855،856. [140] Tract. In 64 Ps., 15. [141] للمؤلف: الحب الإلهي، ص 847. [142] ميمر عن المعمودية المقدسة. [143] Cat. Myst. 3:1. [144] للمؤلف: الله مقدسي، ص 52. [145] De Baptismo 5. [146] Francoise Cuttz: Baptism, Divine Birth, p 9. [147] للمؤلف: المسيح في سرّ الإفخارستيا، 1975، باب 1، فصل 1.. [148] للمؤلف: القديسة مريم في المفهوم الأرثوذكسي، 1980. [149] 3 q 69:94. [150] Rev. J. P. Schanz: The Sacraments of Life and Worship, Milwaukee 1966, p 108. [151] PG 36:369 B. [152] De Sacr. 2:20. [153] PG 33:1081 B. [154] In Joan. hom 25. [155] In Joan. hom 25. [156] In Colos. hom 7. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
المعمودية سرّ العضوية الكنسية أعضاء جسد المسيح الواحدأكد السيد المسيح أنه لا دخول إلى ملكوت الله بغير الولادة من الماء والروح (يو 3: 5)، وإذ الكنيسة في جوهرها هي "ملكوت الله" فلا دخول إلى العضوية الكنسية الداخلية إلا خلال مياه المعمودية،لهذا دعيت المعمودية "رحم الكنيسة"، خلالها يُولد على الدوام أبناء جدد للكنيسة، لهم حق التمتع بالمائدة الملوكية وشركة العبادة لله، بكونهم أعضاء جسد المسيح الواحد. خلالها ليس فقط ينعم المؤمن بالعضوية الكنسية الخفية، إنما يدخل إلى الوحدانية الشاملة، وحدانية مع المسيح كرأسٍ له، ومع بقية الأعضاء كجسدٍ واحدٍ: "لأننا جميعنا بروحٍ واحدٍ أيضًا اعتمدنا إلى جسدٍ واحدٍ يهودًا كنا أم يونانيين عبيدًا أم أحرارًا وجميعنا سُقِينا روحًا واحدًا... وأمَّا أنتم فجسد المسيح وأعضاؤُه" (1 كو 12: 13، 27). * أنتم الذين سجلتم أسماءكم تصيرون أبناء وبنات أم واحدة [157]. القديس كيرلس الأورشليمي * الذين كانوا قبل عمادهم أسرّى الآن يتمتعون ببهاء الحرية، صاروا أعضاء الكنيسة سالكين في نور البرّ البهيّ بعد ما كانوا سائرين في طرق الضلال الحالك وظلام الخطيئة القاتم. حقًا إنهم الآن محررون، ليس ذلك فقط بل قديسون وأبرار، أبناء وورثة، إخوة المسيح ووارثون معه، أعضاء جسده الطاهر وهياكل للروح القدس. تأمل في العطايا الجزيلة والمواهب الثمينة التي يمنحها سرّ العماد! كثيرون يظنون إنه يغفر الخطيئة فقط، أما نحن فقد أحصينا له عشرة مفاعيل تجعل النفس في مركز سامٍ ومقام جليل لا يوصف [158]. القديس يوحنا الذهبي الفم في العهد القديم إذ أقام الله عهدًا مع إبراهيم ونسله كشعبٍ خاصٍ به جعل الختان الجسدي هو العلامة الظاهرة لهذا العهد، إذ يقول الرب: "هذا هو عهدي الذي تحفظونهُ بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك. يُختَن منكم كل ذكرٍ... وأما الذكر الأغلف الذي لا يُختَن في لحم غرلتهِ، فتُقطَع تلك النفس من شعبها. إنه قد نكث عهدي" (تك 17: 10-14). وجاءت المعمودية ختانًا روحيًا (كو 2: 11) وختمًا داخليًا، خلاله ندخل إلى العضوية في الجماعة المقدسة: الجنس المختار والكهنوت الملوكي والأمَّة المقدَّسة والشعب المُقتنَى (1 بط 2: 9). بهذا نحسب أولاد إبراهيم روحيًا. في هذا يقول الرسول بولس: "اعلموا إذًا أن الذين هم من الإيمان أولئك هم بنو إبراهيم... لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح. ليس يهودي ولا يوناني. ليس عبد ولا حر. ليس ذكر وأنثى لأنكم جميعًا واحد في المسيح يسوع. فإن كنتم للمسيح، فأنتم إذًا نسل إبراهيم وحسب الموعد وَرَثَة" (غل 3: 27-29). المعمودية والعروس!إن كنا في المعمودية نتقبل العضوية في جسد المسيح الأقدس، فبهذا تتشكل النفس لتصير عروسًا مقدسة للرب، فتسمع صوت عريسها يقول لها: "فحمَّمتكِ بالماء،ِ وغسلت عنكِ دماءَكِ، ومسحتكِ بالزيت... وجُمّلْتِ جدًّا جدًّا فصلحتِ لمملكةٍ. وخرج لكِ اسم في الأمم لجمالكِ، لأنه كان كاملًا ببهائي الذي جعلتهُ عليكِ..." (حز 16: 8-14). * عروس الملك (المعمودية التي تقدس الشعوب) صنعت عرسًا للعالم جميعه... من هي هذه العروس التي صعدت من داخل المياه، تشبه عطر البخور المختبر من كل الأطياب؟! من هذه التي خاف من جمالها نهر الأردن؟! من هذه التي عندها الشمس كالظل، ومنظر نورها يحجب نور النهار؟! من هذه المتَّكئة على الوحيد والمصطبغة بدمه، تحتضنه لتفرح به؟! * المعمودية هي عروس الملك التي تحبل وتلد له، يسندها الابن الوحيد بروح أبيه. أنها خطيبة الشمس التي استضاءت بها الخليقة كلها، ودُعي العالم إلى النور بمحبة. * تعالي أيتها الزانية وابسطي يدك للابن الوحيد، فيجعلك بتولًا بالمياه المقدسة. تعالي أيتها السوداء التي لوّحتها الشمس وغيَّرت لونها... والبسي الجلالة واقتني النور بالمياه الطاهرة... تعالي انزلي والبسي الثياب التي نسجها اللاهوت لك، واصعدي وأرينا جمالك الخالد لنفرح بك. تعالي تزيّني من الينبوع بقلادة الحياة وبحلّي الروح القدس لينظرك العالم. جدائل الذهب هي للعروس التي صعدت من الماء، صفائح الفضة تكثر الحُسن لسيدة البهاء. إنهم يجلبون الياقوت من كموش لرأسها المرتفع، وصفوف الحجارة الكريمة من الهند... الجبال تقدم لك الزمرد الثمين... والأعماق ترسل لك اللؤلؤ من مخازنها. يحضرون حجارة المجد من بحر الظلمات، ومن أوفير الذهب والخرز الجميل، والعقيق الذي للملوك والجزع... خطيبها غنيُّ، يُكثِّر جمالها بأشكال كثيرة. قالت العروس: عوض الحُليّ لي الصليب هو زينتي... عوض جدائل الذهب والمرجان أضاءَ وجهي. عوض صفائح الفضة قدَّسني. عوض الياقوت والخواتم وهبني مساميره لأصنع منها جميع زينة الخطبة. ما أجمل ابنة الأمم! [159] القديس يعقوب السروجي _____ الحواشي والمراجع: [157] Procat. 13. [158] To The Catechamens. [159] ميمر عن المعمودية المقدسة. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
المعمودية سرّ الاستنارة الروحية في طقسنا المعاصر، قبل الاحتفال بعيد القيامة المجيد أو الفصح المسيحي، يُقرا الإنجيل الخاص بتفتيح عينيْ الأعمى في أحد التناصير، الأحد السابق لأحد الشعانين. وكأن العماد المقدس (التناصير) في حقيقته تفتيح لبصيرتنا الداخلية لمعاينة أسرار الحب الإلهي، فنقبل دخول المسيح نور العالم إلى أورشليمنا الداخلية لكي ننعم به بسرّ الفصح الحقيقي كسرّ استنارة يمس حياتنا الشخصية. بهذا نفهم كلمات ربنا نفسه عن العماد المقدس، إنه بدونه لا نقدر أن نعاين ملكوت الله (يو 3: 3، 5)، أي بدونه لا تكون لنا البصيرة الداخلية المستنيرة التي تدرك ملكوت النور وتنعم به. على ضوء هذا نفهم كلمات الرسول بولس في (عب 6: 4-6) أن "الذين استنيروا مرة [160]"، أي الذين نالوا سرّ العماد، وسقطوا لا يمكن تجديدهم مرة أخرى، أي لا تعاد معموديتهم، لأن المسيح يسوع قد صلب مرة واحدة ولا تكرار للمعمودية [161]. لهذا السبب دُعي عيد عماد السيد المسيح بعيد الأنوار، ولنفس السبب اعتاد المعمدون قديمًا أن يحملوا الشموع أو السرّج أو المشاعل بعد خروجهم من الجرن مباشرة. * يسمى هذا الاغتسال -أي المعمودية- استنارة، لأن الذين يتعلمون هذه الأمور تستنير أفهامهم [162]. القديس يوستين * تُغفر خطايانا بدواء عظيم، بمعمودية الكلمة. إننا بالمعمودية نتطهر من جميع خطايانا، ونصير في الحال مُبرئين من الشر. وهي بعينها نعمة الإنارة، حتى أننا لا نبقى بعد اهتدائنا (تغيير طريقنا) كما كنا قبل أن نغتسل، نظرًا إلى أن المعرفة تبزغ مع الاستنارة، وتضيء حول العقل، ونحن الذين كنا بلا معرفة أصبحنا في التوٍ متعلمين،هذه المعرفة التي قد أنعم علينا بها... لأن التعليم البديهي يقود إلى الإيمان، والإيمان يُلقَّن لنا بالروح القدس في المعمودية [163]. * إذ نعتمد نستنير، وإذ نستنير نُتبنى، وإذ نُتبنى نكمل... ويُدعى هذا الفعل بأسماء كثيرة اعني نعمة واستنارة وكمالًا وحميمًا... فهو استنارة إذ به نرى النور القدوس الخلاصي، أعني أننا به نشخص إلى الله بوضوح [164]. القديس إكليمنضس السكندري * بثلاث غطسات ودعاء مساوٍ لها في العدد يتم سرّ المعمودية العظيم لكي يتصور رسم الموت وتستنير نفوس المعمدين بتسليم معرفة الله [165]. القديس باسيليوس الكبير * الاستنارة وهي المعمودية... هي معينة الضعفاء... مساهمة النور... انتفاض الظلمة. الاستنارة مركب يسير تجاه الله، مسايرة المسيح، أساس الدين، تمام العقل! الاستنارة مفتاح الملكوت واستعادة الحياة.. نحن ندعوها عطية وموهبة ومعمودية واستنارة ولباس الخلود وعدم الفساد وحميم الميلاد الثاني وخاتمًا وكل ما هو كريم [166]. القديس غريغوريوس النزينزي * المعمودية هي ابنة النهار، فتحت أبوابها فهرب الليل الذي دخلت إليه الخليقة كلها! * المعمودية هي الطريق العظيم إلى بيت الملكوت، يدخل الذي يسير فيه إلى بلد النور! * هذا الثوب الذي لبسته يا إنسان داخل المعمودية سداه نور، ولحمته روح، وهو لهيب. لقد أعده لك الآب، ونسجه لك الابن، وأحاكه لك الروح. في داخل المياه نزلت ولبسته إلهيًا. لقد قدم الثالوث النار بالمعمودية ليحرق الإثم ولكي تحيا النفوس مع الله [167]. مار يعقوب السروجي _____ الحواشي والمراجع: [160] يشير الرسول بولس عن المعمودية كاستنارة روحية في عب 2:6، 32:10.. [161] سنعود لتوضيح ذلك في نهاية الكتاب "الأسئلة". [162] Apology 1:16. [163] Kay’s Writings of Clement of Alexandria, p437. القمص باخوم المحرقي (أنبا غريغوريوس حاليا): القيم الروحية.. في سرّ المعمودية، ص 47. [164] Paed. 1:6. [165] On The Holy Spirit 15. [166] للمؤلف: الحب الإلهي ص 855-856. [167] ميمر عن المعمودية المقدسة. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
المعمودية وعطية الروح القدس الارتباط بين سرّيْ العماد والتثبيتبعد التغطيس ثلاث مرات في مياه المعمودية المقدسة يصعد المُعمَّد ليضع الأسقف يده عليه، ويصلي من أجل نواله عطية الروح القدس. استبدل هذا الطقس بطقس آخر هو دهن جميع أعضاء المُعمَّد بمسحة الميرون [168] لذات الغرض، وإن كنا في ظروف خاصة يمكن العودة للطقس الأول في بدء انطلاقه كما في حالة عماد سيدة. على أي الأحوال، لست الآن أتحدث عن الطقس في طريقة ممارسته وإنما أود توضيح ارتباط السرّين معًا: المعمودية والميرون منذ القرون الأولى، ولا زالا مرتبطين معًا حتى يومنا هذا في الطقس القبطي، وكأنهما طقس واحد. وحين نتحدث عن فاعلية المعمودية في حياتنا غالبًا ما نضم إليه فاعلية سرّ الميرون أو التثبيت لارتباطهما الشديد معًا. وفي الغرب كان السرّان مرتبطين معًا، ففي إحدى العظات يروي القديس أغسطينوس قصة طفل مات بغير عماد ثم عادت إليه الحياة: [في الحال أسرّعت به أمه إلى الكهنة. لقد اعتمد، لقد تقدس ودُهن ووضعت عليه الأيدي. وبعد أن تمت كل الأسرّار أخذته [169].] هذا الالتحام في الطقسين معًا أغنى الكنيسة الأولى في الشرق والغرب كما أغنى كنيستنا إلى يومنا هذا عن التساؤل الذي أثاره بعض اللاهوتيين بسبب تأخيرهم سرّ التثبيت زمانًا بعد المعمودية، ألا وهو: هل يهب سرّ التثبيت عطية أكمل لسكنى الروح القدس في روح الإنسان هذا الذي سبق فمنح له قبلًا في المعمودية؟ أم أن الروح القدس يحل في حياة المعمد في سرّ التثبيت وحده؟ أو بمعنى آخر، هل الروح القدس في حلوله على المعمودية يحل على المياه ليقدسها ويهيئ قلب المعمد لاستقبال الروح القدس دون أن يحل فيه؟! في لاهوتنا الأرثوذكسي نميل إلى الجانب العملي الذي يمس حياتنا أكثر من الدخول في تعاريف ومجادلات نظرية، لذا فلا ضرورة للإجابة على مثل هذا التساؤل مادام السرّان يمثلان طقسًا واحدًا، فيه ينعم المعمد بفاعلية السرّين معًا. حتى أنه في سرّ المعمودية نفسها يسكب الكاهن دهن الميرون في نهاية تقديس المياه قبل تغطيس المعمد. هذا واللاهوتيون في الشرق والغرب يؤكدون أن وضع إجابة محددة لمثل هذا التساؤل صعب للغاية، لأنه في الكتاب المقدس كما في لغة آباء الكنيسة الأولين جاء الحديث عن المعمودية غالبًا ما يعني المعنى الشامل الذي يضم في طيّاته وضع الأيدي أو المسح بدهن الميرون. مع هذا يلزمنا أن نوضح النقاط التالية: 1. في سفر الأعمال كما في كتابات الكنيسة منذ بدء انطلاقها، وُجد تمييز واضح بين المعمودية ووضع الأيدي (سرّ التثبيت) أو المسحة المقدسة، إذ يقول الكتاب: "ولما سمع الرسل الذين في أورشليم أن السامرة قد قبلت كلمة الله أرسلوا إليهم بطرس ويوحنا. اللذَين لما نزلا صلَّيا لأجلهم لكي يقبلوا الروح القدس. لأنه لم يكن قد حلَّ بعدُ على أحدٍ منهم. غير أنهم كانوا معتمدين باسم الربّ يسوع. حينئذٍ وضعا الأيادي عليهم فقبلوا الروح القدس" (أع 8: 14-17). هنا التمييز واضح بين العماد باسم الرب يسوع وحلول الروح القدس بوضع الأيدي. مرة أخرى نرى الرسول بولس يُعمد في أفسس باسم الرب يسوع الذين سبق عمادهم بمعمودية يوحنا، وبعد ذلك "لما وضع بولس يديهِ عليهم حلَّ الروح القدس عليهم، فطفقوا يتكلَّمون بلغاتٍ ويتنَّبأُون" (أع 19: 6). يرى البعض في حديث الرسول بولس في (1 كو 12: 13): "لأننا جميعنا بروح واحد أيضًا اعتمدنا إلى جسد واحد... وجميعنا سُقينا روحًا واحدًا" تمييزًا بين عمل الروح القدس في المعمودية إذ يضمنا إلى جسدٍ واحد وبين حلوله في سرّ التثبيت حيث نستقي هذا الروح الواحد، وأن العمل الأول يهيئ للثاني. يميز القديس أغسطينوس بين المعمودية والتثبيت، أو بين الميلاد الروحي والتقوّت بالروح، فيقول أن الميلاد بالروح هو أن نتقبل غفران الخطايا. هذه العطية الأولى تقود إلى عطايا أخرى للروح، فهي تهيّئنا لكي يسكن الروح فينا ليعمل البرّ وينمّيه ويكمّله فينا [170]. وفي حديث له مع المعمّدين حديثًا بخصوص الإفخارستيا يقارن بين الخبز الذي نتقبله والخبز الذي نحن هو (1 كو 10: 16-17) فيقول: [عندما تُلِيَت عليكم (صلوات طرد الأرواح) أقول أنكم قد طُحنتم، وعندما اعتمدتم أقول أنكم عُجِنتم بالماء، وعندما قبلتم نار الروح القدس أقول أنكم خُبِزتم (في النار).] هنا يميز القديس بين جحد الشيطان والتمتع بالغسل والتثبيت. جاء في حديث لأسقف أسباني في منتصف القرن السابع يسمى Hildefonus of Toledo: [وهكذا يدهن الإنسان بالمسحة المقدسة من الخارج، وتحل عليه قوة الروح القدس في الداخل، حتى أنه كما يتطهر الإنسان بكامله في الجرن يغتني بكامله بمسحة الروح، وإذ تتقبل النفس قوة من مسحة الروح القدس تعرف الله كساكنٍ فيها، وتحب ذاك الذي تقبلته داخلها، فتكون معه على الدوام يهبها الحكمة لتصنع مشيئته، فلا تحزنه إذ خُتم الإنسان به في يوم فدائه [171].] ويميز باسيوس Pacian أسقف Barcelona في القرن الرابع بين السرّين بقوله: [بالجرن تغسل الخطايا وبالميرون ينسكب علينا الروح القدس، هذان الأمران يتحققان بيد الأسقف وفمه، بهذا يولد الإنسان كله مرة أخرى ويصير جديدًا في المسيح [172].] ويقول الأب ملشيادس Malchiades أسقف روما في القرن الرابع: [ينزل الروح القدس على مياه المعمودية فيعطي صحة في الجرن يهب كماله لكي يعطي براءة، وفي التثبيت يقدم ما هو أكثر، فينتج نعمة! في المعمودية تجددنا للحياة، أما بعد المعمودية فتقوَّينا للمعركة. في المعمودية اغتسلنا، أما بعد المعمودية فصرنا أقوياء [173].] 2. يرى بعض اللاهوتيين في نزول مياه المعمودية يتقبل المعمد الدفن مع السيد المسيح، فيخلع الإنسان القديم ويموت عن أعماله الشريرة، وفي صعوده يتقبل قوة القيامة أو الحياة الجديدة المقامة، عندئذ يتهيأ المُعمَّد لقبول الروح القدس، كما تقبل التلاميذ الروح القدس بعد قيامته. هؤلاء يرون أن الروح يحل على مياه المعمودية ويقدسها ويعمل في المُعمَّد ليصير ابنًا لله وعضوًا في جسد المسيح، بهذا يصير هيكلًا مقدسًا مُعدًا لاستقبال الروح القدس الذي يُوهب له في سرّ التثبيت. وكأن حلول الروح القدس يكون قاصرًا على المياه لا على السكنى في المعمد، إنما يعمل فيه ويهيئه لسكناه الدائم. هؤلاء يؤكدون نظرتهم هذه من حلول الروح القدس على السيد المسيح بعد المعمودية مباشرة وليس في أثنائها (مر 1: 10، مت 3: 16، لو 3: 21-22، يو 1: 31-34)، ومن تصرف الرسل أنفسهم الذين كانوا يُحدرون الروح بصلواتهم ووضع الأيدي على المؤمنين بعد العماد مباشرة (أع 8: 14-17، 19: 1-6). 3. يجيبهم القائلون بأن الروح القدس أيضًا يَحلُّ على المُعمَّد أثناء العماد بقولهم أن هذه النصوص الإنجيلية تؤكد قبول الروح القدس في سرّ التثبيت وهذا أمر نُقرَّه، لكن هل هذا يقصر الحلول في هذا السرّ وحده؟ هؤلاء يقولون بأن الروح يَحلُّ على المُعمَّد ويسكن فيه أثناء العماد مقدمًا له عملًا خاصًا وفاعلية خاصة كالبنوة لله والعضوية في جسد المسيح الواحد، ويَحلُّ على الشخص ذاته في سرّ التثبيت ليُكمل عمله فيه، فيعطيه ثباتًا في جهاده وتعزية، كما يقدم له تبكيتًا على ما قد يسقط فيه من ضعفات لتجديد معموديته بدموع التوبة. والروح القدس نفسه يحل على من يُسام أسقفًا فيُعطى موهبة الأسقفية، وعلى من يُسام قسًا يُعطى نعمة القسيسية، وهو الذي يحل على العروسين ليوحّدهما كجسدٍ واحدٍ في الرب. وكأن الروح القدس في حلوله ليس قاصرًا على سرّ التثبيت وحده. ويستند هؤلاء على بعض العبارات الإنجيلية التي تشهد بقبول عطية الروح القدس في سرّ المعمودية المقدسة، نذكر على سبيل المثال: أ. قول الرسول بطرس في عيد البنطقستي: "توبوا وليعتمد كل واحدٍ منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس" (أع 2: 38). ب. قول حنانيا لشاول الطرسوسي قبيل عماده: "قد أرسلني الرب يسوع الذي ظهر لك في الطريق الذي جئت فيهِ لكي تبصر وتمتلئَ من الروح القدس. فللوقت وقع من عينيهِ شيء كأنه قشور، فأبصر في الحال، وقام اعتمد" (أع 9: 17-18). ج. يربط الرسول بولس بين روح التبني الذي هو من صميم عمل المعمودية وسكنى الروح القدس فينا، قائلًا: "لننال التبنّي. ثم بما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنهِ إلى قلوبكم صارخًا يا أَبَا الآب" (غل 4: 5-6). وكأنه بدون سكنى الروح القدس الذي هو روح الابن، لا نستطيع مناداة الآب "أَبًا"، أي لا ننعم بالبنوة لله. هكذا تلتحم بنوَّتنا لله بسكنى الروح فينا، وإن كان البعض يفسر هذه العبارة إنه إذ صرنا في المعمودية أبناء تأهلنا لقبول الروح القدس فينا فنمارس عمليًا هذه البنوة له. د. يرى البعض في قول الرسول: "لأننا جميعنا بروحٍ واحدٍ أيضًا اعتمدنا إلى جسدٍ واحدٍ يهودًا كنا أم يونانيين، عبيدًا أم أحرارًا، وجميعنا سُقِينا روحًا واحدًا" (1 كو 12: 13) تأكيدًا لقبول عطية الروح القدس فينا هذا الذي يعطينا العضوية في جسد المسيح الواحد،ويقدم لنا شرابًا روحيًا. شهادة الآباءيصعب وضع إجابة محددة من واقع تراث الآباء، إذ لم يُثر هذا التساؤل في ذهنهم لارتباط السرّين معًا في الطقس، لكنه إن وجدت عبارات في هذا الشأن إنما جاءت عرَضًا وسط الحديث، لا بقصد وضع إجابة على هذا التساؤل. في القرن الثاني يتحدث العلامة ترتليان في مقالة عن المعمودية عن هذا السرّ كتهيئة لقبول الروح القدس في سرّ التثبيت الملتحم بالمعمودية: [لا ننال الروح القدس في المياه، وإنما نتطهر فيها بخدمة الملاك فنتهيأ للروح القدس.] [توضع اليد علينا في البركة ويُستدعى الروح القدس... الذي يحل بإرادته من عند الآب على الأجساد التي تطهرت وتباركت [174].] وجاء القديس كبريانوس غالبًا ما يحمل ذات الاتجاه، إذ يقول: [لا يولد الإنسان من جديد خلال وضع اليد حين يتقبل الروح القدس، أما في المعمودية إذ يولد الإنسان يتقبل الروح (ربما يقصد إنه يتهيأ لقبوله)، إذ يتخلص الإنسان من خطاياه في المعمودية يتقدس ويتشكل روحيًا كإنسان جديد، بهذا يكون مُهيأ لقبول الروح القدس [175].] وفي حديث القديس كرنيليوس أسقف روما في القرن الثالث يقول: [إن نوفاتيوس Novatian لم ينعم بالروح القدس لأنه لم ينل ختم الأسقف.] [على أي الأحوال في شفائه من المرض لم ينل المواهب الأخرى التي يلزم للإنسان أن يتمتع بها حسب نظام الكنيسة ولم ينل ختم الأسقف،وإذ هو لم يحصل عليه كيف يقدر أن ينال الروح القدس؟! [176]] يكشف هذا الحديث عن عطية الروح القدس التي تُمنح خلال ختم الأسقف، لكن الحديث ليس فيه نفي لحلول الروح القدس على المعمد قَبِل نواله الختم المبارك. يرى البعض في هذا الحديث أن القديس كرنيليوس يعبر عما حدث لنوفاتيوس الذي قبل العماد تحت ضغط المرض والخوف من الموت لكن قلبه كان منحرفًا، أي قبل المعمودية بنيّة غير صادقة فلم ينل عطية الروح. لقد أكد العلامة أوريجينوس قبول المُعمد الروح القدس ليسكن فيه، إذ يقول: [الذي يغتسل للخلاص يتقبل الماء والروح القدس [177].] لكننا لا ننسى أن أوريجينوس أيضًا كان يتطلع أحيانًا إلى المعمودية بمفهوم أوسع يشمل السرّين معًا، ففي كتابه المبادئ يقول: [في أعمال الرسل كان الروح القدس يُعطى في المعمودية بوضع أيدي الرسل.] وبعد ذلك بقليل يقول: [كانت نعمة الروح القدس وإعلانه يُسلَّمان خلال وضع أيدي الرسل بعد المعمودية [178].] فيما يلي بعض أقوال لآباء الكنيسة تُوضِّح قبول عطية الروح القدس في المعمودية: * ماذا قبلوا إلا الروح القدس الذي يُعطى للمؤمنين الذين وُلدوا ثانية بواسطة غسل التجديد؟! [لكنه يعود فيكمل] منذ ذلك الحين (البنطقستي) والروح القدس يعطي الذين ولدوا ثانية بوضع أيدي الرسل [179]. البابا أثناسيوس الرسولي * هذا تجديدنا، يجعلنا على صورة الله من جديد، وذلك بغسل التجديد والروح القدس الذي يجددنا فنصير أبناء الله، نصير خليقة جديدة مرة أخرى بشركة الروح ويخلصها مما كان عتيقًا [180]. القديس باسيليوس الكبير * أي مؤمن يحيا حسب الوصايا وينجح في عمله الروحي يجب عليه أن يؤمن بأنه سبق أن أُعطي له القدرة على ذلك، لأنه نال في المعمودية نعمة الروح القدس، الذي هو مصدر كل خير، مصدر كل فضيلة، ليس فقط الفضائل الداخلية والروحية بل والمنظورة أيضًا. ليت كل إنسان فاضل يُدرك أنه لا يقدر أن يصنع خيرًا من ذاته، لأن الرجل الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصالحات (مت12: 35) وليس من ذاته. الكنز يعني الروح القدس المخفي في قلوب المؤمنين [181]. القديس مرقس الناسك * (المعتمد) ينال الروح القدس فيه ويحمل فعلًا لقب هيكل الله [182]. القديس كيرلس السكندري * أيها الوحيد الذي أعطانا روحه بالمعمودية، أعطني كلمة لأرتل لك بها بمحبة. * نزل الابن الوحيد وأقامك من المزبلة وأعطاك روحه بالمعمودية وجعلك أخاه... * تجنّسنا بلاهوته في داخل المياه، وصرنا أبناءً بالحقيقة، ومنذ ذلك الحين صار لنا أن ندعوه أبانا، ذاك الخفي الذي أعطانا روحه بالمعمودية [183]. مار يعقوب السروجي في خولاجي eu,ologion القديس صرابيون أسقف تيمي وصديق البابا أثناسيوس الرسولي، نلاحظ تمييزًا واضحًا بين خدمة الدهن بالزيت المقدس -أثناء العماد المقدس قبل التغطيس- وبين خدمة مسحة الميرون اللاحقة للتغطيس. ففي الأولى نجد البركة خاصة بغفران الخطايا وشفاء النفس والجسد والروح من كل أعمال الشيطان. أما في المسح بالميرون المقدس فنجد الطلبة خاصة بنوال عطية الروح القدس، لكي ما يحفظ الذين نالوا الميلاد الجديد وتجددوا في الجرن بواسطة هذا الختم ويستمروا ثابتين. وفي الطقس القبطي الحالي يطلب الكاهن من أجل المعمدين "اكشف لهم الطريق الذي ينبغي أن يسلكوا فيه. عظهم بنعمة روحك القدوس. أنعم عليهم بغفران خطاياهم، وامنحهم بنعمتك أن يدركوا الشفاء من الخطيئة المهلكة، ويستحقوا العماد الطاهر الذي للميلاد الجديد، وينالوا حميم العماد الذي بغير عيب بروح قدسك، وينظروا نظرًا طاهرًا إلى الفهم الثابت". وأثناء دهنه بالزيت قبل العماد يطلب له الكاهن أن يُغرس في كنيسة الله المقدسة الجامعة الرسولية، شجرة الزيتون اللذيذة، أي يتقبل العضوية الكنسية الخفية. وفي تقديس المياه يطلب حلول الروح القدس على المياه ليهبها قدرة الميلاد الجديد بالقوة الإلهية. أما في مسحة الميرون فيصلي الكاهن عليه هكذا: "أنعم بالروح القدس عند نضح الميرون المقدس ليكون خاتمًا محييًا وثباتًا لعبيدك..." وبعد مسح أعضاء الجسم ينفخ الكاهن في وجه المعتمد قائلًا: "اقبل الروح القدس وكن إناءًا طاهرًا من قِبل يسوع المسيح ربنا". أما في الطقس الأرمني فجاء في صلاة ما قبل التغطيس الخاصة بطرد الأرواح الشريرة: "ليصر مستحقًا للعماد في الوقت المناسب، الميلاد الثاني، فإنه إذ يتقبل روحك القدوس يصير جسدًا وعضوًا في كنيستك المقدسة"، وكأنه يؤكد حلول الروح القدس على المعمد ليدخل في العضوية الكنسية، كما جاء في صلاة الكاهن في تقديس المياه: "انعم بصلاحك على الذين يتعمدون في هذه المياه الآن وسيلة غفران الخطايا، واستقبال الروح القدس [184] والتبني كابن الآب السماوي، وميراث ملكوت السماوات". رأي الكنيسة الأرثوذكسية البيزنطيةيرى Stone D. في كتابه "المعمودية المقدسة" [أن الأسقف الروسي مكاريوس أسقف Vinnitza هو الذي قصر حلول الروح القدس على المؤمنين على سرّ التثبيت وحده دون المعمودية بطريقة شديدة، إذ يقول الأسقف: "في المعمودية نحن فقط نتطهر ونتجدد بعمل الروح القدس، لكننا لا نكون هياكل للروح ولا تأهلنا لقبوله. أما بالمسحة فيقدم لنا كل عطايا نعمته التي لا غنى لنا عنها للحياة الروحية [185].] نقتبس أيضًا ما قاله بيتر موغيلاس Peter Magilas مطران كيو Kiew والذين قبله كل البطاركة الأرثوذكسً الشرقيين (الخلقدونيين) عام 1643: [هذه هي ثمار هذا السرّ: أولًا: كما أننا بالمعمودية نتجدد، فإننا بالميرون المقدس نصير شركاء الروح القدس إذ نثبت في الإيمان بالرب، وننمو في النعمة الإلهية. ثانيًا: بقوة الروح القدس نصير أقوياء وثابتين فلا يقدر عدونا المرعب أن يؤذي نفوسنا بأي ضرر كان [186].] اقتبس الأسقف Kingdom عن كتاب يوناني (P. Rhompotes) القول التالي: [كِلا السِرّين يُكملان عملًا واحدًا متكاملًا، يرتبطان معًا، كما هو الآن يَتمَّان في الكنيسة قبل الليتورجيا. كلاهما يُعتبر الباب الذي به ندخل إلى كنيسة المسيح وملكوت الله، وبالتالي هما بدء بقية الأسرار الأخرى [187].] _____ الحواشي والمراجع: [168] "ميرون" كلمة يونانية تعني "طيب" أو "دهن". [169]) Sermon 324. [170] Sermon 71:19,33. [171] De cagnitione Baptismi. [172] Serm. De Bapt., Sec 6. [173] S.T. 3:62:1. اقتبسها الأب توما الاكويني [174] De Baptismo 6, 8. [175] Epis 74:5, 6. [176] Euseb: H.E. 4:43. [177] In Ezek, hom 6:5. [178] De Principiis 1:3:2, 7. [179] Epis. ad Serapion 1:4, 6. [180] Adv. Eunom 5. [181] للمؤلف: الفيلوكاليا. [182] In Joan 5:2. [183] ميمر عن المعمودية. [184] حذفت هذه الفقرة في الترجمة اللاتينية التي قام بنشرها H. Denginger.. (فيRitus Orientalium, vol 1, 384-391)، وأيضًا في إحدى الطبعات الخاصة بـ.F.C. Conybeare [185] Theologie Dogmatique Orthodoxe, vol 3, p 410. [186] Kimmel: Libri Symbolici Ecclesiae Orientalis, p 177-178. [187] P. Rhompotes: Athens, 1869, p529 (kingdom: Paddock Lectures, p. 250). |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
معمودية الأطفال
ليس ممكنًا للإنسان الذي اختبر فاعلية المعمودية في حياته أن يحرم أولاده من مياه المعمودية الشافية. فالمسيحي يؤمن أنه لا فضل له في شيء حتى في قبوله الإيمان. إنها نعمة الله الغنًية التي تغمره وتجتذبه، فكيف يحرم ابنه من التمتع بهذه النعمة العظيمة التي تسنده في تربيته لطفله بفكرٍ إيمانيٍ مسيحيٍ؟! إن اهتمام الكنيسة منذ العصر الرسولي بعماد الأطفال إنما يحمل إيمانًا بعمل النعمة الإلهية الغنية في حياة الناس، بغض النظر عن أعمارهم أو ظروفهم أو إمكانياتهم. يقوم تعميد الأطفال على أساس لاهوتي إنجيلي، فإننا نؤمن أن السيد المسيح نفسه قد اعتمد أو اصطبغ بالألم "عندما عُلق على الصليب نيابة عن كل الإنسانية الساقطة تحت حكم الموت، وما المعمودية إلا محاولة الاقتراب من هذا السرّ [188]"، أو الفداء المجاني. فالأطفال إذ يدخلون إلى مياه المعمودية إنما يقتربون من سرّ العماد الذي قدمه الرب بصليبه، فينعمون بالخلاص المجاني الذي لا فضل لإنسان فيه. إن الطفل كالبالغ إنما في المعمودية يُغرس كنبْت جديد في جسد الجماعة أو جسد المسيح المصلوب، فيصير له حق الاحتفال مع الجماعة بسرّ موت المسيح ودفنه وقيامته. فهل نضيع على الطفل فرصة الغرس والنمو ليشترك مع كنيسة المسيح في سرّ الخلاص المجاني؟! إنني أقول إنه ليس فقط من حق الطفل في العائلة المسيحية أن ينعم بالانضمام إلى جسد السيد المسيح المصلوب والمقدم للإنسانية كلها، وإنما من حق الكنيسة أيضًا أن تضم إلى شركتها في الرب جماعة الأطفال كجزء حيّ وأساسي في الجماعة، فيتحقق فيها قول المرتل: "امرأَتك مثل كرمة مثمرة في جوانب بيتك. بنوك مثل غروس الزيتون حول مائدتك" (مز 128: 3). إن كنا نفرح بولادتهم الجسدية فنقدم للرب تسبحة شكر لأجل هذه العطية، فكم بالأحرى تتهلل الكنيسة الجامعة وكنيسة البيت بضمهم خلال الولادة الروحية؟! يعترض البعض على معمودية الأطفال بأنه لا يوجد عنصر الاختيار وحرية الإرادة في الطفل ليقبل الإيمان أو يرفضه. ونحن نجيب أن الطفل الذي لم تكن له حرية الاختيار في ميلاده الجسدي ولا في اختيار والديه، من حقه أن يجد نفسه أمام باب خلاص مفتوحًا ووالدين واثقين في عمل نعمة الله التي تسنده كغرسٍ في الكرمة الحقيقية، كما تلتزم الكنيسة على كل مستوياتها أن تقدم للأطفال سرّ المسيح كما ينبغي، فينشأون داخل الكنيسة يشربون روح الإيمان. الاعتراض على معمودية الأطفال جاء انعكاسًا للنظرة الفردية الغربية المبالغ فيها، فالطفل وإن كان له كيانه الخاص، لكنه ليس بفرد منعزل عن والديه، أو عن الجماعة الكنسية المقدسة، لكنه عضو متفاعل مع الجماعة. الأطفال في رموز المعمودية إن اعترض أحد على عماد الأطفال الصغار بحجة أن العهد الجديد لم يتحدث صراحة عن عمادهم، نجيب أن العهد الجديد كما أيضًا في كتابات الأباء الأولين لا نجد إشارة واحدة إلى قصر المعمودية على الكبار وحدهم... وإن عدنا إلى رموز المعمودية في العهد القديم نجدها تكشف عن التزام الكنيسة بعماد أطفالها. فإن كان عبور البحر الاحمر رمزًا للمعمودية المسيحية، فهل دخل إلى المياه البالغين من الرجال والنساء الذين آمنوا بالله الذي يخلصهم خلال المياه أم حمل المؤمنون أطفالهم على أكتافهم، وخلُصَ هؤلاء بإيمان آبائهم؟! وإن عدنا إلى الختان كرمز للمعمودية (كو 2: 11-12) فإن الأطفال الذكور يخضعون له في اليوم الثامن من ميلادهم وإلا حُرموا من شعب الله، وحسبوا كاسرين للعهد الإلهي. إنهم يدخلون في العهد الإلهي خلال الختان بإيمان والديهم. وهكذا في رموز المعمودية اشترك الأطفال بغير وعيهم الفكري في التمتع ببركات رموز المعمودية خلال إيمان آبائهم. ولو أن الوالدين لم يؤمنا بالرمز لهلكا وهلك معهما أطفالهما مع أنهم لا يدركون شيئًا. الأطفال ومعمودية العهد الجديد أ. في خطاب الرسول بطرس للجماهير التي بلا شك قد شملت عائلات أعضاءها من أعمار مختلفة: "توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس... لأن الموعد هو لكم ولأولادكم ولكل الذين على بعد، كل من يدعوه الرب إلهنا" (أع 2: 38-39)، فالموعد هو للذين يتوبون ولأولادهم معهم. ب. يلاحظ أنه في أكثر من مناسبة خاصة بالعماد وردت العبارة "أهل البيت" في العهد الجديد مثل "بيت كرنيليوس" (أع 10: 48)، "بيت ليديا" (أع 16: 15)، سجان فليبي والذين معه أجمعون (أع 16: 33)، "بيت كريسبوس" (أع 18: 8)،" بيت إسطفانوس" (1 كو 1: 16)، الاحتمال الأكبر أن هذه البيوت، إن لم يكن أغلبها، تضم أولادًا صغارًا، فعلى الأقل بعضها. ج. حديث السيد المسيح عن الأطفال واضح: "دعوا الأولاد يأتون إليَّ ولا تمنعوهم [189]، لأن لمثل هؤُلاءِ ملكوت السماوات" (مت 19: 14). فإن كان الرب نفسه يدعو الأطفال ويكرمهم، ويطالبنا أن نعود ونصير مثلهم لكي ندخل ملكوت الله (مت 3:18)، من يقدر أن يمنعهم من مياه المعمودية. وكأننا نقول مع الرسول بطرس: "فَمنْ أنا. أَقادر أن أمنع الله؟!" (أع 11: 7). حقا أن الله يعطي مواهبه ونعمه لأطفاله المحبوبين لديه، حتى وإن كانوا لا يدركونها بأذهانهم، كقول القديس أغسطينوس: [يسكن الروح القدس في الأطفال الصغار الذين نالوا المعمودية وإن كانوا لم يعرفوها [190].] د. إن كانت المرأة غير المؤمنة مقدسة في الرجل، وأولادهما مقدسون (1 كو 7: 15)، هذا بالنسبة للرجل الذي يقبل الإيمان وهو متزوج وترفض زوجته الإيمان، فإنها مقدسة فيه، ليس من حقه أن يتركها إلا إذا طلبت ذلك، فكيف يحرم الأولاد المقدسون من نوال سرّ العماد الذي يهب للنفس تجديدًا، على إيمان ومسئولية أحد والديهم؟! ه. إن كان الكتاب يهتم بالأولاد ويقدم لهم وصايا مثل: "أيُّها الأولاد أطيعوا والديكم في الرب لأن هذا حقّ" (أف 6: 1)، فكيف نحملّهم مسئولية الطاعة ونحرمهم من العضوية في جسد الرب الذي يسندهم في تنفيذ وصيته؟! عماد الأطفال في الكنيسة الأولى عرفت الكنيسة منذ عصرها الرسولي أهمية عضوية الأطفال في جسد المسيح السرّي، وأدركت قيمة نفوسهم، لذلك عرفت عماد الأطفال تحت مسئولية آبائهم أو أشابينهم [191] وتحت عهدتهم، كما وضعت قوانين صارمة ضد الإهمال في أمر عمادهم. ففي رسالة أهل سميرنا التي تصف استشهاد القديس بوليكربوس من رجال القرن الثاني، يقول الشهيد: [لي ستة وثمانون عامًا وأنا أخدم (المسيح) [192]]، مشيرًا بهذا أنه قد صار في خدمته منذ قبوله المعمودية في طفولته المبكرة. * جاء يسوع المسيح ليخلص الجميع لذاته، أعني جميع الذين ولدوا به سواء كانوا أطفالًا أو شبانًا أو شيوخًا. * ينال الأطفال والصغار، الصبيان والشبان والكبار الميلاد الجديد في الله [193]. القديس إيريناؤس * كثيرون هم تلاميذ المسيح وهم أطفال (يقصد بالتلاميذ المعمدين) [194].القديس يوستين أشار القديس إكليمنضس السكندري إلى الأطفال الصغار وهم يُسحبون من الماء [195]، وجاء تلميذه أوريجينوس يقول: [تسلمت الكنيسة من الرسل تقليد عماد الأطفال أيضًا فيعمدون لمغفرة الخطايا ليغسلوا من الوسخ الجَدّي بسرّ المعمودية [196].] ووصفت قوانين هيبوليتس عماد الأطفال وكيف يجاوب الكبار نيابة عنهم [197].حوالي عام 250 م نادى الأسقف Fidus بشمال غرب إفريقيا بضرورة عماد الأطفال في اليوم الثامن من ميلادهم كما في الختان في العهد القديم. وقد ناقش القديس كبريانوس هذا الأمر في مجمع يضم ستة وستين أسقفًا وقرر تعميد الأطفال فورًا دون الحاجة لانتظار اليوم الثامن. [وكتب القديس رسالة يحث فيها على عماد الطفل وهو ابن يومين أو ثلاثة أيام دون التأجيل إلى اليوم الثامن [198].] وفي رسالة أخرى كتب هكذا: [الذين أخطأوا أمام الله إذ يؤمنون بنوال الصفح عن خطاياهم لا يمنعهم أحد من المعمودية والنعمة. أما الأطفال الذين ضميرهم غير متفتح ولم يخطئوا في شيء، نظرًا للخطيئة الجدية الكامنة فيهم، فقد تدنسوا وصاروا مشاركي الموت الآدمي، وفي حاجة أيضًا إلى المعمودية، لأنها شرط لنوال الخلاص والصفح، لا عن الخطايا الشخصية بل والأبوية]، لهذا حدد مجمعنا ما يأتي: أيها الأخ الحبيب: [لا يجوز أن نمنع أحدًا من المعمودية ونعمة الله، الذي هو صالح ورؤوف بالجميع،فالمعمودية هي للجميع، خصوصا للأطفال الصغار، الذين بنوع خصوصي يستميلون انتباهنا وصلاح الله [199].] جاء في الدساتير الرسولية: [عمدوا رُضَّعكم، وأحضروهم إلى مرضعة الرب القائل: دعوا الأولاد يأتون إليَّ ولا تمنعوهم [200].] في القرن الرابع ظهر اتجاه نحو امتناع تعميد الأطفال ليس شكًا في ممارسة الكنيسة لعمادهم، وإنما تخوفًا من أن يرتكب الطفل فيما بعد خطايا ومعاصي ضد النعمة الإلهية. هذا التخوف لم يصدر عن الكنيسة بل عن الوالدين [201]. لذا انبرى بعض آباء الكنيسة يوبّخون المحجمين عن عماد أطفالهم. من هؤلاء القديس غريغوريوس النزينزي القائل: [هل لك طفل؟ لا تسمح للشر أن يجد له فيه فرصة، بل ليتقدس وهو رضيع وليتكرس بالروح منذ نعومة أظافره. إنكِ تخافين أيتها الأم من الختم بسبب ضعف الطبيعة لأنك ضعيفة الروح وقليلة الإيمان. أما حنة فقبل أن تلد صموئيل وعدت الله به (1 صم 1: 10)، وبعد ميلاده كرّسته له في الحال. وبالحُلة الكهنوتية ربّته، ولم تخَف من الضعف البشري بل وثقت في الله. سلّمي ابنك للثالوث القدوس فإنه حارس عظيم ونبيل [202].] وفي موضع آخر يقول: [ماذا نقول عن الذين لا يزالون رضعًا ولم تصبهم خسارة ولا نعمة؟! هل نعمدهم أيضًا؟! طبعًا، لأنه يوجد خطر. فإنه من الأفضل لنا أن نتقدس ونحن لا ندرك عن أن نرحل بدون هذا الختم وهذا التكريس [203].] كما ظهر أيضًا اتجاه نحو تأجيل المعمودية إلى ما قبل الموت لكي يكون لهم شيء من التساهل في حياتهم الروحية، ولكي يدخلوا الحياة الأبدية في نقاوة المعمودية، لكن الكنيسة حذّرت من هذا التصرف وحاربته بشدة [204]. ومن ناحية أخرى زعم بيلاجيوس (360-430م) وأتباعه أن خطيئة آدم شخصية أصابته وحده، دون أن تسري في حياة أولاده، لهذا يولد الرضيع بغير خطيئة أصلية فلا حاجة له إلى عماد، إذ هو كآدم قبل السقوط. وقد انبرى القديس أغسطينوس يحارب هذه البدعة مؤكدًا من الكتاب المقدس أن الإنسان يُحبل به بالآثام وأن البشرية قد تثقَّلت بالخطيئة الجدية (رو 5: 12). بهذا يحتاج الطفل كما الناضج إلى صليب ربنا يسوع المسيح والتمتع بقيامته خلال المعمودية. لهذا يقول: [الأطفال المعمدون الذين يموتون قبل بلوغهم سن الرشد يهربون من الدينونة التي سقطت تحتها البشرية [205].] وقد أصدر مجمع قرطاجنة [206] (418-426 م) قانونًا يوجب عماد الأطفال ليتطهروا من الخطيئة الجدية. وثبَّت مجمع أفسس عام 431 قرارات المجمع. وفي عام 693 م أيام الملك Ine ملك غرب السكسون صدر قانون كنسي يأمر بتعميد الطفل خلال ثلاثين يومًا من ميلاده. وفي الكنيسة القبطية تُفرض عقوبة على الوالدين اللذين أهملا في عماد طفلهما فمات بغير عماد، بالصوم والصلاة والحرمان من شركة الأسرار المقدسة. وإن كان السبب هو نذرهما أن يتم العماد في كنيسة معينة فتضاعف العقوبة، وإن كان السبب هو انتظار كاهن معين تضاعف مرة أخرى. هكذا تشدد الكنيسة في تعميد الأطفال وتُحّرم النذر بخصوص عمادهم. الجنين في أحشاء أمه العماد عمل شخصي يمس حياة المعمد نفسه، لهذا بعماد المرأة الحبلى لا يكون جنينها قد اعتمد [207]، لأن له كيان شخصي مستقل عن كيان أمه، لهذا السبب يجب عماده بعد ولادته. الإشبين يرى بنجهام [208] Bingham أن أطفال المؤمنين إذ ينالون سرّ العماد المقدس في طفولتهم ينضمون إلى صفوف الموعوظين، حالما يستطيعون التعلم، لكننا نجد كتابات الآباء في الكنيسة الأولى غالبًا ما توكّل مهمة تعليمهم وتربيتهم الإيمانية إلى الأب أو الآم أو إلى شماس أو شماسة... هؤلاء يدعون أشابين أو حارسين أو أوصياء. ومما يجدر بالذكر أنه حتى في عماد البالغين سن الرشد غالبًا ما يرافقهم إشبين يكون قد تعهده وقدمه للكنيسة، فتعمده الكنيسة تحت مسئوليته ويلتزم بمراعاته قدر المستطاع حتى بعد نواله سرّ العماد. أشار العلامة ترتليان إلى الإشبين الذي يتعهد الطفل المعمد [209]، كما أشارت إليه قوانين هيبوليتس [210] والدساتير الرسولية [211]. * افتكر معلموننا الروحيون في هذا الأمر، ورأوه موافقًا أن يُقبل الأطفال على هذا الوجه الشريف، أعني أن يسلم الوالدان الطبيعيان ابنهما إلى مُربيٍ صالح، يبقى تحت رعايته كأنه تحت عناية أب إلهي كفيل لخلاص مقدس. عند ممارسة السرّ يرفع المربي الابن وهو يعترف بالحياة المقدسة، جاحدًا الشيطان ومعترفًا بالإيمان [212]. القديس ديوناسيوس الأريوباغي * إننا نؤمن ونصدق بتقوى وصواب أن إيمان الوالدين والأشابين يفيد الأطفال.القديس أغسطينوس * يحضر الأطفال لنوال النعمة الروحية، ليس بواسطة الذين يحملونهم على أيديهم... إنما الذي يحضرهم هم الجماعة الجامعة التي تضم القديسين والمؤمنين (أي أن الأشابين يتقدمون كممثلين للكنيسة الجامعة).. [213] القديس أغسطينوس * من المعتاد يسمى الأشابين آباء روحيين [214].القديس يوحنا الذهبي الفم * يجيب الإشبين عنكم، ويصير مرشدًا لكم في المدينة السماوية، وقائدًا لأجل مواطنتكم فيها [215].* يتم الطقس بالنسبة للذين يُعمدون خلال شخص يسمى الإشبين، هذا لا يلتزم بالمسئولية عن أخطائهم المستقبلية، لأن كل إنسان يجيب عن خطاياه أمام الله، لكنه يحمل شهادة عما فعله الموعوظون، وأنهم بالحقيقة قد استعدوا في الماضي وصاروا مؤهلين للمدينة (السماوية) والمواطنة فيها. بحق يُدعى ضامنًا لأنه خلال شهادته يتأهل الموعوظون لقبول المعمودية [216]. الأب ثيؤدور * في الحال (بعد الرشم الذي يلي المعمودية) يبسط الإشبين الواقف خلفك القميص (البطرشيل) الكتاني على إكليل رأسك ويرفعك ويقيمك منتصبا...الكتان الذي يبسطه على إكليل رأسك يشير إلى الحرية التي دُعيت إليها... فقد اعتاد الأحرار أن يبسطوا كتانًا على رؤوسهم كحِلية لهم داخل بيوتهم كما في الأسواق [217]. الأب ثيؤدور الإشبين والقرابةرأينا القديس يوحنا الذهبي الفم يسمي الإشبين أبًا روحيًا، لكن ابتداء من القرن السادس بدأت تظهر نظرية العلاقة الروحية بين الإشبين والمعمد في الشرق والغرب. فبحسب قوانين جوستنيان لا يجوز التزاوج بينهما لأن الإشبين يمثل أبًا أو أمًا، فلا يجوز للشخص أن يتزوج أباه أو أمه. وامتد الأمر ليشمل أقرباء الإشبين أو المعمد وكأن الإشبين أبًا أو أمًا. فابنهما مثلا لا يتزوج من كانا له إشبينًا. _____ الحواشي والمراجع: [168] "ميرون" كلمة يونانية تعني "طيب" أو "دهن". [188] الدكتور جورج حبيب بباوي: دراسة لطقس المعمودية في القرون الأربعة الأولى، ص 31.. [189] يلاحظ أن كلمة "يمنع" ارتبطت في العهد الجديد بالمعمودية، فقد أراد يوحنا أن يمتنع عن عماد السيد بسبب قداسته الذاتية (مت 14:3)، والخصي لم يسأل فيلبس: هل يمكن أن اعتمد؟ بل سأله: "ماذا يمنع أن اعتمد ؟! "أع 10:47 (راجع أيضًا أع 11:17).. [190] Epis. 187:26. [191] "إشبين" كلمة سرّيانية الأصل تعني "حارس" أو "وصي". [192] Letter of Smyrneans on the martyr. Of ST. Polycarp 9. [193] Adv. Haer. 2:22:9; 2:22:4. [194] Apology 1:15. [195] Paed 3:2. [196] In Lev; hom 8:3; in Luc. Hom 14, in Epist ad Rom 5:9. [197] Can 19:113. [198] Epist. 64:2. [199] Epis. 59. [200] Apost. Const. 6:15. [201] St. Augustine: Serm 294: 8, 16, 19. [202] On Baptism. [203] Orat. 40:28. [204] Jungmann: The Early Liturgy, p 79, 80. [205] Epis. 98. [206] قرطاجنة موقعها على بعد 12 ميل من مدينة تونس حاليًا. راجع نص القانون 121 للمجمع كما ورد في الكتاب نيافة الأنبا غريغوريوس: القيم الروحية.. في سرّ المعمودية. [207] قوانين مجمع قيصرية الجديدة: 6. [208] Bingham. Antiquities of Christian church 10:154. [209] De Baptismo 18. [210] Can. 19:113. [211] Apost. Const. 3:16; 8:32. [212] رئاسة الكهنوت 11:7، 12. [213] Epist 89:5. [214] E. C. Whitaker: Documents of the Baptismal liturgy, 1970, p 33. [215] E. C. Whitaker: Documents of the Baptismal liturgy, p 45. [216] E. C. Whitaker: Documents of the Baptismal liturgy, p 45. [217] E. C. Whitaker: Documents of the Baptismal liturgy, p 48. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
الحاجة إلى الروح القدس بالبشارة بالتجسد الإلهي دخلت البشرية عصرًا جديدًا هو "العصر المسيّاني"، أو العصر الذهبي لخلاص العالم كله، حيث نُزع البرقع عن موسى، وانسحبت الرموز لتقدم المرموز إليه، وتحولت الظلال إلى الحق، وتحققت النبوات، وجاء المسيح مشتهى الأمم، كله حلاوة وحلقه مشتهيات.. أحبه المؤمنون، وحملوا اسمه، فصاروا "مسيحيين". أحب المسيح العالم كله وبذل نفسه من أجلهم، وأحب المؤمنون المسيح واشتهوا الموت من أجله كل يوم! والعجيب أن مسيحنا هذا الذي أحبنا حتى الموت لكي يخلصنا ويدخل بنا إلى الاتحاد معه، يقدم لنا في ليلة آلامه معزيًا آخر، إذ يقول: "وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزّيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد. روح الحقّ الذي لا يستطيع العالم أن يقبلهُ لأنهُ لا يراهُ ولا يعرفهُ. وأمَّا أنتم فتعرفونهُ، لأنهُ ماكث معكم ويكون فيكم. لا أترككم يتامى... وأمَّا المعزّي الروح القدس الذي سيرسلهُ الآب باسمي فهو يعلِّمكم كلَّ شيءٍ ويذكّركم بكلّ ما قلتهُ لكم". (يو 14: 16-18، 26) "ومتى جاءَ المعزّي الذي سأُرسِلهُ أنا إليكم من الآب روح الحقّ الذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي" (يو 15: 26). "لكني أقول لكم الحقَّ أنه خير لكم أن أنطلق. لأنهُ إن لم أنطلق لا يأْتيكم المعزّي. ولكن لن ذهبت أرسلهُ إليكم. ومتى جاءَ ذاك يبكّت العالم على خطيَّةٍ وعلى برٍّ وعلى دينونةٍ". (يو 16: 7-8). "وأما متى جاءَ ذاك روح الحقّ فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنهُ لا يتكلم من نفسهِ، بل كلُّ ما يسمع يتكلَّم بهِ ويخبركم بأمورٍ آتية. ذاك يمجّدني، لأنهُ يأخذ ممَّا لي ويخبركم" (يو 16: 13-14). يليق بنا أن نتوقف طويلًا عند الكلمات الوداعية التي تحدث بها السيد معنا ليلة آلامه، وكأنه يسلم كنيسته كل الميراث، أنه يقدم لها شخص الروح القدس يمكث معها ويكون فيها يعزيها ويعلمها ويرشدها إلى كل الحق، ويبكت كل ضعف يحل بأولادها ويمجدها بما للمسيح لتحمل مجده فيها. كثيرون يتحدثون عن الصداقة الإلهية التي صارت لنا في المسيح يسوع، بكونه قد صار لنا الأخ البكر والعريس والصديق كما هو الرب والمخلص والملك... نحبه ونصادقه، نسأله ونتضرع إليه ونعاتبه، نشعر بالقرب الشديد إليه لأنه حمل طبيعتنا وصار كواحدٍ منا، أما عن الروح القدس إذ يظهر على شكل حمامة كما في عماد السيد المسيح، أو على شكل ألسنة نارية خلال هبوب ريح عاصف كما في يوم العنصرة، دُعي قوة الله وحكمته وروح الحب الإلهي. لهذا لا ينشغل البعض بالدخول معه في علاقات شخصية، بل ينظرون إليه مجرد سمة إلهية خفية. لقد أراد السيد المسيح وأكدت الكنيسة التزامنا بقبول الروح القدس لندخل معه في صداقة كشخص نعيش به ومعه: يتحدث معنا ونحن نحدثه (مر 13: 11)، نسمع صوته (رؤ 2: 7)، يعلن لنا ويرشدنا (أع 13: 2)، يقوم بالشهادة معنا (أع 5: 32)، ويشهد لحسابنا (رو 8: 6)، يقدم لنا المعرفة (1 كو 2: 10-11) يهبنا الحياة (يو 6: 36) ويحزن أيضًا (أف 4: 30)، ويدبر أمور الخدمة ويقيم الخدام (أع 20: 28). فالروح القدس المعزي الذي أرسله لنا الابن من عند الآب ليس مجرد سمة إلهية، لكنه أقنوم إلهي نصادقه ونحبه ونعيش به ومعه، ونسأله أيضًا كما تفعل الكنيسة في تسبحة الساعة الثالثة يوميًا: "أيها الملك السماوي المعزي، روح الحق، الحاضر في كل مكان، والمالئ الكل، كنز الصالحات ومعطي الحياة، هلم تفضل وحل فينا، وطهرنا من كل دنس أيها الصالح وخلص نفوسنا". إن كانت الكنيسة قد تعلقت بالسيد المسيح كعريسها الذي أحبها وأسلم نفسه لأجلها، فإنها تعلقت بروحه القدوس فتذكر حلوله عليها يوميًا في تسبحة الساعة الثالثة، واهتمت بعيد البنطقستي الذي هو عيد حلول الروح القدس على التلاميذ بكونه عيد ميلادها بالروح القدس،إنها تدرك تمامًا أنها تحت قيادة الروح القدس الذي يعمل فيها، في ليتورجياتها كما في كرازتها، وفي تبكيت النفوس كما في تبريرها وتقديسها، حتى يدخل بها إلى ملء قامة المسيح. إننا نلتقي مع الروح القدس في مياه المعمودية كمجدد لنفوسنا، وواهبنا الغفران من الخطايا، والولادة الجديدة والعضوية في جسد السيد المسيح السري. ثم نعود فنقبله في داخلنا خلال سرّ التثبيت، نقبله كسرّ حياتنا، يلازمنا كل أيام غربتنا، لكي ينمّي فينا الإنسان الجديد ويقويه ويسنده، كما يرشدنا ويعزينا ويقدسنا، إلى أن يدخل بنا إلى الأمجاد الإلهية في أروع صورة، باتحادنا المستمر مع المسيح ودخولنا إلى حضن الآب. في هذا يقول القديس إكليمنضس السكندري: [إن المربي يخلق الإنسان من تراب، ويجدده بالماء، وينميه بالروح [218].] الروح القدس هو الروح الناري الذي يُلهب الإنسان الجديد بالنار الإلهية، ليجعله مؤهلًا على الدوام لاتحاد أعمق مع الله -النار الآكلة (تث 4: 24، 9: 3، عب 12: 29)- في المسيح يسوع، فيشترك مع الشاروبيم الملتهبين نارًا في تسابيحهم. وإنني أرجو في المسيح يسوع أن أقدم فكرة مختصرة وبسيطة عن عمل هذا الروح الناري في حياة المؤمنين. _____ الحواشي والمراجع: [218] المؤلف: الحب الإلهي، ص 866. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
الروح القدس كنز الصلاح
يصعب عليَّ جدًا أن أكتب عن عمل الروح القدس في حياة الناس. أولًا: لأن أعماله فائقة للوصف لا يُمكن التعبير عنها. يقدم لنا شركة فائقة مع الآب في ابنه، ويقدس نفوسنا على الدوام خلال تبكيتنا على الخطية والضعف، وتثبيتنا في الابن الوحيد الجنس monogenyc `Uioc، وإعلان مجد ابن الله فينا. ينطلق بنا كجناحيّ حمامة إلى السماويات، فينير بصيرتنا الداخلية، للتعرف على الأسرار الإلهية غير المدركة، واكتشاف الأمجاد الإلهية. يهبنا مواهب روحية لنموّنا الروحي، والشهادة للسيد المسيح والخدمة، مكرسًا القلب كمقدس إلهي للقدوس الخ. أمور عالية تعجز اللغات البشرية أن تتحدث عنها أو أن تحصرها في عبارات بشرية. ثانيًا: أن أعمال الروح القدس في حقيقتها هي عمل واحد متكامل لا يمكن تجزئته. هو اللهيب الناري الإلهي الذي يعمل بغير حصر أو حدود. ثالثًا: أن عمل الروح القدس في الحقيقة ليس منفصلًا عن عمل الآب أو الابن حتى وإن نسبنا لكل أقنوم عمله، إذ يقول القديس كيرلس السكندري: [أن التجديد في الحقيقة هو من عمل الثالوث القدوس، حتى وإن أظهرنا أننا ننسب لكل أقنوم على حده عملًا مما يحدث لنا أو للخليقة، ولكن علينا أن نؤمن أن كل شيء هو من الآب خلال الابن في الروح القدس [219].] يقول [220]Hussey أن هذه العبارة "كل شيء هو من الآب خلال الابن في الروح القدس" هي الختم الأصيل في كلمات كيرلس، يستخدمها في سياق حديثه عن الخلقة [221]، وفي دعوة التلاميذ [222]، وفي عطية عدم الموت [223]، وفي تقديس الحياة [224]، وفي كل ما يهبنا الله من الصالحات [225]... مكررًا إيّاها. هكذا يرى القديس كيرلس السكندري أن كل عطية إلهية، مقدمة لنا من الآب خلال أو بابنه الوحيد يسوع في الروح القدس. بمعنى آخر لا عطية بطريق آخر غير روحه القدوس. لهذا نصلي للروح القدس يوميا، قائلين: "أيها الملك السماوي المعزي، روح الحق، الحاضر في كل مكان، والمالئ الكل، كنز الصالحات [226]..." لقد سبق فتحدثنا عن عمل الروح القدس فينا خلال مياه المعمودية، هذا الذي يعطينا بسخاء بلا حدود، إذ قدم لنا تجديدًا أو ميلادًا ثانيًا لنفوسنا ووهبنا روح البنوة لله وأنار نفوسنا. وفي سرّ الميرون قدم لنا ذاته نقتنيه داخلنا، كنزًا للصلاح وسرّ كل عطية إلهية صالحة في داخلنا. يتحدث القديس باسيليوس عن عمل الروح القدس فينا قائلًا: [بالروح القدس استعادة سكنانا في الفردوس، صعودنا إلى ملكوت السماوات، https://st-takla.org/Gallery/var/albu...e-Great-02.jpg St-Takla.org Image: Saint Cyril the Great of Alexandria, Coptic pope, modern Coptic icon عودتنا إلى البنوة الإلهية،صورة في موقع الأنبا تكلا: أيقونة قبطية حديثة تصور القديس البابا كيرلس الكبير بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية دالتنا لتسمية الله "أبانا"، اشتركنا في نعمة المسيح، تسميتنا أبناء النور، حقنا في المجد الأبدي، وبكلمة واحدة حصولنا على ملء البركة في هذا الدهر وفي الدهر الآتي [227].] ويحدثنا القديس ديديموس الضرير عن الروح القدس كسرّ كل صلاح فينا، إذ يقول: [الروح القدس بكونه الله يجددنا في العماد، وفي اتحاد مع الآب والابن يردنا من حالة التشوّه إلى جمالنا الأصلي، وهكذا يملأنا بنعمته، حتى أننا لا نقدر بعد أن نترك مجالًا لشيء لا يليق بحبنا. إنه يحررنا من الخطيئة والموت والأمور الأرضية، ويجعلنا روحيين، شركاء المجد الإلهي، أبناء الله والآب وورثته. يحولنا إلى صورة ابن الله ويجعلنا إخوته وشركاءَه في الميراث، فنتمجد ونملك معه. يهبنا السماء عوض الأرض، ويمنحنا الفردوس بيدٍ سخية، ويجعلنا أكثر كرامة من الملائكة، ويَطفئ لهيب نار الجحيم غير المنطفئ في المياه الإلهية لجرن المعمودية [228].] يكمل حديثه قائلًا: [عندما نغطس في جرن المعمودية فإننا بصلاح الله والآب وخلال نعمة الروح القدوس تنزع عنا خطايانا، إذ نلقي إنساننا القديم جانبًا، نتجدد ونُختم بقوته الملوكية. وعندما نخرج من الجرن نلبس المسيح مخلصنا، كثوب غير فاسد، فنستحق كرامة الروح القدوس الذي جددنا ووسمنا بختمه. فإنه كما يقول الكتاب المقدس: "إن كثيرين منّا إذ اعتمدوا في المسيح لبسوا المسيح" (غل 3: 27)... تسلمنا صورة الله ومثاله الأمر الذي فقدناه خلال الخطيئة، أما الآن فقد صرنا مرة أخرى كما كنّا قبلًا سادة نفوسنا وبلا خطيئة [229].] ويحدثنا القديس غريغوريوس النزينزي عن عمل الروح القدس في حياتنا كينبوع صلاحنا، قائلًا: [يدعى روح الله وروح المسيح... وهو نفسه الرب. روح البنوة والحق والحرية، روح الحكمة والفهم والمشورة والقدرة والمعرفة والصلاح ومخافة الله. إنه صانع كل هذه الأمور، يملأ الكل بجوهره، ويحوي كل الأشياء، يملأ العالم في جوهره، ومع هذا فلا يمكن للعالم أن يدرك قوته. صالح ومستقيم، ملوكي بطبيعته وليس بالتبني. يقدس ولا يتقدس، يقيس ولا يُقاس، يهب شركة ولا يحتاج إلى شركة. يملأ ولا يُملأ، يحوي ولا يُحوى، يورث ويمجد... مع الآب والابن. هو إصبع الله، نار كالله (الآب)... الروح الخالق، الذي يخلق من جديد بالمعمودية والقيامة. هو الروح العالم بكل شيء، يهب حيث يشاء، يرشد ويتكلم ويرسل ويفرز ويحزن، يعلن وينير ويحيي، أو بالأحرى هو ذات النور والحياة. يخلق هياكل ويؤلّه (يعطي شركة مع الله)، يهب كمالًا حتى قبل العماد (كما في حادث كرنيليوس أع 10: 9)، تطلبه بعد العماد كعطية.. يفعل فينا العمل الإلهي، ينقسم في ألسنةٍ نارية مقسمًا المواهب، يقيم الرسل والأنبياء والإنجيليين والرعاة والمعلمين. يُفهم بطرق متعددة، واضح، وينخس القلوب [230].] وفي حديث للقديس يوحنا الذهبي الفم يقول في عيد العنصرة يقول: [اليوم قد بلغنا إلى القمة ذاتها، إلى رأس الأعياد، وذلك تحقيقًا لوعد الرب القائل: "لأنهُ إن لم انطلق لا يأْتيكم المعزّي. ولكن إن ذهبت أرسلهُ إليكم" (يو 16: 7). انظروا قلقه علينا! تأملوا حنوّه غير المنطوق به! قبل هذه الأيام صعد إلى السماوات، وأخذ عرشه السماوي، واسترد مجلسه عن يمين الآب،وها هو اليوم يمنحنا حلول الروح القدس، وخلاله يقسم علينا آلاف المواهب السماوية الأخرى، لأنه أيَّة موهبة من بين المواهب التي تتمتع بها في خلاص نفوسنا لم ننلها خلال خدمة الروح؟! خلاله نتحرر من العبودية ونُدعى إلى الحرية! خلاله صرنا أولاد الله بتبنيه إيانا! وفوق هذا كلّه -إن أمكنني أن أقول- إننا قد تجددنا خالعين عنّا ثقل الخطايا الكريهة. خلاله نرى قدامنا طغمات الكهنة! خلاله يساعدنا معلمونا! فمنه ننال مواهب الإعلانات، ومواهب الشفاء، وكل المواهب الأخرى التي بها يزيّن الروح القدس كنيسة الله! هذا ما يعلنه الرسول بولس، قائلًا: "ولكن هذه كلُّها يعملها الروح الواحد بعينهِ، قاسمًا لكل واحدٍ بمفردهِ كما يشاءُ" (1 كو 12: 11)... خلال عطيته نتغيَّر من بشرٍ إلى ملائكة، هؤلاء الذين يشتركون معنا في التمتع بنعمته [231].] _____ الحواشي والمراجع: [219] In Loanis Evangelium 10. PG 74:336. [220] E. Edmund Hussey: The Persons-Energy Structures in The Theology of G.Palamas (St. Vladmir Theo. Quart 18-1-1974). [221] Contra Julianum 3. PG 76:649; De recta fide. PG 76:1204. [222] Adversus Nestorium 4:2. PG 76:180. [223] In Loan. Evang. 9. PG 76:280. [224] De SS. Trinitate dialogus 5. PG 75:1000. [225] De recta fida. PG 76:1272. [226] تسبحة الساعة الثالثة. [227] De Spir, Sanc. 15:35. [228] De Trinit. 2:12. [229] De Trinit. 2:12. [230] Oration 5 on the Holy Spirit, 29. [231] للمؤلف: الحب الإلهي، ص 835 الخ. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
الروح القدس والتبكيت على الخطيئة الروح القدس والتبكيتالروح القدس الذي يجد له فينا مسكنًا في سرّ التثبيت، يقوم بعمل التبكيت المستمر على كل خطيئة نرتكبها. إنه الروح القدس الذي لا يطيق النجاسة والشر، فيدفعنا دومًا لحياة التوبة المستمرة عن كل ضعف فينا، فلا نفقد ملكوت الله المُعد لنا، وكأنه يقوم بتجديد عمل المعمودية فينا بغير توقف. الروح القدس يفضح خطايانا أمام بصيرتنا الداخلية، فنكتشف حاجتنا للغفران المستمر، ولكن عمله هذا يقوم بالقدر الذي به نحتمل أن نرى ضعفنا فلا يكشف إلا في الحدود التي فيها لا نسقط في اليأس، خاصة وأنه وهو يعلن ضعفاتنا يعلن أيضًا أسرار الخلاص المفرحة ليعطي للنفس رجاءً وفرحًا وتعزية وسلامًا في أدق لحظات التوبة، وسط التنهدات المرة والدموع المنهمرة. والروح القدس لا يقف في عمله هذا عند حدود الكشف والتبكيت، لكنه أيضًا يقوم بدور إيجابي في توبتنا المستمرة بالتشفعات الإلهية التي يصنعها عنا لدى الآب في استحقاقات دم الابن، كقول الرسول: "وكذلك الروح أيضًا يعين ضعفاتنا، لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجلهِ كما ينبغي، ولكن الروح نفسهُ يشفع فينا بأَنَّاتٍ لا يُنطَق بها" (رو 8: 26). * "باراكليت" تعني معزيًا أو محاميًا. لقد دعي محاميًا أو شفيعًا، لأنه يتوسط لدى الآب من أجل الخطاة، بينما أولئك الذين يملأهم يحثهم على الصلاة من أجل أنفسهم. وقد دُعي الروح ذاته "المعزي"، لأنه يُنهض رجاء الغفران في أولئك الذين يحزنون على خطاياهم التي يرتكبونها [232]. القديس غريغوريوس * تحتاج النفس إلى السراج الإلهي، وهو الروح القدس، الذي ينير البيت المظلم، وإلى شمس البرّ الساطعة التي تضيء وتشرق في القلب، وتحتاج إلى الأسلحة التي تغلب بها في المعركة (يو 16: 33؛ إش 63: 1-6؛ رو 3: 21؛ 12: 2). وهذا هو معنى الأرملة التي أضاعت الدرهم فأنارت السراج أولًا (لو 15: 8)، ثم كنست البيت. وهكذا إذ كنست البيت والسراج مضيء وجدت الدرهم بعد أن كان مدفونًا في التراب والوسخ،هكذا النفس أيضًا لا تستطيع أن تجد أفكارها وتميزها، لكنها متى أضاءت السراج الإلهي فإنه ينير البيت المظلم، وحينئذ تنظر أفكارها كيف كانت مدفونة في دنس الخطيئة ووحلها، ثم تشرق الشمس فترى النفس هلاكها، وتبدأ في استرداد أفكارها المشتتة والمختلطة بالوسخ والدنس، لأن النفس أضاعت صورتها حين خالفت الوصية (تك 1: 26، أف 4: 24، كو 3: 10) [233]. القديس مقاريوس الكبير التوبة هي حياة عملية يمارسها الإنسان كقول القديس يوحنا المعمدان: "فاصنعوا أثمارًا تليق بالتوبة" (مت 3: 8). هذه الأعمال ليس من عملنا البشري لكنها هي عطية الروح القدس، الذي يسند الإنسان المجاهد في حربه ضد شهوات الجسد وخطايا النفس. والعجيب أن القديس أنبا أنطونيوس أب جميع الرهبان في أول رسالة له يوجه أنظارنا إلى عمل الروح القدس الذي يرشد العقل والقلب، ويقود الإنسان إلى حياة التوبة العملية، فيقدس جسده بكل أعضائه وطاقاته الداخلية ليهبه نوعًا من الروحانية، على مثال الجسد الذي ننعم به في الحياة الأبدية. الروح القدس هو الذي يقود الإنسان المجاهد في أصوامه وصلواته وأسهاره، فيهبه عذوبة في توبته، ويدخل به إلى تطهير نفسه وجسده معًا. * الآن فيما يخص الذين دخلوا بكل قلوبهم واقتنوا في نفوسهم بغضة لكل شهوات الجسد، وبشجاعة يقاومون كل الحروب التي تثور عليهم حتى يغلبوا، وأعتقد أنه قبل كل شيء الروح هو الذي يوجه إليهم الدعوة، ويجعل الجهاد خفيفًا عليهم، وأعمال التوبة عذبة، ويعلمهم كيف ينبغي أن يتوبوا بالجسد وبالنفس حتى يبلغ بهما إلى التحول الكامل إلى الله خالقهم، ويهبهم أعمالًا بها يغصبون نفسهم ويقمعون جسدهم،حتى يتطهرا كلاهما ويدخلا معًا إلى ميراثهم... * أولًا يتطهر الجسد بالصوم الكثير، والسهر والصلوات، بالخدمة التي بها يقمع الإنسان جسده ويقطع من نفسه كل شهوات الجسد، ويصبح روح التوبة هو مرشده في هذه الأمور، ويختبرها بواسطته لئلا يجعله العدو يرتد إلى ورائه. عندئذ يبدأ الروح الذي يرشده أن يفتح عينيْ نفسه ويهبها التوبة حتى تتطهر. ويبدأ العقل أيضًا في التمييز بين الجسد والنفس، وذلك عندما يبدأ يتعلم من الروح كيف نطهرهما كليهما بالتوبة. وإذ يتعلم العقل من الروح يصير مرشدًا لنا في كل أعمال الجسد والنفس ويعرفنا كيف نطهرهما... هذه الأمور قلتها لكم يا أحبائي لكي تعلموا كيف ينبغي على الإنسان أن يتوب بالجسد والنفس وأن يطهرهما كليهما. فإذا ما غلب العقل في هذا الجهاد حينئذ يصلي بالروح (القدس)، ويبدأ يطرد من الجسد أوجاع النفس التي تأتي عليه من إرادتها الخاصة، حينئذ يصير للروح شركة محبة مع العقل، لكونه يحفظ الوصايا التي علمه إيّاها الروح. الروح يعلم العقل كيف يشفي جراحات النفس، وكيف ينزع عنها (الأوجاع) واحدة فالأخرى، تلك التي امتزجت بأعضاء الجسد، وأيضًا الأوجاع الأخرى الخارجة عن الجسد التي امتزجت بالإرادة. فيضع الروح للعينين قانونًا، لكي تنظرا باستقامة ونقاوة ولكي لا يكون فيهما أي غش. وبعد ذلك يضع الروح للأذنين قانونًا، كيف ينبغي أن يسمعا بسلام، ولا تظمآن أو تشتاقا لسماع الكلام الرديء (النميمة) والسيرة الرديئة وإنما تبتهجان لسماع الأمور الصالحة... ثم أن الروح يُعلم اللسان النقاوة، إذا كان اللسان مريضًا بمرضٍ خطيرٍ، فإن المرض الذي أصاب النفس يُعبَّر عنه بواسطة اللسان الذي استخدمته النفس وسيلتها... بعد هذا يشفي الروح حركات اليدين التي كانتا تتحرك بطريقة مخلّة تابعة لإرادة العقل. أما الآن فإن الروح يُعلِّم العقل كيف يطهرهما، لكي ما يعمل ويشتغل بهما في عمل الرحمة وفي الصلاة، وبذلك تتم الكلمة التي قيلت عنهما: "ليكن رفع يديَّ كذبيحةٍ مسائَّية" (مز 141: 2)، وفي موضع آخر: "أما يد المجتهدين فتُغني" (أم 10: 4). وبعد ذلك يطهر الروح البطن في أكلها وشربها، لأنه طالما تسلطت عليها شهوات النفس لم تعد تشبع من نهمها إلى الطعام والشراب... ومن هنا أقامت الشياطين حربها على النفس... فالذين يطلبون الطهارة في هذا الأمر، يصنع لهم الروح قوانين للتطهير، وهي الأكل باعتدال على قدر حاجة الجسد، وبدون تلذذ شهواني، وبهذا يتم قول بولس: "فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئًا فافعلوا كلَّ شيءٍ لمجد الله" (1 كو 10: 31). وبالنسبة لأفكار الشهوة التي تتحرك أسفل البطن، فالروح يعلم العقل كيف يميز بين الحركات الثلاثة التي تكلمنا عنها [234]، ويثابر على تطهيرها بمعونة الروح الذي يقويه، حتى تنطفئ كل الحركات بقوة الروح الذي يحفظ كل الجسد في سلام، ويقطع منه كل الأوجاع. وبعد كل هذا يعطي الروح للقدمين طهارتهما، لأنهما قبلًا لم تكن خطواتهما مستقيمة بحسب إرادة الله، أما الآن إذ اتحد العقل بالروح خاضعًا لسلطانه يحقق طهارتهما، لكي تتحركا وفقًا لإرادته وتخدما في الأعمال الصالحة. هكذا إذ يتغير الجسد كله ويتجدد ويصير تحت سلطان الروح، أعتقد أنه عندما يتطهر الجسد كله ويأخذ ملء الروح، يكون قد نال شيئًا من الجسد الروحي العتيد أن يكون في قيامة الأبرار [235]. القديس أنبا أنطونيوس * يتم الشفاء (الروحي) بالطبيعة السماوية الإلهية وبموهبة الروح القدس، فبفضل هذا الدواء فقط يعود الإنسان إلى الصحة والحياة إذ يتطهر قلبه بالروح القدس [236]. القديس مقاريوس الكبير _____ الحواشي والمراجع: [232] للمؤلف: الحب الإلهي، ص 815. [233] عظة 4 3:11،4. [234] تحدث القديس عن حركات الجسد (الشهوة) أنها تثور إما كحركة طبيعية مخلوقة، أو تثور بسبب النهم (لو 21، 34)، أو يثيرها الشيطان كحرب ليفقد الإنسان طهارته. [235] الرسالة الأولى. [236] عظة 7:20. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
الروح القدس والتقديس المستمر حدثنا السيد المسيح عن الروح القدس كمعلمٍ إلهيٍ يبكت الناس على الخطية (يو 16: 8)، ليدفع نفوسنا إلى التوبة الصادقة المستمرة، مقدمًا لها تعزية (يو 16: 7)، سرّها أن ينتقل بنا دومًا من ضعفنا إلى الحياة المقدسة في المسيح يسوع ربنا. لهذا دعاه السيد بالمعزي (يو 14: 26؛ 15: 26؛ 16: 7). إن دعوة الآب لنا هي التمتع "بالحياة المقدسة الإلهية"، إذ يقول "كونوا قديسين، لأني أنا قدوس"، وقد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم ليكفر عن خطايانا ويدخل بنا إلى "الحياة المقدسة"، هذا الذي يعلن في صلاته الوداعية: "قدِّسهم في حقّك... لأجلهم أقدّس أنا ذاتي، ليكونوا هم أيضًا مقدَّسين في الحق" (يو 17: 17، 19). أما عمل الروح القدس فهو أن يدخل بنا إلى التمتع بحياة المسيح المقدسة، إذ يهبنا الاتحاد معه، فنحمل المسيح نفسه سرّ تقديسنا وسرّ برَّنا. في هذا يقول الرسول بولس: "لكن اغتسلتم بل تقدَّستم بل تبرَّرتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا" (1 كو 6: 11). ويقول القديس بطرس الرسول: "بمقتضى علم الله الآب السابق في تقديس الروح للطاعة ورشّ دم يسوع المسيح.." (1 بط 1: 2). يقول القديس باسيليوس الكبير: [الابن والروح القدس هما مصدر التقديس، بهما تتقدس كل خليقة عاقلة حسب استعدادها [237].] [الروح القدس المنبثق عن الله (الآب) هو مصدر القداسة، القوة الواهبة الحياة، النعمة التي تعطي كمالًا، خلاله ينعم الإنسان بالتبني، يصير الفاسد في عدم فساد، أنه واحد مع الآب والابن في كل شيء، في المجد والأبدية والقوة والملكوت واللاهوت، هذا ما يختبر بتقليد معمودية الخلاص [238].] التقديس والتثبيتفي المعمودية اقتلعنا روح الله القدوس من الزيتونة البرية غير المثمرة وطعَّمنا في المسيح يسوع الزيتونة الجيدة (رو 11: 14، 17)، فدخل بنا من الحياة العقيمة إلى الحياة المقدسة. لكن عمل الروح القدس لا يقف عند هذا الحد بل يقوم بتثبيتنا في الأصل (الابن القدوس)، لكي تنتقل فينا عصارة الحياة المقدسة من الأصل إلى الأغصان، فلا تبقى الأغصان على ما هي عليه، بل تنمو على الدوام في الأصل وتأتي بثمرٍ كثيرٍ. هذا هو سرّ التثبيت الذي في حقيقته هو تمتع بعطية الروح القدس، الذي يتعهد نمونا الروحي، أو يتعهد نمو إنساننا الجديد في الحياة المقدسة، لعلنا نبلغ إلى ملء قامة المسيح. حدثنا السيد المسيح عن حاجتنا إلى الثبوت فيه بالروح القدس، بقوله: "كما أن الغصن لا يقدر أن يأْتي بثمرٍ من ذاتهِ إن لم يثبت في الكرمة كذلك أنتم أيضًا إن لم تثبتوا فيَّ. أنا الكرمة وأنتم الأغصان. الذي يثبت فيَّ وأنا فيهِ يأتي بثمرٍ كثير. لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا. إن كان أحد لا يثبت فيَّ يُطرَح خارجًا كالغصن، فيجفُّ ويجمعونهُ ويطرحونهُ في النار فيحترق" (يو 15: 4-6). لقد وجه الرسل أنظارنا إلي عمل الله الخاص بتبنينا فيه في ابنه يسوع المسيح خلال مسحة الروح القدس، بقولهم: "ولكن الذي يثبّتنا معكم في المسيح وقد مسحنا هو الله الذي ختمنا أيضًا، وأعطى عربون الروح في قلوبنا" (2 كو 1: 21-22). "وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منهُ ثابتة فيكم ولا حاجة بكم إلى أن يُعلّمكم أحد... كما عَلَّمتَكْم تثبتون فيهِ" (1 يو 2: 27). "بهذا نعلم أنه يثبت فينا من الروح الذي أعطانا" (1 يو 3: 24). في هذا يقول القديس أمبروسيوس: [تذّكروا أنكم قد تقبلتم الختم الروحي: روح الحكمة والفهم، وروح المشورة والقدرة، روح المعرفة والصلاح، روح المخافة المقدسة. احفظوا ما قد تسلمتم. الله الآب وسمكم، والمسيح ثبتكم، ووهبكم عربون الروح في قلوبكم، كما تعلمتم من الرسول. إذ يصير الناس أغنياء بهذا الختم، يقترب الذين اغتسلوا (بالمعمودية) إلى مذبح المسيح [239].] روح التقديس والجهاديتحدث القديس باسيليوس الكبير عن عمل الروح القدس فينا، قائلًا: [الذين ينالونه يتمتعون به على قدر استيعابهم لا على قدر ما يستطيع هو [240].] فالروح القدس لا يبخل علينا بالتقديس لكنه لا يعمل فينا بغير إرادتنا أو ونحن متكاسلون. لقد أوضح القديس يوحنا الذهبي الفم دورنا في "الحياة المقدسة" بتمييزه نوعين من الموت، موت دخلنا فيه مجانًا كنعمة إلهية بلا تعب في مياه المعمودية، خلاله نخرج في حالة تجديد لطبيعتنا وقداسةً، وموت آخر هو أيضًا نعمة مجانية يقدمها لنا الروح القدس لكن ليس بدون إعلان رغبتنا فيها، وذلك بالجهاد غير المنقطع. هذا ما عناه آباؤنا القديسون بالوصايا المستمرة بخصوص الحفاظ على ثوب المعمودية المقدسة الأبيض خلال الإمكانيات الإلهية التي صارت لنا. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يتحدث الرسول هنا (رو 6) عن موتين: الموت الذي يضعه علينا يسوع المسيح في المعمودية، والموت الذي نلزم أنفسنا به كثمر جهادنا الشخصي. فإن خطايانا الأولى قد غسلت بعطية مجانية، أما موتنا عن الخطيئة فيبقى مستمرًا بعد العماد، وهو يعتمد على جهادنا مع أن النعمة دائمًا قوية وتحت أيدينا لمساعدتنا. المعمودية لم تغسلنا من خطايانا الماضية فحسب، وإنما تهبنا قوة ضد التجارب المقبلة [241].] يحدثنا القديس كيرلس الأورشليمي عن هذه الإمكانيات التي أُعطيت لنا للجهاد الروحي، قائلًا: [أنك تتسلم عدة حربية ضد قوة العدو (الشيطان)... هوذا السلاح معد: سيف الروح (أف 6: 17). أنه مهيأ، لذا يليق بك أن تبسط يمينك بطريقة صالحة، لكي تحارب حرب الله، وتغلب القوات المقاومة وتصير (حصنًا) منيعا يصد كل محاولة للهراطقة.] [إن كنت قبل نوال النعمة تفعل أعمالًا صالحة، أما يليق بالأكثر بعد نوالها؟!] [لا تحتقر النعمة من أجل مجانيتها، بل اقبلها واكتنزها بورع [242].] يؤكد القديس مرقس الناسك دورنا الإيجابي في الجهاد حتى بعد المعمودية، قائلًا: [العماد المقدس عمل كامل ويهبنا الكمال، إلا أنه لا يُكمِّل إنسانًا يهمل (يفشل) في تنفيذ الوصايا... والإنسان يتوجه بإرادته حيثما يحب، حتى بعد المعمودية، إذ لا تسلبنا المعمودية حريتنا. فعندما يقول الكتاب المقدس: "ملكوت السماوات يُغصَب..." (مت 11: 12)، إنما يتكلم عن الإرادة الخاصة بكل شخص، حتى لا يعود يلتفت كل منا -بعدما تعمد- إلى الشر، وإنما يثبت في الخير. والذين نالوا قوة لتنفيذ الوصايا، يوصيهم الرب كمؤمنين أن يجاهدوا فيها حتى لا يرتدوا عنها... تهبنا المعمودية المقدسة حرية كاملة، مع ذك فإن للإنسان مطلق الحرية والإرادة، إما أن يُستعبد مرة أخرى برباطات شيطانية، أو يبقى حرًا في تنفيذ الوصايا. فإن التصق بالفكر إحدى الشهوات، فهذا يكون من عمل إرادتنا الخاصة، وليس رغمًا عنا، إذ يقول الكتاب أنه قد أعطيَ لنا سلطان "هادمين ظنونًا..." (2 كو 10: 5) [243].] [إن كنا بعد المعمودية المقدسة، حيث نلنا قوة لتنفيذ الوصايا، لم نعمل بها، فإننا نُسلم للخطيئة بغير إرادتنا، إلى أن نستعطف مراحم الله بالتوبة، مجاهدين أن ننفذ كل الوصايا، حينئذ يبطل الله الخطيئة من إرادتنا [244].] [قال الرسول أن لنا في أنفسنا باكورة الروح (رو 8: 23)، مظهرًا لنا مقدار طاقتنا، لأنه يتعذر علينا أن نحوز كمال فاعلية الروح، اللهم إلا إذا بلغنا الكمال في (تنفيذ) الوصايا، وذلك كالشمس التي هي كاملة، وتهدي ضوءها كله مرة واحدة على الجميع بالتساوي، ولكن كل واحد يُدرك من ضوئها قدر كفاءة بصره،هكذا أيضًا الروح القدس يجعل الذين يؤمنون به، قادرين أن يتقبّلوا بالمعمودية كل قوته وعطاياه، غير أن عطاياه لا تعمل في الجميع بقدر واحد، إنما ينال كل واحد منها قدر ممارسته للوصايا، أي بالقدر الذي يشهد به بواسطة أعماله الصالحة، ويُظهره شدة إيمانه بالمسيح [245].] [الذي يعتمد في المسيح ينال نعمة بطريقة سرية، لكن هذه النعمة تعمل فيه بقدر تنفيذه للوصايا. وبالرغم من أن هذه النعمة لا تكف عن أن تعيننا خفية، لكن هذا يتوقف على سلطاننا، إن كنا نريدها أن تعمل فينا عملًا صالحًا أو لا تعمل [246].] هكذا تحدث آباؤنا في إفاضة عن التحام عمل الروح القدس بحياتنا العملية، فإن كنا لا نقدر أن نصنع شيئًا بدونه، لكنه لا يعمل فينا قسرًا، بل بكمال إرادتنا الحرة التي يهبها إيانا، مُعلَنةً في جهادنا نحو تنفيذ الوصية وإعلان حبنا وإيماننا به. لسنا نعتمد على برّ فينا هو من عندياتنا، لكننا ونحن متكئون على صدر الرب ملتحفون بروحه القدوس نجاهد حتى الدم. هذا ما دفع الكنيسة وآباءها إلى توصيتنا للجهاد حتى بعد المعمودية، وفيما يلي مقتطفات من هذه الوصايا: * ليت الذي يعتمد يكون غريبًا عن كل شر، متحررًا من كل خطيئة، صديقًا لله، عدوًا للشيطان، وارثًا لله الآب، وارثًا مع ابنه، هذا الذي جحد الشيطان وكل أرواحه الشريرة وخداعاته وتعهد أن يكون مقدسًا نقيًا ورعًا محبًا لله ابنًا له، يصلي كابن للآب [247]. الدساتير الرسولية * أيها الجسداني الذي صار بالمياه روحانيًا، قدس نفسك لتكون هيكلًا للاهوت. يا ابن المسكين (آدم)، الذي صار أخًا لابن الغني، انظر ألا تُهلك غناك العظيم بالشهوات. أيها المُعمدون في المياه، وقد صرتم إخوة الابن الوحيد، لا تهينوه بأعمالكم الجسدية. لا تختلطوا بالزانية عوضًا عنه. طهروا نفوسكم من الزلات لكي تختلطوا بأبيه. لا تدنسوا المعمودية التي كلها نور، بالأعمال غير الحسنة... من يلبس الثياب الجديدة يحفظ نفسه من الغبار والوسخ لئلا تقترب إليه. أيها الإنسان الذي لبس المعمودية، اهرب من الإثم لئلا يشق ثيابك عنك، هذه التي اؤتمنت عليها. لقد أعطاك ابن الله اللباس البهي فلا تزدري به لئلا يتسخ بذنوبك. * من عادة الحيَّة أنها تسرق الثياب بالمشورة المرذولة، وتكسيهم الفضيحة العظمى. حلة المجد التي سُرقت بين الأشجار قد لبستها في المياه! * يا ابنة حواء احفظي طهارة المعمودية، لأن صك الحية قد مُحي بمياه الحياة... أيها المُعمد الذي وجد الحلة التي تعرى منها آدم، لا تهلكها بالخطيئة بعد أن وجدتها... * أيها المُعمد الذي لبس حلة المجد المملوءة نورًا، اهرب من الوسخ لتكون منظورًا من الملائكة. لا تطرح لباسك البهي بالرذائل النتنة لئلا يضحك بك المبغضون الحاسدون [248]. القديس مار يعقوب السروجي _____ الحواشي والمراجع: [237] Epis. 8 to the caesareans, 2. [238] Epis. 15 to the Deaconesses، the daughters of Count Terentius. [239] De Mysterus 7:42. [240] On The Holy Spirit 9:22. [241] In Epist. Ad Rom, hom 2. [242] مقال افتتاحي 10، مقال 6:1،4. [243] للمؤلف: الفيلوكاليا ص 90، 91. [244] المرجع السابق، ص 92. [245] المرجع السابق، ص 97. [246] المرجع السابق، ص 140. [247] Apost Const. 3:18. [248] ميمر عن المعمودية المقدسة. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
الروح القدس وتكريس القلب في القديم حوّلت النار المادية الأدوات الذهبية التي بين يدي شعب إسرائيل إلى العجل الذهبي الصنم، الذي كان قائمًا في قلوبهم يتعبدون له خفية، فظهرت نيتهم الداخلية، وأعلن معبودهم الخفي (خر 24: 32). وفي أيام بختنصر إذ دخل الثلاث فتية أتون النار المنظور من أجل برّهم أُعلن إلههم الخفي الذي كان يعمل في قلوبهم، إذ ظهر شبيه بابن الآلهة يتمشى معهم وسط الأتون، يحتضنهم ويحميهم من النار المنظورة، هكذا أرسل الله ناره الإلهية، روحه القدوس، الأقنوم الإلهي، لكي يعلن السيد المسيح المخفي في قلوبنا. إن عمل الروح القدس الناري فينا هو أنه يختمنا بالختم الملوكي في أعماق النفس الداخلية، فنحمل صورة السيد المسيح فينا، وتصير النفس والجسد بكل إمكانياتهما وتصرفاتهما ملكًا للرب. هذا هو مفهوم التكريس: أننا نحمل الختم الإلهي معلنًا أن كل ما فينا هو له. يحدثنا الرسول بولس عن هذا الختم الإلهي، قائلًا: "ولكن الذي يثبّتنا معكم في المسيح وقد مسحنا هو الله الذي ختمنا أيضًا وأعطى عربون الروح في قلوبنا". (2 كو 1: 21-22) "الذي فيه أيضًا إذ آمنتم خُتِمتم بروح الموعد القدّوس الذي هو عربون ميراثنا لفداءِ المُقتَني..." (أف 1: 13-14) "ولا تُحزِنوا روح الله القدوس الذي بهِ خُتِمتم ليوم الفداءِ". (أف 4: 30) "ولكن أساس الله الراسخ قد ثبت إذ لهُ هذا الختم..." (2 تي 2: 19) وجاء في أوامر الرسل: [أيها الأسقف أو القس قد رتبنا سابقًا والآن نقول أن تمسح أولًا بزيت ثم تعمد بماء وأخيرًا تختم بالميرون.] * إننا نقبل أولئك الهراطقة الذين يرجعون إلى الأرثوذكسية... ويُختمون أولًا بالميرون المقدس على جباههم وعيونهم وأنوفهم وأفواههم وآذانهم [249]. مجمع القسطنطينية المسكوني * كما أن الرسولين بطرس ويوحنا بعد صلاة واحدة حلّ الروح القدس على سكان السامرة بوضع الأيدي (أع 8: 14-17) هكذا في الكنيسة أيضًا منذ ذلك الحين ينال جميع المعمدين الروح القدس ويختمون بختمه عند دعاء الكهنة ووضع أياديهم. * انظروا كيف صرتم مشاركي اسم المسيح كهنوتيًا، وكيف أُعطى لكم ختم شركة الروح القدس [250]. القديس كبريانوس * لقد ختمت جميع قوى نفوسكم بختم الروح القدس... ووضع الملك رسالته عليكم، خاتمًا إياها بختم النار (لو 3: 16) لا يقرأها الغرباء ويحرفوها [251]. القديس مار افرآم السرياني عمل هذا الختم المقدس، ختم الروح القدس أنه يجعلنا مَقدسًا للرب، بيت الله المدشّن له، إذ يقول الرسول: "أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله، وأنكم لستم لأنفسكم... فمجّدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله" (1 كو 6: 19-20). كما يقول: "أَما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم. إن كان أحد يفسد هيكل الله، فسيفسدهُ الله، لأن هيكل الله مقدس، الذي أنتم هو". (1 كو 3: 16-17) هذا الختم الناري يكرس النفس كما الجسد ليصير الإنسان بحق عروسًا روحية للسيد المسيح الملك السمائي. وكما يقول القديس مقاريوس الكبير: [حواس النفس الخمسة المُدركة إن نالت النعمة من فوق وتقديس الروح صارت حقًا الخمس عذارى اللواتي نلن حكمة النعمة من فوق.] ختم القوة الروحية والكمالفي سرّ الميرون إذ ننعم بختم الروح القدس فنتمتع بالشركة مع الرسل فيما وهبهم الله يوم الخمسين، إذ قال لهم: "ها أنا أرسل إليكم موعد أبي. فأقيموا في مدينة أورشليم إلى أن تُلْبسُوا قوةً من الأعالي" (لو 24: 49)، "لكنكم ستنالون قوَّةً متى حلَّ الروح القدس عليكم وتكونون لي شهودًا في أورشليم، وفي كل اليهودية، والسامرة، وإلى أقصى الأرض" (أع 1: 8). يحمل المؤمن الروح القدس في داخله معينًا له وسندًا في جهاده الروحي وحربه ضد الخطية وعبوره إلى طريق الكمال. * عندئذ يأتي الختم الروحي الذي سمعنا عنه في قراءات اليوم، لأنه بعد الجرن يتبقى قبول الكمال بحلول الروح القدس خلال استدعاء الكاهن [252]. القديس أمبروسيوس * الذين يعتمدون في الكنيسة يتقدمون إلى مدبري الكنيسة، وبصلاتنا ووضع الأيدي يتقبلون الروح القدس ويتكملون بختم الرب [253]. القديس كبريانوس * إذ نتمم وصايا الرب بواسطة روحه، الذي وحده يعرف إرادة الله (1 كو 2: 11)، وإذ يكملنا الروح في نفسه (2 كو 12: 9)، وهو نفسه يكمل فينا (1 كو 13: 10، يو 14: 12) حينما نتطهر من كل نجاسات الخطيئة وعيبها، يأتي بنفوسنا إلى المسيح كعرائس جميلات طاهرات بلا دنس، فتستريح نفوسنا في الله في ملكوته ويستريح الله فينا إلى دهر الدهور [254]. القديس مقاريوس الكبير * فلنلتمس من الله أن يهب لنا أجنحة حمامة (مز 55: 6)، أي الروح القدس، لنطير إليه ونستريح، ولكي ينزع الريح الشرير ويقطعه من نفوسنا وأجسادنا، أي الخطيئة الساكنة في أعضاء نفوسنا وأجسادنا، لأنه هو وحده القادر على فعل ذلك [255]. القديس مقاريوس الكبير * يُعطى هذا الميرون للذين اعتمدوا حديثًا، وإذ يُمسح الجسد تتقدس النفس بالروح القدس [256]. القديس كيرلس الأورشليمي مسْح الإنسان لقبول الروح الناري الذي يقدسه على الدوام لا يعني مجرد تكريس القلب لله وانطلاق الإنسان من كمال إلى كمال، لكنه يهبه سمات ربنا يسوع المسيح بكونه الملك ورئيس الكهنة وموضوع النبوة، فيصير المؤمن -في المسيح يسوع- بالروح القدس مَلكًا وكاهنًا ونبيًا بمفهوم روحي،يصير ملكًا روحيًا صاحب سلطان على جسده بأحاسيسه الداخلية وعواطفه وأفكاره، يقبل من الأفكار ما يشاء ويرفض ما يشاء. وكملكٍ له سلطان أن يدوس على الحيّات والعقارب وكل قوة العدو. ويصير كاهنًا روحيًا، فإنه إذ دخل مياه المعمودية المقدسة شارك السيد المسيح في دفنه وقيامته، أي شاركه عمله الفصحي الكهنوتي، فصار له بالروح القدس أن يقدم ذبيحة الشكر وذبيحة الألم والموت اليومي من أجل الرب كما يتقبل قوة قيامة المسيح كأنها جديدة كل يوم. صار له حق تقديم جسده ذبيحة حب عقلية مقدسة مرضية لدى الله (رو 12: 1). يقدم التسابيح والصلوات والأصوام والعطاء. صار أيضًا نبيًا بالمفهوم الروحي، فيرى الأمور المستقبلة الخاصة بأبديته مكشوفة في قلبه، بل يعيش متمتعًا بعربونها. * كل مؤمن يُمسح كاهنًا وملكًا، غير أنه لا يصير ملكًا حقيقيًا ولا كاهنًا حقيقيًا، بل ملكًا روحيًا وكاهنًا روحيًا، يقرب لله ذبائح روحية وتقدمات الشكر والتسبيح [257]. القديس أمبروسيوس * الأشخاص الروحيون الآن، الذين يُمسحون بالمسحة السماوية يصيرون مسحاء حسب النعمة، فيكونون هم أيضًا ملوكًا وأنبياء للأسرار السماوية [258]. القديس مقاريوس الكبير _____ الحواشي والمراجع: [249] قانون 7. [250] رسالة 73 ضد الهراطقة، عظة 33:8. [251] تعليم الإيمان 5. [252] De Sacr. 3,2,8. [253] Epist. To Jubianus, Bishop of Mauretania 73:9. [254] عظة 9:19. [255] عظة 3:2. [256] Protech. 21. [257] في الكهنوت 4. [258] عظة 1:17. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
الروح القدس والاستنارة الدائمة يقدم لنا الروح القدس في المعمودية "استنارة روحية"، فتنفتح بصيرتنا الداخلية لإدراك بنوتنا لله وعضويتنا في جسد المسيح، ونتعرف على أسرار محبة الله وتدبيره لخلاصنا. وفي سرّ الميرون يقدم لنا الروح القدس نفسه لنقتنيه داخلنا سراجًا إلهيًا يضيء بصيرتنا على الدوام، لتتعرف من يوم إلى يوم على حقائق الله والعالم والنفس البشرية والسماء، ويدخل بنا من معرفةٍ إلى معرفة، ومن نورٍ إلى نورٍ، ليس ليعطي لأذهاننا لذة فكرية، وإنما لكي ننطلق دومًا نمارس حياتنا الجديدة النورانية. بالروح القدس نتعرف على أسرار الله كقول الرسول: "أعلنهُ الله لنا نحن بروحهِ. لأن الروح يفحص كلَّ شيءٍ حتى أعماق الله. لأن مَنْ مِنْ الناس يعرف أمور الإنسان إلاَّ روح الإنسان الذي فيهِ؟! هكذا أيضًا أمور الله لا يعرفها أحد إلاَّ روح الله". (1 كو 2: 10-11) فبه ندخل إلى معرفة الابن الذي ينطلق بنا إلى حضن الآب، إذ "ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاَّ بالروح القدس" (1 كو 12: 3). وكما أعلن السيد نفسه: "ومتى جاءَ المعزّي الذي سأُرسِلهُ أنا إليكم من الآب روح الحقّ الذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي" (يو 15: 26). لهذا نردد قائلين: "بنورك يا رب نعاين النور" (مز 36: 9)، أي بالروح القدس نعاين نور الآب والابن. ينسب للروح القدس عطية الشركة، فهو سرّ الشركة بين الآب والابن، إذ هو منبثق من الآب مستقر في الابن، روح الآب وروح الابن. وكما يقول القديس أغسطينوس: [الآب ليس أبًا للروح القدس بل للابن، والابن ليس ابنًا للروح القدس بل للآب، أما الروح القدس فليس روح الآب وحده ولا روح الابن وحده، بل روح الآب والابن... لقد سُلمت إلينا فكرة العلة في الآب والبنوة في الابن والشركة في الروح القدس، والمساواة في الثلاثة (إذ هم إله واحد) وبذلك صارت مسرة الله أن ننال بواسطة من هو رابطة الوحدة بين أقنومي الآب والابن، الشركة مع بعضنا البعض والشركة مع الثالوث القدوس [259].] فبالروح القدس لا ندخل إلى مجرد استنارة فكرية، بل استنارة قلب واتحاد وشركة حب"، "لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس..." (رو 5: 5). استنارة خلال تلاقي المحبة الإلهية التي فيها نتحد مع الله فنتعرف عليه، ونتحد مع إخوتنا، فنعرفهم في الله. خلال هذه الشركة يصير الله صديقنا الأعظم يكشف لنا أسراره وخفاياه ونعاين مجده، وخلال هذه الشركة نتعرف على بعضنا البعض كأعضاء بعضنا لبعض خلال الرأس يسوع المسيح ربنا. خلال هذه الشركة يعطينا استنارة حقيقية على مستوى فائق، لهذا يؤكد لنا ألا نهتم أو نقلق في شيء، إذ هو يرشدنا ويتكلم فينا وبنا في أحرج اللحظات. يقول السيد المسيح: "فمتى أسلموكم فلا تهتمُّوا كيف أو بما تتكلمون. لأنكم تُعطَوْن في تلك الساعة ما تتكلمون بهِ. لأن لستم أنتم المتكلمون بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم" (مت 10: 20، راجع لو 11: 11-12). الروح القدس -واهب الشركة ومصدر الاستنارة- يعلمنا كل شيء ويذكرنا بوصايا السيد وكلماته (يو 14: 26)، ويرشدنا إلى جميع الحق (يو 16: 13). ولا يقف الأمر عند الماضي والحاضر وإنما يكشف لنا الأمور المقبلة: "يخبركم بأمورٍ آتية" (يو 16: 13). لما كان الله هو النور الحقيقي الذي “ليس فيهِ ظلمة البتَّة" (1 يو 1: 5)، فإن الروح القدس إذ يدخل بنا إلى حياة الشركة معه إنما ينقلنا من الظلمة إلى النور: "لأنكم كنتم قبلًا ظلمةً وأما الآن فنور في الرب". (أف 5: 8) وكما يقول القديس مقاريوس الكبير: [إذ تتحد (النفس) مع الروح المعزي بألفةٍ لا توصف، وتختلط بالروح تمامًا تُحسب أهلًا أن تصير هي نفسها روحًا، في اختلاطها معه حينئذ تصير كلها نورًا وعينًا وفرحًا وراحة وبهجة ومحبة وأحشاء وصلاحًا ورأفات [260].] ويرى القديس أمبروسيوس فيما فعله جدعون صورة حية لعمل الروح القدس الناري في نفوس المؤمنين، إذ أمر رجاله الثلاثمائة أن يأخذوا في أيديهم جرارًا فارغة يضعون في داخلها مشاعلهم المضيئة، وأن يمسكوا أبواقهم في أيديهم ليغلبوا المديانيين: [لقد أخذنا عن آبائنا القديسين تفسير هذه القصة كما تسلموه من الرسل،فالجرار هي أجساد البشرية المصنوعة من الطين، ولكنها لا تعرف الخوف إذا التهبت بحرارة الروح القدس ونعمته (واستنارت به)، فتشهد لآلام الرب يسوع وتعترف جهرًا بالإيمان به [261].] إنه يهبنا الاستنارة الداخلية، فيسند قلوبنا للدخول في المعركة وبلوغ الغلبة والنصرة! _____ الحواشي والمراجع: [259] Homilies on the Gospels, 21. [260] عظة 10:18. [261] On The Holy Spirit 14:167. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
الروح القدس والتعزيات الإلهية قبيل الصليب أعلن السيد المسيح لتلاميذه أنه لا يتركهم يتامى (يو 14: 18)، وإنما يرسل لهم الروح القدس المعزي (يو 14: 16، 16: 7). وقد وصف سفر الأعمال الكنيسة الأولى وسط آلامها وأتعابها كيف كانت تنمو وتتكاثر مملوءة سلامًا داخليًا وتعزيات الروح: "وأما الكنائس في جميع اليهودية والجليل والسامرة، فكان لها سلام، وكانت تُبنَي وتسير في خوف الرب وبتعزية الروح القدس كانت تتكاثر" (أع 9: 31). هكذا كانت الكنيسة كجماعة مقدسة تجد في الروح القدس سرّ سلامها وتعزيتها وشبعها الروحي الحقيقي. * يستحيل أن ينال أحد نعمة الله ما لم يكن له الروح القدس، الذي فيه كل عطايا الله [262]. القديس ديديموس الضرير * يسمى (الروح القدس) المعزي، لأنه يعزي ويفرح الذين في الشدائد [263]. القديس مقاريوس الكبير الروح القدس في محبته اللانهائية للبشر يهب المؤمنين الشركة مع الثالوث القدوس، هذه الشركة تقوم على تمزيق الخطيئة التي تحجب بيننا وبين الله، وعوض ثمار الخطيئة ينعمون بثمار الروح. فكما اقتطف الإنسان من روح الظلمة ثمار الخطيئة، التي هي بغضة ومرارة واضطرابات وخصام وغضب وسخط وشر وجحود ونجاسة الخ. هكذا يقدم الروح القدس ثمره للمؤمن: "محبَّة فرح سلام طول أناةٍ لطف صلاح إيمان وداعة تعفُّف..." (غل 5: 22) هذه الثمار أساسية في حياة المؤمن المجاهد ليحيا بها ويشبع ويتعزّى أثناء عبوره الباب الضيق والطريق الكرب، وتنفيذه الوصايا الصعبة من صلب وإنكار ذات وعطاء واحتمال الخ. إنها ثمار داخلية يقدمها الروح القدس كغذاء مجّاني يسند النفس وينعشها خلال الطريق الوعر. هذه التعزيات الإلهية يقدمها الروح القدس للمجاهدين العاملين، لكن لا ببرّ ذاتي، بل في اتكال وتسليم وانسحاق بين يدّي الروح الساكن فيهم والعامل بهم. في وسط الطريق المملوء مضايقات خارجية يهبنا الروح "حبًا" لله والناس، يُقدم للنفوس المجاهدة ليجعل النير حلوًا وهيّنًا. وفي وسط الطريق المملوء أحزانًا كثيرة، يهب الروح القدس "فرحًا" داخليًا يسند النفس ويهبها روح الشكر. وهكذا يقدم الروح حبًا وفرحًا وسلامًا... عطايا روحية داخلية مجانية تملأ حياة المكافحين قوة روحية للعمل لحساب السيد المسيح. الله هو فرح النفسالنفس التي خُلقت على صورة الثالوث القدوس لا تشبع إلا به ولا تفرح إلا بالوجود في أحضانه، لهذا فإن الروح القدس إذ يدخل بنا وسط آلام هذه الحياة إلى الشركة مع الله تفرح نفوسنا في الرب، ولا تستطيع أحداث الحياة أن تنزع فرحنا منا. يوصينا الرسول بولس وهو في داخل السجن وسط آلام الجسد التي لا تطاق قائلًا: "أخيرًا يا إخوتي افرحوا في الربّ". (في 3: 1) ثم يعود فيؤكد: "افرحوا في الرب كل حينٍ وأقول أيضًا افرحوا" (في 4: 4). إنه يستحيل على الإنسان أن يفرح "كل حين"، لأنه مَنْ مِن الناس لا تمر به ضيقات وآلام وتجارب كثيرة؟! ولكن بولس المسجون يتكلم عن اختبار، إذ يكتب وهو مقيَّد اليدين، وتحت آلام جسدية كثيرة، لكنه يعيش في خبرة الفرح في الرب كل حين. إن النفس التي تُدرك هذه الحقيقة أن فرحها لا يكمن في بركات أرضية، أو إشباع شهوات جسدية أو رغبات معنوية، ولا في ضحك أو تسلية زمنية، بل في الروح القدس نفسه، تفرح تحت كل الظروف. وقد شبّه الأب بيامون النفس المملوءة فرحًا (بالروح القدس) بالإناء الفخاري الذي به ماء يطفئ كل جمرة غضب تسقط فيه، بينما يشتعل وينكسر لو كان يحمل مادة قابلة للاشتعال. * لقد دَعي الروح القدس الذي سيرسله بالمعزي، ملقبًا إياه هكذا بسبب عمله، لأنه ليس فقط يعطي راحة لمن يجدهم مستحقين، ويخلصهم من كل غمٍ واضطرابٍ في النفس، بل في نفس الوقت يمنحهم فرحًا أكيدًا لا ينحل. يسكن في قلوبهم فرح أبدي حيث يقطن الروح القدس. القديس ديديموس الضرير * من المعلوم يا إخوتي أن كلًا منا يطلب راحته وفرحه، إلا أنه لا يطلب ذلك كما يجب ولا حيثما يوجد. فالأمر يتوقف على تمييز الفرح الحقيقي من الفرح الكاذب، وبالعكس فإننا غالبًا ما نُخدع بخيالات الفرح الباطل والخير الكاذب. فالبخيل والمتجبر والشره والشهواني، كل منهم يطلب الفرح، إلا أن هذا يصنع فرحه في جمع غنى وافر، وذاك في شرف الرتب والكرامات، وهذا في المآكل والمشارب اللذيذة، وذاك في إشباع شهواته النجسة،ليس منهم من يطلب فرحه كما يجب ولا حيثما يوجد، من ثَمَّ لا يجده أحد منهم بالرغم من أن الكل يشتهونه. كل ما في العالم لا يقدر أن يُشبع النفس ويُخوِّل لها فرحًا حقيقيًا، فلماذا إذًا تتعب أيها الإنسان الغبي، وتطوف باطلًا في أماكن كثيرة متوقعًا أن تجد خيرات تملأ بها نفسك وتُرضي بها جسدك؟! أحبب خيرًا واحدًا يحوي جميع الخيرات، ففيه وحده تجد الكفاية. استرح إلى الخير الواحد العظيم العام، ففيه الكفاية عن كل شيء. وأما أنتِ يا نفسي فباركي الرب الذي يُشبع بالخيرات عمرك (مز 103: 2، 5). القديس أغسطينوس * من طلب فرحه في ذاته يجد حزنًا. فإن جعلت سرورك في أن تباشر هذه الوظيفة وتسكن في ذلك المكان وما يشبه ذلك، فإنه يمكن لرئيسك أن ينزع سرورك منك، وبالنتيجة لا تكون مسرورًا قط... إن شئت أن يكون فرحك ثابتًا باقيًا، التصق بالله السرمدي، ذاك الذي لا يعتريه تغيير، بل يستمر ثابتًا على حال واحد إلى الأبد. القديس أغسطينوس * حينما تمتلئ النفس من ثمر الروح تتعرّى تمامًا من الكآبة والضيق والضجر، وتلبس الاتساع والسلام والفرح بالله، وتفتح في قلبها باب الحب لسائر الناس. القديس مار اسحق السرياني * مملكة طاهر النفس داخل قلبه، والشمس التي تشرق فيها هي نور الثالوث القدوس، وهواء نسيمها هو الروح القدس المعزي، والسكّان معه هم طبائع الأطهار الروحانيين، وحياتهم وفرحهم وبهجتهم هو المسيح ضياء الآب... * من نظر في ذاته إلى ربنا، وامتزجت نفسه بنوره، يمتلئ قلبه بالفرح. الشيخ الروحاني * كما أن الأشجار إن لم تشرب من الماء لا يمكنها أن تنمو، هكذا النفس إن لم تقبل الفرح السماوي لا يمكنها أن تنمو وتصعد إلى العلاء. أما النفوس التي قبلت الروح والفرح السماوي فهي التي تستطيع الارتفاع إلى العلاء... فقد انكشفت لها أسرار ملكوت السماوات وهي بعد في هذا الجسد، ووجدت دالة قدام الله في كل شيء، وكملت لها جميع طلباتها. * النفس دائما تتربى بهذا الفرح وتسعد به، وبه تصعد إلى السماء، فهي كالجسد لها غذاء روحي. القديس أنطونيوس الكبير بالروح القدس يتمزق حجاب الآثام الذي عزلنا عن صدر الله الحنون، فنعود نتكئ عليه مطمئنين مملوءين من السلام الخفي الحقيقي. إننا بالروح القدس نسمع صوت الرب، قائلًا: "سلامًا أترك لكم. سلامي أعطيكم..." (يو 14: 27)، فيملك سلامه في قلوبنا (كو 3: 15)، فنعيش في مصالحة دائمة مع الله والناس أيضًا. _____ الحواشي والمراجع: [262] De Spir. Sanc. 9. [263] عظة 1:17. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
الروح القدس والأمجاد السمائية في ليلة آلامه قدم السيد المسيح لنا روحه القدوس كمعلم فريد، "روح الحق" الذي يرشدنا إلى جميع الحق (يو 16: 13)، يعلمنا كل شيء، ويذكرنا بكل ما قاله السيد لنا (يو 14: 26). هذا المعلم الإلهي يقدم لنا ما هو للمسيح، ويعلنه لنا وفينا، إذ يقول السيد المسيح: “لأنهُ لا يتكلم من نفسهِ بل كلّ ما يسمع يتكلَّم بهِ ويخبركم بأمورٍ آتية. ذاك يمجدني، لأنهُ يأخذ ممَّا لي ويخبركم. كلُّ ما للآب هو لي. لهذا قلت أنه يأخذ مما لي ويخبركم". (يو 16: 13-15) إنه ليس معلمًا بشريًا يستعرض أفكارًا ومعرفة تعطي لذة لعقولنا، بل المعلم الإلهي الذي يسكن أعماق النفس في الداخل، ليعلن فيها أمجاد المسيح كخبرة حياة نعيشها ونمارسها، فيتمجد المسيح فينا، ونحن أيضًا نحمل أمجاده في داخلنا، فنتغير داخليًا من مجدٍ إلى مجدٍ، لعلنا بالروح القدس نبلغ إلى ملء قامة المسيح. هذا ما لمسه الرسول بولس حين قارن بين عمل الناموس في أيام موسى النبي وعمل الروح القدس في ظل العهد الجديد، إذ يقول: "ثم إن كانت خدمة الموت المنقوشة بأحرفٍ في حجارةٍ قد حصلت في مجدٍ حتى لم يقدر بنو إسرائيل أن ينظروا إلى وجه موسى لسبب مجد وجههِ الزائل. فكيف لا تكون بالأَولى خدمة الروح في مجدٍ؟! ولكن حتى اليوم حين يُقرأُ موسى البرقع موضوع على قلبهم،ولكن عندما يرجع إلى الرب يُرفَع البرقع. وأما الربُّ فهو الروح، وحيث روح الرب هناك حرّيَّة. ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجهٍ مكشوف كما في مِرآةٍ نتغيَّر إلى تلك الصورة عينها من مجدٍ إلى مجدٍ كما من الرب الروح" (2 كو 3: 7-8، 15-18). في القديم إذ ارتفع موسى على جبل حوريب بقي أربعين نهارُا وأربعين ليلة لا يأكل خبزًا ولا يشرب ماء، وإذ نزل حاملًا لوحيْ الشريعة: "فنظر هارون وجميع بني إسرائيل موسى وإذا جلد وجههِ يلمع. فخافوا أن يقتربوا إليهِ". (خر 34: 28-30) أما في العهد الجديد فإن الروح القدس الذي ينزع الحرف عن موسى (الناموس)، فإنه يرتفع بنا إلى الاتحاد مع السيد المسيح نفسه، فندخل إلى حالة تغير مستمر، نتغير بقوة الروح من مجدٍ إلى مجدٍ كقول الرسول. هذا التغير غير المنقطع يبدأ بميلادنا الجديد في مياه المعمودية، ثم نوالنا الروح القدس ساكنًا فينا يعمل بغير انقطاع كل أيام غربتنا مادمنا في جهادنا نتقبل عمله فينا. إنه يدخل بنا إلى مخازن الملك العظيم يسوع المسيح، يأخذ مما له ويخبرنا، أي يهبنا قدر ما نقبل من العطية. يقدم لنا إمكانيات السيد المسيح نفسه وأمجاده فينا، فتصير نفوسنا في مجدٍ خفيٍ يُظهره يوم الرب العظيم. عرضت لنا العظة الخامسة للقديس مقاريوس هذا العمل الإلهي للروح القدس بصورة رائعة وبأمثلة قوية. جاء فيها أن المسيحي الحقيقي إذ صارت له شركة الروح القدس، لأنه مولود من الله من فوق، قد صارت مدينته في السماوات (في 3: 20) يكشف له الروح [الخيرات الأبدية كما في مرآة". إنه يهبه سلام المسيح ومحبة الرب وشهوة السماء، وذلك خلال الآلام والعرق والتجارب والحروب الروحية الكثيرة، لكنه ينعم بهذه الأمور بنعمة الله [264].] [المسيحي الحقيقي يدخل إلى خبرة مجدٍ سماويٍ خارج عن الجسد، إذ يُجرح بجمالٍ آخر (غير جسدي) لا ينطق به [265].] [أولئك الذين تساقط عليهم ندى روح الحياة، أي ندى اللاهوت، فجرح قلوبهم بحب إلهي للمسيح الملك السماوي، وارتبطوا بذلك الجمال والمجد الفائق الوصف والحُسن عديم الفساد وغنى المسيح الملك الحقيقي الأبدي، الغنى الذي يفوق الوصف [266].] بهذا الغنى يتدرب الإنسان على الحياة الملوكية، حتى متى جاء يوم الرب العظيم يدخل الملكوت فلا يراه غريبًا عنه، إنما عاش في عربونه، وتمتع بغناه بالروح القدس وهو على الأرض. إنه يشبِّه المسيحي بأشجار الشتاء التي تبدو في مظهرها بلا أوراق ولا ثمار، بلا جمال، تحمل علامات الجفاف والموت من خارج، لكن الداخل يحمل حياة، متى جاء الربيع أي "القيامة" انكشفت حياتها الداخلية وأمجادها وظهرت ثمارها! هكذا يقدم لنا الروح القدس أمجاد المسيح في داخلنا ولا تظهر على أجسادنا هنا، لكن في يوم الرب العظيم تنعم هذه الأجساد مع النفوس بالمجد الذي كان مخفيًا فيها، ولا يكون غريبًا عنها: [كل النفوس التي تحب الله، أعني المسيحيين الحقيقيين أول شهورهم شهر نيسان الذي هو يوم القيامة، فبفاعلية شمس البرّ (ملا 4: 3) يخرج مجد الروح القدس من الداخل فيكسو أجساد القديسين ويسترها، ذلك المجد الذي كان لهم قبلًا مخفيًا داخل نفوسهم، لأن كل ما للنفس الآن سوف يظهر بعينه في الجسد في ذلك اليوم [267].] يقول الرسول: "وإن كنا لابسين لا نوجد عراةً". (2 كو 5: 3) فإذ نلبس الروح، ونكون هيكلًا مقدسًا له لا يترك حتى جسدنا عاريًا، بل يسكب فيه مجد المسيح يسوع القائم من الأموات، كقول الرسول: "فالذي أقام المسيح من الأموات سيُحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحهِ الساكن فيكم" (رو 8: 11)، "لكي تُظهَر حياة يسوع أيضًا في جسدنا المائت" (2 كو 4: 11)، "لكي يُبتلَع المائت من الحياة" (2 كو 5: 4)... بهذا إذ يُهدم بيت خيمتنا الأرضي أي جسدنا، لا نظهر عُراة بل يكون "لنا في السماوات بناء من الله بيت غير مصنوع بيدٍ أبديّ" (2 كو 5: 1)، أي يظهر مجد السيد المسيح السماوي الذي كان مخفيًا في جسدنا الضعيف: [لنسعَ إذًا أن نقتني ذلك اللباس هنا بالإيمان والحياة الفاضلة، حتى حينما نخلع الجسد لا نوجد عراة ولا يحتاج جسدنا في ذلك اليوم إلى شيء يمجده، لأن كل واحد بقدر ما يُحسب أهلًا لشركة الروح القدس بالإيمان والاجتهاد يتمجد جسده في ذلك اليوم، لأن كل ما خزَّنته النفس في داخلها في هذه الحياة الحاضرة سوف يُعلن يومئذ، ويُكشف ظاهرًا في الجسد [268].] [هذا المجد الذي للسيد المسيح، الذي يُلبسه الروح القدس لنفوسنا في الداخل، يصير مجدنا نحن وليس مستعارًا، لهذا نحيا في هذا العالم بالحق أغنياء في الروح، نكون كملك غني حينما يدعو الآخرين للوليمة يقدم بسخاء وبلا خوف من نفاذ كنوزه الداخلية التي له، أما الفقير الذي لا يملك شيئًا فإنه عندما يدعو الآخرين يستعير أدوات الوليمة إلى حين ثم يعود بعد الوليمة إلى فقره من جديد [269].] [لهذا يليق بنا أولًا أن نطلب من الله باجتهاد قلب وإيمان أن يهبنا أن نجد هذا الغنى في قلوبنا، أي نجد كنز المسيح الحقيقي بقوة الروح القدس وفاعليته [270].] _____ الحواشي والمراجع: [264] عظات القديس مقاريوس 3:5-5. [265] المرجع السابق 5:5. [266] عظة 6:5. [267] عظة 8:5. [268] عظة 8:5. [269] عظة 5:18. [270] عظة 6:18. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
الروح القدس والمواهب الروحية الروح القدس وهو يختم النفس لتصير في ملكية الله، مقدسة له، تجاهد للشهادة له تنعم بالتعزيات الروحية كما تتمتع بالمواهب الروحية حسبما يقدم لها الروح فيما يناسب ظروف الكنيسة واحتياجاته وشخصية المؤمن ومواهبه، لكي تُضرم هذه المواهب كسرّ مجدّ لله وبنيان الكنيسة وخلاص للنفس وبركة للكثيرين. يقول القديس بولس: "فأنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد... ولكنه لكل واحدٍ يُعطَى إظهار الروح للمنفعة. فإنه لواحدٍ يُعطَى بالروح كلام حكمةٍ. ولآخر كلام علمٍ بحسب الروح الواحد. ولآخر إيمان بالروح الواحد. ولآخر مواهب شفاءٍ بالروح الواحد. ولآخر عمل قوَّاتٍ ولآخر نبوَّة. ولآخر تمييز الأرواح. ولآخر أنواع أَلسِنَةٍ. ولآخر ترجمة أَلسِنَةٍ. ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينهِ قاسمًا لكل واحدٍ بمفرده كما يشاءُ". (1 كو 12: 4-11) هذه المواهب في تعددها تعطي للكنيسة كمالًا وتنسيقًا ووحدانية، إذ يدرك كل مؤمن بالروح القدس أنه عضو للآخر، ويتكامل الكل باتحادهم معًا في الرأس، ربنا يسوع المسيح. وقد سبق لي الحديث باختصار عن المواهب الروحية في كتاب "الحب الإلهي". وأرجو بمشيئة الرب أن أكتب في هذا الأمر بحثًا مستقلًا بشيء من التوسع. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
الاستعداد للمعمودية طقس المعموديةكلمة "طقس" في اليونانية لغويًا معناها "نظام" أو "ترتيب"، أما كنسيًّا فتحمل معنى روح النظام وعمقه. فحينما نقول "طقس الرهبنة" لا نقصد مجرد القوانين الرهبانية من أصوام وصلوات ومطانيات سهر وقراءات الخ.، إنما نعني شيئًا أعظم هو "الحياة الرهبانية وفكرها". وحينما نقول "طقس الملائكة" نقصد الحياة الملائكية المستنيرة بالله المتهللة والمسبحة النقية بلا دنس. والآن إذ أتحدث عن طقس المعمودية لا أريد تقديم بحث علمي عن النظام الخاص بخدمة المعمودية للموعظين والأطفال، إنما اشتاق إلى الدخول إلى روح الطقس والتعرف بالروح القدس على أسراره اللاهوتية التقوية. في القرون الأولى كانت أغلب الكتابات المسيحية تنصب على الجانب الدفاعي وتحديد معالم الإيمان المسيحي في وجه الاتهامات التي صبّها اليهود والوثنيون ضد المسيحية، لهذا جاءت الكتابات عن الطقس شحيحة للغاية، إلا أن بعض الآباء قد سجلوا هذه الطقوس، إذ تعتبر مقال العلامة ترتليان عن المعمودية، والتقليد الرسولي للقديس هيبوليتس من أهم المصادر الأولى التي شرحت طقس المعمودية في إيجاز. كما حفظ لنا التاريخ مجموعات من المقالات والعظات التي ألقيت على طالبي العماد قبل عمادهم تحمل الكثير من المفاهيم اللاهوتية لطقس المعمودية، مثل مقالات القديس كيرلس الأورشليمي، والقديس يوحنا الذهبي الفم والأب ثيؤدور المؤبسستي (المصيصي). وقد تحدث الأخير مع طالبي العماد قائلًا: [يلزمكم الآن أن تتسلموا تعليمًا خاصًا بالطقوس التي تتم في السرّ نفسه حتى متى فهمتم سبب كل طقس تنالون معرفة ليست بقليلة [271].] حقًا قد تختلف تفاصيل طقوس المعمودية في الكنيسة الأولى من منطقة إلى أخرى، لكنها وإن اختلفت في بعض العبارات أو بعض الترتيبات البسيطة لكنها تقدم ليتورجية واحدة بروح واحد، لها هيكل لاهوتي إيماني واحد وفكر إنجيلي واحد. 1. زمان المعموديةفي سفر أعمال الرسل قَبِل خِصْي كنداكة المعمودية على يَديّ فيلبس الرسول وهو في طريق رحلته إلى بلده، فقد حرص الرسل في بدء الكرازة بالمسيحية أن يقدموا المعمودية للمؤمنين في أي وقت، انتهازًا لكل فرصة لخلاص المؤمنين. وما نقوله عن الخِصْي نكرره بشأن كرنيليوس وأهل بيته (أع 10: 48) وسجَّان فيلبي والذين معه (أع 16: 33) الخ. وفي القرن الثاني إذ انتشرت المسيحية في كثير من الدول ألزمت الكنيسة طالبي العماد بالدخول في فترة إعداد طويلة بحرص شديد ومهابة، وبالتالي ظهرت أيضًا مواسم معينة لخدمة المعمودية. فيحدثنا العلامة ترتليان عن الفصح (عيد القيامة) والعنصرة (عيد البنطقستي) كموسمين للعماد المقدس: [الفصح هو الوقت الذي فيه نحتفل بآلام المسيح والذي فيه نعتمد، فإنه ليس من الخطأ أن نفسر رمزيًا الحقيقة التالية وهي أنه عندما أراد الرب أن يحفظ الفصح قال لتلميذيه: يلاقيكما إنسان حامل جرة ماء (مر 14: 13)، فمن خلال علامة الماء أظهر موضع الاحتفال بالفصح. أما الوقت الأكثر اتساعًا لممارسة الحميم فهو فصل البنطقستي (العنصرة) حيث عرفت قيامة الرب بين التلاميذ ومُنحت نعمة الروح القدس وظهر رجاء مجيء الرب. فإنه إذ عاد إلى السماء قالت الملائكة للرسل أنه سيأتي كما صعد إلى السماء، أي في وقت البنطقستي. أضف إلى هذا قول إرميا: "أَجمعهم من أقاصي الأرض في يوم العيد". هنا قصد يوم عيد الفصح وعيد البنطقستي.. ومع هذا فإن كل يوم بل وكل ساعة هي للرب. كل وقت مناسب للعماد. فإن كان هناك فارق في العيد لكن ليس الفارق في النعمة [272].] هنا يُوضح لنا العلامة ترتليان عادة العماد المقدس في عيديّ الفصح والبنطقستي، لكن العماد في نعمته -كما يقول- لا يختلف أن يُتمم في عيد أو في غير عيد. ويشير القديس غريغوريوس النزينزي في مقاله عن المعمودية إلى عيد الغطاس (الأبيفانيا) كموسم للعماد المقدس: [يقول البعض أنه ينتظر الغطاس، اليوم الذي اعتمد فيه المسيح وظهر للعالم، والآخر يقول أنه يهتم بالفصح أكثر من غيره من الأعياد، والثالث يقول أنه ينتظر العنصرة.] ومن القديس جيروم يصلنا نص عام جدًا هو نبوة زكريا التي تقول: ["وستخرج مياه حيّة من أورشليم في الصيف والشتاء". وهي إشارة إلى الغطاس والفصح [273].] ولما كان هذا النص قد ترجم في السبعينية والفولجاتا إلى "الصيف والربيع" مارس الغربيون المعمودية في الفصح والعنصرة، وقلما أعطيت المعمودية في الشتاء في الغرب، ولعل رداءة الأحوال الجوية هي السبب [274]. هكذا كان الكثيرون يفضلون العماد المقدس في هذه الأعياد الثلاثة [275] كما في فترة الخمسين المقدسة [276]، غير أن بعض الكنائس مثل كنيسة تساليا كانت تعمد في عيد الفصح وحده [277]، بينما كنائس أخرى مثل أورشليم كانت تعمد في أعياد أخرى مثل تكريس كنيسة القيامة [278]، وفي الغرب كانوا يُعمدون في أعياد الميلاد والرسل والشهداء خاصة القديس يوحنا المعمدان [279]. على أي الأحوال كانت بعض البلاد مثل أورشليم وأنطاكيا وكبادوكية وإفريقيا وبلاد الغال وأسبانيا وايرلندا تتطلع إلى الغطاس كموسم مفرح للعماد، حيث يشعر المؤمنون أنهم يشاركون السيد المسيح عماده [280]. أما الموسم الأكثر شيوعًا فهو ليلة عيد الفصح، قبيل الاحتفال بقداس العيد حتى يشترك المعمدون حديثًا مع المؤمنين في ليتورجيا العيد. أما الآن في كنيستنا القبطية الأرثوذكسية فقد خصص يوم الأحد السابق لعيد الشعانين للعماد ودعي بأحد التناصير. أما سرّ ارتباط القيامة بالمعمودية فهو أن عيد قيامة الرب هو محور حياة الكنيسة ومركزها. قيامة السيد هي الصخرة التي تتكئ عليها الكنيسة لتعيش مطمئنة وسط دوامة هذا العالم، لا تخاف أمواجه أو عواصفه أو شروره، بل تحيا على رجاء القيامة مرتبطة بعريسها الذي لا يموت، متبررة متقدسة فيه. هذا الرجاء وهذا التبرير وهذا التقديس لا يمكن التمتع به إلا من خلال المعمودية التي فيها ندفن مع ربنا يسوع ونقوم، أي نقبل فصحه كفصحٍ شخصيٍ لنا. وكما يقول الرسول: "أم تجهلون أننا كلَّ مَنْ اعتمد ليسوع اعتمدنا لموتهِ. فدُفِنَّا معهُ بالمعموديَّة للموت حتى كما أُقِيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضًا في جدَّة الحياة" (رو 6: 3-4). خلال المعمودية نجتاز مع السيد آلامه وموته ودفنه ونختبر عمل قيامته وأمجادها وقوتها في حياتنا الداخلية (رو6: 6). من أجل هذا رتبت الكنيسة أن تقوم بعماد الكثيرين ليلة عيد الفصح أو عيد القيامة، حتى يرفع المعمدون أنظارهم إلى قيامة ربنا على الدوام ويعيشون كل بقية حياتهم ينعمون بقوتها،في نفس الوقت يرفع المؤمنون أنظارهم في تلك الليلة فيذكرون عمادهم فيلتزمون بالحياة كما يليق كأبناء لله مولودين روحيًا. في عيد القيامة تختلط الأفراح وتمتزج بين أفراح بقيامة الرب رأس الكنيسة وأفراح بقيامة جسده السري، أو بمعنى أدق قيامة بعض أعضائه، فترتج الكنيسة كلها متهللة بالمُعمدين حديثًا كأعضاء في هذا الجسد السري المقام من الأموات. لكن ما نريد أن نؤكده أن الآباء حذروا من التأخير في نوال سرّ العماد وأوصوا بعدم الانتظار حتى لعيد من الأعياد مادام قد حان الوقت المناسب لنوال العماد: * إن كل يوم هو يوم للرب وكل ساعة تصلح للعماد [281]. العلامة ترتليان * لكل شيء وقت وفصل: هناك وقت للنوم ووقت للسهر، وقت للحرب وآخر للسلام، لكن لا يوجد وقت خاص للمعمودية، لأن عمر الإنسان كله للمعمودية. كل وقت هو وقت مقبول لقبول الخلاص سواء أكان بالنهار أم بالليل، كل ساعة ودقيقة ولحظة تصلح للمعمودية [282]. القديس باسيليوس الكبير كما حذّر القديس غريغوريوس النزينزي [283] أنه يجب ألا يتأخر أحد عن المعمودية مادام مستعدًا لئلا يفاجئه الموت دون نوالها. 2. تسجيل الأسماءيبدأ طقس عماد الموعوظين مع بدء الصوم الكبير حيث كان طالبو العماد يُسجلون أسماءهم لكي يتهيأوا له. وقد وصفت الراهبة الأسبانية اثيريا Etheria هذا الطقس كما شاهدته في أورشليم في القرن الرابع: [كان من يرغب في تقديم اسمه في عشية بداية الصوم الأربعيني يتقدم، فيقوم قس بتدوين الأسماء. وفي اليوم التالي، أي في بداية الصوم حيث تبدأ الأسابيع الثمانية وفي الكنيسة الوسطى المعروفة باسم الاستشهاد Martyrium، يجلس الأسقف على كرسي ويقود القس كل راغب في المعمودية واحدًا يلو الآخر إلى الأسقف. ويأتي الرجال مع عُرَّابهم (أشابينهم Godfathers) والنساء مع عرابهن Godmothers. عندئذ يسأل الأسقف الذين جاءوا مع طالب العماد وخصوصًا جيرانه: هل يعيش بتقوى؟ هل يكرم والديه؟ هل يسكر ويكذب؟ فإن وُجد طالب العماد بلا لوم وشهد عنه الذين قدَّموه عندئذ يُسجل الأسقف اسمه بيده، أما إذا وَجد لومًا ضده في شيء ما، فيقول له: "اذهب أَصلح حياتك وعندئذ تقدم للمعمودية [284].] تحدث أيضًا الأب ثيؤدور المصيصي عن طقس المعمودية في أنطاكية قائلًا: [من يرغب في نوال المعمودية المقدسة يتقدم إلى كنيسة الله، فسيستقبله الإنسان المكرس لهذه الخدمة. وحسب العادة المرعيّة يجب تسجيل أسماء المتقدمين للعماد، هؤلاء الذين يُسألون عن سيرتهم وطريقة حياتهم ليُعرف إن كانت توجد فيهم المتطلبات الخاصة بالمواطنة في تلك المدينة العظيمة وإن كانوا قد جحدوا كل شرور هذا العالم وطردوها عن أذهانهم بالكلية، فيظهرون مستحقين للمواطنة في هذه المدينة وتسجيل أسمائهم فيها.. فيقف الشخص كمن هو متهم في محاكمة. هكذا يرفع يديه كمن يصلي ويخفض عينيه إلى أسفل. ولهذا السبب يلزمك يا طالب العماد أن تخلع ثوبك الخارجي ونعليك وتقف على مُسح من الصوف [285].] هكذا يمتزج تسجيل الأسماء بنوع من الاختبار يُفحص فيه طالب العماد فحصًا دقيقًا في وجود العرَّاب أو الإشبين والجيران للتأكد من صدق نيّته وسيرته قبل تسجيل اسمه، على أن يعود الأسقف ويفحصه مرة أخرى قبيل عماده مباشرة. أشار التقليد الكنسي للقديس هيبوليتس [286] لمثل هذا الاختبار، كما قدم لنا القديس أغسطينوس [287] مثلًا رائعًا له. لم يكن هذا التسجيل مجرد كتابة أسماء في سجلات الكنيسة، لكنه حمل في ذهن الآباء معنى لاهوتي له أهميته الكبرى ينبع عن احساسات الكنيسة الأولى بأهمية العماد، وبالفارق الشاسع بين الإنسان الذي تثقَّل بالخطيئة والموت الروحي قبل العماد، والذي صار في حريّة مجد أولاد الله بعد العماد، فقد دَعي القديس ديونسيوس الأريوباغي في كتابه "الرئاسة الكهنوتية" سجل الكنيسة هذا "سفر الحياة"، ورأى القديس غريغوريوس النيسي في هذا العمل إصبع الله نفسه تسجل أسماءهم، إذ يقول: [أعطوني أسماءكم لكي ما أكتبها بالحبر، ولكن الرب نفسه ينقشها على ألواح لا تفسد، يكتبها بإصبعه كما سبق فكتب شريعة العبرانيين [288].] [يا من تتقدمون للعماد، أن الذي أُوكل بهذا العمل ينقشكم بالحقيقة في كتاب الكنيسة بطريقة بها تعرفون أن أسماءكم قد نقشت من الآن في السماوات. الآن يهتم عرَّابكم (إشبينكم) بكم اهتمامًا عظيمًا ليعلمكم لأنكم غرباء عن المدينة، لكنكم قريبًا تدخلون إلى الحياة فيها وتتعودون عليها بأنفسكم [289].] قائمة المرفوضينكانت الكنيسة الأولى حازمة ومتشدّدة في الموافقة على عماد الموعوظين، فالموعوظ يدخل تحت اختبار الأسقف نفسه حتى لا يتسلل إلى العضوية الكنسية إنسان بغير هدف سليم، أو إنسان يسلك بغير لياقة، فلم تكن الكنيسة تقبل "أنصاف المسيحيين" وكما يقول جنجمان: [لم تردّ الكنيسة مجرد أنصاف مسيحيين، بل كانت تفضل أن تكون قليلة في العدد عن أن تكون غير أمينة لمبادئها، أو عن أن تخاطر بهذه المبادئ. فإنه لم يقدر كثيرون أن يحشدوا الطاقة اللازمة لأخذ مثل هذا القرار فاستبعدوا وهم في حزن. ومن جهة أخرى كان هذا التشديد نفسه في القوانين يقدم نوعًا من الجاذبية القوية لدى أصحاب الفكر الأكثر نبلًا [290].] كانت الكنيسة تهتم أولًا بنيّة طالب العماد، فكما جاء في التقليد الكنسي للقديس هيبوليتس: [ليُمتحنوا من جهة السبب الذي لأجله جاءوا إلى الإيمان، وليشهد لهم الذين يُحضرونهم]، [ليتأكدوا من جهة صدق نيّة طالب العماد. إن كان عبدًا فليُنظر إن كان سادته يشتكون عليه]، [وإن كان متزوجًا ليُنظر إن كان يتمم مسلمات قانون السلوك المسيحي [291].] وفي حديث القديس كيرلس الأورشليمي لطالبي العماد: [إن كنت هاهنا بجسدك دون ذهنك فلن تنتفع شيئًا، فإنه حتى سيمون الساحر جاء يومًا إلى الجرن (أع 8: 13) واعتمد دون أن يستنير. فمع أنه غطس بجسده في الماء لكن قلبه لم يستنر بالروح. نزل بجسده وصعد، وأما نفسه فلم تُدفن مع المسيح ولا قامت [292].] في الكنيسة الأولى وُجد في ذهن الأساقفة قائمة بالمرفوضين من الدخول في صفوف الموعوظين مثل كهنة الأصنام أو حافظي الأوثان فإنهم لا يُقبلون إلا بعد تركهم عملهم هذا [293]. وأيضًا اللاعبون في المسارح لأنهم يلهَوْن بحياة الناس، والمترددون على الملاهي [294]، والجنود إذ عرفوا في ذلك الوقت بالظلم والتزامهم بالقسم بالآلهة الوثنية [295]. غير أنه يمكن قبول الجند بشرط ألا يقتلوا أحدًا ظلمًا حتى وإن أُمروا بذلك، وألا يقسموا بالأوثان [296]. وغالبًا ما كانت الكنيسة ترفض أصحاب الوظائف الحكومية الكبرى في ذلك الحين بسبب استحالة تجنبهم الاشتراك في الاحتفالات الوثنية وتقديم ذبائح للأوثان [297]، غير أن البعض قبلوا الإيمان ونالوا المعمودية المقدسة، وكانت لهم الشجاعة في رفض الاشتراك في هذه الأمور، ومنهم من استشهد. أما بالنسبة لمعلمي الفلسفة، فلم يكونوا يُمنعون، لكن كانت الكنيسة في البداية تتردد في قبولهم، إذ كان يلزمهم أن يعلنوا نقائص الآلهة لتلاميذهم [298]، وهذا أمر صعب. وفي مصر نال بعض الفلاسفة نعمة المعمودية بل وتسلموا التعليم في مدرسة السكندرية، وهم يرتدون ثوب الفلسفة مثل القديس بنتينوس. من هذا نتلمَّس في الكنيسة الأولى حرصها الشديد أن يكون طالب العماد هو من يتقبل التعليم المسيحي، لا لمجرد الدراسة الفلسفية ولا لغرض آخر سوى التعرف على الحق وتقبله في حياته الداخلية وسلوكه. حقًا لقد دخل البعض إلى صفوف طالبي العماد بنية شريرة، أو حبًا للاستطلاع، أو بقصد إرضاء الغير، كأن يريد أحد الوثنيين الزواج بفتاة مسيحية. هؤلاء متى اكتشفتهم الكنيسة أثناء الصوم المقدس قبل العماد أفرزتهم وحرمتهم من التمتع بسرّ المعمودية. إنها تدرس حالة كل شخص على انفراد، فإن رأت إمكانية كسبه للإيمان عالجت ضعفه وصححت مسار أعماقه الداخلية [299]، لكنها لا تهادنه ولا تعمده ما لم تتغير اتجاهاته وسيرته. يحدث القديس كيرلس الأورشليمي طالبي العماد، قائلًا: [هل دخلت لأن الحارس لم يمنعك... أم لأنك تجهل الزي اللائق بدخولك الوليمة؟ ألم تعلم هذا مما رأته عيناك حين دخلت ونظرت ثياب الضيوف المتألقة؟! لكن لأنك دخلت بغير لياقة، فبغير لياقة تخرج.. اخرج الآن بلياقة، ادخل غدًا وأنت أكثر استعدادًا [300].] [حقًا أن العريس يدعو الجميع بغير تمييز لأن نعمته غنية، وصوت الرسل يعلو صارخًا لكي يجمع الكل. لكن العريس نفسه يقوم بفرز من دخلوا معه في علاقة زوجية رمزية. آه! ليته لا يسمع أحد ممن سُجلت أسماؤهم هذه الكلمات: يا صاحب كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لباس العرس (مت 22: 12)؟! [301]] 3. مدة التعليمتسجيل أسماء الموعوظين راغبي العماد في بدء الصوم الكبير واختبارهم لا يعني بدء علاقتهم بالكنيسة، فإنهم غالبًا ما يكونوا قد بقوا تحت رعاية الكنيسة مدة ثلاث سنوات [302]، ينتقلون فيها من فئة إلى أخري حتى تطمئن الكنيسة على حسن نيّتهم وجدّيتهم في طلب الخلاص، وتمسكهم بالإيمان وتُقوّى سيرتهم فينتقلون إلى آخر درجة من الموعوظين وهي "طالب العماد". هذا الانتقال يختلف من شخص إلى آخر حسب غيرته ودراسته الفردية الخاصة، قبل أن ينضم إلى صفوف الموعوظين أو أثناءها. جاء في التقليد الكنسي للقديس هيبوليتس: [إن كان إنسان ما غيورًا مثابرًا حسنًا... فليقبل، فليس الزمن هو الذي يحكم بل السلوك [303].] أما درجات الموعوظين فثلاث[304]:أ. السامعون: هؤلاء كان يُسمح لهم بحضور الوعظ وسماع فصول الكتاب المقدس، ثم يُخرجهم الشماس [305]. هؤلاء لا يتمتعون مع الراكعين بحضور صلوات قداس الموعوظين خصوصًا أثناء وضع اليد. ب. الراكعون: هؤلاء يحق لهم حضور قداس الموعوظين، فيتمتعون بسماع الفصول من الكتب المقدسة والعظة ثم الصلاة الخاصة بالموعوظين [306] وهي جزء من الأواشي تصلى بعد العظة، ثم يأخذون وضع اليد للبركة وهم ركوع. إذا ارتكب الراكع جريمة أو ظل في خطيئته يصبح من السامعين، وإن بقى هكذا يطرد خارج الكنيسة. ج. طالبو العماد: ويُدعَوْن بالمستنيرين أو الذين سيُعمدون. هكذا ينتقل الموعوظ من فئة إلى فئة حتى ينال المعمودية المقدسة. وقد كانت الكنيسة غير جامدة فإنها تسمح للموعوظ في أي فئة بنوال سرّ العماد متى كان في خطر الموت، كما ذكر القديس باسيليوس [307] في رسالته إلى القنصل الروماني Anneheus الذي قَبِل المسيحية عن طريق زوجته، وكان في خطر الموت فعُمّد فورًا، ويقول القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص أن الموعوظ الذي آمن بالقيامة من الموت وسكن هذا الرجاء في قلبه كان يُعمد إذا تعرض للموت لكي لا يموت رجاؤه. على أي الأحوال كانت فترة الصوم الكبير هي الفترة التي تُعبأ فيها الطاقة لتعليم الموعوظين يوميًا، إذ تقول الراهبة اثيريا: [العادة هنا أن يأتي الذين سيتعمدون كل يوم في فترة الصوم الكبير.] يصف القديس كيرلس الأورشليمي في فترة الصوم كيف يجتمع الرجال معًا ليقرأ أحدهم بينما يُصغي الباقون، وتجلس الحدثات معًا يُلحِّن المزامير أو يقرأن، لكن بصوت خافت فتتحرك شفاههن دون أن يسمع أحد أصواتهن. كما تجلس النساء المتزوجات معًا ويصلين، وتتحرك أيضًا شفاههن دون أن تُسمع أصواتهن، لكي يُوهب لهن صموئيل وتلد أنفسهن (العواقر) الخلاص الذي هو "الله يسمع الصلاة (صموئيل)" إذ هذا هو تفسير اسم صموئيل [308]. 4. معلمو الموعوظيننحن نعلم أن الكنيسة منذ نشأتها كانت منطلقة للكرازة، تنفذ كلمات الرب: "مَنْ لا يجمع معي فهو يفرّق" (مت 12: 30، لو 11: 23). فالكل يشعر بمسئوليته نحو الشهادة للسيد المسيح، إن لم يكن بالكلام فبالسيرة الصالحة، وكما يقول العلامة أوريجينوس: [كل تلميذ للمسيح هو صخرة، فيه تكتمل الكنيسة الجاري بناؤها بيد الله [309].] ويُحمِّل القديس كيرلس الأورشليمي مسئولية تعليم الموعوظين أطفالًا كانوا أو بالغين على الآباء والأشابين (العرَّاب)، إذ يقول: [إن كان لك ابن حسب الجسد انصحه بهذا، وإن كنت قد ولدت أحدًا خلال التعليم فتعهده برعايتك [310].] إذن كل مؤمن حقيقي يلتزم بالمساهمة في تعليم موعوظ أو أكثر، بصورة أو أخرى، فماذا نقول عن الكاهن الذي يدعوه القديس يوحنا الذهبي الفم: [أب كل البشرية]؟! لقد دخل القديس غريغوريوس العجائبي قيصرية الجديدة وبها سبعة عشرة مسيحيًا فقط، وحينما تنيح بسلام لم يكن بها سوى سبعة عشرة وثنيًا. على أي الأحوال لم يكن يُحرم كاهن ما من خدمة الموعوظين المنظمة في الكنيسة، بل يقوم كل منهم بنصيب فيها. أما المرحلة الأخيرة من التعليم فغالبًا ما كان يقوم به الأسقف نفسه أو كاهن يثق فيه من جهة قدرته التعليمية بالنسبة لهم. وقد سجل لنا التاريخ أسماء أشخاص تخصصوا في تعليم الموعوظين مثل العلامة أوريجينوس الذي قدَّم من تلاميذه الموعوظين شهداء، وديوجرانيس الشماس بقرطاجنة. 5. مادة التعليمأ. تقدم دراسات خاصة للذين كانوا من أصل يهودي تختلف عمن كانوا من أصل وثني، كل فئة لها ما يناسبها حسب ثقافتها ودراساتها السابقة وبيئتها. ب. يقوم معلم (ديدسكالوس) بالقراءة لهم من الأسفار المقدسة وبعض الكتب الكنسية الهامة. وقد أشار العلامة أوريجينوس إلى هذه الأسفار، وهي غالبًا ما تمتاز بالاهتمام بالحياة السلوكية مثل إستير ويهوديت وطوبيا والحكمة [311]، كما أشار البابا أثناسيوس الرسولي إلى ذات الأسفار مع بعض الكتب الكنسية مثل الديداكيّة [312] والراعي لهرماس. ج. تُقدم لهم دراسات تأملية لاهوتية مبسطة تضم أهم العقائد المسيحية، ظهرت في شكل "قانون الإيمان للرسل [313]"، والذي كان أشبه بدستور للإيمان المسيحي، وقد صار نواة لقانون الإيمان الأثناسيوسي الذي وضعه مجمع نيقية المسكوني عام 325 م، وكمله مجمع القسطنطينية عام 381م. ويعتبر هذا القانون ملخصًا شاملًا يُقدم للموعوظين مع شرح له لكي يفهمونه يحفظونه. جاء في القوانين (الدساتير) الرسولية: [على الموعوظين أن يتسلموا قبل المعمودية معرفة الله الآب والابن الوحيد والروح القدس، ونظام خلق العالم والإعلانات الإلهية، ولماذا خُلق الإنسان والعالم، ويتعلم من ناموس الطبيعة لكي يعرف الهدف الذي خُلق لأجله. ويتعلم كيف يعاقب الرب الخطاة بالماء والنار وكلّل قديسيه في كل جيل، مثل شيث وأنوش وأخنوخ ونوح وإبراهيم وملكي صادق الخ. ويتعلم تجسد المسيح وآلامه وقيامته وصعوده، وما معنى جحد الشيطان والدخول مع المسيح في عهد [314].] ويَظهر اهتمام الكنيسة بتسليم قانون الإيمان أن الأسقف بنفسه هو الذي يقوم بهذا العمل، فقد كتب الأسقف أمبروسيوس إلى أخته مرسيلينا: [في اليوم التالي، إذ كان يوم الرب، بعد الدرس والعظة، كما خرج الموعوظين، سلمت طالبي العماد قانون الإيمان في معمودية البازليكي [315].] كذلك يفتتح القديس أغسطينوس مقاله عن "قانون الإيمان لطالبي العماد"، قائلًا: [استلموا يا أولادي دستور الإيمان الذي يدعى قانون الإيمان... وإذ تتقبلوه اكتبوه في قلوبكم ورددوه كل يوم قبل النوم قبل الخروج. تسلّحوا بقانون إيمانكم. إنه قانون لا يكتبه الإنسان لكي يقرأه بل لكي يردده، حتى لا ينسى ما قد تسلمه بعناية. سجلوه في ذاكرتكم.] ويقول القديس كيرلس الأورشليمي: [عندما تتعلم "الإيمان" والاعتراف به، اُطلب هذا الإيمان وحده الذي تسلمه لك الكنيسة الآن. احتفظ بهذا الذي يشيده الكتاب المقدس بقوة... لا تكتبه على ورق بل انقشه بذاكرتك على قلبك... أنني أرغب في تقديمه لك كعون يسندك كل أيام حياتك.] وكتب الأنبا يوحنا الأورشليمي للقديس جيروم: [العادة عندنا أننا نسلم التعليم بالثالوث القدوس بصورة عامة خلال الأربعين يومًا للذين سيتعمدون.] د. بعد تسليم قانون الإيمان وشرحه يتسلم طالبو العماد الصلاة الربانية. وكما يقول القديس أغسطينوس أنه بعدما نعرف من نؤمن به نصلي إليه، فإنه كيف نصلي لمن لا نعرفه ولا نؤمن به؟! ه. في الفترة الأخيرة يقوم المعلمون بتحفيظهم بعض التلاوات أي الصلوات القصيرة تساعدهم في الصلاة. و. أخيرًا في الأيام القليلة السابقة للعماد المقدس تُقدم لهم الكنيسة مائدة دسمة عن شرح طقس العماد والميرون وسرّ الأفخارستيا بطريقة مختصرة روحية. في اختصار يمكننا تقسيم مادة التعليم السابقة إلى قسمين رئيسيين: دراسة سلوكية وعقيدية مبسطة، ثم دراسة مبسطة لشرح أسرار الكنيسة. 6. الاستعداد بالصوم والصلاة مع السهرفي بدء العصر الرسولي كان يكفي لنوال المعمودية أن يكون طالبها متقدمًا بضمير نقي (1 بط 3: 22)، لكننا نجد في الديداكيّة التي يرجع بعض نصوصها إلى القرن الأول الميلادي يلتزم المعمد أن يصوم يومين أو يومًا قبل العماد ويشترك معه خادم المعمودية وغيرهما ممن يستطيعون [316]. جاءت كتابات الكنيسة تؤكد أن إعداد طالبي العماد لا يقف عند مجرد الاستماع إلى التعاليم وحفظ قانون الإيمان وبعض الصلوات، وإنما يليق أن يستعدوا بالصلاة والصوم مع السهر مع تقديم ثمار تليق بالتوبة. * يجدر بالآتين إلى المعمودية أن ينشغلوا على الدوام بالصلوات والأصوام والمطانيات والأسهار، كل هذا مع الاعتراف بالخطايا السابقة [317]. العلامة ترتليان * إذ يتقبل كثيرون هذه الأمور التي يتعلمونها والتي ننطق نحن بها، ويؤمنون أنها حق، ويَعدون أن يعيشوا حسب وصايا ديانتنا، يتعلمون أن يُصلوا ويسألوا الله لأجل غفران خطاياهم بالصلوات والأصوام، وحتى نحن نشترك معهم بالصلوات والأصوام، عندئذ نحضرهم إلى حيث يوجد الماء ويتجددون بنفس الطريقة التي نلنا نحن بها التجديد [318]. القديس يوستين * فليصم (المتقدمون للعماد) يوم الجمعة (العظيمة) [319]. التقليد الرسولي للقديس هيبوليتس * ليصم من يتقدم للعماد قبل أن يعتمد [320]. الدساتير الرسولية * إن اقترب يوم عرسكم أما تتركون كل شيء وتتفرغون تمامًا لإعداد الوليمة؟! لقد اقترب يوم تكريس نفوسكم لعريسها السماوي، أما تكفون عن الانشغال بالأمور الزمنية لتربحوا الروحية؟! ليتنقي ذهنكم كما بنار في وقار! لتصهر نفوسكم كالمعدن فتزول الشوائب ويبقى المعدن الخالص! * هيئوا قلوبكم لقبول التعليم من أجل شركة الأسرار السمائية الخالدة. صلوا بأكثر مثابرة لكي يجعلكم الله مستحقين الأسرار السمائية الخالدة. لا تنقطعوا عنها نهارًا وليلًا، بل عندما يُطرد النوم من أعينكم فلتتحرر أذهانكم للصلاة. وإن ثار فيكم أي فكر معيب حوّلوا أذهانكم إلى التأمل في الدينونة فتذكرون الخلاص. قدموا أذهانكم كلها للدراسة حتى تحتقروا الأمور الدنيئة [321]. القديس كيرلس الكبير _____ الحواشي والمراجع: [271] E. C. Whitacher: Documents of the Baptismal Liturgy, 1970, P 47. [272] De Baptismo 19. [273] تفسير نبوة زكريا 8:14. [274] الدكتور جورج حبيب بباوي، ص 91. [275] ST. Jerome: Epist. Ad Pammach 16; ST. Chrys: Epist. 1 ad Innocent. [276] Apost. Const. 5:28. [277] Socrates: H.E. 5:22. [278] Sozomen: H.E. 2:26. [279] D. Stone: Holy Baptism p 142. [280] D. Stone: Holy Baptism p 142. [281] De Baptismo 19. [282] عظة 13 على المعمودية (مترجمة د. جورج بباوي). [283] Orat. 11 on Baptism. [284] Per. Eth. 45. [285] Theodore of Mopsuestia: Hom. Cat. 12:1. [286] Apost. Trad. Of Hipp. 20. [287] De Catech. Rud 9; PL 40:316-7. [288] PG 46:417 B. [289] J. Daniélou: The Bible and The Liturgy, P 22. [290] J. Jungmann: The Early Liturgy. 1959, P 76, 77. [291] Dix: Apost. Trad. Of Hipp. 23, v 1-2. 4,6. [292] Protech. 1,2. [293] Dix: Apost. Trad. 23, v 16. [294] Ibid 25 f, v 12, 14, 15. [295] Tertullian. De Corona Militus. [296] Dix 25, V 17. [297] Ibid v 18. [298] Ibid v 11, 13. [299] St. Cyril Jer: Catech. 5. [300] Ibid 3,4. [301] Cat. Lec. 3:2. [302] Apost. Const. 8:32. [303] Dix 28, v 2. [304] راجع الدكتور جورج بباوي، ص 51-52. [305] قوانين مجمع نيقية 14. [306] الأحكام الرسولية 6:8. [307] Protech. 14. PG 33:356 A. [308] Protech. 14. PG 33:356 A. [309] G. Foster: Why the Church? P 22. [310] Cat. Lect. 15:18. [311] In Num., hom 27:1. [312] قمت بترجمتها ونشرها عام 1975، 1980. [313] قمت بترجمته ونشره والتعليق عليه مع الديداكيّة السابق الإشارة إليها. [314] Apost. Const. 7:39. [315] Epist 20. [316] Didache 7:4. [317] De Baptismo 20. [318] Apology 1:61. [319] Dix 32, v 5-8. [320] Apost. Const. 7:22. [321] Protech. 6,16. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
مراسيم العماد المقدس العماد في الكنيسة الأولى غني بطقسه، عميق بمفاهيمه اللاهوتية، قوي بصلواته وفاعليته، لهذا أردت أن أجمع بعض التفاصيل الخاصة به في الكنيسة الأولى سواء في الشرق أو الغرب مع الإشارة إلى الطقس القبطي الحالي الذي يحمل روح طقس الكنيسة الأولى وعمقه الروحي واللاهوتي. وكما سبق فقلت أنه توجد بعض الاختلافات الطفيفة في ترتيب الطقس من كنيسة إلى أخرى، لهذا وضعت الهيكل العام مع الإشارة إلى الاختلافات، كما حاولت بمشيئة الله تقديم المفهوم اللاهوتي والروحي لكل طقس بفكر إنجيلي آبائي. 1. استعداد خادم السرّ. 2. فرز طالبي العماد. 3. تقبل علامة الصليب. 4. التِلاوات الخاصة بطرد الأرواح الشريرة. 5. خلع الثياب. 6. الدهن بالزيت. 7. جحد الشيطان. 8. سرّ الانفتاح. 9. الاعتراف بالإيمان. 10. تقديس المياه. 11. سكب الميرون في المياه. 12. الثلاث تغطيسات. 13. غسل القدمين. 14. الدهن بالميرون المقدس. 15. لبس الثياب البيضاء. 16. لبس الأكاليل والزنار. 17. حمل الشموع. 18. التناول من الأسرار المقدسة. 19. وصية الإشبين. 20. أكل اللبن مخلوطًا بالعسل. 21. صلاة حل الزنار. 1. استعداد خادم السرّكما يستعد طالب العماد لنوال هذا السرّ بالحياة التقوية مع تعلم الإيمان السليم والصلوات والأصوام والسهر هكذا يليق بخادم السرّ. أسقفًا كان أو كاهنًا - أن يشترك مع طالب العماد في هذا الاستعداد، فيقدم الصلوات مع الأصوام [322]. وعندما يبدأ في إتمام السرّ يلزم أن يكون صائمًا، في الطقس القبطي الحالي على الأقل 9 ساعات، كما يصلي بثياب الخدمة الكهنوتية، هذا وإن كان حاليًا قد أهمل البعض هذا الأمر الأخير. يحدث الأب ثيؤدور طالب العماد، قائلًا: [يقترب منك الكاهن ليس مرتديًا ثيابه العادية... بل يلتحف بثوب من الكتان النقي البهيّ، فإن مظهره المفرح يشير إلى فرح العالم الذي تتحرك أنت نحوه في المستقبل، واللون المضيء يشير إلى البهاء الذي يكون لك في الحياة العتيدة [323].] 2. فرز طالبي العمادتحدثنا قبلًا عن اختبار طالبي العماد في بدء الصوم الكبير، وللمرة الثانية يقوم الأسقف بنفسه باختبارهم قبل العماد مباشرة. جاء في التقليد الكنسي للقديس هيبوليتس: [عندما يُختارون يفرزون حتى يتقبلوا المعمودية. تُمتحن حياتهم لمعرفة إن كانوا قد عاشوا بتقوى وهم موعوظون، وإن كانوا قد أكرموا الأرامل وافتقدوا المرضى وتمموا كل عمل صالح [324].] ولا يقف الاختبار عند الجانب السلوكي وحده، وإنما يلزم التأكد من صدق إيمانه. وقد وصف العلامة أوريجينوس دقة الفحص الذي يليق بالكنيسة أن تقوم به من جهة الموعوظين سواء كانوا قد قبلوا الإيمان بطريقة أو بأخرى، حتى لا ينال أحد المعمودية دون التأكد من صدق نيته [325]. وقد شبه القديس كيرلس الأورشليمي طالبي العماد وهم يُفرزون بالمنضمين إلى صفوف الجندية [326]، إذ يليق فحصهم بدقة قبل دخولهم المعركة، كأعضاء في جيش المسيح الخلاصي يحاربون الشيطان. 3. تقبل علامة الصليببعد فرز طالبي العماد يتقبلون البركة بوضع اليد عليهم وتقبلهم علامة الصليب. لقد استخدم السيد المسيح يديه ليبارك الأطفال: "حينئذٍ قُدِّمَ إليهِ أولاد لكي يضع يديهٍ عليهم ويصلّي... فوضع يديهِ عليهم" (مت 19: 13، 15). وعند صعوده أخرج السيد تلاميذه إلى بيت عنيا "ورفع يديه وباركهم" (لو 24: 5)، فوضع اليدين إشارة إلى تقديم البركة. والعجيب أن السيد حين فتح عيني الأعمى "وضع يديهِ على عينيهِ" (مر 8: 25) لتستنيرا. وفي شفائه المرضى وإخراج الشياطين كان يضع يديه "على كلّ واحدٍ منهم" (لو 4: 40)... ولعله إذ كان يستخدم يديه الاثنين بالنسبة لكل واحدٍ إنما لكي يباركه ويشفيه أو يحرره من الأرواح النجسة وهو يضع يديه عليه على شكل صليب، وإلا فلماذا يستخدم يديه بالنسبة لكل واحدٍ؟! على أي الأحوال يضع الكاهن يديه على طالب العماد لكي ما يهبه الرب بركته السماوية واستنارة لعينيه الداخليتين وشفاءً من الخطية وتحررًا من الشيطان وكل جنوده... هذا هو عمل الله في المعمودية المقدسة. أما رشم علامة الصليب على جبهة طالب العماد فقد أشار إليها القديس أغسطينوس في كتاب "الاعترافات" عندما قُبل في الكنيسة [327]. وفي سيرة بورفيروس أسقف غزة في القرن الثالث ذكر أن الوثنيين سجدوا وطلبوا منه علامة الصليب فرشمهم [328]. ويعتبر القديس أغسطينوس هذا العمل "رشم علامة الصليب" أشبه بالحبْل بهم في أحشاء الكنيسة: [إنكم لم تولدوا بعد في المعمودية المقدسة، لكنكم بعلامة الصليب يُحمل بكم في أحشاء الكنيسة أمكم [329].] كما يقول عنهم إنهم يتباركون بعلامة الصليب والصلوات ووضع الأيدي، وأنهم وإن كانوا لم يتمتعوا بعد بجسد السيد المسيح لكنهم ينالون شيئًا مقدسًا،ولعله قصد بالشيء المقدس الخبز الذي يأكلونه، وان كان بنجهام Bingham يرى أنه ملح مقدس يتذوقه طالبو العماد كرمزٍ إلى أن المؤمنين هم ملح الأرض. 4. التِلاوات لطرد الأرواح الشريرة:نرى في الليتورجيات القديمة جميعها وجود خطين واضحين هما: طرد الأرواح الشريرة من طالب العماد والدخول به إلى مملكة المسيح. هذا ما نلمسه في ليتورجيات العماد القبطية والأرمينية والبيزنطية والإثيوبية وغيرها. تروي لنا إثيريا الراهبة الأسبانية [330] أن طالب العماد كان يخضع لطقس طرد الأرواح الشريرة طوال الصوم الكبير، كما حدثنا القديس كيرلس الأورشليمي عن هذا الطقس، وكما يقول القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس: [لا تحتقروا دواء طرد الشياطين، ولا تتعبوا من طول الصلوات، لأن هذه كلها امتحان لصدق النفوس وإخلاصها في طلب المعمودية باشتياق [331].] ويقول الأب ثيؤدور المصيص: [حتى وإن كان الشيطان عنيفًا وقاسيًا يلزمه أن ينسحب من قلوبكم بكل سرعة بعد هذا النطق الرهيب واستدعاء رب الكل [332].] وقد وصف لنا القديس يوحنا الذهبي الفم والأب ثيؤدور كيف يقف طالب العماد في خوف وخشية، إما منتصبًا باسطًا يديه أو راكعًا، وهو حافي القدمين، يقف على مسوح خشنة من الصوف كمن يصلي طالبًا من الله أن يرق لحالة العبودية التي سقط فيها تحت أسر إبليس وجنوده: * إظهار القدمين العاريتين وبسط اليدين يشيران إلى شيء آخر بالنسبة لنا، إذ يَظهر الذين يُعانون من سبي الجسد بهذا الوضع معلنين كآبتهم على ما حلّ بهم، كما إنهم بهذا العمل الخارجي الظاهر يُذكّرون أنفسهم بحالهم السابق عندما يبدأون في التحرر من سبي إبليس ويدخلون تحت نير الصلاح [333]. القديس يوحنا الذهبي الفم * أولًا تحني ركبتيك بينما يكون بقية جسدك منتصبًا، فتكون في وضع من يصلي، باسطًا يديك نحو الله... متطلعًا نحو السماء. بهذا الوضع تقدم الصلاة لله وتتوسل إليه أن يمنحك الخلاص من سقطتك القديمة ويهبك الشركة في الخيرات السماوية. وأنت على هذا الوضع يقترب إليك الأشخاص المكلفون بالخدمة ويقولون لك ما قاله الملاك الذي ظهر للطوباوي كرنيليوس: "صلواتك سُمعت، وطلباتك استجيبت" (أع 10: 4) [334]. الأب ثيؤدور * إذ لا تستطيعون بأنفسكم أن تحتجوا ضد إبليس وتحاربوه، فإن عمل الأشخاص المدعوين "طاردي الأرواح الشريرة Exorcists" أمر ضروري، فإنهم يعملون من أجل أمانكم وذلك بالعونْ الإلهي. إنهم يصلون بصوت عالِ ولمدة طويلة لكي يهلك عدوكم بحكم القاضي (الله) الذي يأمره أن ينسحب ويبتعد... حينما تتلى الكلمات الخاصة بطرد الأرواح الشريرة قفوا بهدوء كامل كما لو كنتم بلا صوت، كمن هم في خوف ورعدة من الطاغي... قفوا بأذرع مبسوطة كمن يصلي، وانظروا إلى أسفل... حتى تثيروا شفقة القاضي عليكم. اخلعوا ثوبكم الخارجي ونعالكم لكي تُظهروا في أنفسكم حالة العبودية القاسية التي خدمتم بها إبليس زمانًا طويلًا... قفوا على ثياب من المسوح حتى إذ توخز أقدامكم بخشونة المسوح تتذكرون خطاياكم القديمة... أما بالنسبة للكلمات الخاصة بطرد الأرواح الشريرة فإن لها سلطان أن تستميلكم بعد أن تقدم نفعًا عظيمًا لذهنكم فلا يبقى خاملًا وبلا عمل [335]. * حينما تذهب لتسجيل اسمك في رجاء نوال سكنى السماء والمواطنة فيها، تنال في طقس طرد الأرواح الشريرة نوعًا من الدعوى القضائية ضد الشيطان، وتتمتع بمرسوم إلهي يهبك الحرية من بعد العبودية. بهذا تتقبل كلمات قانون الإيمان والصلاة فتقيم مع الله ميثاقًا وعهدًا أمام الكهنة تتعهد فيه أن تبقى في المحبة التي للطبيعة الإلهية... وأن تعيش في هذا العالم بطريقة تتفق مع الحياة السماوية والمواطنة فيها قدر المستطاع [336]. الأب ثيؤدور هكذا يوضح الأب ثيؤدور كيف يتحرر المعمدون من سلطان إبليس ليدخلوا في ميثاق مع الله كأولاد الله متمتعين بالحرية. وقد تحدث القديس كيرلس الأورشليمي عن عطية المعمودية كتحريرٍ من سلطان إبليس -الوحش الساكن في أعماق المياه- قائلًا: [جاء في أيوب أنه كان في المياه الوحش الذي "اندفن الأردن في فمه" (أي 40: 23)، وكان يجب تحطيم رؤوسه (مز 74: 14). لهذا نزل (السيد) وربط القوي في المياه حتى ننال فيها القوة، إذ يكون لنا السلطان أن ندوس على الحيات والعقارب (لو 10: 19). كان الوحش عظيمًا ومرعبًا "لا يقدر إناء سميك أن يحتمل حرشفة واحدة من ذيله [337]" (أي 40: 26)، ثائرًا ضد كل من يلتقي به. لقد نزل "الحياة" إليه ليلتقي معه فيسد هناك فم الموت، وعندئذ نخلص نحن، قائلين: أين شوكتك يا موت؟! أين غلبتك يا قبر؟! (1 كو 10: 55). لقد نزعت شوكة الموت بالمعمودية! ها أنتم تدخلون المياه حاملين خطاياكم، وبابتهال النعمة إذ نختم نفوسكم، لا يعود يبتلعكم الوحش المرعب [338].] في الطقس القبطي يصلي الكاهن على الزيت ليدهن طالب العماد، قائلًا: [لكي تنظر إلى جبلتك -هذا الزيت- وتجعله أن يحل أعمال الشياطين وسحرهم ورقاهم...]، وعندما يدهن قلبه ويديه وظهره يقول: [هذا الزيت يبطل كل مقاومة المضاد (الشيطان)، آمين.] كما يصلي الكاهن على طالب العماد قائلًا: [نسأل ونطلب من صلاحك يا محب البشر لكي من قبل استدعاء اسمك القدوس تنحل كل القوات وكل الأرواح المقاومة الشريرة، امنعها وارفضها، لأنك أنت الذي دعوت عبيدك هؤلاء الداخلين من الظلمة إلى النور، ومن الموت إلى الحياة، ومن الضلالة إلى معرفة الحق.] مرة أخرى قبل التغطيس يقول الكاهن: [أنت يا رب أنقذ أيضًا جبلتك هؤلاء من عبودية العدو، اقبلهم في ملكوتك. ولتصحب حياتهم ملائكة النور ليخلصوهم من كل مؤامرة ومن المصادفة الرديئة، ومن سهمٍ طائرٍ في النهار، ومن شيطان الظهيرة، ومما يسلك في الظلمة، ومن خيال الليل. انزع من قلوبهم كل الأرواح النجسة، الروح الخبيث الذي يقلق قلوبهم، روح الضلالة وكل خبث، روح محبة الفضة وعبادة الأوثان، روح الكذب وكل نجاسة تصنع كتعليم إبليس.] وفي صلاة تقديس المياه يقول: "من جهة هذا الماء وهذا الزيت تبطل كل القوات المضادة، والأرواح الخبيثة امنعها وأرذلها وصدها"، "أنت رضضت رؤوس التنين على المياه". هكذا يظهر اتجاه الصلاة من أجل طرد الأرواح الشريرة خلال الدهن بالزيت وتقديس المياه باستدعاء اسم الله القدوس واضحًا. وما نقوله عن الطقس القبطي نقوله أيضًا عن الطقس الأرمني، إذ يصلي الكاهن هكذا: [أيها الرب الله العظيم والممجد من كل الخليقة، عبدك إذ يلتجئ إلى اسمك المخوف يحني رأسه لاسمك القدوس الذي تنحني له كل ركبة ما في السماوات وما على الأرض وما تحت الأرض، وكل لسان يعترف أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب (في 2: 10الخ). اجعله شريكًا في اسمك المخوف الذي ينزع خداعات الشياطين وعبادة الأوثان ويبددها، ويحطم كل فخاخ إبليس. أطلع أيها الرب من أجل رحمتك على هذا الإنسان، باستدعاء اسمك واهب كل غلبة، انزع عنه أفكار الأرواح الشريرة المتربصة له وكلماتها وأفعالها وكل المكائد الشريرة التي تخدع البشرية. وفي النهاية، إذ يرتعبون أمام اسمك الغالب لتحل عليهم العقوبات غير المنظورة وليهربوا بعيدًا عنه باستحلافهم به، فلا يعودوا إليه مرة أخرى. أشبعه بالنعمة الإلهية، واجعله يفرح بالدعوة الصالحة، ولتصيّره مسيحيًا. ليصير مستحقًا للعماد في الزمن المناسب، للميلاد الثاني، فإنه إذ يتقبل روحك القدوس يصير جسدًا وعضوًا في كنيستك المقدسة، ونحن إذ نتبع المسيح بطهارةٍ نسلك حياة نقية وَرِعة في هذا العالم، ونحصل على الخيرات العتيدة مع كل الذين يحبون اسمك، ممجدين ربوبية الآب غير المتغير والابن والروح القدس، الآن وكل أوان والى ابد الأبد.] أما في الطقس البيزنطي: [فإن ليتورجية العماد تحمل ذات الاتجاه، حيث يطلب من الله أن يطرد الأرواح الشريرة، ليس فقط خلال الاستحلاف باسم الله المهوب، وإنما أيضًا بالنفخة وبرسم علامة الصليب. تبدأ صلوات ما قبل المعمودية بثلاث استقسامات، فيها يستحلف الكاهن الشيطان أن يخرج هو وكل جنوده وأعماله ولا يعود إليه مرة أخرى، وبعد صلاة قصيرة يطلب فيها من الله أن يخلِّص خليقته من عبودية العدو، ويقبله في ملكوته السماوي، ينفخ في فم الموعوظ وفي جبهته وصدره ثلاث مرات، وهو يقول: "ليبعد عنه كل روح شرير نجس مخفي قاطن في قلبه"، وفي أثناء تقديس المياه يرشم الكاهن على الماء بإصبعه على شكل صليب ثلاث مرات، وينفخ فيه ثلاث مرات، قائلًا في كل مرة: "لتنسحق تحت علامة رسم صليبك جميع القوات المضادة.] أما الاستقسامات الثلاثة في الطقس البيزنطي فهي:الاستقسام الأول: [يا إبليس لينتهرك الرب الذي جاء إلى العالم وسكن في الناس ليحطم اغتصابك ويخلص البشر. الذي وهو على الصليب قهر القوات المضادة إذ أظلمت الشمس وتزعزعت الأرض وتفتحت القبور وقامت أجساد القديسين. الذي حلّ الموت بالموت، وأبطل من له عزة الموت أعني أنت أيها الشيطان. أقسم عليك بالإله الذي أظهر صليب الحياة وأقام الشاروبيم والحربة اللهيبية المتغلبة لحراسته، انزجر وانصرف، لأني استحلفك بذاك الذي مشى على ظهر البحر كأنه على اليابس وانتهر عاصف الرياح... هو الآن يأمرك بنا أن تخاف وتخرج من هذا المخلوق، ولا تعد ترجع إليه ولا تختف فيه ولا تستقبله بفعل مضر لا في ليل ولا في نهار ولا في منتصف النهار ولا في ساعة من الساعات، بل انطلق إلى الجحيم المختص بك إلى اليوم المعد ليوم الدينونة العظيم. اِرهب من الله الجالس على الشاروبيم... اُخرج واِنصرف عن الذي خُتم واُنتخب جنديًا جديدًا للمسيح إلهنا، لأني أُقسم عليك بذاك الذي يمشي على أجنحة الرياح، الصانع ملائكته أرواحًا وخدامه لهيب نار. اخرج وانصرف من هذا المخلوق أنت وجميع قواتك وملائكتك.] الاستقسام الثاني: [أُقسم عليك أيها الروح الغريب الكلي الخبث، النجس، الدنس، المرذول، بقوة يسوع المسيح الذي له السلطان على كل ما في السماء والأرض، الذي قال للشيطان الأصم الأبكم: اخرج من الإنسان ولا تعد تدخل فيه أيضًا، انصرف واعرف قوتك الباطلة التي ليس لها سلطان حتى ولا على الخنازير...] الاستقسام الثالث: [يا رب الصاباؤوت إله إسرائيل، الشافي كل مرض وكل استرخاء، اطلع على عبدك هذا وافحصه وامتحنه وأقصي عنه كل أعمال الشيطان، وانتهر كل الأرواح النجسة واطردها، مطهرًا عمل يديك منها، واستخدم سرعة أفعالك، واسحق الشيطان تحت قدميه سريعًا، وامنحه الظفر عليه وعلى أرواحه النجسة.] 5. خلع الثيابيرى جان دانيلو أن طقس العماد حتى هذه اللحظة غالبًا ما كان يتم خارج حجرة المعمودية إذ يُعامل طالبوا العماد كغرباء عن الكنيسة، إنما يبدأون دخولهم المعمودية بخلعهم الثياب ودهنهم بالزيت كطقسين يهيئان طالبي العماد للدخول في مياه المعمودية، فيدخل في العضوية الكنسية ويلبس الثياب البيضاء كمن دخل الفردوس وصار ابنًا للملكوت [339]. لست أريد تشريح طقس العماد إلى شرائح منفصلة عن بعضها البعض، فهي تمثل وحدة واحدة متكاملة ومتلازمة، لكنني أقول بأنه مادام طالب العماد لا يزال في صفوف الموعوظين يُحسب غريبًا عن جسد المسيح، لم يتذوق بعد الحياة الفردوسية. أما وقد دخل بين صفوف طالبي العماد في طريقه نحو الجرن المقدس، فقد انفتح أمامه الفردوس الإلهي، ورأى قبر المخلص المحيي، فيشتهي الدفن معه، ليقوم ابنًا لله حيًا ومقدسًا للروح القدس. * ها أنتم الآن في بهو القصر، ستقادون حالًا للملك [340]. * حالًا سيفتح الفردوس لكل واحد منكم [341]. القديس كيرلس الأورشليمي * إنكم خارج الفردوس أيها الموعوظون، إنكم تشاركون آدم أباكم الأول في نفيه، والآن يُفتح الباب وتعودون من حيث خرجتم [342]. القديس غريغوريوس النيسي وكما سبق أن رأينا في حديثنا عن مبنى المعمودية بكنيسة ديورا بسوريا والتي ترجع إلى القرن الثالث وجود أيقونة تمثل الراعي الصالح وقد وقف بجوار قطيعه، ومن أسفل رُسم آدم وحواء والشجرة والحية [343]، وكأن بالمعمودية دخل السيد المسيح -الراعي الصالح- بقطيعه إلى الفردوس حيث شجرة الحياة وقد حُرم منه أبوانا الأولان بسبب خداع الحية. لنفس السبب نجد مبنى المعمودية يكون أحيانًا على شكل دائري [344]، حيث تدخل بنا إلى دائرة الأبدية والتمتع بالملكوت الإلهي الدائم، أو على شكل ثُماني الجوانب حيث يشير رقم 8 إلى الحياة الجديدة أو الحياة الفردوسية المقامة [345]، حيث قام السيد المسيح في اليوم الأول من الأسبوع (الثامن من الأسبوع السابق)، وحيث كان الختان يتم في اليوم الثامن من ميلاد الطفل علامة دخوله الحياة الجديدة. والآن إذ نعود إلى خلع الثياب، يرى الأب ثيؤدور أن هذا العمل هو بدء الدخول إلى العماد المقدس، إذ يقول: [ها أنتم تدخلون المعمودية المقدسة، أولًا تخلعون ثيابكم [346]]، وجاء في التقليد الرسولي للقديس هيبوليتس: [يخلعون ثيابهم ويُعمد الأطفال الصغار أولًا... وبعد ذلك يُعمد الرجال الناضجون، وأخيرًا النساء اللواتي يحلقن شعورهن ويخلعن حليهن [347].] وقد حمل خلع الثياب في أذهان الآباء مفاهيم لاهوتية، فيرى الأب ثيؤدور في خلع الثياب مع وقوف طالب العماد حافي القدمين: [إظهارًا أن العبودية التي أمسكه فيها الشيطان قد قادته إلى الأسر، فيقف هكذا ليثير شفقة القاضي عليه [348].] ويرى القديس كيرلس الأورشليمي في ذلك: [صورة لخلع الإنسان القديم وأعماله [349].] كذلك يقول القديس غريغوريوس النيسي: [اخلع الإنسان القديم كثوب بال وتقبل رداء عدم الفساد الذي يقدمه لك المسيح [350].] ويقول الأب ثيؤدور: [ثوبك علامة الموت، يجب أن تخلعه لتلبس عدم الفساد بالمعمودية [351].] إن كان العماد هو شركة في آلام السيد المسيح وموته ودفنه وقيامته، فإن خلع الثياب هو شركة معه في تعريه على الصليب من أجلنا. وكما يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [قد خُلعت ثيابكم وصرتم عراة. في هذا تقتدون بالمسيح الذي عُري على الصليب، هذا الذي بعريه عرىّ السلاطين والقوات وغلبهم بالصليب بغير خوف (كو 2: 15). لقد ملكت القوات الشريرة على أعضائكم مرة، لهذا يلزم ألا تلبسوا هذا الثوب القديم. لست أكلمكم عن طبيعتكم الملموسة، بل عن الإنسان القديم وشهواته المخادعة [352].] والعري أيضًا يحمل عودة إلى الإنسان الأول قبل السقوط الذي كان عاريًا ولم يخجل، وكمل يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [يا للعجب! لقد كنتم عراة أمام أعين الكل ولا تشعرون بأي خجل، لأنكم بالحقيقة حملتم في داخلكم صورة آدم الأول الذي كان في الفردوس عريانًا ولم يشعر بخجل [353].] ويقول الأب ثيؤدور: [كان آدم عريانًا في البداية ولم يكن يخجل، هذا هو السبب الذي من أجله يجب أن تخلعوا ثيابكم [354].] ويقول القديس غريغوريوس النيسي: [إذ تخلع النفس ثوب الجلد الذي لبسته بعد السقوط تنفتح على اللوغوس بنزعها البرقع عن قلبها، أي جسدها. أقصد بالجسد الإنسان القديم الذي يليق بمن يرغبون في الاغتسال في جرن اللوغوس أن يخلعوه عنهم [355]]، بهذا نعود إلى الفردوس الأول، إلى طبيعتنا قبل السقوط حيث لا نحتاج إلى التستر بأوراق التين بل نبقى كملائكة الله، أولادًا مقدسين في الله. * لقد طردتنا من الفردوس، وها أنت تدعونا للعودة إليه! لقد عريتنا من أوراق التين التي هي الثياب، وها أنت تكسونا بثوب الكرامة... لذلك عندما تنادي آدم لا يعود يخجل، ولا يختفي بين أشجار الفردوس بسبب تأنيب ضميره، إذ شفيت ثقته البنوية وجاء إلى كمال نور النهار [356]. القديس غريغوريوس النيسي * بعد خلع ثوبكم يقودكم الكاهن إلى المياه المتدفقة. لماذا عرايا؟ إنه يذكركم بالعري القديم، حين كنتم في الفردوس ولم تخجلوا، إذ يقول الكتاب عن آدم وحواء أنهما كانا عريانين ولا يخجلان، إلى أن لبسا ثوب الخطيئة، الثوب الثقيل المملوء عارًا. إذًا لا تخجلوا هنا، فإن الجرن أفضل من الفردوس. هنا لا توجد حية بل يوجد المسيح الذي يعمدكم في التجديد بالماء والروح [357]. القديس يوحنا الذهبي الفم لم يذكر العلامة ترتليان شيئًا عن المسح بالزيت قبل التغطيس، لكن الشهيد يوستين [358] تحدث عنه، كما أشارت إليه قوانين القديس هيبوليتس حيث ذكرت أن أحد الكهنة يقوم بمسح طالبي العماد بعد جحدهم الشيطان وقبل تغطيسهم وإعلان الإيمان، يدهنونهم بزيت لإخراج الشياطين [359]. وقد أشارت الدساتير الرسولية إلى هذا الطقس [360]. المسح بالزيت قبل التغطيس وبعد جحد الشيطان أو قبله إنما يحمل عملين: التطعيم في الكنيسة شجرة الزيتون الدسمة عوض الزيتونة البرية، والتمتع بقوة لمحاربة الشياطين وقوات الظلمة. هذا ما أكده الآباء القديسون وأيضًا الطقس ذاته. ففي الطقس القبطي يُدهن طالب العماد مرة قبل جحد الشيطان خلالها يؤكد الكاهن تطعيمه في الكنيسة، قائلًا: "أدهنك يا (فلان) باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد. زيت عظة (لفلان) في كنيسة الله الواحدة والوحيدة المقدسة الجامعة". ويدهن مرة أخري بعد جحد الشيطان وقبل تغطيسه، خلالها يؤكد تمتعه بقوة لمحاربة الشيطان المضاد: "أدهنك يا (فلان) بدهن الفرح، مضادًا لكل أفعال المضاد. لتغرس في شجرة الزيتون اللذيذة، في كنيسة الله المقدسة الجامعة الرسولية". وفي خولاجي eu,ologion القديس سرابيون: [ندهن بهذا الزيت الذين يقتربون إلى الميلاد الجديد، سائلين الرب يسوع المسيح أن يهبه سلطانًا للشفاء وإعطاء قوة لجسد الذين يعتمدون ونفوسهم وأرواحهم، لتتحرر أرواحهم من كل أثر للخطيئة والشر، وتكون لهم قوة الغلبة على الأرواح المضادة.] * عندما خلعتم ثيابكم مُسحتم بالزيت المصلى عليه من أعلى رؤوسكم إلى أقدامكم، وصرتم شركاء في الزيتونة الحقيقية التي هي يسوع المسيح. لقد قطعتم من الزيتونة البرية، وطُعّمتم في الشجرة المقدسة، وأصبحتم شركاء في دسم الزيتونة الحقيقية. بهذا يبطل كل أثر لقوة الشر... وذلك بالتوسل باسم الله كأشد اللهب قوة، تلفح الأرواح الشريرة وتطردها. هكذا أيضًا يأخذ هذا الزيت قوة بالتوسل إلى الله والصلاة، فيحرق الخطيئة وينظف آثارها، كما يطرد قوات الشرير غير المنظورة [361]. القديس كيرلس الأورشليمي * إذ خلعت ثيابك بحق يُدهن كل جسدك بالدهن المقدس كعلامة ووسم أنك تتقبل غطاء الخلود الذي أوشكت أن تلبسه خلال المعمودية. * العلامة التي تُوسم بها تعني أنك قد خُتمت كحمل المسيح وجندي للملك السماوي [362]. الأب ثيؤدور * يدهن الله ملامحكم ويختم عليها بعلامة الصليب. بهذه الطريقة يكبح الله كل جنون الشرير، فلا يجسر إبليس أن يتطلع إلى منظر كهذا، إذ يصيب عينيه العمى بالتطلع إلى وجوهكم، فيكون كمن يتطلع إلى أشعة الشمس فيثب هاربًا... المسحة هي خليط من زيت الزيتون ودهن، الدهن هو للعروس والزيت للمصارعين. لتعرفوا مرة أخري أن الله بنفسه هو يدهنكم خلال يد الكاهن، وليس إنسان. أصغِ إلى كلمات بولس القائل: "الله هو الذي يثبتكم في المسيح، الذي مسحنا". بعد أن يدهن كل أعضائكم بهذا الدهن تصيرون في أمانٍ وقادرين أن تفحموا الحية ولا يصيبكم ضرر [363]. * في كمال ظلمة الليل يخلع الكاهن ثوبك كمن يقودك إلى السماء عينها خلال الطقس ويدهن كل جسدك بزيت الزيتون الذي للروح لكي تكون أعضاؤك قوية لا تغلبها السهام التي يوجهها العدو ضدك. بعد هذه المسحة ينزل بك الكاهن إلى المياه المقدسة [364]. القديس يوحنا الذهبي الفم إذ يخلع طالب العماد ثوبه يتجه نحو الغرب، أو تقف الأم أو الأب أو الإشبين حاملًا على ذراعه الأيسر الطفل، ويبسط طالب العماد أو إشبينه يده اليمنى كأنما يحدث الشيطان معلنًا جحده له ورفضه مملكة الظلمة بجسارة وعلانية. هذا الرفض كما يقول العلامة ترتليان يتم داخل جرن المعمودية [365]، أما حسب التقليد الرسولي للقديس هيبوليتس فيتم قبل دخول المياه [366]. أما مصدر هذا الطقس فكما يقول القديس باسيليوس الكبير هو التقليد، إذ يقول: [إننا نبارك مياه المعمودية وزيت المسحة كما نبارك المُعمد نفسه أيضًا. أي وصايا مكتوبة علمتنا أن نفعل هذا؟! ألم نتعلم هذا من التقليد السري المقدس؟! وأيضًا الدهن بالزيت، أي كلمة في الإنجيل علمت به؟! أين ورد تغطيس الإنسان ثلاث مرات؟ أي كتاب جاء بكل الأمور اللازمة للعماد وجحد الشيطان وملائكته؟! ألم يأت إلينا من التعليم السري الذي حافظ عليه آباؤنا في صمت دون أن (يكتب) كتعليمٍ عام؟! إذن لا تبحثوا الأمر بتطفل... لأنه كيف يحق تعميم تعليم الأسرار كتابة، هذه التي لا يسمح لغير المعمدين حتى يتطلعوا عليها؟! [367]] يعتبر هذا الأمر جزءً أساسيًا في طقس العماد، أشارت إليه كثير من كتابات الكنيسة الأولى وكشفت أيضًا عن مفهومه اللاهوتي الروحي. * في الكنيسة تحت يد الأسقف نشهد أننا نجحد الشيطان وكل موكبه pomp وكل ملائكته [368]. العلامة ترتليان * عندما يمسك الكاهن بمن يتقدم للعماد يأمره أن يجحد قائلًا: أجحدك أيها الشيطان وكل خدمتك وكل أعمالك [369]. التقليد الرسولي للقديس هيبوليتس وجاء في قوانين القديس هيبوليتس أن طالبي العماد يتجهون نحو الغرب ويقولون: [اجحدك أيها الشيطان وكل موكبك pomp [370].] أما كلمة "pomp" التي يجحدها المسيحي فقد ترجمت عن اليونانية كما هي إلى اللاتينية، وهي في رأي العلامة ترتليان تشير إلى عبادة الأصنام [371]. ويرى جنجمان J. Jungmann أنها تشير إلى الموكب الخاص بأعياد الآلهة في القرون الأولى حيث كانت الأصنام تُحمل في موكب نصرة، فيظهر إبليس كغالب للعالم، وكأن الذين يعيشون في الخطيئة يسيرون في هذا الموكب كجنود له، وكأن طالب العماد يعلن تركه هذا المعسكر الشيطاني مجندًا لخدمة ملكوت الله [372]. ويترجم البعض كلمة "pomp" "بالمناظر الفخمة والمجد الزمني"، أو "المجد الباطل"، وقد شرح القديس يوحنا الذهبي الفم هذه الكلمة بقوله: [إذا قلت من كل قلبك أجحدك أيها الشيطان وكل مجدك الباطل، فإنك سوف تعطي حسابًا عن ذلك في يوم الدينونة... والأمجاد الباطلة الخاصة بالشيطان التي هي المسارح والملذات الشريرة، والتفاؤل بالأيام وبالفرص، وبالكلمات العفوية التي تقال للغير، وهي في الأصل لا تخصنا، وأيضًا التشاؤم من النذير. وإنني أسألكم ماذا يُعد في العالم فألًا؟! أحيانًا عندما يترك إنسان منزله يرى رجلًا بعين واحدة أو أعرج فيتشاءم. هذه هي أمجاد الشيطان الباطلة لأنها ألاعيبه، فإن لقاء البشر لا يجعل يومنا سيئًا، وإنما ارتكاب الخطيئة هو الذي يجعله هكذا [373].] وأيضًا القديس كيرلس الأورشليمي يرى ذات الأمر: [مجد الشيطان هو الاشتياق للمسارح وسباق الخيل وسباق المركبات وألعاب السيرك وكل الأباطيل التي من نفس النوع. أيضًا المآدب الخاصة بأعياد الأوثان وما فيها من طعام وخبز وكل ما تدنس باستدعاء الشياطين النجسة. الأطعمة والخبز في ذاتها طاهرة لكن استدعاء الشياطين ينجسها [374].] ويقول الأب ثيؤدور: [أن حيل الشيطان هي المسرح والسيرك والألعاب الرياضية والأغاني والرقص. هذه كلها زرعها الشيطان في العالم تحت ستار اللهو، لكي يثير النفوس ويسرع بها إلى الهلاك، لذلك يليق بكل من يشترك في سرّ العهد الجديد أن يحفظ نفسه منها [375].] لقد امتنع المسيحيون عن كل أنواع اللهو إذ قدمت في ذلك العصر تكريمًا للآلهة الوثنية، حتى الألعاب الرياضية كان أبطالها يتوجون باسم الآلهة. أما كلمة "ملائكته"، فتعني رفضنا للشيطان وكل أتباعه:"هؤلاء الملائكة ليسوا شياطين بل أناس يخضعون للشيطان الذي يستخدمهم آلات له، إذ يجعلهم يسقطون الآخرين [376]". وقد قدم الأب ثيؤدور المصيصي قائمة بهؤلاء الملائكة ضمت الذين يستخدمون التعاليم الزمنية الخاطئة لنشر الوثنية وتغلغلها في العالم، والذين يقدمون الأشعار لحساب عبادة الأصنام، وقادة الهرطاقات أمثال ماني ومرقيون وفالنتينوس وبولس السومسطائي وأريوس وأبوليناريوس الذي أدخلوا شرورهم تحت اسم المسيح [377]. يشرح القديس كيرلس الأورشليمي هذا الطقس للمعمدين حديثًا، قائلًا: [ومع ذلك تؤمرون بالقول وذراعكم ممدود نحوه كأنه حاضر، قائلين: نجحدك أيها الشيطان. أريد أن أقول لكم إنكم تقفون ووجوهكم نحو الغرب فهذا أمر ضروري، مادام الغرب منطقة الظلام المحسوس، ومادام هو في الظلمة فتكون سيطرته على الظلمة... لقد وقف كل واحد منكم وقال: "أجحدك أيها الشيطان"، أيها الظالم القاسي الشرير. بمعنى إني لا أخاف قوتك بعد الآن، فقد قهرك المسيح، إذ شاركني في اللحم والدم. بالموت داس الموت حتى لا أكون تحت العبودية إلى الأبد. أجحدك أيتها الحية الخبيثة الماكرة. أجحدك بمؤامراتك التي تختفي تحت قناع الصداقة، إذ اخترعتِ كل مخالفة وكل عمل مارق لأبوينا الأولين. أجحدك أيها الشيطان الصانع لكل شر والمحرض عليه. وفي عبارة ثانية تقول: "وكل أعمالك"، لأن كل أعمال الشيطان هي خطيئة، يلزمنا أن ننبذها كمن يهرب من الظالم وأسلحته... ثم نقول: "وكل قوتك"، والآن فكل قوة الشيطان هي جنون المسارح وسباق الخيل والصيد وكل أمثال هذه الأمور الباطلة... بعد هذا نقول: "وكل خدماتك"، فخدمات الشيطان هي الصلاة في هياكل الأصنام وما يقدم من كرامات للأوثان التي بلا حياة... [378]] ويرى الأب ثيؤدور المصيصي أن طالب العماد إذ يقف هكذا ليجحد الشيطان في حضرة الأسقف يكون كالمتهم الذي يعلن براءته أمام القاضي. فإن الشيطان يحاول أن يقيم الدليل ضدنا مدعيًا أنه ليس من حقنا أن نهرب من مملكته، مدعيًا أننا ملك له، ننتمي إليه لأننا نسل آدم الذي سقط تحت سلطانه. [لهذا يليق بنا أن نسرع ونقف أمام القاضي ونقيم دعوانا أنه من حقنا ألا ننتمي للشيطان بل لله الذي خلقنا منذ البداية على صورته [379].] جحد الشيطان في نظر الأب ثيؤدور المصيصي يدخل بنا إلى الشركة مع السيد المسيح في تجربته على الجبل حين حاول الشيطان أن يضلله بحيله الخبيثة وتجاربه [380]، كما فعل مع آدم الأول حين كان في الفردوس. فإن كان قد غلبَ في الفردوس، إلا أنه صار هنا مغلوبًا من آدم الثاني، الذي حكم الوحوش وجاءت الملائكة تخدمه (مر 1: 13). ونحن أيضًا الذين غلبَنا العدو في شخص أبينا الأول ندخل مع آدم الثاني مياه المعمودية، ونتحد معه لكي نغلب ذاك الذي سبق فغلبنا، هذا الذي يشتكي ضدنا. هذا ما لمسه الرسول بولس حين تحدث عن المعمودية، إذ رأى فيها اتحادًا مع السيد المسيح، الذي حطّم بعماده شكوى الشيطان ضدنا [381]، قائلًا: "محا الصكَّ الذي علينا في الفرائض الذي كان ضدًّا لنا وقد رفعهُ من الوسط مسمّرًا إياهُ بالصليب. إذ جرَّد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهارًا ظافرًا بهم فيهِ". (كو 2: 14-15) لعله لهذا السبب وضعت الكنيسة إنجيل الأحد الأول من الصوم الكبير عن "تجربة السيد المسيح"، وهو أول أحد يحضره طالبو العماد في الصوم الكبير في قداس الموعوظين. إنه أول درس لهم عن المعمودية كغلبة على إبليس وتحرر من سلطانه. ولهذا السبب أيضًا كان طالبو العماد يُمسحون بالزيت بعد جحدهم الشيطان وقبل دخولهم مياه المعمودية، كعلامة على أنهم قد مُسحوا جنودًا ومحاربين ضد عدو الخير إبليس. إن كان الاعتراف بالإيمان كما سنرى هو دخول مع الله في ميثاق أو عهد جديد، فإنه يلزم أولًا جحد الشيطان، أي تمزيق العهد الذي أقمناه مع إبليس خلال الخطيئة. * حينما يقودونكم إلى الداخل (في الكنيسة) يلزمكم جميعًا أن تحنوا ركبكم ولا تقفوا منتصبين. يلزم أن تبسطوا أيديكم نحو السماء وتشكروا الله على هذه العطية... وبعد أن تحنوا ركبكم يُطلب منكم أن تنطقوا بهذه الكلمات: "أجحدك أيها الشيطان"... ماذا حدث؟ ما هذا التغير المفاجئ الغريب؟ أنتم الذين كنتم ترتعشون بخوف، هل تثورون ضد سيدكم؟ هل تتطلعون إلى مشورته بازدراء؟ ما الذي جاء بكم إلى هذا الجنون؟ متى حلت بكم هذه الجسارة؟ تقولون: "لديَّ سيف، سيف قوي". أي سيف هذا؟ أي حليف لكم؟ أخبروني. تجيبون: إني أدخل في خدمتك أيها المسيح، لهذا فإني جريء وثائر. لأن لي ملجأ قويًا. هذا جعلني فوق الشيطان، أنا الذي كنت قبلًا اَرتعب منه وأخاف، لهذا لست أجحده وحده بل ومعه كل مواكبه. * يطلب منكم الكهنة أن تقولوا: "أجحدك أيها الشيطان وكل مواكبك وكل خدمتك وكل أعمالك". الكلمات قليلة لكنها عظيمة القوة! الملائكة تقف بجواركم، والقوات غير المنظورة تفرح بتغييركم، ويتقبلون الكلمات من ألسنتكم ويحملونها إلى سيد كل الخليقة، لتنقش هناك في كتب السماء! * هل رأيتم صيغة الاتفاق؟ فإنكم بعد جحد الشرير وكل ما له يطلب منكم الكاهن أن تقولوا: "أدخل في خدمتك أيها المسيح". أترون غنى صلاحه؟! فإنه ما أن يتقبل هذه الكلمات حتى يودع فيكم مخزن جواهره هذه! إنه ينسى كل جحودكم القديم، ولا يذكركم بأفعالكم الماضية، مكتفيا بهذه الكلمات القليلة... * إذ يعرف الكاهن أن العدو يصير بهذا ثائرًا ضدكم، يُصرّ بأسنانه، ويصبح كأسدٍ ثائرٍ، إذ يرى الذين كانوا قبلًا خاضعين لسطوته صاروا فجأة ثائرين عليه، ليس فقط يجحدونه، وإنما ينطلقون إلى جانب المسيح. عندئذ يدهنكم الكاهن على رؤوسكم ويضع عليكم العلامة (الصليب)، حتى يحوّل العدو عينيه عنكم، فلا يجسر أن يتطلع إلى وجوهكم إذ يراها تضيء مُشعَّة، فيثب هاربًا منها ويصيب العمى عينيه. لهذا فإنه منذ ذلك اليوم تقوم حرب وصراع ضده. على هذا الأساس يقودكم الكاهن إلى حلبة الصراع الروحية كمصارعين لحساب المسيح بفضل هذه المسحة [382]. القديس يوحنا الذهبي الفم أما اتجاه طالب العماد نحو الغرب أثناء جحد الشيطان إنما تأكيد لسلطان المؤمن، أن ينظر إلى مملكة إبليس بقوة، جاحدًا إيّاه وكل موكبه وجنوده وأعماله. يقول القديس غريغوريوس النيسي: [أن الغرب هو الموضع الذي يسكنه سلطان الظلمة [383].] ويعلق القديس هيلاري أسقف بواتييه على إحدى فقرات المزمور 47 مؤكدًا أنه يشير إلى نصرة السيد المسيح على سلطان الظلمة [384]. وكأن النفس لا تعود ترهب الشيطان الظالم المملوء قسوة، لأن [المسيح حطم سلطانه وأباد الموت بموته بطريقة بها انسحب تمامًا من مملكته [385].] هذا ما يؤكده الأب ثيؤدور المصيصي قائلًا: [مادام الشيطان الذي أطعتموه مرة خلال رأس جنسكم هو علة كل الشرور التي تلحق بكم لهذا يجب أن تتعهدوا بتركه [386].] أما بسط اليدين أو اليد أثناء جحد الشيطان فكان يستخدم قديمًا حينما يقسم الإنسان أو يجحد قسمًا. وكأن طالب العماد يجحد العهد الذي أقامه آدم مع الشيطان بسقوطه في الخطيئة [387]. ومما يجدر ملاحظته أن حربنا مع الشيطان لا تقف بجحدنا إياه وكل موكبه وجنوده وأعماله، وإنما نُمسح بالزيت المقدس لننال قوة ضده، وبعد المعمودية مباشرة نتمتع بمسحة الميرون لكي نحمل في داخلنا الروح القدس روح المسيح الغالب، يسندنا في جهادنا كل أيام غربتنا ضد الشيطان. * إن اسم "المسيح" جاء من المسحة. كل مسيحي يقبل المسحة إنما يدل بهذا ليس فقط أنه قد صار شريكًا في الملكوت وإنما صار من المحاربين ضد الشيطان. القديس أغسطينوس * بعد ذلك تُمسحون على صدوركم لكي تلبسوا درع العدل، وتثبتوا ضد حيل الشيطان. وكما أن المسيح بعد المعمودية وحلول الروح القدس خرج وحارب المعاند، هكذا أنتم أيضًا بعد المعمودية المقدسة والمسحة السرية تثبتون ضد القوة المضادة، لابسين سلاح الروح القدس الكامل، وتحاربونها قائلين مع الرسول: "أستطيع كل شيءٍ في المسيح الذي يقوّيني" (في 4: 13) [388]. القديس كيرلس الأورشليمي * النفس بطول إقامتها في نار الروح وفي النور الإلهي لا يصيبها أي أذى من الأرواح الشريرة، بل إن اقترب أحدها منها يحترق بنار الروح السماوي... وكما إذا طار طير عاليًا لا يبالي بالصيادين والوحوش المفترسة، ولا يخافهم، لأنه في العلو في أمان من الجميع، هكذا النفس متى نالت أجنحة الروح (مز 55: 6) وطارت إلى السماوات العليا تستهزئ بمن هم تحتها لعلوها فوق الجميع. * كل نفس لا تُصلح بالروح القدس ولا تملح بالملح السماوي، أعني قوة الله تفسد في الحال وتمتلئ برائحة الأفكار الشريرة الرديئة الكريهة، فيتحول وجه الله عن الرائحة الدنسة التي لأفكار الظلمة الخبيثة وفساد الشهوات الساكنة في هذه النفس، والدود الشرير اللعين يعني أرواح الشر وقوات الظلمة يتمشى فيها ويتحول ليجد فيها مرعى وقبولًا، فيدبّ فيها ويأكلها ويفسدها كقول المزمور: "قد أنتنت وفاحت جراحاتي" (مز 38: 5) [389]. القديس مقاريوس الكبير يروي لنا القديس أمبروسيوس طقسًا يسميه "الانفتاح" يتممه الكاهن قبيل دخول طالب العماد الجرن، فيه يلمس الكاهن أذني طالب العماد وأنفه، وقد شرح لنا بنفسه ما يعنيه هذا الطقس: [أي سرّ للانفتاح قد تحقق عندما لمس الكاهن آذانكم وأنوفكم؟ إنه بهذا يُشار إلى ما فعله ربنا يسوع المسيح في الإنجيل حين قُدم إليه إنسان أصم وأخرس (مر 7: 32)، فقد لمس أذنيه وفمه. لمس أذنيه لأنه أصم، والفم لأنه أخرس، وقال: إفثا التي تعني بالعبرية "انفتح"... لهذا يلمس الكاهن آذانكم حتى تنفتح لسماع مقال الكاهن وحديثه [390].] [تقول: ولماذا يلمس الأنف؟ لكي تتقبلوا رائحة الصلاح الأبدي الذكية، فتقولون ما قاله الرسول: "إننا رائحة المسيح الذكيَّة لله" (2 كو 2: 15). بهذا يكون فيكم كمال رائحة الإيمان والتكريس الذكية [391].] 9. الاعتراف بالإيمانيحوّل طالب العماد وجهه من الغرب إلى الشرق، معلنًا قبوله الانتساب لمملكة النور بعد جحده مملكة الظلمة، أي قبوله السيد المسيح بعد رفضه إبليس. وكما يقول القديس أمبروسيوس: [أنكم تتجهون نحو الشرق، فإن من يجحد الشيطان يتجه نحو المسيح ويراه وجهًا لوجه [392].] لقد نُسب للشيطان الغرب، إذ يملك في الظلمة. وكما يقول السيد المسيح نفسه: "هذه ساعتكم وسلطان الظلمة" (لو 22: 53). ويقول الرسول بولس: "فإن مصارعتنا ليست مع دمٍ ولحمٍ بل مع الرؤَساءِ مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشرّ الروحيَّة في السماويَّات" (أف 6: 12)، ودُعيت جهنم الموضع الذي يستقر فيه إبليس وجنوده بالظلمة الخارجية. وعلى العكس نُسب للسيد المسيح الشرق، إذ هو شمس البرّ الذي ينير على الجالسين في الظلمة (ملا 4: 1، مت 1: 16)، وقد دُعي الرب باللابس النور كثوبٍ (مز 104: 2)، وهو سرّ استنارتنا (مز 27: 1، 43: 3)، ودُعي أولاده "أبناء النور" (لو 16: 8)، كما دُعيت وسائط الخلاص بأسلحة النور (رو 13: 12). أما من جهة الشرق فله مدلولاته الإيمانية العميقة التي سبق الحديث عنها بفكر إنجيلي آبائي [393]، فطالب العماد إذ ينظر إلى الشرق إنما ينظر إلى السيد المسيح نفسه الذي دُعي بالشرق (زك 6: 12) وشمس البرّ والعدل (ملا 4: 2). وبالنظر إلى الشرق نتطلع إلى الفردوس القديم الذي غرسه الله لنا في عدن نحو الشرق [394]، كما يلهب قلبنا بالشوق نحو مجيء السيد المسيح الذي صعد في المشارق ويأتي هكذا (مت 24: 27، أع 1: 11)، قائلين مع الأب ميثودسيوس من أولمبيا: [هلم نسرع جميعًا نحو الشرق، لنلتحف بالثياب البيضاء، ولنحمل مصابيحنا في أيدينا [395].] ويلاحظ أن هذا الطقس بشقيه: التطلع إلى الغرب لجحد الشيطان ثم التطلع نحو الشرق لقبول السيد المسيح هو الخط الرئيسي الواضح في كل ليتورجيات العماد في الكنيسة الأولى. والاعتراف بالإيمان له مفاهيمه اللاهوتية الأساسية في التمتع بالعماد المقدس. أولًا: دُعيت المعمودية المسيحية بالمعمودية باسم الرب يسوع (أع 8: 16؛ 19: 5)، حيث يلتزم المعمَد -أو إشبينه إن كان طفلًا- بإعلان إيمانه بربنا يسوع المخلص، "لكي يقدر أن يقترب من سرّ الصليب ويدخل إلى شركة دفنه والتمتع بقوة قيامته. لهذا جاء الاعتراف بالمسيح يسوع ربنا المصلوب والقائم من بين الأموات كعنصرٍ أساسيٍ في كل "قوانين الإيمان للمعمودية" منذ نشأة الكنيسة. وكما يقول الرسول: "إن اعترفت بفمك بالربّ يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامهُ من الأموات خلصت" (رو 10: 9). واعتبر الرسول هذا الأمر هو حجر الزاوية في الإيمان المُسلم له: "فإنني سلَّمت إليكم في الأوَّل ما قبلتهُ أنا أيضًا أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب. وأنهُ دُفِن وأنهُ قام في اليوم الثالث حسب الكتب" (1 كو 15: 3). وقد عرف الوثنيون ذلك، لهذا كان كل همهم أن يُلزموا المؤمنين أن يجحدوا مسيحهم. ففي محاكمة الشهيد بوليكاربوس طلب منه الوالي أن يلعن المسيح، فأجابه: "كيف ألعن ملكي؟" وفي خطاب بليني Pliny يقول للإمبراطور تراجان: "إني أحاول أن أجعلهم يلعنون المسيح". ثانيًا: لما كانت المعمودية هي الباب المفتوح للدخول إلى العضوية في الجماعة المقدسة، لهذا يلزم الاعتراف بالإيمان الذي هو حجر الزاوية في بناء الجماعة المقدسة وسرّ وجودها، إذ يخاطبها الرسول قائلًا: "قبلتم المسيح يسوع الرب" (كو 2: 6)، كما يصفها هكذا: "لكي تجثو باسم يسوع كلُّ ركبةٍ مِمَّنْ في السماء ومَنْ على الأرض ومَنْ تحت الأرض، ويعترف كلُّ لسانٍ أن يسوع المسيح هو ربّ لمجد الله الآب" (في 2: 11). إنه يدخل إلى العضوية في الكنيسة التي تسلمت الإيمان وتسلمه من جيل إلى جيل. ثالثًا: الاعتراف بالإيمان هو دخول في ميثاق إلهي أو توقيع عقد مع الله، يُسجل في سفر السماء. وفي هذا يقول الأب ثيؤدور المصيصي: [أن نقيم العقود والمواثيق مع الله ربنا بالاعتراف بالإيمان، خلال وساطة الكاهن نصير مؤهلين للدخول في بيته والتمتع برؤيته ومعرفته وسكناه وأن نُسجل في المدينة ونُحسب مواطنين فيها ونصير أصحاب ثقة عظيمة [396]]، كما يقول: [بالاعتراف بالإيمان تربط نفسك بالله بواسطة الأسقف، وتقيم ميثاقًا تتعهد فيه أن تثابر في محبة الطبيعة الإلهية [397].] كيف يتم الاعتراف بالإيمان؟يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان المعمدون أطفالًا أو صمًا لا يستطيعون الاستماع للتعلم يجاوب أشابينهم عنهم، هكذا يُعمدون حسب العادة [398].] في الطقس القبطي الحالي يرد المعمد أو إشبينه بنود الإيمان علنًا وراء خادم السرّ، وذلك قبيل تغطيسه، أما في الكنيسة الأولى فكان المُعمد يُعلن إيمانه وهو واقف داخل مياه المعمودية، في شكل أسئلة يقدمها الكاهن أو الأسقف ويجيب عليها المعمد، كما ورد في قوانين القديس هيبوليتس [399]. بنود الاعتراف بالإيمان للمعمودية[400]الاعتراف بالإيمان هو البذرة الأصيلة التي نشأ عنها قانون الإيمان بصورته الحالية. هذا الاعتراف وإن اختلفت صيغته وطريقة عرضه من بلد إلى آخر، لكنه ركز على الإيمان بالآب والابن والروح القدس كما شمل غالبًا الاعتراف بالكنيسة الجامعة ومغفرة الخطايا. وإنني اكتفي هنا بعرض سريع للاعتراف بالإيمان كما يظهر في بعض كتابات الآباء. ربما لخص القديس أغناطيوس الأنطاكي الاعتراف بالإيمان بقوله: [اثبتوا إذن على تعليم الرب والرسل، لكي تنجحوا فيما تعملون بالجسد والروح في الإيمان والمحبة في الابن والآب والروح القدس [401].] وجاء في مقدمة "شرح الإيمان الرسولي Epideixis" الذي كتبه القديس إيريناؤس لصديقه مرقيانوس: [هنا ما يقره الإيمان بالنسبة لنا، حسب ما نقله القدماء -تلاميذ الرسل- إلينا. أول كل شيء يلزمنا أن نتذكر أننا قبلنا المعمودية لمغفرة الخطايا باسم الله الآب، وباسم يسوع المسيح ابن الله الذي تجسد ومات وقام وباسم روح الله الروح القدس... لذلك فالمعمودية التي تُجددنا تُمنح لنا بنور خلال الثالوث، وتضمن ميلادنا الثاني لله الآب خلال ابنه بواسطة الروح القدس. الذين يتقبلون روح الله ينقادون للكلمة، أي للابن، وأما الابن فيتقبلهم ويقدمهم للآب، والآب يمنحهم عدم الفساد. هكذا بدون الروح لا يقدر أحد أن يعاين كلمة الله، وبدون الابن لا يقدر أحد أن يقترب من الآب، لأن الابن هو معرفة الآب، ومعرفة الابن إنما تكون خلال الروح. إنه الابن، الذي حسب مسرة الآب يوزع الروح كعطية، كما يريد الآب منه هكذا أيضًا، وللذين يريد أن يعطيهم الروح [402].] وفي الفصل السادس من ذات المقال يقول: [هذا هو ترتيب قاعدة إيماننا، وهو أساس البناء الثابت الذي عليه شُيّد تجديدنا: الله الآب ليس مخلوقًا ولا محسوسًا (ماديًا)، غير منظور، إله واحد، خالق كل الأشياء. هذا هو أول موضوع في إيماننا. والموضوع الثاني هو كلمة الله، ابن الله، المسيح يسوع ربنا، الذي أُعلن للأنبياء بطريقة نبوية حسب تدبير الآب الذي به كل الأشياء خلقت، هذا الذي تجسد في آخر الأزمنة لكي يكمل ويجمع كل شيء، وصار إنسانًا وعاش مع البشر بل صار ظاهرًا ومحسوسًا لكي يبيد الموت ويُظهر الحياة ويقيم شركة بين الله والبشر. والموضوع الثالث هو الروح القدس الذي به تنبأ البطاركة وعلموا ما يخص الله، والذي قاد الأبرار في طريق البر. هذا الذي سُكب على البشرية عي آخر الأزمنة في كل أنحاء المسكونة بطريقة جديدة لكي يجدد الإنسان [403].] رأى القديس إيريناؤس ضرورة تحديد الإيمان في صيغة معروفة تسند القبائل إذ لم تكن بعد قد تُرجمت الأسفار المقدسة إلى لغاتهم، لكنهم قبلوا الإيمان في قلوبهم، وقد ركز على الإيمان بالآب، والابن في تجسده وموته وقيامته وصعوده ومجيئه في اليوم الأخير، والروح القدس [404]. وجاء في رسائل القديس كبريانوس: [أتؤمن بالله الآب والابن المسيح والروح القدس؟ أتؤمن بالحياة الأبدية وغفران الخطايا خلال الكنيسة المقدسة؟ أؤمن [405].] وقد قدمت لنا قوانين القديس هيبوليتس [406] نصًا فريدًا ومطولًا عن الاعتراف بالإيمان داخل مياه المعمودية، كما قدم لنا التقليد الرسولي للقديس هيبوليتس نصًا مشابهًا. جاء في قوانين القديس هيبوليتس أن طالبي العماد يتوجهون نحو الشرق ويقولون: [أؤمن وانحني أمامك وأمام عظمتك أيها الآب والابن والروح القدس]، ثم ينزلون في المياه ويقفون فيها ووجوهم نحو الشرق. يضع كاهن آخر يده على رؤوسهم ثم يسألهم: "أتؤمنون بالله الآب ضابط الكل؟" يجيبون: "أؤمن"، ثم يغطسون للمرة الأولى. وبعد الغطسة الأولى يُسألون: أتؤمن بيسوع المسيح ابن الله الذي وُلد من العذراء مريم بالروح القدس، والذي صُلب في عهد بيلاطس، والذي مات وقام في اليوم الثالث من بين الأموات، وصعد إلى السماوات وجلس عن يمين الآب، ويأتي ليدين الأحياء والأموات؟" ويعد أن يجيبوا "أومن" يغطسون للمرة الثانية. عندئذ يُسألون: أتؤمنون بالروح القدس؟ يجيبون: "أؤمن"، ويغطسون للمرة الثالثة والأخيرة. وفي كل غطسة يقول الكاهن: أعمدك باسم الآب والابن والروح القدس، وبعد ذلك يُدهنون بالمسحة المقدسة التي تعرف بالميرون Chrism، ويلبسون ثيابهم ويدخلون الكنيسة، ويتقبلون وضع الأيدي من الأسقف وقبلة السلام، وعندئذ يبدأ تقديم الإفخارستيا. أما الأسئلة كما وردت في التقليد الرسولي للقديس هيبوليتس، فهي: - أتؤمن بالله الآب ضابط الكل؟ - أتؤمن بالمسيح يسوع ابن الله الذي ولد من العذراء مريم بالروح القدس ومات وقُبر وقام حيًا من بين الأموات في اليوم الثالث، وجلس عن يمين الآب، وسيأتي ليدين الأحياء والأموات؟ - هل تؤمن بالروح القدس وبالكنيسة المقدسة وبقيامة الجسد؟ أما كيفية التغطيس فهي كما وردت في قوانين هيبوليتس تمامًا. هنا نلاحظ أن الاعتراف بالإيمان كان يتم داخل المياه وعلى شكل أسئلة وأجوبة. يروي لنا يوسابيوس المؤرخ أن البابا ديوناسيوس السكندري كتب في رسالته إلى أكسيتوس Xystus أسقف روما هكذا أنه كان في كنيسة الإسكندريّة رجل من أيام سلفة ياروكلاس إذ "سمع الأسئلة والأجوبة في المعمودية" اكتشف أن هناك خطأ قد حدث عندما اعتمد، إذ اعتمد لدى هراطقة [407]، كأن كنيسة الإسكندريّة كانت تعمد هكذا حيث يعلن المُعمد إيمانه في المياه خلال الأسئلة والأجوبة، حتى الهراطقة استخدموا نفس الأسلوب، لكن أسئلتهم وإجابتهم كانت مختلفة. وفي ميلانو أيضًا كان الاعتراف بالإيمان يتم هكذا، إذ يقول القديس أمبروسيوس: [عند ذلك تُسأل: أتؤمن بالله الآب ضابط الكل؟ تقول "أومن"، عندئذ تغطس أي تدفن. ومرة ثانية تُسأل: "أتؤمن بربنا يسوع المسيح وبصليبه؟" تقول: "أومن"، وعندئذ تغطس وهكذا تُدفن مع المسيح، لأن كل من يُدفن مع المسيح يقوم من الموت معه. وفي المرة الثالثة تُسأل: "أتؤمن بالروح القدس؟" تقول: "أومن"، ومرة ثالثة تغطس. وهكذا تغطس ثلاث مرات ويمحو اعترافك المثلث كل خطاياك السابقة [408].] ويرى العلامة أوريجينوس في شرحه إنجيل يوحنا أن غياب أي بند من بنود الإيمان الأساسية هو فقدان للإيمان كله [409]. أما في الطقس القبطي الحالي، فيردد طالب العماد أو أشبينه عبارات جحد الشيطان وراء الكاهن، قائلًا: [أجحدك أيها الشيطان، وكل أعمالك النجسة وكل جنودك الشريرة، وكل شياطينك الرديئة، وكل قوتك، وكل عبادتك المرذولة، وكل حيلك الرديئة والمضلة، وكل جيشك، وكل سلطانك، وكل بقية نفاقك. أجحدك. أجحدك. أجحدك.] ثم ينفخ الكاهن في وجه طالب العماد وهو يقول ثلاث مرات: [أخرج أيها الروح النجس.] بعد هذا إذ يحول وجهه نحو الشرق ويده مرفوعة إلى فوق يردد أيضًا مع الكاهن، قائلًا: [اعترف لك أيها المسيح الهي، وبكل نواميسك المخلصة، وكل خدمتك المحيية، وكل أعمالك المعطية الحياة.] ثم يلقنه الإيمان هكذا: [أؤمن باله واحد، الله الآب ضابط الكل، وابنه الوحيد يسوع المسيح ربنا، والروح القدس المحيي، وقيامة الجسد، والكنيسة الواحدة الوحيدة المقدسة الجامعة الرسولية. آمين.] ثم يردد ثلاث مرات: "آمنت". يتم هذا قبل دخوله المياه. 10. تقديس المياهإذ تعمد السيد المسيح في نهر الأردن صار الرسل أيضًا يعمدون في الأنهار أو في مياه جارية،فيذكر العلامة ترتليان أن بطرس الرسول عمد الذين قبلوا الإيمان في نهر التيبر بروما [لأن الروح الواحد يقدس المياه في كل مكان، ويهب الروح قوة التقديس للمياه بالاستدعاء والصلاة.] إلا أن التعميد في الأماكن العامة كان يعرض المؤمنين والكهنة للكثير من المشاكل كما يعرض المقدسات لحملات التشهير من الوثنيين، لهذا اقتصر الأمر على التعميد في معموديات داخل الكنائس. جاء في الديداكيّة -التي ترجع بعض نصوصها- إلى القرن الأول الميلادي: [أما عن العماد، فعمدوا هكذا: بعدما تعملون كل ما تقدم، عمدوا باسم الآب والابن والروح القدس بماء جارٍ (حيّ). فإذا لم يكن هناك ماء جارٍ فعمد بماء آخر. إذا لم تستطع أن تعمد بماء بارد فعمد بماء دافئ. إذا كنت لا تملك كليهما فاسكب الماء فوق الرأس ثلاثًا. باسم الآب والابن والروح القدس [410].] عنصر الماءلقد أكد السيد المسيح: "إن كان أحد لا يُولَد من الماءِ والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله" (يو 3: 5)، مقدمًا المياه عنصرًا أساسيًا في الميلاد الجديد بالروح القدس، لماذا؟ يربط العلامة ترتليان المياه بالخلق (تك 1: 2)، إذ كان روح الله يرف على المياه ليخلق، وقد جبل الله الإنسان من الطين (تراب مخلوط بماء)، ومن المياه خرجت الكائنات الحية، هكذا في الخلق الجديد تُستخدم المياه المقدسة. استخدام المياه في الخلق الجديد إعلان لتقديس المادة، وليس كما كانت بعض الفلسفات القديمة تدعى بأن المادة عنصر ظلمة من خلق إله الشر. استخدام الماء إنما إعلان لنظرة الله المقدسة للمادة كما للروح، يطلب أيضًا غسل الجسد والنفس، فهو لا يحتقر المادة ولا يزدري بالجسد. حقًا ليس الماء في ذاته هو الذي يجددنا، بل الروح القدس الذي يعمل خلال المياه بتقديسها. تقديس المياهجاء في التقليد الرسولي للقديس هيبوليتس: [عند صياح الديك أولًا يصلون على المياه، إذ يأتون بمياه نقية وفياضة [411].] ويقول القديس باسيليوس: [الأمور التي سلمت إلينا من تقليد الرسل... أن نبارك مياه المعمودية [412].] وقد تحدث الآباء كثيرًا عن تقديس مياه المعمودية باستدعاء روح الله القدوس والصلوات ورشم علامة الصليب، كما أفاضوا في الكشف عن فاعلية هذا العمل في حياة المعمدين، تقتطف هنا بعض العبارات: * يحصل الماء على سرّ التقديس بالابتهال لله، إذ ينزل الروح في الحال من السماء، ويستقر على المياه، ويقدسها بنفسه، وإذ تتقدس المياه تتشرب قوة التقديس [413]. العلامة ترتليان * يلزم أولًا أن تتطهر المياه وتتقدس بواسطة الكاهن لتحل فيها قوة المعمودية لغسل خطايا الإنسان الذي ينال المعمودية، إذ يقول الرب لحزقيال النبي: "وأرشُّ عليكم ماءً طاهرًا فتُطهَّرون من كل نجاستكم ومن كل أصنامكم أطهركم. وأعطيكم قلبًا جديدًا وأجعل روحًا جديدة في داخلكم" (حز 36: 25-26) [414]. القديس كبريانوس * لا تنظروا إلى الجرن كماء بسيط بل بالأحرى تطلَّعوا إلى النعمة الروحية التي توهب مع الماء... إذ يحمل الماء البسيط قوة جديدة للقداسة، بتكريس الروح القدس والمسيح والآب. * عندما تنزلون في الماء لا تفكروا في المادة المجردة بل تطلَّعوا إلى الخلاص بقوة الروح القدس. فإنه بدونهما -كلاهما- لا يمكن أن تصيروا كاملين. ما أقوله هذا ليس من عندياتي، إنما هو كلام الرب يسوع صاحب السلطان في هذا الشأن. إنه يقول: "إن كان أحد لا يُولَد من الماءِ والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله" (يو 3: 5). فمن يعتمد بالماء ولا يكون متأهلًا للروح (بسبب سوء نيته) لا يتقبل نعمة الكمال. وأيضًا إن كان فاضلًا في أعماله ولم يتقبل الختم بالماء فلا يدخل ملكوت السماوات. هذا القول فيه جسارة لكنه ليس مني بل أعلنه يسوع [415]. القديس كيرلس الأورشليمي * هنا حكم المؤمن شيء وحكم غير المؤمن شيء آخر. فمن جهتي أنا عندما أسمع أن المسيح صُلب في الحال أتعجب لمحبته للبشرية، أما الذي لا يؤمن فيرى في ذلك غباوة... غير المؤمن إذ يسمع عن الحميم يفكر فيه مجرد ماء، أما أنا فمن الجانب الآخر لا أتطلع إلى ما هو منظور فحسب وإنما أهتم بتطهير النفس بالروح القدس [416]. القديس يوحنا الذهبي الفم * انزع الكلمات (الخاصة بالتقديس) فتكون المياه مجرد مياه. أضف الكلمات إلى العنصر فيكون لك سرّ Sacramentum [417]. القديس أغسطينوس * إنكم ترون المياه، لكن ليست كل المياه تشفي بل تلك التي تحمل نعمة المسيح. الماء هو أداة، لكن الروح القدس هو الذي يعمل. المياه لا تشفي ما لم يحل الروح عليها ليقدسها [418]. القديس أمبروسيوس * يليق بالأسقف -حسب قانون الخدمة الكهنوتية- أن يستخدم الكلمات المعروفة، ويسأل الله أن يحل الروح القدس على المياه، ويجعلها قادرة على الميلاد المملوء رهبة [419]. القديس ثيؤدور المصيصي * يا ملك كل الأشياء وربها، يا خالق الكون، لقد خلصت كل طبيعة بإرسال ابنك الوحيد، يسوع المسيح، وأعتقت خليقتك بمجيء كلمتك الفائق الوصف. تطلع الآن من السماء وانظر إلى هذه المياه، واملأها من الروح القدس. ليعمل فيها كلمتك الفائق الوصف، ويحوّل قوتها، وليملأ هذه الأشياء المخلوقة من نعمتك، حتى لا يكون السرّ الذي يتم الآن عديم الفاعلية في الذين سيولدون من جديد، بل ليملأ بنعمتك الإلهية جميع الذين سينزلون ويتعمدون [420]. خولاجي القديس صرابيون * تطلع من السماء وقدس هذا الماء، وامنحه نعمة وقوة، حتى أن من يتعمد حسب وصية مسيحك يُصلب معه ويموت معه ويدفن معه ويقوم معه إلى التبني الذي له، وذلك بأن يموت عن خطاياه ويحيا لله [421]. الدساتير الرسولية * قدوس، قدوس أيها الرب، وقدوس في كل شيء، الآن أيضًا يا ملكنا رب القوات ملك الجنود السمائية، اطلع أيها الجالس على الشاروبيم، اظهر وانظر إلى جبلتك هذه أي هذا الماء. امنحه نعمة الأردن والقوة والعزاء السمائي. وعند حلول روحك القدوس عليه هبه بركة الأردن. آمين. أعطه قوة ليصير ماء محييًا. آمين. ماء طاهرًا. آمين. ماء يطهر الخطايا. آمين. ماء حميم الميلاد الجديد. آمين. ماء البنوة. آمين. أنعم على هذا الماء لكي لا يوضع فيه، ولا ينزل مع الذي يتعمد فيه روح رديء، ولا روح نجس، ولا روح النهار، ولا روح الظهيرة، ولا روح المساء الخ. قداس المعمودية القبطي هكذا يظهر دور الثالوث القدوس في تقديس المياه، وإن كنت سأتحدث بمشيئة الله عن دور السيد المسيح ليس في تقديس المياه فحسب وإنما في تتميم السرّ في نهاية هذا الباب. إن كنا قد تحدثنا عن دور استدعاء اسم الله والصلوات في تقديس المياه، فإننا لا ننسى أيضًا دور رشم علامة الصليب في ذلك الأمر، فقد أوضح القديس أغسطينوس أن علامة الصليب تُرسم على مياه المعمودية، كما على زيت المسحة وعلى الإفخارستيا [422]، كما يربط القديس أمبروسيوس بين تقديس مياه المعمودية والصليب بقوله: [إننا نقر أن الشهود ثلاثة في المعمودية: الماء والدم والروح (1 يو 5: 7) هم واحد، لأنك إذا انتزعت واحدًا منهم لما وُجد سرّ المعمودية. لأنه ما هو الماء بدون صليب المسيح؟! عنصر مادي بدون أي فعل سرّي. كما أنه لا يوجد سرّ التجديد بدون ماء، "لأنه إن كان أحد لا يُولَد من الماءِ والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله" (يو 3: 5). والآن حتى الموعوظ يؤمن بصليب الرب يسوع الذي به قد خُتم هو أيضًا، ولكنه إن لم يعتمد باسم الآب والابن والروح القدس فلا يمكن أن ينال غفران الخطايا، ولا أن يحصل على عطية النعمة الروحية [423].] 11. سكب الميرون في المياهفي نهاية الصلوات الخاصة بتقديس المياه يسكب الكاهن الميرون ثلاث مرات على مثال الصليب ليقدس الماء وهو يقول: "باسم الآب والابن والروح القدس. مبارك الله الآب ضابط الكل. آمين". "مبارك ابنه الوحيد يسوع المسيح. آمين". "مبارك الروح القدس الباراقليط. آمين". ثم يحرك المياه وهو يقول بعض الفقرات من المزامير: "صوت الرب على المياه. إله المجد أرعد.. الرب على المياه الكثيرة. الليلويا. صوت الرب بالقوَّة. صوت الرب بعظيم الجلال. الليلويا". (مز 29: 3-4) "تعالوا إليه لتستنيروا ولا تخزى وجوهكم. تعالوا يا أبنائي واسمعوني لأعلمكم مخافة الرب. الليلويا". (مز 31: 5) "جزنا في النار والماءِ ثم أخرجتنا إلى الراحة. الليلويا". (مز 66: 12) "انضح عليَّ بزوفاك فأطهر وأغسلني أكثر من الثلج. اصرف وجهك عن خطاياي وامح كل آثامي. الليلويا". قلبًا نقيًّا اخلق فيَّ يا الله، وروحًا مستقيمًا جدّده في أحشائي. الليلويا" (مز 50: 7، 9، 10) "الرب اختار صهيون ورضيها مسكنًا لهُ. الليلويا" (مز 132: 13). إنه اختيار دقيق وعجيب يحمل في قوةٍ سرّ عمل الروح القدس في حياة المعتمد في هذه المياه التي تتقدس بالروح. لقد حملت المياه صوت الرب الذي يرعد في حياة الإنسان، محطمًا الشر ليقيم مملكته فيه من جديد. وفي المياه ينال المؤمن سرّ الاستنارة فلا يخزى وجهه بعد، ويصير ابنًا لله يسمع لوصاياه ويحمل مخافته لأبيه السماوي. يدخل المؤمن المياه فيجتاز نار الروح والمياه المقدسة ليعبر إلى راحة الفردوس الجديد. في هذه المياه يغتسل داخليًا فيصير نقيًا ويحمل القلب الجديد والروح الجديد. وفي هذه المياه يعلن الله اختياره للكنيسة "صهيون" ويقبل المؤمن عضوًا حيًا فيها. حقًا إنه نص فريد يدخل بنا إلى كل أسرار المعمودية خلال المزامير بقوة وبساطة! أما عادة سكب الميرون في مياه المعمودية بجوار مسح المُعمد به فهي عادة قديمة. يقول Stone أنها وجدت في مصر قبل نهاية القرن الخامس على الأكثر، كما وجدت في الغرب في القرن السادس [424]. وجاء في القديس ديونسيوس الأريوباغي: [يأتي (الأسقف) إلى أم التبني (الجرن) ويقدس المياه فيها بابتهالات مقدسة، ويكمل ذلك بسكب الميرون كلّي القدس فيها ثلاث مرات [425].] 12. الثلاث تغطيساتيتم العماد في داخل المياه المقدسة بالتغطيس ثلاث مرات. أما عادة التغطيس -دون الرش- فقد بدأت بالسيد المسيح نفسه الذي نزل نهر الأردن وصعد منه كقول الكتاب: "فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماءِ" (مت 3: 16)، وقد مارست الكنيسة في الشرق والغرب العماد بالتغطيس، وقد بقيت الكنيسة الشرقية هكذا، أما الغربية فحتى أيام الأب توما الأكويني كانت تمارسه بالتغطيس. يقول F. Cuttaz الكاثوليكي: [يلزم اعتبار عماد المسيح في نهر الأردن بواسطة القديس يوحنا المعمدان مثالًا ونموذجًا للعماد المسيحي الذي أراد المسيح تأسيسه. لقد نزل مخلصنا في النهر، إذ يقول عنه الإنجيل: "صعد للوقت من الماءِ" (مت 3: 16)، ونقرأ في سفر الأعمال (8: 38-39) عن عماد خصي كنداكة الملكة: "فنزل كلاهما إلى الماء فيلبس والخصي فعمده، ولما صعدا من الماء خطف روح الرب فيلبس... (وجاء في هرماس) نزل الموعوظون في الماء أمواتًا وصعدوا منها أحياء [426]. العماد نزول مع السيد المسيح إلى القبر ودفن معه ثم صعود معه خلال قيامته. هذا النزول والصعود لا يتحقق برش بعض نقاط من الماء على الإنسان بل بتغطيسه في المياه [427].] لقد دُعيت المعمودية "صبغة" لأن الكلمة اليونانية "Baptizen" تعني صبغة، والصبغ يتم بتغطيس الشيء تمامًا في مادة الصبغ. هذا والمعمودية في الحقيقة هي "تجديد"، يتم بالتعري الكامل عن الإنسان القديم وأعماله، لهذا تمارس المعمودية بالتغطيس حيث يتعرى الإنسان لكي يلبس الإنسان الجديد: [تصبحون عراة مثل آدم في الفردوس، مع الفرق أن آدم أخطأ، أما في المعمودية فيتعرى الإنسان لكي يتحرر من الخطيئة. آدم فقد مجده، أما من يأتي إلى المعمودية فيخلع الإنسان العتيق بسهوله كما يخلع ملابسه [428].] والتغطيس أيضًا ضروري، لأن المعمودية هي دفن مع السيد المسيح (رو 6: 4، كو 2: 12). بالتغطيس يُغمر الإنسان بالمياه من كل جانب، هكذا يحيط الروح بنفسه من كل جانب بطريقة فائقة! وإن عدنا حتى إلى رموز العهد القديم الخاصة بالمعمودية مثل عبور البحر الاحمر ونهر الأردن كان الشعب يدخل إلى القاع، وفي قصة الطوفان كان الفلك مغمورًا بالمياه. ولا تزال المعموديات القديمة في الشرق والغرب تشهد عن العماد بالتغطيس، إذ كانت متسعة، بعضها توجد به سلالم ناحية الشرق والغرب حيث ينزل طالب العماد على إحداها ومتمم السرّ على الأخرى ليضع يده على رأسه أثناء العماد بالتغطيس. في الطقس القبطي يتم التغطيس ثلاث مرات، في المرة الأولى يضع الكاهن يده على المعمد ليقول: "أعمدك يا... باسم الآب"، والثانية باسم الابن، والثالثة باسم الروح القدس. في كل مرة ينفخ الكاهن في وجهه. والتغطيس ثلاث مرات إنما إعلان عن العماد باسم الثالوث القدوس، كما تشير إلى الدفن مع السيد المسيح ثلاثة أيام ليحمل المعمد قوة القيامة مع السيد المسيح (كو 2: 12) [429]. * نحن نغطس ثلاث مرات [430]. * نحن لا نغطس مرة واحد بل ثلاث مرات عندما نذكر اسم كل أقنوم من أقانيم الثالوث [431]. العلامة ترتليان * إننا نغطس للآب لنتقدس، ونغطس للابن بذات الهدف، كما نغطس للروح القدس لكي نصير إلى ما هو عليه وما يدعونا إليه [432]. * نحن نُدفن في الماء كما دفن المسيح في القبر، وعندما نغطس ثلاث مرات نعبر بذلك عن قبولنا لنعمة القيامة التي ظهرت بعد ثلاثة أيام [433]. القديس غريغوريوس النيسي * تتم كل غطسة عند ذكر كل أقنوم من أقانيم الثالوث [434]. القديس ديوناسيوس الأريوباغي * في كل مرة يقول: أعمدك باسم الآب والابن والروح القدس [435]. قوانين القديس هيبوليتس * بعد القيامة أرسل الرب تلاميذه وأوصاهم وعلمهم كيف يعمدون، قائلًا: كل سلطان أعطي لي في السماء وعلى الأرض، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى.لذلك اذهبوا وعلموا كل الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. لقد جعل الثالوث معروفًا خلال السرّ بواسطة الأمم الذين يعتمدون [436]. القديس كبريانوس * بثلاث غطسات ودعاء مساوٍ لها في العدد يتم سرّ المعمودية العظيم، لكي يتصور رسم الموت وتستنير نفوس المعمدين بتسليم معرفة الله [437]. القديس باسيليوس الكبير * يوجد سران في طريقة التعميد: الغطسات الثلاث هم رمز للإيمان بالثالوث القدوس الذي باسمه نعتمد، وكذلك رمز للدفن مع الرب ولقيامته في اليوم الثالث، لأننا ندفن مع المسيح في المعمودية ونقوم معه بالإيمان. القديس أغسطينوس * إننا نغطس ثلاث مرات، لكن سرّ الثالوث واحد، لأننا لا نعتمد بأسماء ثلاثة آلهة بل باسم الإله الواحد، ورغم أننا نغطس ثلاث مرات تحت الماء إلا أننا نؤمن بمعمودية واحدة [438]. القديس جيروم يروي لنا القديس أمبروسيوس عن عادة كانت متبعة في ميلانو دون غيرها، وهي أن الأسقف أو الكاهن الذي يقوم بالعماد يتمنطق بعد أن يتمم العماد ويغسل قدميْ المُعمد [439]. وهي عادة غريبة لأن المعمد قد خرج من الجرن طاهرًا ولا حاجة له إلى غسل قدميه في ذلك الوقت. ربما يريد الكاهن أن يُعلن للمعمد أن الكنيسة تبقى تغسل قدميه خلال وجوده في العالم حتى بعد نواله المعمودية المقدسة. 14. الدهن بالميرون المقدسذكر القديس كيرلس الأورشليمي مقالًا كاملًا بخصوص "المسحة [440]" بزيت الميرون، يتم بعد العماد مباشرة كعمل سرّي مقدس. وقد سبق لنا الحديث عن هذا السرّ وفاعليته فينا. وإننا نكتفي هنا ببعض عبارات للآباء: * إننا نُدعى مسيحيين لأننا ندهن بمسحة الله [441]. القديس ثيؤفيلس الأنطاكي * ينبغي على من اعتمد أن يُمسح أيضًا لكي يصير بواسطة المسحة ممسوحًا لله ويأخذ نعمة المسيح [442]. الشهيد كبريانوس يدهن الكاهن كل أعضاء الجسم إعلانًا عن تقديس كل الجسد والنفس بسكنى الروح القدس داخلنا، وذلك بعد أن يصلي قائلًا: "أيها القادر وحده، صانع جميع العجائب، الذي لا يعسر عليك شيء، لكن إرادتك وقوتك فاعلة في كل شيء. أنعم بالروح القدس عند نضح الميرون المقدس. ليكن خاتمًا محييًا، وثباتًا لعبيدك، بابنك الوحيد يسوع المسيح ربنا، هذا الذي من قبله يليق بك المجد"... وبعد أن يرشم 36 رشمًا من أعلى الرأس حتى أخمص القدمين، يضع الكاهن يده عليه ويقول: "تكون مباركًا ببركة السمائيين، وبركة الملائكة. يباركك الرب يسوع المسيح، وباسمه". ثم ينفخ في وجه وهو يقول: "اقبل الروح القدس، وكن إناء طاهرًا من قبل ربنا يسوع المسيح ربنا، هذا الذي له المجد مع أبيه الصالح والروح القدس". هنا نلاحظ في الطقس القبطي تستخدم المسحة بالميرون المقدس مع وضع اليد للبركة والنفخة في وجه المُعمد. 15. لبس الثياب البيضاءدعا القديس كيرلس الأورشليمي جرن المعمودية "حجال العريس الداخلي"، في داخلها يناجي السيد المسيح النفس البشرية، قائلًا: "بسطتُ ذيلي عليكِ، وسترتُ عورتكِ وحلفت لكِ ودخلت معكِ في عهدٍ... فحمَّمتكِ بالماءِ، وغسلت عنكِ دماءَكِ، ومسحتكِ بالزيت. وألبستكِ مطرَّزةً، ونعلتكِ بالتُّخَس، وأزَّرتُكِ بالكتان، وكسوتكِ بزًّا... وجَمُلْتِ جدًا جدًّا، فصلحتِ لمملكةٍ. وخرج لكِ اسم في الأمم لجمالكِ، لأنهُ كان كاملًا ببهائي الذي جعلتهُ عليكِ" (حز 16: 8، 14). لقد خطبها لنفسه عروسًا بعد أن غسلها وألبسها وزيَّنها بجماله فتصير ملكة، تحمل بهاء الملك في داخلها. لهذا إذ تخرج من المياه تلبس الثياب البيضاء البهية، التي هي الحلة الأولى التي قدمها الأب لابنه الراجع إليه (لو 15: 22)، لا بمعنى أنه توجد حلة ثانية وثالثة، لكنها دُعيت بالحلة الأولى من أجل بهائها وجمالها ومقامها وقيمتها، إذ هي لباس العُرس الأبدي، بدونها يُطرد المدعوون فلا يتمتعوا بشركة عرس ابن الملك (مت 22: 13). يشير الثوب الأبيض إلى انعكاسات إشراقات المجد الإلهي على الإنسان، إذ في تجلي الرب "صارت ثيابه بيضاء كالنور"، وفي السماء يلبس الأربعة وعشرون قسيسًا غير المتجسدين ثيابًا بيضاء (رؤ 4: 4)، وهكذا جموع الغالبين متسربلون بالثياب البيض (رؤ 7: 13)، كما أعطى للشهداء ثيابًا بيضاء (رؤ 6: 11)، وقد أشار الرب إلى ملاك كنيسة اللاودكيين أي أسقفها أن يتوب ويشتري لنفسه ثيابًا بيضاء (رؤ 3: 18). اللون الأبيض هو لون الحق الطبيعي كما يقول القديس إكليمنضس [443]، يشير إلى الحق كما إلى الطهارة والنقاوة والغلبة والنصرة [444]. * عندما تخرج من الماء ترتدي ثوبًا كله بهاءً. * بعد نوال نعمة المعمودية وارتداء الثوب الأبيض المضيء يقترب إليك الكاهن ويرشمك على جبهتك، قائلًا: "فلان يُرشم باسم الآب والابن والروح القدس" [445]. الأب ثيؤدور المصيصي * بعد ذلك أعطيت لكم ملابس بيضاء علامة أنكم قد خلعتم ثوب الخطايا ولبستم ثوب الطهارة والبراءة، الذي تحدث عنه النبي قائلًا: "تنضح عليَّ بزوفاك فأطهر، وتغسلني فأبيض أكثر من الثلج" (مز 51: 9). لأن من يعتمد يصير طاهرًا حسب الناموس والإنجيل كليهما. حسب الناموس لأن موسى رش دم الحمل بباقة من الزوفا (خر 12: 22)، وحسب الإنجيل، لأن ثياب المسيح كانت بيضاء كالثلج عندما أظهر مجد قيامته في الإنجيل. إذن فذاك الذي يُغفر إثمه يبيض أكثر من الثلج، لهذا قال الله بإشعياء: "إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيضُّ كالثلج" (إش1: 18) [446]. القديس أمبروسيوس * ترقص الملائكة حولكم، قائلة: "مَن هذه الطالعة من البرية مستندة على حبيبها؟!" (نش 8: 5) [447]. القديس كيرلس الأورشليمي * فجرت (المعمودية) ماء الحياة من بيت الآب للعالم. يا جميع العطاش اشربوا الرجاء من ينبوعها. من هذه التي جمعت شعوب الأرض وألبستهم ثياب المجد؟! * من هذه المزينة التي تنسج لباس النور الحيّ داخل المياه لكل القادمين إليها؟! من سيدة المجد هذه الممتلئة مجدًا، ها كل الخليقة تسرع إليها بالفرح. * المعمودية هي حلة المجد المعطاة لآدم، تلك التي سرقتها منه الحية بين الشجر. * تعالي (أيتها النفس) والبسي الجلالة، وافتني النور بالمياه الطاهر.. تعالى، انزلي، والبسي الثياب التي نسجها اللاهوت، واصعدي وأرينا جمالكِ الخالد، لنفرح معكِ. * لبستِ الملون كعظيم الأحبار في بيت التطهير. النار والروح ينسجان لك الثوب الذي كله نور. يا ابنة الشعوب المخطوبة للنور في داخل المياه! [448] مار يعقوب السروجي في الطقس البيزنطي إذ يُلبس الكاهن المُعمد ثوبه الأبيض يقول: "يُلبس عبد الله (فلان) سربال البرّ، بسم الآب والابن والروح القدس"، ويرتل المرنمون، قائلين: "امنحني سربالًا منيرًا، يا من ترتدي النور مثل الثوب، أيها المسيح إلهنا الجزيل الرحمة [449]". أما في الطقس القبطي فيبدأ الكاهن يُلبس المُعمد ثوبه ويقول: "لباس الحياة الأبدية غير الفاسد. آمين". 16. لبس الأكاليل والزنارلقد أُهمل هذا الطقس حاليًا، لكنه لازال مطبوعًا في الكتب الحديثة الخاصة بطقس العماد. ولم يبق سوى شد وسط المُعمد بزنار. يقوم الكاهن بالصلاة على الأكاليل قبل أن يتوج بها رأس المُعمد، قائلًا: "أيها الرب ضابط الكل أبو ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، الذي كلل رسله القديسين الأطهار وأنبياءه وشهداءه الذين أرضوه بأكاليل غير مضمحلة، أنت الآن أيضًا بارك هذه الأكاليل التي هيأناها لنلبسها لعبيدك الذي اتحدوا بالعماد المقدس، لكي تكون لهم أكاليل مجد وكرامة. آمين. أكاليل بركة ومجد. آمين. أكاليل فضيلة وبرّ. آمين. أكاليل حكمة وفهم. آمين. قوهم لكي يكملوا وصاياك وأوامرك ويفوزوا بخيرات ملكوت السماوات بالمسيح يسوع ربنا، هذا الذي من قبله المجد..." وإذ يضع الكاهن الأكاليل على رأس المُعمد بعد أن يشد وسطه بالزنار يقول: ضع أيها السيد الرب الإله على عبيدك أكاليل من السماء. آمين. أكاليل مجد. آمين. أكاليل إيمان غير مغلوب ولا مقاوم. آمين. أكاليل ثبات. آمين. أكاليل عدل. آمين. امنح عبيدك ليكونوا مملوءين من نعمة روحك القدوس، بالرأفات ومحبة البشر اللواتي لابنك الوحيد يسوع المسيح..." هنا نتوقف قليلًا لنرى الطقس يقترب تمامًا من طقس سرّ الزواج، كما يًشد وسط العريس بزنار هكذا أيضًا من نال المعمودية، وكما يكلل العروسان يكلل الذين ينالون هذا السرّ وبصلوات على الأكاليل تكاد تكون واحدة. وكأن الكنيسة ترى في سرّيْ العماد والميرون دخول إلى العرس السماوي، فيُشد وسط العريس بالزنار علامة اتحاده الخفي بالعريس وبالكنيسة كعضو حيّ فيها، ويُتوج بالإكليل مع عروسه لأنهما قد صارا عروس الملك الحقيقي! ما أحوجنا أن نعود من جديد إلى هذا الطقس ليمارس بدقة ومهابة، حتى نتعرف على سرّ عمل الله فينا ومحبته اللانهائية! إن الإكليل الذي يقدمه لنا الله هو روحه القدوس الناري الذي يهبنا الشركة مع عريسنا، ويقدم لنا سرّ الغلبة والنصرة ضد الخطية، أي يقدم لنا إكليل الحياة الزوجية الروحية وإكليل النصرة. * لقد اشترك (التلاميذ) لا في النار التي للاحتراق، بل النار المخلصة، النار التي تحرق الخطيئة وتهب النفس أمانًا. هذه تحل عليكم الآن وتنزع عنكم خطاياكم، وتحرقها كالشوك فتضيء نفوسكم الثمينة وتنالون نعمة... لقد استقرت على الرسل مثل ألسنة نارية لتتوجهم بأكاليل روحية جديدة فوق رؤوسهم [450]. القديس كيرلس الأورشليمي بعد إتمام سرّي العماد والميرون، ويلبس المعمدون الجدد الثياب البيضاء، ويتوجون بالأكاليل بعد أن يُشد وسطهم بالزنار، يحملون المشاعل. في هذه اللحظات تدوي في الكنيسة تسابيح الفرح والتهليل. غالبًا ما ينشدون المزمور القائل: "الرب راعيَّ فلا يعوزني شيء..." إذ هو مزمور الأسرار الإلهية كما سبق أن رأينا. يقول القديس كيرلس الأورشليمي [451] أن السماء ذاتها تتهلل، ويردد الملائكة القول: "طوبى للذي غُفِر إثمهُ وسًتِرَت خطيتهُ" (مز 32: 1). وفي طقس الكنيسة ينشد الشعب: "مستحق (أكسيوس)، مستحق، مستحق". ثم يدخل الكل إلى صفوف المؤمنين، فتمتلئ الكنيسة بهم، ويشترك الكل في فرحتهم بقيامة السيد المسيح التي وهبت البشرية قوة القيامة. يا لها من فرحة الشعب كله! يرون بأعينهم كنيسة المسيح التي لا تشيخ، بل ككرمةٍ مخصبة دائمة الأثمار. يرون الثياب البيضاء، فيذكر كل منهم ثوبه المقدس الذي تسلمه يوم عماده، عربونًا للثوب السماوي. وإذ يتطلعون إلى الشموع أو المشاعل ترتفع أنظارهم إلى النور الحقيقي، متذكرين أنهم أبناء نور لا تليق بهم أعمال الظلمة. لقد وصف لنا الآباء كيف كان الليل يختفي بظلامه أمام كثرة المشاعل والشموع حتى متى أشرقت شمس النهار لا يميز من بداخل الكنيسة الليل من النهار، إذ تكون الكنيسة أشبه بسماء منيرة. * في هذا الليل اللامع يختلط لهب المشاعل بأشعة شمس الصباح فتخلق نهارًا مستمرًا واحدًا بغير انقسام لا يفصله وجود ظلام [452]. القديس غريغوريوس النيسي * إنها تحمل معنى سريًا عن عملية الإنارة، حيث تدخل النفوس اللامعة البتولية لتقابل العريس بمصابيح الإيمان المتلألئة نورًا [453]. القديس غريغوريوس النزينزي إن كان التناول من الأسرار المقدسة ليس جزءً من طقس المعمودية لكنه عمل متلازم، فإن الإنسان الذي ينال الميلاد الجديد يدخل إلى مائدة أبيه لكي يأكل ويشرب، فينمو على الدوام في المسيح يسوع ربنا. * حالًا بعد صعودهم من المياه يقودهم إلى المائدة المملوءة رهبة، المحملة ببركات لا حصر لها، ليتناولوا جسد السيد المسيح ودمه، ويصيروا مسكنًا للروح القدس، إذ يلبسون المسيح نفسه يصيرون كملائكة على الأرض أينما ذهبوا، مضيئين ببهاء أشعة الشمس [454]. القديس يوحنا الذهبي الفم * بعد قبولكم الميلاد السرائري بهذه الكيفية خلال العماد تقتربون من الطعام الخالد... [455] الأب ثيؤدور المصيصي * غنية هي هذه الحلي، لهذا يسرع المغتسلون نحو مذبح المسيح! [456] القديس أمبروسيوس إذ تمتع المُعمد بالعضوية في جسد السيد المسيح الأقدس صار ابنا لله والكنيسة، هيكلًا مقدسًا للروح القدس، له حق الشركة في العبادة الكنسية. لهذا تسلمه الكنيسة -إن كان طفلًا- في يديْ الإشبين أو الإشبينة ليلتزم أو تلتزم بتقديم اللبن الإيماني غير الغاش، وتوصيه الكنيسة بذلك. 20. أكل اللبن مخلوطًا بالعسلذكر بنجهام [457] أن الذين ينالون سرّ العماد في الكنيسة الأولى يُقدم لهم خليطًا من اللبن والعسل. وقد ذكر العلامة ترتليان [458] هذه العادة وأيضًا التقليد الرسولي للقديس هيبوليتس. ولعل أكلهم اللبن يحمل رمزًا للبن النقي غير الفاسد الذي تقدمه الكنيسة لأولادها خلال إيمانه وطقوس عبادتها غذاءً لنفوسهم. والعسل يشير إلى وصايا السيد المسيح التي تصير عذبة في فم أولاده، إذ هي أحلى من العسل وقطر الشهد. كما أن أكل اللبن المخلوط بالعسل يشير إلى الدخول إلى أرض الموعد الحقيقية الروحية التي تفيض لبنًا وعسلًا (خر 3: 8). 21. صلاة حل الزنارفي الطقس القبطي غالبًا ما يقوم الكاهن بنفسه بمساعدة المُعمد في ارتداء الثوب الأبيض، كما يربط زنارًا حول صدره، ويضع على رأسه إكليلًا [459]. الثوب الأبيض يشير إلى الطبيعة الجديدة التي وُهبت له تحمل نقاوة ملائكية، والزنار يشير إلى ارتباط المعمد بالكنيسة كعضوٍ حيٍّ فيها، والإكليل علامة الغلبة والنصرة على الشيطان والتمتع بالأمجاد الإلهية. وفي طقس الكنيسة الأولى، إذ يتناول المعمدون حديثًا -غالبًا في عيد الفصح المجيد- يبقون إلى اليوم الثامن في محيط الكنيسة بملابسهم البيضاء، وكأنه أسبوع الفرح بميلادهم الروحي الجديد، يسمى "أسبوع الثياب البيضاء". هذا الطقس لم يتوقف في الكنيسة القبطية في بعض بلاد الصعيد، وإن كان قد أُهمل تمامًا في البلاد الكبرى خاصة في الوجه البحري. وقد احتفظت المخطوطات القديمة وكتب الطقس الحديثة بطقس يمارس في اليوم الثامن من العماد المقدس، حيث تصلي ليتورجية تسمى "حل الزنار". في هذه الليتورجية تقدم الكنيسة ذبيحة شكر لله الذي وهب المعمد هذه النعمة العظيمة، وتطلب له ثباتًا ونموًا في النعم الإلهية. بعد الصلوات والتسابيح يستحم المعمد في المياه المُصلى عليها، وفيها يُغسل ثوبه الأبيض والزنار الذي كان مربوطًا به، ثم تلقى المياه في بحر أو نهر أو حقل طاهر. اجتذبني هذا الطقس الجميل والبسيط في نفس الوقت، ورأيت أن أقدم مقارنة بينه وبين "طقس الحميم" في اليوم الثامن من ميلاد الطفل جسديًا، الذي وإن كنا نمارسه أحيانًا، لكن القراءات الواردة في الكتب الطقسية الحديثة تختلف عما وردت ببعض المخطوطات. وفي مقارنتي سأعتمد على مخطوط بدير القديس أنبا أنطونيوس (طقس 7)، نُسخ في 13 توت عام 1372ش (1655م) نقلًا عن مخطوط بمكتبة كنيسة العذراء حارة زويلة تاريخه سنة 1096ش (1379م). أ. في اليوم الثامن من ميلاد الطفل جسديًا تقدم الكنيسة ليتورجية "حميم الطفل"، فيه تشكر الله من أجل المولود الجديد ويشترك الكاهن مع الوالدين في تسمية الطفل. وكأن الكنيسة تمارس أمومتها في حياة الإنسان منذ نعومة أظفاره حتى قبل نواله سرّ المعمودية، تشكر الله من أجل خلقته وتهتم حتى باختيار الاسم اللائق به. وفي اليوم الثامن من عماده تقدم ذبيحة شكر لله من أجل ميلاده الروحي، ومن أجل دخوله في العضوية الكنسية بكونه قد صار ابنًا لله وعضوًا في جسد السيد المسيح السري. ب. في الطقس الأول يُقرأ البولس بعد صلاة الشكر دون الصلاة بمزمور التوبة (مز 50 "51")، أما في الطقس الثاني فيصلى هذا المزمور. ففي صلاة الحميم تقدم الكنيسة الليتورجية كذبيحة تسبيح وفرح بميلاده تنتظر دخوله إلى مياه المعمودية، أما في ليتورجية حل الزنار، فانه إذ دخل مياه المعمودية ونال الثوب الأبيض الداخلي يلتزم أن يحافظ على هذه النقاوة خلال أعمال التوبة غير المنقطعة. ج. في ليتورجية الحميم تقرأ كلمات الرسول بولس عن ختان الجسد (في 1:3-9) الذي كان يتم في اليوم الثامن في العهد القديم، موضحًا إنه يليق بنا ألا نتكل على الجسد وبرّ الناموس بل على الإيمان بالمسيح يسوع برّنا الحقيقي. فإن كنا قد ولدنا حسب الجسد لكننا في حاجة إلى ولادة روحية جديدة لكي "نعبد الله بالروح ونفتخر في المسيح يسوع ولا نتكل على الجسد". أما في الطقس الثاني فتُقرأ كلمات الرسول عن تمتع الشعب بعبور البحر الاحمر تحت السحابة وتناولهم طعامًا واحدًا روحيًا وشرابًا من الصخرة التي هي المسيح (1 كو 10: 1-4). وكأن الكنيسة تعلن للمعمد أنه قد نال ما كان رجال العهد القديم يتمتعون بظلاله خلال الرموز. إنه لم يدخل البحر الاحمر، وإنما دخل المياه المقدسة الشافية، ولم يتحرر من عبودية فرعون، بل من سلطان إبليس، ولم يدخل تحت سحابة بل سكن الروح القدس فيه، ولم يأكل منًا، بل تمتع بالمسيح يسوع نفسه المن السماوي! د. في الطقس الأول تطلب الكنيسة من الوالدين أن يسبحا الله على عطيته لهما ويقدما النذور الروحية والمحرقات والصلوات التي تسند طفلهما حتى ينمو في النعمة والقامة: "اذبح لله ذبيحة التسبيح، وأُوفِ للعلي نذورك. ادخل إلى بيتك بالمحرقات، واُقدم لك الصلوات التي نطقت بها شفتاي". وفي الطقس الثاني يطوبّ المزمور المُعمد من أجل عطية المغفرة التي نالها فيحافظ عليها: "طوباهم الذين غفرت لهم آثامهم، والذين سُترت خطاياهم. طوبى للرجل الذي لم يحسب له الرب خطيئة ولا وجد في فمه غش". ه. في طقس الحميم يُقرأ فصل الإنجيل الخاص بختان السيد المسيح ودخوله الهيكل محمولًا على يديّ سمعان الشيخ، إذ انفتحت عيناه وأدرك الخلاص الذي قدمه الله لجميع الأمم (لو 2: 21-35). وكأن الكنيسة تؤكد للوالدين ضرورة ختان طفلهما روحيًا في المسيح يسوع، لكي يصير محمولًا على الأذرع الإلهية يتمتع بالسكنى في هيكل الرب، ويكون سرّ بركة للكثيرين. أما في طقس حل الزنار فيقرأ الإنجيل الخاص بمعمودية يوحنا (مت 3: 1-6) الذي هيّأ الطريق بالتوبة للرب، لكي يبقى المُعمد في حالة توبة مستمرة لكي لا يفقد ثمرة المعمودية. و. في صلاة الحميم يطلب الكاهن من الله أن يبارك الطفل، وأن يهيئه للعماد المقدس: [نسأل ونتضرع إلى صلاحك عن عبدك (فلان بن فلان). باركه بكل البركات السمائية، وبارك أيضًا ميلاده، وليطل عمره كنعمتك، حتى ينمو ويكثر ثلاثين وستين ومائة، وليفرح به أبواه ويسرا بميلاده مثل زكريا وأليصابات اللذين وهبت لهما يوحنا النبي. وفي الزمن المحدَّد فليستحق حميم الميلاد الجديد لغفران خطاياه. أعده هيكلًا لروحك القدوس...] أما في صلاة حّل الزنار فيشكر الله من أجل سرّ الاستنارة الذي ناله المُعمد، طالبًا أن يحفظه إلى الانقضاء في الإيمان المستقيم، ويؤهله للحياة الأبدية وملكوت السماوات بالمسيح يسوع ربنا: [أيها السيد الرب إلهنا، مانح السلام والبركة... الذي باركنا وقدسنا وأضاء علينا بنور لاهوته، الذي جعل عبيده مستحقين أن ينالوا النور الذي من فوق، غير الموصوف، الذي لمسيحك يسوع مخلصنا. أنر عليهم بنور البركة، طهرهم، باركهم. جدّدهم بنعمتك من جهة المعمودية التي نالوها بقوة روحك القدوس المحيي... باركهم ببركتك، ثبتهم في إيمانك الأرثوذكسي إلى الانقضاء. ائت بهم إلى حد القامة والبلوغ. وليكونوا محروسين بين ملائكة صالحين إلى الانقضاء. املأهم من المعرفة ومن كل فهم... اجعلهم مستحقين الحياة الأبدية وملكوت السماوات بالمسيح يسوع ربنا..." ز. في طقس الحميم يُرنم المزموران 148-149، ويشترك الطقسان في الصلاة الربانية وقراءة التحليل ورشم المياه ثم الترنم بالمزمور 150 والختام بالبركة بعد حميم الطفل أو المعمد. أما في الكنيسة الأرثوذكسية البيزنطية فيقدم في اليوم الثامن من العماد طقس بسيط جدًا في ختامه يحل الكاهن الزنار والثوب الأبيض ويربط أطرافهما ويبلهما بماء نقي ويرش المُعمد وهو يقول: [قد تبررت، قد استنرت، قد تقدست، قد اغتسلت، باسم ربنا يسوع المسيح وبروح إلهنا.] ثم يتناول اسفنجة جديدة ويغمسها بالماء ويمسح بها أعضاء المعمد الممسوحة بالميرون المقدس ويقول: [قد اصطبغت، قد استنرت، قد تميزت، قد تقدست، قد اغتسلت، باسم الآب والابن والروح القدس. آمين [460].] _____ الحواشي والمراجع: [322] Didache 7:4. [323] Whitacker: Documents of the Baptismal Liturgy, P 47, 48. [324] Dix 30. [325] Contra Celsus 3:51. [326] Cot. Lect. 1:3; 3:3; 4:36; 21:24. [327] Confes. 1:11. [328] الدكتور جورج حبيب، ص 49. [329] De Symbole Sermon De Catechumens. [330] De Peccotorum merelties 2:42. [331] عظة المعمودية (15). [332] Whitaker, P 38. [333] Whitaker, P 39. [334] Ibid P 47. [335] Ibid P 46. [336] Ibid P 46, 47. [337] الترجمة السبعينية عوض أي 7:41. [338] Cat. Lect. 3:11,12. [339] J. Daniélou: The Bible and the Liturgy, P 35, 36. [340] PG 33:333 A. [341] PG 33:357 A. [342] PG 46:416 C. [343] للمؤلف: الكنيسة بيت الله، 1979، ص 410. [344] المرجع السابق ص 407. [345] المرجع السابق ص 406. [346] Hom. Cat. 14:1. [347] Dix 33 v 1-5a. [348] PG 46:420 C. [349] PG 33:1077 A. [350] PG 46:420 C. [351] Hom. Cat. 14:8. [352] PG 33:1077 B, Myst. Hom 2:2. [353] PG 33:1080 A. [354] Hom. Cat. 14:8. [355] PG 44:1003 D. [356] PG 46:600. [357] Whitaker, P 37, 38. [358] Responsiones de Orthodoxos. [359] Can 119:106-148. [360] Apost. Const. 7:34. [361] Myst. Hom 2:3. [362] Whitaker, P 47,48. [363] Ibid, P 37. [364] Ibid, p 40. [365] The Chaplet 3; The Shows 4. [366] E. C. Whitaker, P x111. [367] St. Basil: The Holy Spirit 27. [368] Chaplet 3. [369] Dix 34. V 9. [370] Can 119:106-148. [371] De Corona 13. [372] The Early Litturgy, P 80. [373] To The Catach. Hom 2. [374] Cat. Lect. 1:4. [375] Hom. Cat. 1:12. [376] Theodore of Mops: Hom. Cat. 13:7. [377] Ibid 13:8. [378] Myst. Hom. 1:4-8. [379] Hom. Cat. 12:19. [380] Ibid 12:22. [381] J. H. Crehan: Early Christian Baptism and the Creed, London 1948, P 209-219. [382] Whitacker, P 37,39-40. [383] PG 44:984 A. [384] PL 9:446 B. [385] St. Cyril. Jer: PG 33:1069 A. [386] Hom. Cat. 13:5. [387] F. J. Doelger: Die Sonne der Gerechtligkeit und die Schwarz, P 118-9. [388] Myst. Hom 3:4. [389] عظة 6:30، 5:1. [390] De Sacramentis 1:2. [391] Ibid 1:3. [392] J. Daniélou: The Bible and the Liturgy, P 31. [393] المؤلف: الكنيسة بيت الله، 1979، ص 71-80. [394] St. Basil: De Spir. Sanct. 27. [395] Mart. Polyc. 9:3. [396] Whitacker, P 46. [397] Cat. Hom 13:1. [398] شرح مز 14. [399] Canon of Hip., can 19:106-148. [400] سبق أن قدمت مقارنة بين قوانين الإيمان المستنبطة من إيريناؤس وترتليان وكبريانوس ونوفيتوس وأوريجينوس ولوقيانوس ويوسابيوس وكيرلس الأورشليمي وقانون الإيمان النيقوي - القسطنطيني (راجع كتابنا قانون الإيمان للرسل ص 16-19 الموجود هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت). [401] Epis. ad Mag. 6. [402] Epideixis (Presenting of the Apostolic Preaching) 3;7. [403] Epid. 6. [404] Adv. Haer. 3:4. [405] Epist. 69:7. [406] Canon 19:106-148. [407] H. E. 7:9. [408] PL 16:423. [409] In Ioan. Evang. 32:16. [410] الديداكيّة 1:7-3. [411] Dix 33, v 1-5. [412] De Spiritu Scanto 27:16. [413] De Baptismo 4. [414] Epist. 70:1. [415] Cat. Lect. 3:3,4. [416] In Ep. 1 Cor., hom 1:7. [417] In Io. Tract 80:3. [418] De Sacr. 1:15. [419] Hom. Cat. 14:9. [420] Euchology of Serapion 19:1, 2. [421] Apost. Const. 7:43. [422] In Ioa. Evang. Tract. 118:5. [423] الأسرار: فصل 2. [424] D. Stone: Holy Baptism, P 169. [425] Ecc. Heir. 27. [426] The Shepherd: Ench. Patr. 92. [427] Francoise Cuttaz: Divine Birth, 1962, p. 6 (n). [428] St. Chrys: In Col., hom. 6. [429] في حالة المرض الشديد يجوز العماد بالرش أو سكب الماء على رأس المريض ثلاث مرات. [430] De Coron. Mil. 3. [431] ضد براكسيان 26. [432] In Bapt. Christii. [433] In Bapt. Christii. [434] Ecc. Hier. 2:251. [435] Canon 19:133. [436] Epis. 73:5. [437] On the Holy Spirit 15. [438] تفسير رسالة أفسس 4:2.. [439] De Sacr. 3:5; De Myst. 31,32. [440] Myst. Hom. 3:1. [441] Ad. Antolycum 1. [442] Epis. 70:2; 73:9. [443] Clem. Alex: Instructor. [444] للمؤلف: سفر الرؤيا، طبعة 1969، ص 99، 100. [445] Whitaker, P 49,50. [446] الأسرار: 7. [447] Cat. Lect. 3:16. [448] ميمر عن المعمودية المقدسة. [449] روفائيل أسقف بروكلين (للروم الأرثوذكس): الافخولوجي الكبير، نيويورك 1913، ص 346. [450] Cat. Lect. 17:15. [451] مقال 1. [452] Oratin On Resur. [453] Orat. On Bapt. [454] Whitaker, P 41. [455] Ibid, P 50. [456] De Myst. 43. [457] Bingham: Antiq. 12:4, 5, 6. [458] The Chaplet 3. [459] للأسف اختفى طقس وضع الإكليل على رأس المعمد، بالرغم من وجوده مطبوعًا حتى في الكتب الحديثة، مما يدل أنه كان يمارس في مصر إلى وقت قريب. [460] روفائيل أسقف بروكلين: الافخولوجي الكبير، نيويورك 1913، ص 349-351. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
من له حق التعميد؟ في الوصية الوداعية سلم السيد المسيح حق التعميد وديعة في يدي رسله القدسيين، قائلًا: "اذهبوا تلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (مت 28: 19). وتسلم الأساقفة هذا العمل الرسولي، فكان للأسقف وحده حق التعميد، لكن بانتشار المسيحية أعطى للقسوس هذا الحق معهم، بل يبدو أنه في بعض الحالات الطارئة سمح في بدء الكرازة للشمامسة أن يعمدوا حيث لا يوجد قسوس [461]. أما أفراد الشعب فليس لهم الحق في التعميد اللهم إلا إذ لم يوجد قط من يعمد وكان طالب العماد في خطر الموت، كما حدث في أيام البابا بطرس السكندري حيث جاءت سيدة هاربة من الشام لتعمد طفليها من وراء رجلها الوثني، وإذ هاج البحر وشعرت بالخطر يحدق بولديها جرحت ثديها ورشمتهما بدمها بعلامة الصليب بعد أن غطستهما في البحر باسم الثالوث القدوس واعتبر عمادها قانونيًا [462]. ولما حاول البابا تغطيسهما دون أن يعلم بالقصة صارت مياه المعمودية كالحجر. كان لهذا الحدث آثره في الكنيسة شرقًا وغربًا، إذ ذاع الخبر وأدرك الكل أن لا إعادة للمعمودية. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كشفت عن مراحم الله واهتمامه بخلاصنا فسمح بالعماد -في الظروف القهرية- أن يتم على يد سيدة بلا صلوات تقديس! والتاريخ الكنسي حافل بمثل هذه القصة وإن كان بصور أخرى فيروي لنا تاوقيموس ما رآه بعينيه أثناء استشهاد القديسة مارينا ابنة داسيوس رئيس كهنة الأوثان بإنطاكية كيف اشتهت العماد المقدس، مع أن الاستشهاد هو معمودية بالدم، لكن الرب حقق شهوة قلبها، ففي أواخر تعذيبها جاءوا بإناء ضخم وربطوا يديها ورجليها وألقاها الجند فيه لتغرق، لكن القديسة رفعت عينيها نحو السماء، وسألت من الرب أن يحسب لها هذا الماء معمودية مقدسة، فنزلت حمامة من السماء على المياه، وكانت تحمل إكليلًا من الذهب، وانحلت رباطات القديسة. عندئذ غطست برأسها في المياه ثلاث مرات باسم الآب والابن والروح القدس، وكانت تسبح الله فرحة متهللة من أجل صبغة المعمودية. فسمع جموع الوثنيين المحيطين تسبحتها فألقوا بأنفسهم في المياه باسم إلهها واستشهدوا [463]. هذه القصة لها أهميتها من حيث الكشف عن مدى شوق المؤمنين للمعمودية المقدسة حتى في لحظات الاستشهاد! أما بالنسبة لمن له حق التعميد ففي الظروف العادية، يقول القديس أغناطيوس الأنطاكي تلميذ القديس يوحنا الحبيب بعدم قانونية العماد بدون أسقف [464]. وجاء في الدساتير الرسولية أن للأسقف والكاهن وحدهما حق التعميد [465]. * كقاعدة يستلزم أن تجرى المعمودية بواسطة الأسقف فقط والكاهن، أو شماس مبعوث من قبله (عند الضرورة القصوى في التبشير في مناطق نائية)، وفي الحالات القهرية يُخول للعلماني أن يجريها [466]. العلامة ترتليان * يجب الخضوع للكهنة الذين أُقيموا في الكنيسة متسلسلين بحسب الخلافة من الرسل، الذين أخذوا المواهب الحقيقية بمسرة الآب مع الخلافة الأسقفية. وأما الباقون الذين لم ينالوا الكهنوت بخلافة رسولية فيجتمعون خارج الكنيسة حيثما اتفق [467]. القديس إيريناؤس وفي القرن الثالث ثارت مشكلة قانونية عماد المنشقين والهراطقة، وقد أدت هذه المشكلة إلى صراعات مُرّة في البلد الواحد. فقد تزعم القديس كبريانوس عدم قانونية عماد الهراطقة والمنشقين باعتبارهم خارج الكنيسة، وعمادهم باطل. لهذا حين يعود أحد المعمدين من أيديهم ينال المعمودية المقدسة من يدّ الكنيسة، ليس كإعادة للمعمودية، وإنما يكون ما قد تم على يديْ الهراطقة والمنشقين باطلًا. ورأى أساقفة آخرون أن العماد صحيح مادام يتم بكلمات إيمانية قانونية، لكن صاحبها لا يتمتع بالنعمة الكامنة فيها إلا بعودته إلى جسد الكنيسة الواحد. لقد سبق أن تعرضت لهذا الأمر في شيء من الإيجاز في كتابنا "البابا بطرس خاتم الشهداء" والذي سنضعه لاحقًا هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت. الله متمم السرّيرى كثير من الآباء أن دخول السيد المسيح مياه الأردن قدس الأنهار والمياه ليتمتع فيها المؤمنون به بسرّ العماد المقدس. وقد دخل السيد بنفسه لكي يكون هو الكاهن الخفي الذي يتمم هذا السرّ في حياة مؤمنيه. * نؤمن نحن المؤمنون بالأشياء التي لا تستطيع عيوننا الجسدية أن تعاينها... لهذا أوجد الله لنا نوعين من الأعين: أعين جسدية وأعين الإيمان... الأعين الجسدية تعاين الكاهن كمن هو من فوق يضع يمينه على الرأس ويلمسها، والأعين الروحية ترى رئيس الكهنة الأعظم يبسط يديه غير المنظورة ليلمس رأسه. الذي يعمد هو ابن الله الوحيد الجنس وليس بإنسان (الكاهن)! * ما حدث في حالة جسد سيدنا إنما يتم معنا نحن أيضًا. إن كان يوحنا قد ظهر ممسكًا بالرأس، فان الكلمة الإلهي هو الذي قاد الجسد إلى مجاري نهر الأردن وعمد،لقد تعمد جسد سيدنا بواسطة الكلمة، وبصوت الآب القائل: هذا هو ابني الحبيب، وإعلان الروح القدس الذي حلّ عليه. هذا أيضًا ما يحدث في حال جسدنا إذ يقوم العماد باسم الآب والابن والروح القدس. لهذا اخبرنا يوحنا المعمدان أن الله هو الذي يعمدنا وليس بإنسان: "يأتي بعدي من هو أقوى مني الذي لستُ أهلًا أن انحني وأحلَّ سيور حذائه. أنا عمَّدتكم بالماء، وأما هو فسيعمدّكم بالروح القدس ونار" (مت 3: 11، مر 1: 7). * لماذا أقول ينبغي ألا تهتم بالأمور المنظورة بل ليكن لك عينا الروح؟! أقول هذا لكي إذا ما رأيت جرن المعمودية ويدّ الكاهن تلمس رأسك لا تفكر في الماء مجردًا، ولا أن يدّ الأسقف فوق رأسك، فإنه ليس إنسان هو الذي يفعل ذلك بل نعمة الروح هي التي تقدس طبيعة المياه وتلمس رأسك مع يد الكاهن. ألم أكن محقًا في قولي أنك محتاج إلى عيني الإيمان؟! * الذي يتمم هذه الأمور الآب والابن والروح القدس، الثالوث غير المنقسم. الإيمان بالثالوث هو الذي يهب نعمة غفران الخطايا. هذا الاعتراف هو الذي يمنح عطية التبني [468]. القديس يوحنا الذهبي الفم _____ الحواشي والمراجع: [461] راجع القديس كيرلس الأورشليمي مقال 35:17. [462] للمؤلف: البابا بطرس خاتم الشهداء. [463] ميمر القديسة مارينا. مخطوط 92 دير الأنبا أنطونيوس بتاريخ 1488 ش. [464] Ad Smyrn, 8. [465] Apost. Const. 3:20; 7:40, 8:28. [466] De Baptismo 17. [467] Adv. Haer. 4:26. [468] Whitaker, P 35,36, 38, 41. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
الحياة الكنسية والروح القدس الحياة الكنيسة في حقيقتها هي حياة الشركة مع الله خلال الاتحاد مع السيد المسيح بواسطة روحه القدوس. بمعنى آخر هي عمل الروح القدس الناري في الإنسانية المتجددة لكي تدخل إلى كمال المجد بالمسيح يسوع ربنا. هذا الروح الناري لا يعرف الخمول ولا الاستكانة، لكنه هو الروح الدائم العمل، ينمو بالكنيسة من كل جوانب حياتها، لكي تصل إلى ملء قامة عريسها. الروح القدس واهب الشركة مع الله ومانح الحياة الجديدة في المسيح يسوع يعمل في الحياة الكنسية لتكون دائمًا متجددة على المستوى العام، أي على مستوى الكنيسة الجامعة كما على مستوى كنيسة البيت وعلى مستوى كل نفسٍ منا، يعمل دائما في حياة الكنيسة الكرازية والتعليمية والتعبدية لتحيا الكنيسة في نمو دائم بغير انقطاع. التجديد في المفهوم الأرثوذكسيحينما نتحدث عن الحياة الكنسية المتجددة في أي جانب من الجوانب نود أن نوضح النقاط التالية: 1. يوجد تكامل بين التجديد الجماعي والتجديد المستمر في حياة الأعضاء، فالحياة الكنسية إنما هي حياة العروس ككل دون تجاهل أو ابتلاع لحياة كل عضو فيها. كل نموٍ في حياة الجماعة يستلزم النمو في حياة الأعضاء، لكن ليس بفكرٍ انعزالي منفرد إنما من خلال الجماعة. إن رجعنا إلى العهدين القديم والجديد نجد حركة الله نحو البشرية حركة جماعية، إذ يريد أن يقيم له عروسًا واحدة من كل الأمم والشعوب والألسنة. حينما تحدث مع أنبيائه في العهد القديم عن العهد الجديد الذي يقيمه مع البشرية غالبًا ما كان يعلن غايته بقوله: "وتكونون لي شعبًا وأنا أكون لكم إلهًا" (حز 36: 28، إر 31: 33). جاء الكتاب المقدس يعلن حركة خلاص جماعية، فلا نجد في التاريخ الكنسي -خاصة في الشرق- من يتحدث عن نفسه بانفراد. وعندما اضطر الرسول بولس أن يتحدث عن نفسه قال: "اعرف إنسانًا في المسيح" (2 كو 12: 2) دون أن يذكر اسمه. ليس من القديسين من تحدث عن نفسه إلا النادر جدًا. فهم يتحدثون عن إنجيل الكنيسة الجامعة، وإن كان من خلال خبرتهم الشخصية كأعضاء في هذه الكنيسة. المؤمن يعيش الحياة الإنجيلية كحياة خاصة ملتصقًا بمخلصه، دون اعتزال للكنيسة. هناك فارق بين العلاقة الشخصية السرية بين النفس والمسيح والعلاقة الفردية الانعزالية. الأولى علاقة خاصة حية يؤكدها روح الجماعة ويغذيها ويثبتها وينميها، أما الثانية فهي تدفع إلى الانحراف وتحطم الجماعة. الأولى تتكامل مع الحياة الجماعية وتسند أحدهما الأخرى، فالمؤمن -حتى وإن كان راهبًا متوحدًا- يستطيع في خلوته أن يصلي باسم الجماعة كلها بقلبٍ متسعٍ بالحب، يحمل لا الكنيسة كلها بل والخليقة جميعها في قلبه ليقدمها لله. انه يتألم مع كل متألم، يضعف مع كل من يضعف، ويفرح لنمو كل عضو. العابد الحقيقي يتلامس مع مخلصه بطريقة سرية خفية، ولا تقف الجماعة عائقًا له بل سندًا ومعينًا، يتفاعل معها وهي معه. إن أصحاب الفكر الفردي يرون في التجديد لقاء الإنسان مع مخلصه في لحظة معينة فينعم بالخلاص والتجديد، ويدخل إلى حالة من الثبوت بمعنى أنه يصير ابنًا لله يستحيل أن يسقط بعدها. هذا الفكر وإن كان قد قًصد به فتح باب الإيمان السري والعلاقة الخاصة بين النفس ومخلصها مع إعطاء ثقة ورجاء في المخلص كحافظ لها من الخطية، لكنها تحمل تطرفين خطيرين. الأول هو الاتجاه الانعزالي عن الحياة الكنسية الجماعية، الأمر الذي يفقد الإنسان تواضعه وانسحاقه، والثاني هو حرمان الإنسان من بركة الجهاد والحذر. إن ما يدعونه تجديدًا إنما تسمّيه الكنيسة بالتوبة، التي هي بحق "معمودية ثانية" خلالها ينعم الإنسان بنعمة عمل الروح القدس فيه. إنما يلزم للمؤمن في توبته وهو في علاقة سرية مع مخلصه أن يدخل إلى حياة الشركة مع الله خلال الكنيسة التي تسنده في توبته المستمرة ويعمل هو أيضًا فيها! هذا من جانب ومن جانب آخر فإن توبته هذه الشاملة تفتح له باب التوبة اليومية المستمرة من أجل كل ضعف يلحق به، مشتهيًا بالروح القدس أن ينطلق من مجد إلى مجد إلى أن يبلغ ملء قامة المسيح. تحمل هذه النظرة اعتدالًا دون تطرف، فنحن ننمي علاقتنا الشخصية مع مخلصنا في نفس الوقت الذي فيه ننمو في حياتنا الكنسية، التي في جوهرها هي حياة شركة مع الله في ابنه بواسطة الروح القدس، فتتفاعل العلاقة الشخصية مع الحياة الجماعية بغير تطرفٍ. 2. إن كان الكثيرون لا يقبلون تعبير "التجديد الكنسي" كما يعنيه التعبير الإنجليزي Church Renewal إنما لأنه يُفهم بأنه ثورة على كل ما هو قديم وقبول كل ما هو جديد. لكننا ككنيسة أرثوذكسية تقليدية نعتز بالقديم ليس من أجل قدمه، ولا نتقبله بطريق جامدة متحجرة. وقد سبق لي في كتابنا "التقليد والأرثوذكسية" -والذي سنضعه هنا لاحقًا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت- أن أوضحت كيف يتكئ الجديد على القديم، فيبقى القديم حيًا بروحه، ويكون للجديد أصالة وقوة! الكنيسة التي قبلت الروح القدس إنما قبلته حيًا فيها يعمل عبر كل الأجيال دون توقف، يعطيها حياة نامية دائمة التجديد دون أن تفقد نغمها الإنجيلي الكنسي الآبائي. إنجيلها لا يَقدَم، وإيمانها لا ينحرف وتقليدها روحي حيّ... وفي نفس الوقت دائمة النمو. لست أريد الدخول في تفاصيل لكنني أود أن أوضح أن إيمان الكنيسة لم يتغير عبر الأجيال، لكنه قُدم في القرن الأول بطريقة تناسب العصر، وحينما ظهرت الهرطقات التزمت الكنيسة أن تعرض إيمانها غير المتغير بطريقة تحفظ حياة أولادها من الهراطقة وتواجه هؤلاء الهراطقة... وهكذا في كل عصر تقدم الكنيسة كنوز إيمانها بالثوب الذي يناسب احتياجات الناس. لهذا حينما تحدث المتنيح نيافة الأنبا يؤانس مطران الغربية عن "التجديد الكنسي" في الجمعية العمومية لمجلس كنائس الشرق الأوسط، وإن كان قد رفض التعبير في ذاته لكنه نادى أن التجديد الحالي هو عودة إلى الكنيسة الأولى قبل الانقسام، عودة لا في الشكل، وإنما في الروح والفكر والحياة، فتتقبل إنجيلها كما فهمته وعاشته وفسرته في الشرق والغرب قبل الانقسام، وتمارس عبادتها بروحها الخشوعي التقوى، وتسلك بروحها النسكي الأخروي، وتنعم بسماتها ككنيسة منفتحة على العالم تكرز خلال الحب الصادق. بهذا نستطيع أن نقول مع إرميا النبي: "جدّد أيامنا كالقديم" (مرا 5: 21) ومع عروس النشيد: "عند أبوابنا كل النفائس من جديدة وقديمة ذخرتها لك يا حبيبي" (نش 7: 13)، ونفهم الكلمات الإنجيلية: "كل كاتبٍ متعلم في ملكوت السماوات يشبه رجلًا ربَّ بيتٍ يُخرِج من كنزهِ جُدُدًا وعُتَقاءَ" (مت 13: 52)، "ليس أحد إذا شرب العتيق يريد للوقت الجديد لأنهُ يقول العتيق أطيب" (لو 5: 39). نحن لا نقبل القديم جامدًا ولا لمجرد قدمه، كما ينبغي ألا يُرفض لأجل قدمه، إذ يسيء البعض تفسير عبارة الرسول: "أنسي ما هو وراء وامتد إلى ما هو قدام". وكأنما يريدون أن يرفضوا حياة الكنيسة الأولى وخبرتها في المسيح يسوع لتتقبل ما هو جديد. كلمات الرسول تخص أعمال الإنسان القديم ينساها ولا يرتبك بها منشغلًا بعمل الله الجديد في حياته متطلعًا برجاء نحو جعالة الله العليا. وكأفراد يلزمنا أيضًا أن ننسى ما لنا من جهاد ماضي في حياتنا حتى لا نسقط في البرّ الذاتي لنتقبل عونًا جديدًا في جهادنا الحاضر من أجل الحياة الأبدية. أما كلمات الرسول: "فإذ قال جديدًا عتَّق الأوَّل، وأما ما عتَق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال" (عب 8: 13) ينصب على حرفية الناموس والعبادة اليهودية، فقد دخلنا إلى العهد الجديد بالروح الذي يبني عوض الحرف القاتل (رو 7: 6)، قبل الناموس والتراث اليهودي أيضًا لكن لا في الحرف المميت بل خلال الروح المحيي المجدد! مثلنا في ذلك الكتاب المقدس فهو قديم جديد، قديم في استلامنا له، جديد في كل يوم في خبرتنا معه وفاعليته التي لا تشيخ ولا تقدم. في اختصار نقول إننا لا نقطع تاريخ الخلاص بل ولا نجزئه بين ماضي وحاضر ومستقبل. لكننا إذ نتقبل عمل الروح القدس الناري الذي يعمل عبر الأجيال ولا نجمده، إنما نرى أنفسنا وقد ارتفعنا فوق حدود الزمن، فالماضي كما الحاضر والمستقبل إنما يمثل حياة فعّالة في الكنيسة. الماضي مفرح بعمل الله المستمر في كنيسته، وممتد في الحاضر، والمستقبل مبهج للنفس من أجل رجائها في الله، وليس ببعيد عنها أو مغلق مجهول. هكذا تحيا الكنيسة بماضٍ ليس ميتًا، وحاضرٍ قويٍ، ومستقبل مكشوف. إن تجاهلنا الماضي إنما نبتر الكنيسة عن أصالتها في الروح. وإن تجاهلنا الحاضر المعاصر إنما نحكم على الكنيسة بالجمود، وإن غفلنا المستقبل سقطنا في اليأس! 3. إن كان التجديد لا يعني الانحلال بتجاهله للماضي، بل النمو المستمر مستندًا على الماضي بروح الله الحيّ، فإنه أيضًا يليق بنا ألا نقبل التجديد بروح التطرف. وكما يلزم أن ينمو الإنسان في كل نواحي حياته: جسديًا وفكريًا ونفسانيًا وروحيًا واجتماعيًا، فيصير ناجحًا وحيًا كإنسان متكامل. هكذا يليق بالأكثر النمو في الحياة الكنسية يلزم أن يتحقق على الدوام في كل جوانبها معًا بطريقة متكاملة دون تطرف. نذكر على سبيل المثال حينما تطرفت كنيسة الغرب في العصور الوسطى في علاقتها بالعالم فدخلت في السياسة وزاحمت السياسيين في كرامتهم الزمنية، وظنت أنه بهذا تستطيع أن تخدم العالم،انحرفت الكنيسة عن نسكها التقوى وإنجيلها الروحي وعبادتها بالروح، وتحول الكهنوت إلى سلطة بدلًا من الأبوة، وانقلبت الحياة الروحية إلى مجموعة من القوانين الجامدة وحُرم الشعب من قراءة الكتاب المقدس، وصارت العبادة أشبه بشكل رسمي تُمارس بغير فهمٍ ولا روحٍ. وهكذا حدث شرخ بين الكهنوت والليتورجيا الكنسية وبين الحياة الروحية. هذا التطرف ولَّد تطرفًا جديدًا إذ ظهرت اتجاهات جديدة تسمى: [ضد الكهنوت anti-clerical وضد الرؤساء anti-hierarchical وضد الأسرار anti-sacramental وضد الليتورجيا anti-liturgical] انتهى الأمر بظهور الحركة اللوثرية تبغي الإصلاح، فهاجمت الكهنوت والقوانين الكنسية والتراث الكنسي والعبادة الليتورجية السرائرية. فولّد التطرف تطرفًا آخر، إذ حسبوا أنه لا روحانية إلا خلال الحياة الإيمانية الفردية [469]... نعطى أيضًا مثلًا آخر: بظهور الحركات البروتستانتية صار التركيز حول الإيمان بالمسيح المخلص مع تجاهل كبير لعمل الروح القدس.. وكان ثمر هذا في نهاية القرن التاسع عشر ومع بداية القرن العشرين بدأت تظهر الحركات الخمسينية التي تركز على الروح القدس بطريقة متطرفة. إنني لا أريد الدخول في تفاصيل هذا التاريخ فهو ليس مجالنا الآن، لكن ما أريد تأكيده أن النمو الكنسي في حياة الجماعة كما في حياة كل عضو فيها يلزم أن يكون متكاملًا، ننمو في دراسة الكتاب المقدس والتعرف على أسراره دون تجاهل للتقليد، ونحيا بالروح الجماعية دون إنكار للحياة الشخصية السرية، نمارس الحياة النسكية دون أن نزدري بحياتنا في المجتمع، نمارس التوبة بدموع مع ارتوائنا بالفرح الروحي، نحب التعليم كما العبادة، نقبل تجديد طبيعتنا في المعمودية دون تكاسل في التمتع بتجديد الذهن المستمر بالروح القدس. الحياة الجديدةلا يقف عمل الله في حياتنا عند المعمودية والميرون، إنما هما بدء انطلاق حياتنا الجديدة التي صارت لنا في المسيح يسوع بالروح القدس. لقد دَعي القديس إكليمنضس السكندري السيد المسيح بالمربي إذ يتعهد حياتنا ويلاطفنا بروحه القدوس حتى نصير على مثاله، نحمل سماته فينا. عمل الكنيسة هو الكشف عن الإمكانيات الإلهية التي وُهبت للمؤمنين في المعمودية، فتدفع بأولادها بين يدّيْ الروح القدس الناري الذي يجدد أذهانهم بغير انقطاع. وكما يقول الرسول: "لا تشاكلوا هذا الدهر. بل تغيَّروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المَرضيَّة الكاملة" (رو 12: 2). وأيضًا: "تجدَّدوا بروح ذهنكم" (4: 23)، وأيضًا: "إن كان إنساننا الخارج يفنى، فالداخل يتجدَّد يومًا فيومًا" (2 كو 4: 16)، "إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعمالهِ ولبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقهِ" (كو 3: 9-10). خلعنا الإنسان القديم بأعماله ونوالنا الإنسان الجديد هو ميلاد جديد، بدء انطلاقة "للتجديد للمعرفة"، أي للنمو بغير انقطاع، وهذه هي علامة الحياة. هذا ما يؤكده الكتاب المقدس: "وأما منتظرو الرب فيجدَّدون قوةً. يُرفعون أجنحةً كالنسور. يركضون ولا يتعبون، يمشون ولا يعيون" (إش 40: 31). "الذي يُشبع بالخير عمركِ، فيتجدد مثل النسر شبابكِ" (مز 103: 5). "لأن مراحمه لا تزول. هي جديدة في كل صباح" (مرا 3: 22-23). هذه هي احساسات المسيحي الدائمة، يرى مراحم الله جديدة بالنسبة له كل صباح، فيشتهي أن يرد الحب بالحب، وكأنه في كل يوم يبدأ لقاءً جديدًا مع الله، إذ يقول في صلاة باكر: "لنبدأ بدأ حسنًا". والعجيب أن القديس أغناطيوس الأنطاكي إذ كان في طريقه إلى روما للاستشهاد يقول: [إني ابتدئ أن أكون مسيحيًا!] هذا هو عمل الروح القدس في حياة المؤمنين، يجعلنا نشعر في كل لحظة كأنها بداية الحياة مع الله، وذلك كالأم في حبها لرضيعها الوحيد تتطلع إلى وجهه دائما كما لو كانت تراه لأول مرة. لعله لهذا السبب أقام اليهود "عيد التجديد" الذي حضره السيد المسيح في أورشليم (يو 10: 22)، وفي الطقس السرياني يحتفلون بالأحد الثاني من الصوم الكبير كأحد "تجديد الكنيسة" لكي يراجع الكهنة والشعب حياتهم في بدء الصوم، وكأنهم ينطلقون إلى علاقة جديدة مع الله. وصية جديدةفي حديث السيد المسيح الوداعي مع تلاميذه قبل آلامه يقول: "وصيَّة جديدة أنا أعطيكم أن تحبُّوا بعضكم بعضًا. كما أحببتكم أنا تحبُّون أنتم أيضًا بعضكم بعضًا. بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حبُّ بعض لبعض" (يو 13: 34). وصية الحب في الواقع قديمة (1 يو 2: 7)، لكنها أيضًا جديدة ومتجددة فينا. هي قديمة كوصية قدمها الناموس الطبيعي وأعلنتها الشريعة الموسوية، لكن السيد المسيح قدمها جديدة وأعطاها سمة الجدّة، فقد قدم نفسه إلينا لندخل به إلى الحب الإلهي، فصرنا نحمل طبيعة الحب التي لا تشيخ. لم تعد فقط مراحم الله جديدة كل صباح بل صارت حياتنا نحن أيضًا في المسيح يسوع بالروح القدس تستطعم الوصايا الإلهية جديدة على الدوام. ما أقوله عن الوصايا الإلهية أقوله عن المواهب الروحية، فالروح القدس إذ يعمل فينا يُنمي مواهبه في داخلنا فتصير جديدة على الدوام. التجديد حالة تجلٍ مستمرفي حادثة التجلّي كما وردت في إنجيل معلمنا مرقس ذكرت الكلمة "ميتافورسز"، أو تجلٍ، بمعنى انتقال من الشكل البشري المنظور إلى الشكل النوراني. هذا التجلي لا يعني أن السيد المسيح قد نال شيئًا جديدًا، إنما الابن الوحيد هو دائمًا وأبدًا في نور لا يدني منه. جاء إخلاؤه كعملية إخفاء لنوره غير المدرك عن أعيننا. وجاء التجلي انفتاحًا لأعين التلاميذ ليروا قبسًا من النور الإلهي قدر ما يستطيعون. يقول الأب غريغوريوس بالاماس: [لم تتغير هيئة المسيح على الجبل، لكنه كان مقيمًا دائمًا في النور الأبهى، محجوبًا عن أعين الرسل، فأدركوا في التجلي ما كان محجوبًا عنهم.] والكنيسة كجسد السيد المسيح الممجد، تجديدها إنما يعني تجلي السيد المسيح الساكن فيها. خلال هذا التجلي تنمو الكنيسة الجامعة كما ينمو الأعضاء، إذ ينطلق المؤمنون من انحصارهم في الزمن إلى الدخول قي الحياة الأبدية الممجدة، ليعيشوا بفكرٍ سمائيٍ أخرويٍ، دون تجاهل للواقع البشري الزمني. الزمن بالنسبة للكنيسة ولكل مؤمن فيها، إنما يتحرك بنا نحو الحياة الانقضائية، أي نحو الحياة الأبدية، ولا معنى للزمن خارج الانقضاء أو الأبدية. بهذا ترتكز الكنيسة على مجيء السيد المسيح الأول (تجسده) وتنعم بتجليه من يومٍ إلى يومٍ منتظرة مجيئه الأخير. بهذا نفهم كلمات السيد المسيح: "ملكوت الله داخلكم" وبهذا نرى "الروح والعروس يقولان تعالَ" (رؤ 22: 17). بهذا يكون تجديد الكنيسة -إن صح هذا التعبير- ليس قبولًا لنظمٍ جديدةٍ أو تدابيرٍ جديدةٍ، إنما في جوهره هو تجلٍ مستمر للسيد المسيح في حياتها لكي يظهر فيها ببهائه الأبدي، معلنًا طبيعته في حياتها. يظهر هذا التجلي خلال تعميق علاقة المؤمنين بالسيد المسيح واختفائهم فيه، فيشهدون له في الداخل والخارج، مجتذبين أعضاء جدد للتمتع بخلاص السيد المسيح. وكما يقول الأب مكسيموس المعترف عن الكنيسة أنها [المعمل الذي فيه يتحوَّل الإنسان ليُحوِّل العالم.] وكأن مسيرة الكنيسة في الواقع هي مسيرة العالم كله بالروح القدس لتحقيق مقاصد الله لخلاص البشرية. بهذا تقف الكنيسة النامية خادمة للعالم، وليس كعالم آخر مستقل عنه ومنافس له، إنما بالحب تحتضنه وتغسل قدميه. إنها تعمد حضارته وفنونه وعلمه، فلا تحتقر خبرته بل تبارك وتسند كل عمل بناء فيتناغم العمل الحضاري مع العمل الكنسي الحي. _____ الحواشي والمراجع: [469] للاستزادة راجع كتابنا: المسيح في سرّ الافخارستيا الكتاب الثالث. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
لماذا حلّ الروح القدس على السيد المسيح عند عماده؟ 1. لماذا حلّ الروح القدس على السيد المسيح عند عماده؟ الروح القدس هو الذي شكَّل ناسوت السيد المسيح منذ لحظة البشارة بالتجسد الإلهي. ولما كان لاهوت السيد لم يفارق ناسوته، لهذا لم يكن قط في معزل عن الروح القدس، ولا في حاجة إلى تجديد الروح له، لأنه لم يسقط قط في خطية ولا كان للإنسان القديم موضع فيه. إنما طلب السيد أن يعتمد "لكي يكمل كل برّ"، أي يقدم لنا برًا جديدًا نحمله فينا خلال جسده المقدس. حلول الروح القدس عليه في الحقيقة كان لأجل الإنسانية التي تتقدس فيه، فتقبل روحه القدوس. في هذا يقول القديس غريغوريوس النيسي: [اليوم اعتمد (يسوع) من يوحنا لكي يُطهر الذي تدنس، ولكي يجعل الروح ينحدر من فوق، فيرفع الإنسان إلى السماء، ويقيم الساقط الذي انحدر وصار في عارٍ. لقد أصلح المسيح كل الشرور، فأخذ البشرية الكاملة لكي يخلص البشرية، ولكي يصبح مثالًا لكل واحدٍ منا. لذلك فهو يقدس باكورة وثمار كل عمل يقوم به لكي يترك لعبيده غيرة حسنة بلا شك في اقتفاء أثره [470].] يذكر لنا لوقا الإنجيلي عن السيد المسيح: "أما الصبيُّ فكان ينمو ويتقوَّى بالروح" (لو 1: 8)، "وأما يسوع فكان يتقدَّم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس" (لو 2: 52). لقد كان التجسد حقيقة واقعة، والإخلاء حقًا واقعًا وليس مظهرًا أو خيالًا كما ظنت بعض الهرطقات الغنوسية. لهذا أخلى الابن ذاته عن أمجاده دخل في حياتنا البشرية حاملًا ناسوتًا حقيقيًا يتقبل النمو في الروح والسند الروحي والنعمة، بجانب التقدم في الحكمة والقامة، ليس كمن هو في نقص يحتاج إلى مزيد، وإنما كممثلٍ حقيقيٍ لنا، يتقبل النمو المستمر لحسابنا، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى.بهذا قدم لنا السيد نفسه طريقًا حقيقيًا خلاله نتسلم العطايا الإلهية لخلاصنا ونمونا المستمر. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
ما هو الفارق بين معمودية يوحنا المعمدان والمعمودية المسيحية؟ 2. ما هو الفارق بين معمودية يوحنا المعمدان والمعمودية المسيحية؟ عرف اليهود أنواعًا من المعموديات منها معمودية المتهودين الدخلاء Prosolytes. كان متى قَبِل وثني اليهودية يعتمد هو وأولاده بطقس يهودي معروف باسم "معمودية الدخلاء". في هذا الطقس يعلنون أنهم قد كرسوا حياتهم لحساب إسرائيل مع التزامهم بالوصايا والنواميس الإلهية. أما معمودية يوحنا فقد جاءت رمزًا للمعمودية المسيحية، يقبلونها للتوبة، تستمد قوتها في الغفران والتمتع بالخلاص من خلال المرموز إليه، وذلك كما حَملت الحية النحاسية قوة الشفاء خلال الصليب الذي ترمز إليه، وكما وهب عبور البحر الاحمر خلاصًا للشعب خلال المرموز إليه "المعمودية". معمودية يوحنا كانت عاجزة عن أن تهب البنوة لله، الأمر الذي انفردت به المعمودية المسيحية لدخول السيد المسيح "الابن الوحيد" إليها. يقول العلامة ترتليان [471] أن المعمودية التي أعلنها يوحنا أثارت سؤالًا في ذلك الحين هل هي من السماء أم من عند الناس؟ (مت 21: 25؛ مر 11: 30؛ لو 20: 4). ويجيب العلامة ترتليان أنها بلا شك إلهية، لأن يوحنا تمم ما قد أُمر به من الله، لكنها بشرية في نفس الوقت، لأنها كانت للتوبة لا تهب الروح القدس ولا غفران الخطايا (أع 19: 1-7). كانت معمودية أشبه بطالبة للمغفرة والتقديس إذ تهيئ الطريق للتبعية للسيد المسيح. معموديته كانت إعدادًا للطريق، فقد شهد يوحنا بنفسه أن معموديته لا تقدم ما هو سماوي، قائلًا: "الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع، والذي من الأرض هو أرضيّ من الأرض يتكلَّم. الذي يأتي من السماء هو فوق الجميع" (يو 3: 31). لقد قال: "أنا أعمدّكم بماءٍ للتوبة. ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني... هو سيعمدّكم بالروح القدس ونارٍ" (مت 3: 11). هكذا إذ لم تكن في معموديته عطية الروح، بالتالي لم يكن لها غفران الخطايا. يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم [472]: لماذا يقول لوقا: [فجاء إلى جميع الكورة المحيطة بالأردن يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا مع أنها لم تكن تغفر الخطايا؟ يجيب بأنه وإن كانت معمودية يوحنا لم تقدم هذه العطية أي مغفرة الخطايا لكنها قدمتها خلال المعمودية التي جاءت بعدها، حيث فيها نُدفن مع المسيح، ويُصلب إنساننا العتيق، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى.لقد عُرف اليهود في ذلك الوقت بعدم شعورهم بالخطايا، فجاء يوحنا المعمدان ليدخل بهم إلى الإحساس بالخطايا، وبهذا هيأهم للإيمان بالذي يأتي بعده فينالوا غفران الخطايا.] ويرى القديس كيرلس الأورشليمي [473] أن معمودية يوحنا تغفر الخطايا وتخلص من العقاب الأبدي (ربما من أجل ما حملته من رمز لمعمودية السيد المسيح) إذ يقول: [كان هذا الرجل يعمد في الأردن فخرجت كل أورشليم" (مت 3: 5)، لتتمتع بباكورات العماد، إذ يوهب لأورشليم امتياز في كل عمل صالح. تعلموا يا سكان أورشليم كيف كان يُعمد الخارجين إليه، المعترفين بخطاياهم (مت 3: 6). لقد كانوا يكشفون له جراحاتهم، وهو يقدم لهم بعد ذلك العلاج، فيخلص الذين يؤمنون من النار الأبدية. وإن أردت فحص هذه النقطة، أي أن عماد يوحنا يخلصهم من التهديد بالنار اسمع ما يقوله: "يا أولاد الأفاعي مَنْ أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي" (مت 7:3).] _____ الحواشي والمراجع: [470] De Bapt. Christii. [471] De Baptismo 10. [472] In Matt. Hom 10:2. [473] Cat. Lect. 3:7. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
متى بدأت المعمودية المسيحية؟ 3. متى بدأت المعمودية المسيحية؟ يرى بعض الآباء أن دخول السيد المسيح إلى مياه الأردن قد فتح لنا باب المعمودية وقدم لنا تقديسًا لها، واهبًا إيانا إمكانياتها فيه. يقول القديس أغناطيوس الأنطاكي: [وُلدَ واعتمدَ لكي يطهر المياه بآلامه [474]]، ويقول العلامة ترتليان: [اعتمد المسيح أعني طهر الماء بعماده [475]]، كما يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [قدس المسيح المعمودية بعماده هو نفسه [476].] ويرى البعض أن عماد المسيح وإن كان قد فتح الباب، لكن العمل قد اكتمل باصطباغه على الصليب ودخوله إلى الموت وقيامته. فالمعمودية صبغة آلام وشركة دفن وتمتع بقوة قيامة السيد، هي فصح معه، لهذا يرون أن المعمودية قد انطلقت في حياتنا بعد قيامته. لهذا فإن العلامة ترتليان [477] نفسه الذي رأى أن المعمودية المسيحية قد تقدست بعماد السيد، في مقال آخر يرى أن معمودية التلاميذ قبل الصلب والقيامة لم تكن تختلف كثيرًا عن معمودية يوحنا المعمدان، وشاركه في هذا الرأي القديس يوحنا الذهبي الفم [478]، لأن السيد المسيح لم يكن بعد قد ذُبح لأجلنا كفصحٍ لنا، ولا أعطيت لنا إمكانية الميلاد الجديد. إلا أن القديس أغسطينوس يرى أن معمودية التلاميذ قبل الصلب معمودية مسيحية [479]، لأنها تمت بعد عماد السيد، غير أنه ليس بالرأي السائد. _____ الحواشي والمراجع: [474] Ad Eph. 18. [475] Adv. Jud. 8. [476] Cat. Lect. 3:11. [477] De Bap. 11. [478] In Ioan. Ev., hom 29:1. [479] In Ioan. Ev., tract 15:3; Epis 44:10; 265:15. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
متى اعتمد التلاميذ والرسل؟ 4. متى اعتمد التلاميذ والرسل؟ سبّب هذا السؤال ارتباكًا منذ القرن الثاني [480]، فقد رأى البعض أن التلاميذ اعتمدوا بواسطة القديس يوحنا المعمدان وجاءت العنصرة عمادًا مسيحيًا لهم، تحقق بعد فصح الرب، بينما يرى البعض أن السيد المسيح نفسه قام بتعميدهم. يرى القديس أغسطينوس أن ربنا نفسه هو الذي عمدهم [481]، وعنه أخذ الأب توما الاكوينيي [482]. وقد اقتبس أنسيفورس Nicophorus عن إفديوس Evodius قوله أن ربنا عمد بطرس، وبطرس عمد أندراوس وابني زبدي، وأندراوس وابنا زبدي عمدوا الرسل الآخرين، كما قام بطرس ويوحنا بتعميد السبعين تلميذًا. ويقدم القديس أغسطينوس الدليل على عماد القديس بطرس قول السيد له: "الذي اغتسل ليس لهُ حاجة إلاَّ إلى غسل رجليهِ بل هو طاهر كلُّه. وأنتم طاهرون، ولكن ليس كلُّكم" (يو 13: 10)، فقد تطهّر التلاميذ وتمتعوا بالغسل من الخطايا بيدي السيد. ويرى الأسقف موبرلي [483] Moberly أن التلاميذ والرسل لم ينالوا المعمودية المسيحية حتى يوم العنصرة، لكي ينالوا قوة ظاهرة ويتسلموا خدمة الميلاد الجديد بالماء والروح بطريقة واضحة. أما دليله على ذلك فهو قول السيد نفسه قبل صعوده: "يوحنا عمد بالماء، وأما أنتم فستتعمدون بالروح القدس ليس بعد هذه الأيام بكثير" (أع 1: 8)، وهذا هو الرأي الكنسي السائد. _____ الحواشي والمراجع: [480] Tert: De Bap. 12. [481] In Ioan. Ev. 13. [482] H. E. 2:3. [483] Moberly: The administration of the Holy Spirit in the Body of the Christ, P 43-4. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
في بيت كرنيليوس، لماذا حلّ الروح القدس على المستمعين قبل المعمودية؟ 5. في بيت كرنيليوس، لماذا حلّ الروح القدس على المستمعين قبل المعمودية (أع 9: 44-48)؟ في هذا الحادث يظهر التمييز واضحًا بين المعمودية وحلول الروح القدس (التثبيت). والعجيب أن التثبيت هنا قد سبق المعمودية، الأمر الذي اختلف تمامًا عما حدث في كل حالات العماد التي تمت في أيام الرسل إذ كانت المعمودية تسبق وضع الأيدي وبالتالي حلول الروح القدس على المعمدين. والسبب في هذا أن عماد كرنيليوس وأهل بيته يعتبر عملًا فريدًا بكونه بدء ميلاد كنيسة الأمم، فإنه لم يكن ممكنًا على اليهود أن يتقبلوا بسهولة ضم الأمم إلى الكنيسة. ولو بدأ الرسل بالعماد ثم حلّ الروح القدس عليهم لحدث شقاق مُر، بين الكنيسة التي من أصل اليهود في ذلك الحين والرسول بطرس، وربما تشككوا في رسوليته،لهذا أعلن الله قبول الأمم أولًا برؤيا للقديس بطرس في وسط النهار (أع 10: 9) حتى لا يتشكك في الأمر، وتكرر الحديث الموجه إليه للتأكيد (أع 10: 16)، وحينما نزل للعمل أراد الله أن يسنده بعملٍ واضحٍ أمام الجميع، قبل أن تمتد يده بالعماد سكب روحه القدوس على السامعين. وهنا فقط تجاسر الرسول بقوله: "أَترى يستطيع أحد أن يمنع الماءَ حتى لا يعتمد هؤلاءِ الذين قبلوا الروح القدس كما نحن أيضًا؟!" (أع 10: 47)، ثم أمر أن يعتمدوا باسم الرب. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
ما معنى: الذين يعتمدون من أجل الأموات؟ 6. ما معنى: الذين يعتمدون من أجل الأموات (1 كو 15: 29)؟ التفسير الغالب بين الآباء الشرقيين هو أن هذه العبارة تعني الذين يعتمدون بالنظر إلى قيامة الأموات [484]. غير أن العلامة ترتليان يرى أن الرسول بولس ربما أشار بهذه العبارة إلى عادة العماد التي يمارسها شخص حيّ لينتفع بها إنسان مات بغير عماد [485]، وقد تبعه كثيرون من بعده في هذا الرأي. _____ الحواشي والمراجع: [484] St. Chrys: In Epis. 1 ad Cor., hom 40:1,2. [485] De Resur. Carn. 48; Adv. Marc. V 10. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
ما هو موقف الأطفال غير المعمدين في يوم الرب؟ 7. ما هو موقف الأطفال غير المعمدين في يوم الرب؟ كلمات ربنا يسوع المسيح واضحة وصريحة: "مَنْ آمن واعتمد وخلص، ومن لم يؤْمن يُدَنْ" (مر 16: 16). ومع هذا فيليق بالكنيسة المجاهدة أن تعرف حدود تفكيرها: إنها تنادي بالخلاص، وتقدم سرّ الحياة، لكنها تترك الدينونة لله نفسه. https://st-takla.org/Pix/People-Chris...ism-Coptic.jpg St-Takla.org Image: A Coptic Bishop baptizing an infant at St. Takla Himanot Church Baptistery, Alexandria, Egypt صورة في موقع الأنبا تكلا: صورة أسقف قبطي يعمد طفل صغير في معمودية كنيسة أنبا تكلاهيمانوت القبطية الأرثوذكسية، الإسكندرية، مصر إنه ليس عملنا أن نتساءل: ما هو موقف الأطفال الذين لم يعتمدوا دون ذنب من جانبهم؟ أو ما هو موقف غير المؤمن الذي لم يسمع عن الخلاص؟ وإنما عملنا هو الكرازة بسرّ الخلاص، لأن إجابة مثل هذه التساؤلات تسبب انشقاقات في الكنيسة وبلا نفع! أما رأي الآباء في هذا فهو: يرى القديس أغسطينوس [486] في عمل مبكر له أن مثل هؤلاء الأطفال يكونون في حالة حرمان من المجد الأبدي والملكوت لكنهم ليسوا في حالة عذاب ومرارة، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى.إنهم في حالة وسطى، لكنه ليس في مكان متوسط بين الملكوت وجهنم كفترة مؤقتة خلاله ينتقلون للملكوت. ويقول القديس غريغوريوس النزينزي: [الأطفال غير المعمدين لا يتمجدون ولا يعذبون من الحاكم العادل الأبدي، لأنهم وإن كانوا لم يستنيروا ولا تقدسوا في المعمودية لكنهم لم يرتكبوا خطيئة شخصية، فهم لا يستحقون كرامة ولا قصاصًا [487].] أما القديس غريغوريوس النيسي فيرى أنهم ينالون حالة من البركة في السماء يمكنهم أن ينعموا [488] بها. ولا ننسى أن هذا القديس أخذ أحيانا برأي معلمه العلامة أوريجينوس هو الخلاص الكامل لكل البشرية والأرواح العاقلة (حتى الشياطين) وإن كان في مواضع أخرى ينادي بغير ذلك. _____ الحواشي والمراجع: [486] De Lib. Arbit 3:66,67. [487] Orat. 40:23. [488] Cat. Oratione 38. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
ما هو موقف الشهداء الذين لم يعتمدوا | معمودية الدم 8. ما هو موقف الشهداء الذين لم يعتمدوا؟ المعمودية في جوهرها هي صبغة آلام مع السيد، أي شركة آلامه ودفنه وتمتع بقوة قيامته. فالشهداء الذين لم ينالوا فرصة العماد في المياه المقدسة تمتعوا بالمعمودية المقدسة باسم الثالوث القدوس خلال شهادتهم لله حتى الدم، مصطبغين بالدم، ومشتركين مع السيد في آلامهم. لهذا تُحسب معموديتهم "معمودية دم". لقد رأى بعض الشهداء في عمادهم في المياه المقدسة أنه تهيئة للدخول في صبغة آلام المسيح الحقيقية خلال الاستشهاد، وكانت طلبتهم الوحيدة من الروح القدس في مياه المعمودية أن ينعموا بآلام الجسد [489]، فمن استشهد بدون العماد إنما نال المعمودية التي اشتهاها الكثيرون حتى أثناء عمادهم في المياه المقدسة. * الموعوظ الذي سُجن وقُدم للاستشهاد ومات قبل نواله المعمودية يُدفن مع الشهداء الآخرين إذ اعتمد في دمه [490]. قوانين القديس هيبوليتس * من لم ينل المعمودية لا يتمتع بالخلاص، اللهم إلا الشهداء الذين يتقبلون الملكوت حتى بدون ماء. لأنه عندما طعن المخلص في جنبه لخلاص العالم بصليبه أفاض دمًا وماءً، لكي يعتمد من هم في حالة سلم في الماء، والذين في وقت الاستشهاد ففي دمهم. وقد اعتاد الرب أن يدعو الاستشهاد عمادًا، قائلًا: "أَتستطيعان أن تشربا الكأس التي اشربها أنا وأن تعتمدا (تصطبغا) بالمعمودية التي أعتمد بها أنا" (مر 10: 38)؟! [491] القديس كيرلس الأورشليمي _____ الحواشي والمراجع: [489] W. H. C. Frend: Martyrdom & Persecution in the Early Church, 1965, P 364. [490] Can. 19:101. [491] Cat. Lect. 3:10 (cf. Origen: Exhort. To Mart. 30). |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
ما هو موقف الذي يفارق الحياة وهو في طريقه للمعمودية؟ 9. ما هو موقف الذي يفارق الحياة وهو في طريقه للمعمودية؟ بعث الإمبراطور فالنتيان الثاني إلى القديس أمبروسيوس لكي يعتمد، لكنه ما أن حضر حتى وجده قد فارق الحياة، وقد قيل أنه مات مقتولًا، فقال القديس لأحد أقربائه: [سمعتُ أنك حزين لأنه لم ينل سرّ العماد. أخبرني ماذا فيك (كإنسان) سوى الرغبة والسؤال؟! ألم ينل هو النعمة التي اشتهاها؟! ألم ينلها لأنه طلبها؟! بالتأكيد إذ سأل نال [492].] يسمى هذا العماد "العماد بالنيّة Baptism of Desire". _____ الحواشي والمراجع: [492] St. Ambrose: De obitu Valentinieni Consalatis, 51.53. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
هل يجوز إعادة المعمودية؟ 10. هل يجوز إعادة المعمودية؟ كما نولد جسديًا مرة واحدة ولا تتكرر الولادة، هكذا نولد روحيًا مرة واحدة، فلا يجوز تكرار المعمودية. إنها ختم روحي أبدي، يدخل إلى أعماق النفس، لا تقدر الخطيئة أن تنزعه، ولا الهرطقة أو الموت أن يحله. لهذا إن أخطأ أحد حتى إلى إنكار الإيمان فعند عودته لا تُعاد معموديته، لكنه بالتوبة يعيد ثوبها النقي الذي أفسد نقاوته الأولى. * مرة واحدة فقط ينبغي أن نذهب إلى مياه المعمودية. مرة واحدة فقط تغسل خطايانا هناك. إنه لا يمكن إعادة السر! [493] العلامة ترتليان * إننا لا ننال المعمودية مرتين أو ثلاثًا... لأنه يوجد "ربُّ واحد وإيمان واحد ومعمودية واحدة" (أف 4: 5). فلا تعاد إلا معمودية الهراطقة، إذ لا تحسب معمودية [494]. القديس كيرلس الأورشليمي * أوصى الرب تلاميذه أن ينقوا بمياه المعمودية خطايا الطبيعة البشرية مرة واحدة. القديس مار افرآم السرياني _____ الحواشي والمراجع: [493] De Oratione. Ench. Patr. 208-314. [494] Protech. 7. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
ما معنى "لأن الذين استُنِيروا مرَّةً وذاقوا الموهبة السماوَّية، وصاروا شركاءَ الروح القدس، وذاقوا كلمة الله الصالحة وقوات الدهر الآتي، وسقطوا لا يمكن تجديدهم أيضًا للتوبة، إذ هم يصلبون لأنفسهم ابن الله ثانيةً ويشهّرونهُ"؟ 11. ما معنى قول الرسول: "لأن الذين استُنِيروا مرَّةً وذاقوا الموهبة السماوَّية، وصاروا شركاءَ الروح القدس، وذاقوا كلمة الله الصالحة وقوات الدهر الآتي، وسقطوا لا يمكن تجديدهم أيضًا للتوبة، إذ هم يصلبون لأنفسهم ابن الله ثانيةً ويشهّرونهُ" (عب 6: 4-6)؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقل (الرسول) أنه غير لائق أو غير ملائم بل غير ممكن... فإن ناقضَ مُناقض، قائلًا: ماذا تقول؟ أتنبذ التوبة وتطرحها؟ أجيبه: كلا، لا نرفض التوبة، بل نرفض إعادة التجديد بالحميم. والدليل على هذا أنه لم يقل: (لأنه غير ممكن أن تتجددوا للتوبة) وصمت، بل أكمل بما يدل على وجه الإقناع إذ يقول: "ويصلبون لأنفسهم ابن الله ثانية"، لأن تجديدهم إنما يرتد إلى الحميم وحده... أما بالنسبة للتوبة فبعدما يكونون قد تجددوا ثم يُستعبَدون للذنوب، فإن التوبة تخلصهم من هذه العبودية وتحررهم وتقويهم،أما أن تصل إلى درجة الحميم فهذا غير ممكن... قال: "يصلبون لأنفسهم ابن الله ثانية ويشهرونه". فالعماد صلب، إذ يقول: "عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلِب معهُ" (رو 6: 6)، وقال: "فدُفِنَّا معهُ بالمعمودية للموت" (رو 6: 4). فالمُعمد ثانية إنما يكرر الصلب. كما مات السيد بالصليب، هكذا نحن بالعماد [495].] _____ الحواشي والمراجع: [495] In Hebr, hom 9. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
ما هي فكرة "اسم العماد"؟ 12. ما هي فكرة "اسم العماد"؟ يُعطى للمُعمد اسم يذكره أنه صار إنسانًا جديدًا في المسيح يسوع. هذه العادة لم تعرف في الكنيسة الأولى، وإن كانت هناك أمثلة لها في القرن الثالث وما بعده [496]. فقد حمل المسيحيون أسماء رجال أو نساء إيمان من العهدين القديم والجديد ومن تاريخ الكنيسة، كما قبلوا أسماء الأعياد المسيحية مثل إبيفانيوس (عيد الغطاس أي إبيفانيا) وباسكاسيوس (الفصح أو بصخة)، وحمل البعض أسماء فضائل مثل أغابي (محبة) وهلبيس (رجاء) الخ. _____ الحواشي والمراجع: [496] St. Cyprian: Epist. 119:13-15. |
رد: كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي
كيف يُعمد الإنسان المريض؟ 13. كيف يُعمد الإنسان المريض؟ إذا وجد إنسانًا مريضًا في خطر ولم يستطع أحد أن يستدعي كاهنًا يجوز للشماس بل ولأحد المؤمنين أن يعمد الإنسان المريض باسم الثالوث القدوس، بتغطيسه ثلاث مرات إن أمكن وإلا فبالرش. فإن شفي المريض لا تعاد معموديته بل يدهن بزيت الميرون، ويُصلى له صلاة اليوم الثامن بعد التعميد.. إذا حضر كاهن لتعميده أو حُمل إلى الكنيسة، فإن كان لا يمكن تغطيسه يجوز عماده بالرش تحت الضرورة، وتسمى معمودية المرضى Clinical Baptism". |
| الساعة الآن 05:51 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026